الجمعة، 2 مارس 2018

الصورة التي هزّت العالم

كتابة : امل شانوحة


الفقر دمّر عائلتي !  

وختم الصحفي مقالته بالقول : ((الطفولة هي أهم مراحل نمو الإنسان , فإن لم نقضيها بين الألعاب والحلويات والإخوة والأصحاب فإننا سنُصاب بعقدٍ نفسيّة تدوم معنا العمر كلّه))
ثم أرسل الصحفي (جاك) مقالته لقسم التحرير في المجلة التي يملُكها , لأنه مازال يكتب من بيته كرئيس تحريرها , رغم انه في هذا العام (2013) بلغ الثمانينات من عمره !

وبعد ان أنهى مقالته عن الحياة القاسية التي يُعانيها بعض اطفال العالم , ومنهم اطفال عائلة شاليفوكس (الموجودون في الصورة أعلاه) .. أزال نظارته ليمسح دمعته بعد تذكّره لتلك العائلة , وقال في نفسه بحزن : 
((يا ترى ماذا حصل لأولئك الأطفال المساكين ؟ لما لم يبحث عنهم أحد ليعرف أخبارهم ؟!)))  

وهنا خطرت على باله أن يقوم هو بالمهمّة , فهو بالنهاية من أخذ لهم صورتهم العائلية الأخيرة عند مروره بالصدفة من ذلك الحيّ الفقير في شيكاغو , عندما كان مراهقاً ويعمل كمصورٍ هاوي .
وبسبب هذه الصورة التي قدّمها لصحيفة (فيديدت ماسنجر أوف فاربريزو) والتي نُشرت في (5 أغسطس من عام 1948) حصل جاك على وظيفة هناك .. وبعد ان اجتهد على نفسه , أصبح صحفياً مبتدئاً .. واليوم صار يملك مجلةً مشهورة في اميركا تهتم بالأخبار الإنسانية والإجتماعية .. وطالما ان جميع احلامه تحقّقت بسبب إلتقاطه لهذه الصورة , فمن واجبه ان يكتب عن مصير تلك العائلة 

وعلى الفور !! إتصل بفرقة الصحافة الإستقصائية في مجلته , وطلب منهم البحث عن أولئك الأطفال الذين أصبحوا اليوم في السبعينيات من عمرهم 

وبفضل وسائل التواصل الإجتماعي , استطاع فريقه الصحفي جمع المعلومات التي أوصلتهم بالنهاية الى الأختين (ريان و سوّ الين) ..لكن صحّة الأخت الصغرى (سوّ الين) لم تكن جيدة , حيث كانت في هذه الفترة تتعالج في المستشفى من مرضٍ أصاب رئتها .. 

وقد أصرّ الصحفي العجوز ان يقوم هو باللقاء الصحفي , معلّلاً ذلك لموظفيه : 
- رجاءً لا تحاولوا منعي .. أعرف ان صحتي لا تسمح لي بالتنقّل من بلدةٍ الى أخرى , لكني مدين بالكثير لهذه العائلة .. وأحتاج ان اراهم واسمع معاناتهم بنفسي
***

 
لقاء الأختين بعد فراقٍ طويل

وبالفعل ذهب جاك الى المستشفى ترافقه السيدة ريان التي مرّ على بيتها اولاً.. 
وكان اللقاء بين الأختين حزيناً ومؤثراً للغاية , فكلاهما عانتا من حياةٍ صعبة .. ورغم ان الأخت الصغرى (سوّ الين) لم تعشّ مع عائلتها الحقيقية سوى ثلاث سنوات , الاّ انها إحتضنت اختها بشوقٍ كبير ! 

وعبّرت الأخت (ريان) للصحافة عن حزنها لرؤية اختها الصغرى بعد كل هذه السنوات طريحة الفراش , حتى انه لا يمكنها سماع صوتها بسبب انبوب الأوكسجين المزروع في رقبتها ل(سوّ الين) 

وبعد ان هدأ الوضع قليلاً ومسحت الأختان دموعهما .. أعطى الصحفي جاك الصورة القديمة (أعلاه) للسيدة ريان ..
فشردت ريان بذكرياتها وهي تتمعّن في الصورة جيداً , وكان الحزن بادياً على وجهها .. ثم قالت بألم : 

- كنت آنذاك في الخامسة من العمر , وأختي الكبرى (لانا) في السادسة , اما اخي (ميلتون) ففي الرابعة .. (ثم اشارت لأختها سوّ الين التي سلّمتها الصورة لتراها وهي على فراشها الطبّي) وأختي سوّ كانت في الثالثة او في عمر السنتين والنصف , لا اذكر بالضبط .. اما اخي (ديفيد) فكانت امي حاملاً به في هذه الصورة
الصحفي جاك : وهل قابلتم اخاكم الأصغر ديفيد ؟
ريان بحزن : نعم , انا وميلتون فقط ..اما سوّ ولانا , فلم يرياه حتى اليوم ! 

فأومأت سوّ الين برأسها موافقة على كلام اختها بحزن (فهي لا تستطيع الكلام بسبب مرضها)..

فقال جاك بتردّد وشفقة : انا آسف لقول هذا .. لكن الفريق الإعدادي لصحيفتي وصلوا البارحة الى عائلة لانا .. وانا حزين لإخباركما .. بأنها توفيت في سنة 1998 بمرض السرطان
فطأطأت الأختان رأسهما بحزن , وهما يحاولان كتم دموعهما

جاك : انا حقاً آسف .. وأعرف انكما لا تريدان تذكّر ماضيكم الأليم .. لكن من واجبي ان أنقل معاناتكم للناس .. فهل يمكنك سيدة ريان ان تخبرينا عمّا تذكرينه عن ذلك اليوم ؟
فتنهّدت ريان بحزن , ثم قالت : 
- مازلت أذكر الليلة التي سبقت يوم الصورة .. كنت فيها انا واخوتي نستمع الى شجار امي مع ابي في غرفتهما , وأذكر انني سمعت عبارة أخافتني جداً ومنعتني من النوم تلك الليلة ! حين قالت امي لأبي : من واجبك ان تجد وظيفة اخرى , لا ان تجبرني على بيع اطفالي .. فردّ ابي عليها صارخاً : لا يوجد عمل في البلد , والوضع سيءٌ للغاية والبطالة في ازدياد , ولا استطيع دفع أجرة منزلنا !! وبرأيّ ان نبيعهم أفضل من ان نراهم يموتون جوعاً امام أعيننا 
جاك : يا الهي ! فعلاً هذا الكلام يُخيف ايّ شخص , فكيف اذا سمعه اطفالٌ صغار في مثل عمركم ؟!  

ريان بحزن : والوضع صار اسوأ في اليوم التالي .. حين قامت امي منذ الصباح بتحميمنا جميعاً , ثم ألبستنا ثيابنا الجديدة .. طبعاً سترى اننا في الصورة نلبس ثياباً بالية , لكنها كانت أفضل ما عندنا
جاك : وماذا كان يفعل والدكم بهذه اللحظات ؟
- كان يكتب اللافتة التي تراها بالصورة ((4 اطفال للبيع , للإستفسار بالداخل)) .. وأذكر ان امي طلبت منا الجلوس بهدوء على الدرج امام مدخل البيت دون حراك , وفي هذه الأثناء كان ابي انتهى من تعليق اللافتة 
- الم يقل لكم شيئاً ؟ 
- نعم قال لنا دون ان ينظر الى وجوهنا : أتمنى ان تكون حياتكم الجديدة أفضل من حياتكم معنا ..ثم أسرع بالدخول الى المنزل , وكانت هذه آخر مرة آراه في حياتي

- وهل باعتكم امكم جميعاً في نفس اليوم الذي صوّرتكم فيه ؟ 
- لا .. فقط انا وأخي ميلتون تمّ بيعنا عصر ذلك اليوم ..اما بقيّة إخوتي فأظنهم بيعوا خلال سنتين
- حتى اخوك الذي لم يولد ؟!
- نعم , ديفيد بيع قبل ان يتمّ عامه الثاني , لكن نشكر الربّ ان حظّه كان أفضل منّا جميعاً
الصحفي : لقد أخبروني الصحفيون الذي يعملون لديّ قبل قليل بأنهم توصلوا الى عنوانه في الولاية المجاورة , وانا أنوي زيارته قريباً لإجراء مقابلة معه .. امّا اخوك ميلتون فمازال البحث جارياً عنه  

ريان بحزن : لقد بقيت مع ميلتون في المزرعة حتى سن المراهقة .. لكننا إفترقنا بعدها , ولم أره الى اليوم ! 
- سأسالك عنه فيما بعد .. لكن إخبريني الآن عن ما حصل لك بعد ان تمّ بيعك ؟
فتنهدت ريان بحزن , وهي تتذكّر ذلك اليوم الكئيب الذي حاولت لسنواتٍ طويلة نسيانه : 
- أذكر انني لم افهم لما كان علينا الجلوس لوقتٍ طويل على الدرج دون حراك ! ولما منعتنا امي من العودة الى المنزل , او اللعب في الشارع كما نفعل عادةً ؟! 

الصحفي الم تستطع اختك الكبرى قراءة اللافتة لتفهم الموضوع ؟
- كما تعلم سيد جاك .. فبعد الحرب العالمية الثانية كان الوضع الإقتصادي في اميركا سيئاً للغاية , خاصة على الفقراء أمثالنا , لهذا لم يُدخلنا أهلنا المدارس .. حتى إنني لم أتعلّم القراءة والكتابة الا بعد سن الأربعين 
الصحفي : أعتذر عن ذلك .. ارجوك إكملي القصة
ريان : كنت أرى الناس تنظر الينا بحزنٍ وشفقة بعد قراءتهم لتلك اللافتة ..وعندما التقطت لنا هذه الصورة , ظنّنا بأن امي أجلستنا هناك طوال النهار من أجل صورةٍ عائلية .. لكن الأمر تغير بعد قدوم ذلك المزارع اللعين وزوجته الشمطاء !!
- هل هي العائلة التي اشترتكما انتِ وميلتون ؟
وبحزن وقهر أجابت : نعم للأسف .. 
- إكملي رجاءً , ولن أقاطعك هذه المرة 

- حسناً .. كان اسم المزارع (جون زويت مان) وزوجته اسمها (روث) وقد رأونا ظهر ذلك اليوم بالصدفة وهما في طريقهما الى مزرعتهما .. فدخلا المنزل وتكلّما مع والدايّ .. وبعد خروجهما , اقتربت (روث) مني ومن اخي وطلبت منّا ركوب شاحنة زوجها القديمة التي كانت تنبعث من صندوقها الخلفي رائحة المواشي .. في البداية ظننت اننا ذاهبون جميعاً في نزهة .. لكن ما ان تحرّكت السيارة حتى صرخنا لأختينا اللتين تركناهما خلفنا , وهما ايضاً لوّحا لنا وهما يبكيان بخوف .. وكنت أنادي امي وابي كيّ يلحقا بنا , ولا يتركانا مع هاذين الغريبين .. لكن السيارة إبتعدت كثيراً عن منزلنا .. وقد حاول اخي القفز من السيارة لكني منعته , لأنها كانت تسير بسرعة , وبالكاد كنّا نُمسك بحوافها كيّ لا نسقط في الشارع , فالغبيان لم يكن يهمّهما ان تأذّينا ام لا , فهما بالنهاية إشتريا عبدين بسعرٍ بخس !

ثم مسحت ريان دمعتها , وأكملت قائلة : 
- ووصلنا قبيل العصر الى مزرعتهما .. وعلى الفور ادخلانا انا واخي الى الحظيرة ذات الرائحة الكريهة , ثم وضعا السلاسل الحديدية حول قدمينا الصغار ..وقالا لنا : بأننا سننام فوق القشّ , وسنبدأ العمل منذ صباح الغد .. وأذكر ان زوجته أحضرت لنا حساء الملفوف , وكان طعمه مقرفٌ جداً , لكننا شربناه من شدّة الجوع فنحن لم نأكل شيئاً منذ الصباح !

- وكيف كانت ليلتكم الأولى بعيداً عن عائلتكم ؟
ريان بحزن : كانت ليلة أشبه بالجحيم ..حيث كنّا نحتضن بعضنا طوال الليل ونبكي بقهر لإشتياقنا الى اخواتنا .. وايضاً لخوفنا من ان تسحقنا أرجل الحيوانات الضخمة الموجودة في الحظيرة ونحن نيام .. كما كنّا نشعر بالفئران تمرّ من امام اقدامنا .. هذا عدا عن البعوض والذباب التي تحوم حولنا .... لكن كل هذا لم يكن شيئاً امام ما حصل في اليوم التالي , حين أيقظنا جون بعنف وهو يصرخ علينا :
((هيا ايها العبدان الكسالى , قوما واطعما الدجاج !!))

فاستيقظت فزعة , لكن اخي كان غارقاً في النوم فهو مازال في الرابعة من عمره ! وحين لم يستيقظ معه , أتت زوجته ورمت عليه دلو ماءٍ بارد مما جعله يبكي بقهر .. لكن صوت السوط الذي فرقعه الرجل في الهواء جعل ميلتون المسكين يكتم بكائه بصعوبة  
وحينها قال جون لنا بغضب :
((لا وقت عندي لدلع الأطفال , فهناك عملٌ كثير في المزرعة .. فهيا اسرعا بإطعام الدجاج !!))

وأذكر انه أعطانا حبوباً لنرميها في قنّ الدجاج وكنّا جائعين للغاية , حتى ان اخي إضّطر لأكل بعضاً من حبوب الذرة القاسية .. ولم يتذكّر السيدان فطورنا لحين وقت الغداء .. يعني بعد انتهائنا من جمع البيض وإزالة روث البقرتين , وكانت الرائحة سيئة لدرجة اننا كنّا على وشك الإغماء .. وبعد كل هذا التعب أطعمتنا السيدة بعض الخبز المحروق , وأذكر حينما رفضت أكله .. صرخت عليّ قائلة : ((أتعترضين بدلاً من شكرنا , فلوّ بقيت مع امك لمتّي جوعاً)) وحينها انفجرت بالبكاء وقلت لها : اذاً أعيدينا الى امي , فنحن لا نريد البقاء معكما !! 

وهنا تلقّيت أقوى صدمة في حياتي ! حين شدّني زوجها من ثيابي قائلاً بقسوة : ((امك باعتكم جميعاً !! وقد دفعت بكما دولارين كاملين))
فصرخت والدموع على خدي : انت كاذب !! فعائلتي بانتظارنا...
لكنه صفعني بقسوة وقال : ((لم يعدّ لديك عائلة بعد اليوم))
واظن ان اخي لم يفهم ما قاله جون , لكني فهمت منه : ان إخواتي سيباعان ايضاً .. وأذكر انني خفت كثيراً على (سوّ الين) لأنها كانت صغيرة جداً , ولن تقوى على تحمّل قساوة الحياة ! 

وهنا أمسكت سوّ بيد اختها ريان التي قامت واحتضنتها , ليبكيا معاً .. فسوّ حتى هذه اللحظة لم تكن تعرف ما مرّ به اخوتها بعد بيعهم 

وهنا قال الصحفي : أعرف ان مأساتكما لم تنتهي هنا , لكني سأترككما سويّاً الآن .. وأعود بعد فترة لإكمل هذا اللقاء 
ثم ودّعهما (جاك العجوز) وذهب الى منزله , ليكتب الجزء الأول عن لقائه بأفراد هذه العائلة , تعساء الحظّ ! 
***

بعد اسابيع .. استطاع الفريق الصحافي المميز من إيصال رئيس مجلتهم (جاك) الى الأخ الأكبر ميلتون الذي إلتقاه في إحدى الحانات التي إعتاد ارتيادها , فهو عُرف بين مجتمعه بإسم : السكّير الخَرِف !
ورغم ان الكاس لم يفارق يد ميلتون العجوز طوال المقابلة الصحفية الا انه أجاب على اسئلة جاك بتركيزٍ شديد , لأنه على حسب قوله : حتى الخمور لا تنسيه ما عاناه في طفولته !
الصحفي : نعم لقد أخبرتنا اختك ريان عن ما عانيتماه في المزرعة 

ميلتون بنبرة حزينة : بصراحة لا الوم السيدين على قسوتهما معنا .. فطالما ان والدينا باعانا كعبيدٍ لهما , فكيف نتوقع الرحمة منهما !
- ومالذي تتذكّره عن حياتك بالمزرعة ؟
- أذكر انني كنت أُبعد الجرذان عن قدم اختي النائمة بسكين الذرة , لكننا تعودنا عليهم بعد شهور من حياتنا داخل الحظيرة ..(ثم شرِبَ بعض الخمر)..وأذكر انني مرّة سألت السيد ..أقصد اللعين جون .. لما تعاملنا بهذه القسوة ؟ ... أتدري بماذا أجابني ؟
الصحفي باهتمام : ماذا ؟

ميلتون بابتسامةٍ حزينة : أجابني ((لأنك ان بقيت خائفاً , فستنفّذ ما آمرك به)) وهذا ما حصل بالضبط .. (ثم سكت قليلاً) .. وبعد سنوات , تعودنا انا وريان على روتين حياتنا القاسي .. حتى جاء اليوم الذي أبعد فيه الحقيران اختي عني .. وبقيت لوحدي بالمزرعة , الى ان أصبحت شاباً
- ولما فرقاكما عن بعضكما ؟!

وهنا أنهى ميلتون كأس الخمر بعصبية , وطلب من النادل كأساً ثانياً ..ثم قال بغضب وهو يتذكّر الماضي بقهر : 
- ذات يوم .. أرسلاني للعمل في مزرعةٍ بعيدة ..وعندما عدّت بعد ايام لم أجد اختي ! فأخبراني بأنهما ارسلا اختي لتعيش في مزرعةٍ أخرى , وأكّدا لي بأن أصحابها طيبون .. فحمدّت ربي لأنها إرتاحت اخيراً من قساوة السيد وزوجته .. لكني لم اعرف ما حصل لها الا بعد سنواتٍ من تلك الحادثة 
- ومالذي حصل لها ؟!
- الم تقل لي : بأنك قابلت اخواتي ريان وسوّ قبل اسابيع ؟!
- نعم لكني لم اسأل ريان بعد عن مراهقتها ؟ فاخبرني انت 

ميلتون بقهر : كانت اختي ريان في سن المراهقة , ويبدو انني كنت غائباً وقتها عن المزرعة لنقل المحصولات الى المدينة .. وعندما عدت بعد ايام , وجدت حالة ريان النفسية ازدادت سوءاً بشكلٍ ملحوظ ! حيث كانت تبكي طوال الوقت , وترفض الخروج من المزرعة , وترتعش ليلاً وكأنها تعاني من الكوابيس ! وقد سألتها مراراً ان كان السيد أذاها في غيابي لكنها لم تنطق بحرفٍ واحد .. وبعد شهر او أثنين قاما بإبعاد اختي عني , كما أخبرتك سابقاً .. وبعد سنوات عرفت من الشرطي الذي كان مسؤولاً عن أمن منطقتنا : بأن اختي تعرّضت للخطف والإعتداء عليها من قبل مجهولين , وبأنه هو من أخبر السيدة روث عن مركز الأمهات الغير متزوجات التي قامت بإرسالها اليه لاحقاً لتنجب طفلها 

الصحفي بدهشة : وهل حملت ايضاً ؟!
ميلتون : نعم , هذا ما أخبرني به الشرطي .. 
- وكيف كانت ردّة فعلك ؟
- لم أصدّقه طبعاً , ودفعته بقوّة الى جذع الشجرة .. وقبل ان أضربه , إعتقلتني الشرطة .. وفي المحاكمة لم يراعي القاضي ان غضبي كانت ردّة فعل متوقعة لهذا الخبر الصادم , وإعتبرني شابٌ خطير على المجتمع , وخيّرني بين أمرين : اما قضاء محكوميتي في الإصلاحية او مستشفى الأمراض العقلية 
- واخترت الإصلاحية , اليس كذلك ؟

- لا طبعاً , لأنني سمعت قصصاً مرعبة تحدث هناك .. لهذا اخترت مستشفى المجانين .. وهناك شخّصوا نوبات غضبي بأنها اعراض الفصام او شيزوفرينيا .. لكنهم سمحوا لي بالخروج من المستشفى في عام 1967, على ما اذكر !
- وهل عالجوك بالفعل , ام عذّبوك هناك ؟
فأجاب ميلتون بسخرية وهو يرفع الكاس : بل عالجوني جيداً , الا ترى 

الصحفي : انا آسف لكل ما جرى بحياتك سيد ميلتون ..لكن عليّ ان اسألك هذا السؤال 
ميلتون : تفضل
- هل رأيت امك من جديد ؟
- نعم ..رأيتها بعد ثلاث سنوات من خروجي من المستشفى 
- وكيف كان اللقاء بينكما ؟
- بارداً وخالي من المشاعر ... لكني مع هذا , أصرّيت على العيش معها في بيتها الجديد
- ماذا تقصد ببيتها الجديد ؟ هل تحسّنت الأحوال الإقتصادية لوالدك ؟
- لا .. فأبي الكسول لم يجد عملاً آخر بعد ان طُرد كسائق شاحنة , لهذا طلّقته امي وتزوجت من رجلٍ جديد 
الصحفي باستغراب : أحقاً ! لم اكن أعرف هذه المعلومة .. وماذا حصل لوالدك ؟
- سألت امي عنه , وقالت انه يسكر في البارات .. (وبابتسامةٍ ساخرة) .. يبدو انني أشبه كثيراً ! 

- وكم عشت مع امك بعد ان أصبحت شاباً ؟
- شهرٌ واحدٌ فقط
- أحقاً ! ولما لم تبقى معها ؟
- لأنها طردتني 
- ثانيةً ؟!
ميلتون بابتسامةٍ حزينة : طبعاً , فهي أمٌ مثالية .. لكن سبب طردها لي من حياتها هذه المرّة كان بسبب شجاري مع زوجها , فهي أخبرته بأنني ابن شقيقها ..وعندما أخبرته بالحقيقية وبأن زوجته الرائعة قامت ببيعي انا واخوتي , لم يصدّقني .. فتشابكنا بالأيدي 
- فطردتك من منزلها ؟
- نعم , بعد ان اتصلت بالشرطة التي قامت باعتقالي 
الصحفي بدهشة : ماذا !

- هي فعلت ذلك لتنقذ زواجها , فقد كانت عروساً جديدة !
- الم يعاتبها العريس على ما فعلته بكم ؟
فأجاب بسخرية : بالتأكيد !! ولهذا أنجب منها أربعة بنات 
الصحفي : يبدو انها أنكرت كل ما قلته لزوجها ؟!
ميلتون : يعني .. يكفي ان تخبره انني خرجت حديثاً من مستشفى المجانين , ليصدّق أكاذيبها 
الصحفي بضيق : وانا طوال حياتي كنت أعذرها وأقول في نفسي : ربما إضّطرت لبيع اولادها بسبب فقرها , لكنها تبدو ..
فأكمل ميلتون قائلاً بقهر : امرأة انانية وحسب

فهزّ الصحفي رأسه موافقاً وهو يشعر بالإشفاق عليه , ثم سأله سؤال أخير: 
- الا تريد رؤية اخوتك سيد ميلتون , فسوّ الين تحتضر في المستشفى؟ 
فقال بحزن : يالها من محظوظة .. كم أتمنى ان أكون مكانها لإرتاح من هذه الذكريات اللعينة التي تلاحقني أينما ذهبت ! فهي على الأقل ستجتمع مع اختي الكبيرة لانا رحمها الله .. ومن يدري .. ربما يوماً نجتمع كلنا في السماء لنصبح عائلة من جديد ! 

ثم وقف ميلتون وغادر الحانة دون ان يقول شيئاً آخر !
*** 

بعد شهرين ..استطاع الفريق الصحفي إيصال جاك للأخ الأصغر ديفيد الذي كان يسكن في فندقٍ صغير موجود على الحدود بين الولايتين 
وبعد ان أخبره الصحفي العجوز بكل ما توصّل اليه .. جلس ديفيد يتمعّن في صورة عائلته القديمة (الموجودة أعلاه) وهو شريد الذهن ..الى ان قطع تفكيره جاك وهو يقول له :
- كنت حينها في بطن امك في هذه الصورة 
فهزّ ديفيد رأسه موافقاً بحزن..

جاك : كما أخبروني انه تمّ تبنّيك من عائلةٍ غنية .. 
ديفيد : عائلة (ميك دانيل) لم تكن غنية جداً , لكن حياتهم كانت أفضل بكثير من حياة عائلتي ..وقد تبنّوني قانونياً قبل ان أتمّ السنتين من عمري , لأن والدايّ بالتبني هاري وزوجته لويلا , كانا لا ينجبان الأطفال
- وماذا أخبراك عن عائلتك الحقيقية ؟

ديفيد بحزن : قالا عندما أخذاني من امي لوسيل كان جسمي مليئاً بعضّ بقّ الفراش , وكنت هزيلاً للغاية وحالتي يُرثى لها .. (ثم سكت قليلاً).. هما ربّياني جيداً , وأدخلاني المدارس ..كما اشتريا منزلاً قرب المزرعة التي يعمل بها اخوايّ ميلتون وريان ..وكنت دائماً أركب حصاني او دراجتي لأراهما .. لكني كنت أتمنى لوّ إن بيتنا لم يكن قريباً من تلك المزرعة 
- لماذا ؟

فقال ديفيد بنبرة حزينة : لأنني شعرت بالعجز لعدم قدرتي على مساعدتهما .. (ثم تنهد بحزن) ضع نفسك مكاني .. كيف يمكنك ان تسعد بشهاداتك او ألعابك , واخوتك يعاملون كالعبيد في المزرعة المجاورة لبيتك .. وكيف سأهنىء وانا اراهما يُربطان بالحظيرة بالسلاسل كالكلاب !  
- الم يكن باستطاعة اهلك بالتبني إخراجهما من هناك ؟
فأجاب ديفيد بعصبية : طلبت منهم ذلك آلاف المرات !! لكنهما دائماً يخبراني بأن صاحب المزرعة يرفض تحريرهما , لأنه اشتراهما بماله كعبدين له مدى الحياة ! اللعنة عليه وعلى زوجته الحقيرة !!

- وماذا حصل لك بعدها ؟
- في عمر 16 سنة تمرّدت وتركت المنزل والتحقت بالجيش الأمريكي , وبقيت هناك لعشرين سنة .. وتركت الجيش في سن 36 عاماً .. والآن أعمل في شركة للشحن بواشنطن , لكنهم احياناً يرسلوني لنقل البضائع بين الولايات .. يعني تماماً كعمل والدي الحقيقي (رايّ) .. اليس هذا غريباً ! 
الصحفي : وهل التقيت بأمك الحقيقية ؟
- نعم , كنت حينها يافعاً عندما أخذني والدايّ بالتبني اليها
- وماذا قالت لك ؟

فتنهّد ديفيد بحزن ثم قال : في اللحظة الأولى التي رأتني فيها امي قالت لي : أنني أشبه والدي كثيراً .. ولكنها لم تقدّم أيّة اعتذار ! ... لقد سئمت من كل اطفالها وباعتهم , وتزوجت رجلٍ آخر وأنجبت اربعة بناتٍ أخريات ..إحتفظت بهنّ , لكنها لم تحتفظ بنا !

ثم تابع الصحفي بقية الأسئلة معه عن امه الحقيقية واخوته  .. 
وبنهاية اللقاء .. وعده ديفيد بزيارة إخوته متى سنحت له الفرصة .

ثم عاد جاك الى مدينته , لكيّ يلتقي مجدداً ب(ريان وسوّ الين)  
***

وقد أجرى الصحفي لقاءً آخر بين الأختين , بالوقت الذي كانت فيه ريان تزور اختها المريضة سوّ الين بالمستشفى .. 
الصحفي وبعد ان أخبرهما بنتيجة لقائه بميلتون وديفيد .. عاد وسأل ريان بتردّد : 
- هل صحيح ما قاله ميلتون عنك ؟
ريان وهي تمسح دمعتها : نعم صحيح ..لكني أخفيت الأمر عنه , لأنني أعرف سرعة غضبه
الصحفي : إخبرينا بالضبط ما حصل لك في سن المراهقة ؟

ريان بحزن : كنت في 17 من عمري ..وكان هناك شابٌ لعين في القرية يلاحقني في كل مكان , وقد أخبرت السيدة روث عنه لكنها لم تهتم .. وفي إحدى الليالي .. طلبت مني ايصال الحليب الى اختها المريضة التي تسكن خلف الغابة , فأخبرتها عن قلقي من الخروج بهذا الوقت المتأخر من الليل 
الصحفي مقاطعاً : وحينها كان اخوك غائباً , اليس كذلك ؟
- نعم .. اصلاً لو كان متواجداً تلك الليلة , لذهب هو مكاني
- آسف على المقاطعة .. إكملي رجاءً

فتنهّدت ريان بحزن ثم قالت : وحينما رآني الشاب أمرّ بالغابة وحدي بعد ان أنهيت مهمّتي , هجم عليّ هو وأصحابه السكارى وحصل ما كنت خائفةً منه ! 
- آسف لسماع ذلك .. لكن ماذا حصل بعد عودتك الى المزرعة ؟
- إستقبلتني روث .. وأظنها عرفت ما حصل لي من ملابسي الممزقة ..لكنها لم تفعل شيئاً .. فقط رمت عليّ المنشفة قائلة : كفيّ عن البكاء المزعج .. واذهبي للإستحمام .. وايّاكِ ان تخبري أحداً بما حصل لك .. وفي اليوم التالي وبدلاً ان تأخذني الى العيادة , جعلتني أقوم بالروتين اليومي في الحظيرة , رغم شعوري بألمٍ شديد 

الصحفي بدهشة : يا الهي ! .. وروث هذه , ألم تخبر زوجها بالأمر ؟
- أخبرته بعد شهرين , حين علِمت بحملي .. ثم طلبا مني لمّلمة أغراضي لإرسالي الى مكانٍ تجتمع فيه الفتيات الساقطات على حسب قول روث , رغم معرفتها بأنني مجرّد ضحيّة 

وهنا توقفت ريان عن الكلام بعد ان لاحظت دموع سوّ الين , فقامت باحتضانها وهي تقول :
- لا ارجوك سوّ لا تبكي , انا بخير .. 
ثم قالت ريان للصحفي : ارجوك سيد جاك , دعنا نُكمل اللقاء في مكان آخر , فصحّة اختي لا تسمح ..
فقاطعتها سوّ وهي تلوّح بيدها.. 
ريان : ماذا تريدين يا سوّ ؟!

فأشارت سوّ للصحفي بأنها تريد ورقة .. فأعطاها دفتره وقلمه ..فكتبت لأختها ريان : إكملي قصتك رجاءً , اريد ان أعرف ما حصل معك ومع ابنك 
وبعد ان قرأت ريان ذلك , قالت لأختها : حسناً سأكمل عزيزتي 

وسكتت قليلاً , ثم أكملت ريان قائلة لصحفي : ومن بعدها أرسلاني الى مركز الأمهات الغير متزوجات , دون ان يسمحا لي بتوديع اخي ميلتون !
الصحفي : وماذا حصل لك في المركز ؟
- عاملوني كما الأخريات , كنساءٍ فاسدات .. حيث كانت العاملات هناك تشتمنا بأقذر الصفات .. لكن هذا لا شيء امام ما حصل معي يوم الولادة 
- هل أخذوه منك فور ولادتك له ؟

وهنا انهارت ريان بالبكاء , فأمسك سوّ يدها والدموع تسيل على وجنتها .. وحاول الصحفي تهدأة الموقف قائلاً :
- سأحاول البحث لك عن ابنك سيدة ريان 
فمسحت ريان دموعها قائلةً : قمت قديماً بتوكيل مخبرٍ لإيجاد طفلي , لكنه أخبرني بأن المركز احترق ارشيفه قبل سنوات .. واحدى العاملات هناك اخبرته : بأن جميع الأطفال يتمّ بالعادة تبّنيهم فور ولادتهم , ومعظم تلك العائلات ترفض تسجيل اسمائها او عناوينها , كيّ لا تبحث الأم الحقيقة عن ابنها من جديد !

الصحفي : آسف لسماع ذلك .. لكنك تزوجت بعدها وانجبت الأطفال , اليس كذلك ؟ 
ريان بحزن : نعم , لكنه يبقى ابني البكر , ورغم انه اليوم بلغ الخمسينات من عمره , الا انه سيبقى في نظري طفلي الصغير الضائع .. (ثم تنهّدت قليلاً) ..وأكثر ما يحزنني انني تخلّيت عنه , تماماً كأمي التي كنت ألومها طوال حياتي 

وهنا كتبت سوّ بالورقة التي سلّمتها لأختها : ((انت لست كأمي ..امي تخلّت عنّا بإرادتها , لكنهم أخذوا طفلك منك بالقوّة .. وأعتقد انه عاش حياةً أفضل من حياته ضمن عائلتنا المفكّكة))
فقالت ريان لأختها : ربما معك حق يا سوّ 

وهنا سأل الصحفي سوّ الين : وماذا عنك يا سوّ ؟ إكتبي لنا .. من هي العائلة التي تبنّتك ؟
فكتبت سوّ : تبنّتني عائلة جونسون .. وهي عائلة لا بأس بها ..وكنت أعامل فيها جيداً , الى ان أنجبا أبنهما الوحيد الذي فضّلاه عليّ .. حيث كانا دائماً يقفان في صفّه , ولوّ كان هو المخطِئ في حقي ! وفي يوم عندما كنت بسن المراهقة غضبت من والدي لتميزه بيننا , وحينها فقط أخبرني بأنني ابنته المتبنّاة .. وكانت هذه صدمة كبيرة في حياتي , لكنها لا تعادل صدمتي بعد معرفتي بقصة اخوتي وما فعلته أمنا بنا ! فبالرغم من كل ما حصل , كنت أفضل لوّ عشنا بالفقر المدقع كعائلةٍ واحدة , على ان نعيش بهناء متفرقين عن بعضنا البعض ! 

فسألها الصحفي : كلامك صحيح .. والآن إخبريني .. ماهو رأيك بأختك ريان ؟
فكتبت سوّ , والإبتسامة تعلو وجهها : ريان رائعة , انا أحبها
***

وانتهى اللقاء الصحفي .. وعاد جاك الى بيته , ليُنهي مقالته عن هذه العائلة قائلاً : 
((وختاماً اسألكم ايها القرّاء : ما هو رأيكم بتصرّف السيدة لوسيل -والدة الأطفال الخمسة- هل تتفقون مع ما قاله ابنها الصغير ديفيد حين سألته عن امه , فأجاب : 
- نحن جميعنا بشر ..نحن جميعنا نُخطىء .. ربما كان كل تفكيرها محصوراً في إنقاذ اطفالها من الموت جوعاً ! 
امّ تتفقون أكثر مع (سوّ الين) حين قالت عن امها : 
- هذه المرأة يجب ان تحترق في الجحيم !! 

في جميع الأحوال .. ستبقى تلك الصورة شاهداً على قساوة الحياة وانعدام الإنسانية في زمنٍ لا يرحم .. 
وفي الختام أقول : رحم الله سوّ الين التي ماتت بعد ايامٍ قليلة من هذه المقابلة .. لكني سعيد بأنني استطعت تجميع العائلة من جديد .. بعد ان وضعني القدر امام منزلهم في ذلك اليوم , لألتقط الصورة العائلية الوحيدة لهم .. الصورة التي هزّت العالم ..

والآن بعد ان أنهيت مهمّتي , أستطيع التقاعد بسلام .. 
وآخر ما أقوله لكم : حافظوا على الروابط العائلية مهما كانت الظروف .. أبعد الله ألم الفراق عن الجميع .. ودمّتم جميعاً بخير))  
******* 

ملاحظة :
جميع المعلومات المذكورة في القصة صحيحة .. 
شاهدوا الفيدو التالي عن معاناة تلك العائلة .. 
الرابط :
https://www.youtube.com/watch?v=OArtFaViv1I

الأحد، 25 فبراير 2018

البطل الصغير

كتابة : امل شانوحة


لن أبكي يا أخي العزيز !

كان يوم 9 أغسطس من عام 1945م هو أسوء يومٍ مرّ في حياتي , وحياة الكثيرين من ابناء مدينة ناجازاكي اليابانية .. ففي ذلك الصباح وبينما كنت الاعب اخي الصغير في ساحة منزلنا , مرّت من فوقنا طائرةٌ حربية .. فقلت لأخي بحماس : 
- انظر الى فوق , انها طائرة !! 

لكن صوت امي الخائف وهي تناديني لحمل اخي والإختباء فوراً داخل المنزل أفهمني بأنها طائرة العدو أتت لقصف مدينتنا بصاروخٍ واحد , لكنه أقوى من آلاف القنابل .. وكنت حينها في العاشرة من عمري واخي لم يبلغ السنتين بعد , لهذا لم اكن اعلم بخطورة القنبلة النووية , مع انهم القوا بمثلها على مدينة هيروشيما قبل ثلاثة ايام .. ورغم الدمار الذي حصل هناك الاّ ان هذا لم يُثني اميركا على رمي القنبلة الثانية على مدينتا , والذي عانى من آثارها الشعب الياباني بأكمله ولسنواتٍ طويلة ! 
***

مازلت أذكر ما حصل ذلك اليوم وكأنه البارحة .. حيث عمّ الظلام لثوانيٍ قليلة قبل ان نرى وهج الإنفجار الذي تبعه صوت دويٍّ صمّ الآذان , بل وفجّرها حرفياً ! 
اما الشعاع الذي نتج من القنبلة فكان أقوى من نور الشمس في ذلك الصيف ! نورٌ كان كافياً لإذابة أعين الناس القريبون من نقطة الإنفجار , حتى انه قيل بأن العُميان أحسّوا بهذا الوميض على بعد اميالٍ من الحدث !

وفي تلك اللحظة .. مرّ كل شيءٍ امام عينيّ كفيلمٍ مرعب بالحركة البطيئة , حيث رأيت جلود الناس من حولي ممزّقة ومحترقة لدرجة بانت معها عظامهم ! كما تفسّخت شعورهم عن فرّوة رأسهم , بعد فقدهم لأعينهم وألسنتهم وسقوط معظم أسنانهم .. فلا يمكن إعتبارهم أحياءً ولا أمواتاً لأن أعضائهم الحيوية (من قلب ورئة وامعاء) كانت ظاهرة للعيان !

وظلّوا يمشون في الشوارع لساعات , وهم يأنّون من شدّة الألم ..ومنظرهم أشبه بشخصيات الزومبيز التي استخدمت لاحقاً بأفلام الهوليوود الأمريكية اللعينة !! 
***

اما انا .. فلم يحصل لي سوى ذوبان حذائي البلاستيكي مع بعض الخدوش التي أصبت بها بسبب شظايا الزجاج التي تناثرت من قوّة الرياح التي أحدثها الإنفجار الضخم

اما امي التي كانت حاملاً بشهرها الأخير , فقد إنهارت امام منزلنا دون حراك .. فتقدّمت نحوها ببطء مُتمنياً ان تكون بخير , لكن ما ان رأيت بحيرة الدم التي إنفجرت من بطنها حتى أيقنت بموتها , فقد خرج الطفل من أحشائها مُقطّعاً الى اشلاءٍ صغيرة !
وحينها تجمّدت في مكاني وانا لا أعيّ مالذي يحصل من حولي , فهل هذه علامات قيام الساعة ؟!  

وهنا سمعت صوت ابي (الذي كان نائماً قبل الإنفجار) يناديني من داخل المنزل .. فأسرعت اليه , لأجده عالقاً تحت الركام بعد تهدّم جزء كبير من بيتنا.. فقمت بإزالة الأحجار عن جسمه , الى ان استطاع الخروج من هناك مُستنداً عليّ .. وعندما رأى امي بهذا المنظر , حاول بصعوبة إمساك مشاعره وكتم دموعه .. ثم انتبهت على يده تشير الى الشارع , وهو يقول لي :
- يا الهي ! وأخوك ايضاً ؟!

لم أفهم ما يقصده الى ان نظرت الى حيث أشار , ويبدو ان قوّة الرياح قذفت بأخي الصغير الى رصيف الشارع .. 
فتركت ابي وانطلقت ناحية أخي لأجده نائماً هناك دون حراك .. رغم إنّي ادرك تماماً بأنه توفّى كأمي , لكن عقلي الصغير لم يردّ تصديق ذلك , فحملته لأعيده الى بيتنا , قائلاً له : 
- لا تقلق يا اخي .. (وحضنته بقوة) .. أعدك عندما تستيقظ , يكون انتهى هذا الكابوس .. ومن ثم نتابع اللعب من جديد .. إتفقنا ؟  
وعندما سمعني ابي , دخل بسرعة الى المنزل .. وأظنه لم يردّ ان يبكي امامي !
***

وخرج ابي بعد قليل ومعه ملاءة غطّى بها جثمان امي , ثم جمع اشلاء وليده داخل كيسٍ فارغ للأرز .. 
ومن بعدها .. جلست انا وهو على درج المنزل , ننظر الى حال البلد المدمّر من حولنا دون ان ننطق بكلمةٍ واحدة , حيثُ كنّا في ذهولٍ تام ! 
***

ومرّت ساعاتٍ طويلة  ..كان ابي فيها شريد الذهن , بينما بقيت أحمل اخي وأضمّه الى صدري , مُتمنّياً ان يفتح عيناه من جديد ..
ولم نستيقظ من صدمتنا الى ان سمعنا نداءً من سيارة تابعة للحكومة تُخبرنا عبر مكبر الصوت ((بضرورة حرق الموتى بأسرع وقتٍ ممكن , منعاً من تفشّي الأمراض .. كما أعلنت عن محرقةٍ كبيرة ستُقام في وسط البلد , وعلى الجميع إحضار الجثث الى هناك !))  

وكان الوقت عصراً , حين أحضر ابي حبلاً من المنزل وربط أخي على ظهري ! بينما حمل بيده الكيس الذي بها بقايا طفله , بعد ربطه لجثة امي على ظهره .. 
ثم مشى نحو الشارع وهو مازال يعرج من إصابته .. وصرت ألحقه دون ان أفهم ما ينوي فعله ! 
***

حتى وصلنا الى وسط البلد الذي كان مدمرّاً بالكامل .. وحينها شاهدنا أعمدة النار تظهر من بعيد .. وكلما اقتربنا من مكان المحرقة إرتفع معها نحيب وبكاء الناس على رحيل أحبائهم .. حينها فقط أدركت ما سيحصل لأخي !
فتوقفت عن المشي وانا انظر الى ابي بذهول ! 
فقال دون ان ينظر اليّ : 
- تابع المسير يا بنيّ , فعلينا الوصول الى المحرقة قبل غروب الشمس 
وهنا إنتفضت صارخاً :
- لا !! انا لن أحرق اخي ..فهو نائمٌ الآن , وسيستيقظ بعد قليل

فالتفت ابي اليّ غاضباً , وعيونه مغروّرقة بالدموع :
- إسمع يا ولد !! لقد ماتوا ..امك والطفل الذي كان في بطنها , واخوك الذي تحمله على ظهرك .. جميعهم ماتوا !! .. وربما نموت نحن ايضاً في الأيام القادمة .. لهذا تحرّك !! فلا وقت نضيعه .. فما زال علينا مهمّة إيجاد مكانٍ نبيت فيه بعد تهدّم منزلنا , هذا عدا عن تأمين الطعام .. 
فقلت وانا ابكي بقهر : لكن ابي ..

فصرخ عليّ قائلاً : كفّكفّ دموعك !! فأنت منذ اليوم لم تعدّ طفلاً , وعليك التصرّف كرجلٍ قويّ .. هل فهمتني ؟!!
فمسحت دموعي وانا أكتم غيظي وقهري بصعوبة (ومنذ ذلك اليوم لم أبكي مرةً ثانية في حياتي !)
***

ثم وصلنا الى المحرقة .. وشاهدت هناك الجثث المتراكمة فوق بعضها البعض في انتظار حرقها .. هي بالأصح لم تكن جثثاً , بل مجرّد اشلاء و بقايا بشريّة من قطع لحمٍ وعظامٍ متفحّمة ! 
وما ان رأيت موظفيّ الدولة يرمون بالجثث وكأنها لحمٌ منتهيةَ الصلاحية داخل ألهبة النار , حتى ركضت بأسرع ما يمكنني مُبتعداً عن المكان .. 

ومازلت الى اليوم أسمع صوت والدي وهو يناديني , وكانت هذه آخر مرة أراه فيها , لأننا تُهنا عن بعضنا لسنواتٍ طويلة , الى ان وصلني خبر وفاته بالسرطان بعد عشر سنوات من هذه الحادثة .. 
اما انا فأرسلوني الى دار الأيتام , لحين أصبحت شاباً ..
ومن ثم عملت في دارٍ للنشر , وتابعت عملي فيها ككاتب 

أعرف ما ستقولونه : ان كنت الطفل (الموجود في الصورة أعلاه) الذي هزّ الضمير العالمي , فكيف تُنكر إحضارك لأخيك الى المحرقة ؟ 
فأجيبكم : كما تشاهدون في الصورة .. لقد عدّت ثانيةً الى هناك بعد حلول المساء 
امّا مالذي فعلته طوال عصر ذلك اليوم ؟ 
فقد أمضيته بالتجوّل في أرجاء مدينة ناجازاكي المحترقة , حيث أخذت اخي النائم الى كل مكانٍ أعرفه .. 

وظللّت أتكلّم معه طوال الطريق , عن الألعاب التي سنلعبها فور إستيقاظه من النوم .. كما أخبرته عن ذكرياتي معه عندما وضعته امي في أحضاني اول مرة بعد ولادته .. وقلت له عن الأشياء التي سأعلّمه إيّاها عندما يكبر , تماماً كما تعلّمتها في المدرسة .. ..وكيف إنني سأغار منه عندما يخطف مني قلوب الصبايا بعد ان يصبح شاباً وسيماً .. وكيف سنكبر معاً لنكون أفضل أخوين .. كما أقترحت عليه ان نعمل في الجيش لخدمة وطننا اليابان , لنكون جنديان باسلان , فهو سيحارب في البحر حتماً لأنه يحب اللعب بالماء , اما انا فسأصبح طيّاراً فدائياً كا(كاميكازي) الذين دمرّوا اسطول الحلفاء في المحيط الهادي .. وبذلك نجعل والدنا فخوراً بنا 

وبينما انا أطلق لخيالي العنان وانا أكلّم اخي النائم عن مستقبلنا المشرق , مرّ بجانبنا رجلٌ عجوز أيقظني فجأة من غفلتي ! حين قال لي بشفقة وهو يمسح على رأس أخي : 
- خذه الى المحرقة يا بنيّ , فروحه الآن في السماء ولن يشعر بألم 

وفي هذه اللحظة وعيت لكل ما حصل هذا اليوم ! 
نعم لقد رمى العدو بقنبلةٍ شيطانية حوّلت جنتنا الى جحيم في ثوانيٍ ! وقتلت الكثيرين من أفراد شعبي , ومن ضمنهم عائلتي .. 
اما أخي الذي أحمله على ظهري فلن يستيقظ ابداً , لأن جسمه البارد رغم جوّ الصيف الحارّ يؤكّد ذلك .. 

لهذا كان عليّ الإستسلام للواقع المرير .. 
وقرّرت انني سأصبح منذ اليوم رجلاً كما قال والدي ..
وحينها لم أجد نفسي الا وقدمايّ الحافيتين (التي تنزفان بسبب شظايا الزجاج المتناثر على الطرقات) تأخذاني الى وسط البلد من جديد , فلا مهرب من القدر !
***

ووصلت الى هناك بحلول المساء (كما أخبرتكم سابقاً) .. 
وبحثت بين الناس (في المحرقة) عن ابي لكني لم أجده , ولم نلتقي بعدها ابداً ! 
اما الصفوف , فقد قلّ عددها عن وقت العصر .. لكن مازال هناك اشخاصٌ يقفون قبلي , ورائحة الجثث التي يحملونها تثير الغثيان بعد خروج ما بداخل إمعائهم .. 

فوقفت هناك ثابتاً كجندي صغير , رغم ألم ظهري الذي لا يُحتمل بسبب حملي لجثة أخي طوال النهار , لكني مع هذا لم أتحرّك من مكاني ولم أبكي ابداً .. فقط عضّتُ على شفتي بقوّةٍ أدمتها , لكن ألم قلبي كان أكبر بكثير مما يعانيه جسدي الصغير من تعبٍ وأرهاق 

وأذكر انني وقتها رأيت وميض نورٍ يخرج من كاميرا مصورٍ أجنبي كان يقف قريباً مني , وأعتقد انه هو من أخذ صورتي الأخيرة مع اخي (الصورة أعلاه) .. 
لكن في تلك الأثناء لم يكن يُهمّني سوى إرسال روح اخي الى امي التي تنتظره في السماء .. على الأقل , هذا ما كنت أصبّر نفسي به 

ووقفت هناك دون حراك لعشر دقائق قبل ان يروني الرجال ذو الأقنعة البيضاء العاملين في المحرقة .. وحينها اقتربوا وفكّوا الحبل عنّي , وأخذوا اخي بعد تأكّدهم من موته .. ورغم ان الثقل خفّ عن ظهري الاّ انني شعرت بحزنٍ شديد لفراقنا الأبدي !  

ثم جاءت أصعب لحظة في حياتي حين رأيت ألهبة النار تحرق جسده الصغير .. وكنت أقف متصلّباً , وانا أشعر بطعم الدماء في فمي ! 

ومرّ شريط ذكرياتي القصير معك يا أخي الصغير امام عينيّ الدامعتين .. وانا اقول في نفسي :
((لن ابكي .. لا لن ابكي يا اخي العزيز .. لكن ليتني كنت مكانك الآن.. وليتننا متّنا جميعنا معاً))

وبقيت هناك حتى بدأت ألسنة النار تنخفض بعد تفحّم جثمانه الطاهر .. فاستدرت للخلف وابتعدت بصمت , وانا أقول في نفسي بحسرة :
((أخي صار معك الآن يا أمي .. فاخبريه بأنني كنت رجلاً ولم أبكي , لكني حتماً سأفتقده .. وسأفتقدك انتِ ايضاً يا امي , وكذلك الطفل الذي لم يُقدّر له ان يُولد .. أحبكم جميعاً .. إدعوا لي , وزوروني في احلامي من وقتٍ لآخر .. ارجوكم لا تنسوني .. وداعاً .. والى لقاءٍ قريب))

ثم انطلقت في الشوارع المظلمة , للبحث عن ابي .. وقمت بذلك لساعاتٍ طويلة , حتى انهار جسدي من شدّة الجوع والتعب .. 

واستيقظت في اليوم التالي مُحاطاً بأولادٍ آخرين لا أعرفهم ! فجميعنا أصبحنا أيتاماً بين يومٍ وليلة , محتجزون داخل جدران ميتمٍ حكومي .. 
***

وهآ انا اليوم أخرج عن صمتي بعد ان أصبحت في الثمانينات من عمري لأخبر العالم أجمع عن ذلك اليوم المشؤوم .. فربما الله لم يأذن بموتي آنذاك لأكون شاهداً على أبشع جريمة في حق البشريّة في القرن العشرين 

ومن واجبي ان أنبّه العالم على خطورة استخدام القنابل النووية التي دمّرت حياة الكثيرين من ابناء الشعب الياباني , والتي سأعيش بسببها مرارة الذكريات لآخر يومٍ في حياتي ..
فسحقاً للحروب , وسحقاً لكل من يُشعل فتيلها في عالمنا الكئيب ! 
********** 

ملاحظة : 
هذه القصة مستوحاة من أحداثٍ حقيقية .. 
وهذا ما قاله المصوّر جو أودونيل (الذي كلّفه الجيش الأمريكي بتوثيق تأثير القنابل الحارقة والنوويّة على المدن اليابانية سنة 1945) عن هذه الصورة التي إلتقطها للطفل الياباني :

((رأيت صبياً في حوالي العاشرة من العمر يحمل طفلاً على ظهره .. وفي ذلك الوقت كان معتاداً أن يحمل الصِبية أشقائهم الصغار على هذا النحو .. لكن هذا الصبي كان مختلفاً ! حيث كانت ملامحه صلبة وكأنه يحاول تمالك مشاعره .. وكان الطفل الصغير فوق ظهره مائلاً إلى الأسفل وكأنه نائم .. وقد توقف الصبي بالقرب من محرقة الجثث لحوالي 10 دقائق .
ثم اقترب منه الرجال ذووّ الأقنعة البيضاء العاملين في المحرقة ، وقاموا بفكّ الحبل عنه , وتناول الطفل الصغير الذي بدا واضحاً أنه ميت .. ثم وضعوا الصغير في النار .. 
أما شقيقه , فوقف قليلاً بنظرته الثابتة وقدميه الحافيتين دون حركة سوى عضّ شفته السفلى .. وحين بدأت ألسنة اللهب تنخفض ، إستدار الصبي إلى الخلف وابتعد في صمت !)) 
******

كما يمكنكم مشاهدة ما حصل في ذلك اليوم : تماماً كما ذكرها ولدٌ ياباني كان من القلائل الذين نجوا من هذه الجريمة .. حيث تمّ تحويل شهادته لاحقاً الى هذا الفيلم الكرتوني المرعب الذي يحكي عن فظائع القنبلة النووية ..
شاهد الفيديو :



الثلاثاء، 20 فبراير 2018

الحياة على كوكب المريخ

تأليف : امل شانوحة


كم اشتقت للأرض !

في عام 2034 م .. وبالتوقيت المحدّد وبشكلٍ سرّي إجتمع اهم العلماء وأغنياء العالم في مركز كندي للفضاء التابع للناسا , إستعداداً للسفر نحو المريخ ضمن مجموعاتٍ متلاحقة مكوّنة من 1000 مركبة فضائية مجهزة بالطعام ووسائل الراحة تكفي لترحيل مليون شخص من نخبة البشر .. 

وقد تمّت قبل أشهر ..عملية ترحيل اول مئة عالمٍ عبقري في مجالات الزراعة والطاقة النووية وعلم الجيولوجيا والفلك الى المريخ , بعيداً عن أعين الصحافة والناس .. في رحلةٍ سمّوها : برحلة الذهاب بلا عودة .. واستغرق الأمر 80 يوماً لوصولهم الى عالمهم الجديد !

وقد تمّ تحققّ الحلم أخيراً بسبب تضحيات مئات من الشباب المغامرين الذين سافروا في عام 2022 الى المريخ لبناء مستعمراتٍ قابلة للعيش البشري , بعد ان استخرجوا المواد الخام التي تغطي سطح المريخ لصناعة الخرسانة اللازمة في بناء المستعمرة , كما وضعوا حولها الكثير من الألواح الشمسية , وبنوا ايضاً محطةً نووية لإنتاج طاقة كفيلة في فصل الأوكسجين عن ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجويّ للمريخ , كما لإستخراج المياه من المعادن في التربة .. لكن جميع الفدائيون الشباب ماتوا في سبيل إنجاح هذا المشروع الخيالي الضخم !

وكل هذا العمل الشاق كان بسبب : ان الحياة على الأرض أصبحت شبه مستحيلة بعد انتهاء الحرب العالمية الثالثة النووية الهوجاء التي اندلعت بين الدول , والتي انتهت بتلوّثٍ خطير على كافة الأصعدة , مما أدّى لاحقاً لقلّة المصادر الغذائية وازدياد المجاعات وانتشار الأمراض السرطانية , عدا عن تفشّي الجرائم بين افراد الطبقة الفقيرة لتأمين لقمة العيش ! 
***

وبعد وصول نخبة البشر الى المريخ .. إستوطنوا المستعمرات المبنية في المغارات وبين الممرّات أسفل الكوكب لحمايتهم من الإشعاعات الموجودة على سطحه , كما تمكّنوا من الإستفادة من المياه المجمّدة الموجودة تحت سطح الكوكب الأحمر
***

وبنهاية العامين ..وصل عدد الواصلين الى المريخ 20 الفاً من أذكى وأغنى الناس من كافة الجنسيات والأديان .. وقد عاشوا معاً في توافقٍ وسعادة , تملأهم روح المغامرة لاستكشاف الأماكن الغامضة في هذا الكوكب الجديد..
***

لكن بعد مرور سبع سنوات من العيش وحدهم هناك .. بدأ المللّ يسري في قلوب الأثرياء الشباب , وازدادت رغبتهم في العودة الى الأرض من جديد , خاصة انهم يعيشون فوق دون نساء او اطفال او حيوانات !  

لكن آخر الأخبار التي وصلتهم من الناسا أثبطت همّتهم .. فهم من ظنّوا بأن هجرتهم لكوكب الأرض ستؤثّر سلباً على سكّانها الذين سيفتقدون لعلمائهم وأثريائهم , لكن النتيجة أتت مغايرة بشكلٍ صادم ! حيث عمّ السلام العالمي أرجاء الأرض , وتوقفت الحروب بين الدول , وعُقدت الإتفاقيات لإعمار الأرض من جديد .. بل وتفادياً لعودة الطامعين للأرض ثانيةً (ممن هاجروا الى المريخ , والذي بسببهم حدثت الحرب العالمية الثالثة المدمّرة) فقد قام مجموعة من الشباب بقتل علماء الناسا وحرق المؤسسة بالكامل ! 

وفي رسالةٍ وصلت متأخرة للمتواجدين على المريخ من أحد موظفيّ الناسا المحتجزين داخل المؤسسة (قبل حرقها) , حيث كان حينها يستنجد بهم بفزع : 
- ساعدونا ارجوكم !! فالمتظاهرون يحاولون تحطيم بوّابة الناسا ! وكل العلماء مجتمعون الآن في مخزنٍ سرّي تحت الأرض .. وبالرغم من الأبواب المغلقة الاّ اننا نشتمّ رائحة الدخان بوضوح , وأظنهم يحاولون حرق المؤسسة بمن فيها ! ارجوكم يا سكّان المريخ جدوا طريقة لإنقاذنا , فنحن ان مُتنا فقدّتم إتصالكم بالأرض وعلقتم في كوكب المريخ للأبد ..(ثم سمعوا صوت سعال الموظف) .. يا الهي ..النار وصلت الينا ! عليّ الذهاب لمساعدة اصدقائي بإطفاء الحريق .. إدعوا لنا .. (ثم انقطعت المكالمة) 

وكانت هذه آخر رسالة من علماء الناسا لسكّان المريخ 
***

وبعد مرور شهرين على هذه المكالمة .. تأكّد سكّان المريخ بأن حلم العودة للأرض أصبح مستحيلاً من دون إرشادات موظفيّ الناسا .. وحينها بدأت أطماع بعضهم بالظهور مجدداً ! خاصة بعد نضب المياه المتواجدة اسفل المستعمرة .. وقد خرج العلماء ضمن مجموعاتٍ متفرقة لاستكشاف مصدرٍ مائي جديد في أسرع وقتٍ ممكن قبل هلاكهم ..

ووصلهم الخبر بعد اسبوعين من إحدى الفرق التي كانت بقيادة ادوارد (أثرى أغنياء اميركا) بأنهم وجدوا مياهً جليدية اخرى على بعد ميلين من المستعمرة .. لكن الفرحة لم تكتمل بعد إعلان الثريّ ادوارد لأصحابه عبر اللاسلكي : بأن هذه البحيرة (التي وجدها مع فريقه) تعتبر من ضمن ممتلكاته الخاصة , وان كانوا يريدون الماء فعليهم خدمة وإطاعة اوامر الحاكم الأول على هذا الكوكب !
***

وقد تطوّر الأمر بعد شهور .. حيث تقسّمت المستعمرة الواحدة الى مستعمراتٍ صغيرة متفرقة , كل واحدة منها لها قائدٌ خاص بها : فالعالم الزراعي (جون) استولى على المزرعة التي كان زرعها سابقاً مع فريقه في إحدى الخنادق تحت سطح المريخ .. بينما المستعمرة الثانية فكانت بقيادة العالم الفيزيائي (طوماس) الذي سيطر مع فريقه على الطاقة النووية التي يُستخرج منها الكهرباء المستخدمة للإضاءة والتدفئة .. بالإضافة الى المستعمرة الثالثة التي هي بقيادة الثريّ (ادوارد) والذي استولى (كما قلنا) على المصدر الجديد والوحيد للمياه على هذا الكوكب .. 

ورغم معرفة القياديون الثلاثة باستحالة العيش دون التعاون فيما بينهم , الا ان غرورهم وأطماعهم حالت دون خضوع أحدهم للآخر ..

وبعد ان قلّت المصادر الهامة (من غذاء وماء وطاقة) في المستعمرات الثلاثة , أُعلنوا بداية الحرب بينهم .. والفائز منهم سيُعيّن كرئيس اول على كوكب المريخ .. ولأنه لا توجد اسلحة معهم , فوسائل الحرب ستُختصر على التشابك بالأيدي , حيث يُقتل جنود الفريق المعادي بفصل جهاز الأوكسجين عن بذلته الفضائية , ليواجه الموت إختناقاً 
***

وفي خُضم المعارك بين الفرق الثلاثة .. إنسحب بعض الجنود من ساحة المعركة لاقتحام المستعمرات الأخرى , حيث قام البعض بقطف الفواكه بعشوائية وسرقتها من مزرعة المستعمرة الأولى .. اما البعض الآخر فتمّ قتله بعد محاولته إرتشاف الماء من مخزون المستعمرة الثالثة ..
***

ودامت الحرب بينهم لشهرين كاملين .. ورغم موت نصف سكّان المريخ البالغ عددهم 10 آلاف شخص , الاّ ان القائدين الثلاثة رفضوا الإستسلام ووقف حالة الحرب بينهم ..
***

وبعد عدة شهور .. مات الجميع , ماعدا الرؤساء الثلاثة (جون وطوماس وادوارد) .. وحينها لم يجدوا حلاً سوى بقبول المقايضة بينهم , قبل ان يتجمّدوا من البرد او يموتوا جوعاً وعطشاً .. وبعد تبادل الطاقة والغذاء والماء بينهم .. جلس الثلاثة فوق جبلٍ صغير مُطلّ على الأرض , بينما كانت جثث العشرين الف شخصاً (الذين قضوا نحبهم في الحروب) تطوف فوق رؤوسهم , بسبب عدم وجود الجاذبية الضرورية لعملية الدفن , كما ان جثثهم لن تتحلّل مُطلقاً لانعدام الأوكسجين ! وبذلك ستبقى جثثهم عالقة في سماء المريخ لتذكير الطامعين الثلاثة بفداحة قراراتهم الغبية التي أدّت لدمار آخر فرصة للحياة على هذا الكوكب !

وهنا قال العالم الفيزيائي العجوز طوماس , وهو ينظر من بعيد للأرض بحزن :
- لقد هربنا من الأرض لنبني السلام هنا , فإذا بالسلام يعمّ الأرض من دوننا !
فقال الشاب جون (العالم الزراعي) : وهذا يثبت اننا كنّا السبب الرئيسي لدمار الأرض , فالجثث التي تطفو فوقنا تؤكّد ذلك .. وأظن إن سكّان الأرض سيحتفلون على الدوام بيوم رحيلنا عنهم 
فقال الثريّ (ادوارد) بقلق : ومالعمل الآن ؟ فنحن لا نستطيع العودة للأرض , ولا يمكننا البقاء وحدنا هنا !

الشاب جون بضيق وغرور : كلّه بسببك ايها العجوز طوماس !! فأنت من اقترحت سفر الرجال الى هنا دون النساء .. فلوّ كنت الآن عالقاً مع سيدتين بدلاً من عجوزين , لاستطعت إعمار المريخ لوحدي 
فردّ عليه طوماس ساخراً : نعم لقد أخطأنا لأننا لم نحضر لك حواء يا آدم 

ادوارد : على الأقل انا وطوماس كباراً في السن وسنرتاح من الحياة قريباً , لكنك ايها شاب المسكين ستسكن وحدك هنا , وربما لسنواتٍ طويلة .. وحتماً في النهاية ستُصاب بالجنون لعدم وجود شخصٌ آخر تتحدّث معه 
طوماس : كما سيكون عليك الزراعة واستخراج الماء وانتاج الطاقة لوحدك , فياله من عملٍ شاق ايها الشاب
جون : لا تقلقا عليّ .. ففي حال وصلت لمرحلة اليأس , سأقتل نفسي بدلاً من ان أهلّوس لوحدي
ادوارد : وكيف ؟ فنحن لم نحضر اسلحة الى هنا , ولا يمكنك القفز من اعلى جبل دون وجود جاذبية ؟
الشاب بضيق : أقصد يا ذكيّ انني سأخرج من المستعمرة دون بذلتي الفضائية , لأواجه الموت اختناقاً

طوماس العجوز بعد ان استلقى على ظهره : دعكما من هذا التشاؤم ولنشاهد النجم اللامع بهدوء 
جون وهو يستلقي ايضاً على ظهره : ياه ! كم هي الأرض صغيرة من هنا 
فاستلقى ادوارد بجانبهما , وقال وهو ينظر للنقطة الزرقاء (ايّ الأرض) : 
- انا نادمٌ جداً على صرف ملياراتي لإثارة الفتن والحروب بين الدول بدلاً من استخدامها في إعمار الأرض 
طوماس : نعم كان بإمكاننا تحويل الأرض الى جنةٍ حقيقية بدلاً من ايجاد كوكبٍ آخر نسكن فيه ! 

جون بضيق : لن تصدقوا يا اصدقاء كم إشتقت للأرض وجوّها المعتدل بدل العيش في هذا البرد القارس , عدا عن العواصف الترابية المفاجئة التي لا تطاق .. (ثم يتنهّد) ..كما أرغب بشدّة في تنفّس الهواء بحرّية , دون التقيّد بهذه البذلة الفضائية الضيّقة اللعينة !!  
ادوارد بندم : وانا ايضاً
طوماس بحزن : وانا

وظلّ الثلاثة يتأمّلون الأرض من بعيد بحزنٍ وندمٍ شديد , وهم يدركون تماماً بأن حياتهم أصبحت مُقيدة بمستقبلٍ غير مشرق ومملّ للغاية , فكما يُقال :((الجنة دون ناس لا تنداس))
*********

ملاحظة :
لقراءة المزيد عن الحياة في المريخ , شاهد التالي :
الرابط الأول :
http://knowledge0world.blogspot.com/2016/02/how-will-we-live-on-mars.html
الرابط الثاني :
https://www.youtube.com/watch?v=vdWfhFWd66c

الثلاثاء، 13 فبراير 2018

أعمق نقطة في المحيط

تأليف : امل شانوحة


 
ما المخلوقات المتواجدة في خندق ماريانا ؟!

مع بداية الفجر .. إنطلق علماء الأحياء البحريّة الأربعة بسفينتهم نحو البحر , لبدء عملية إنزال الغواصة الصغيرة لأعمق نقطة على وجه الأرض , ايّ لخندق (ماريانا) المتواجد في أعماق المحيط الهادي .. 
وقد تطوّع أصغرهم للنزول الى أعمق منطقة في الخندق والمسمّاة ب (تشالنجر) التي يبلغ عمقها 11,03 كيلو متر عن مستوى سطح البحر !

وفي الأسفل .. وصلت مركبة العالم الشاب الى القاعّ بعد ساعتين ونص من بداية الرحلة , لكن ((الإرتطام بالأرضيّة لم يكن لطيفاً)) على حسب ما أرسله لأصدقائه الذين يتابعونه من كاميرات المراقبة في السفينة أعلاه .. 

وبعد ان أمضى ساعتين في التجوّل بالأعماق البحرية المظلمة التي لا ينيرها سوى كشّافات الإضاءة في غواصته الصغيرة , لم يجد هناك سوى بعض القشريات التي تشبه الجمبري وكذلك قناديل البحر المضيئة ..فالقاعّ كان أشبه بسطح القمر الخالي من الكائنات الحيّة الكبيرة ! 

وقبل ان يصعد مجدّداً الى فوق , شاهد سمكة متوسطة الحجم تقترب منه بشكلها المريب ! فأسنانها أكثر حدّية من أسنان القرش , ولها قرنٌ مضيء يتدلّى امام وجهها , يبدو انها تستعمله لإنارة دربها ..
وقد استطاع العالم بواسطة ذراعيّ الغواصة من اصطيادها على حين غفلةٍ منها , وإدخالها للغواصة .. ومن ثم حجزها في حوضٍ مائي مُغلق .. 

وبعد إنجاز مهمّته , صعد الى فوق .. وقد استغرقت رحلة الصعود الى سطح البحر بحدود ال 70 دقيقة فقط

وكم فرح زملائه برؤية السمكة الغريبة التي قاموا بإرسالها مباشرةً الى مختبراتهم في اميركا لاستكشاف المزيد عن نمط حياتها في أعماق المحيط
***

ومرّ الأسبوع الأول للسمكة داخل المختبر , إمتنعت فيه عن تناول ايّ شيء وضعوه في حوضها ! ممّا أقلق العلماء من إحتمال موتها جوعاً إن لم يكتشفوا نوعيّة الطعام التي تتغذّى عليه في العادة

وفي أحد الأيام .. وبينما كان العالم الشاب داخل المختبر السرّي يقوم بدراساته حول السمكة الغريبة (بعيداً عن أعين الصحافة) شعر فجأة بذبذباتٍ تنطلق من الحوض باتجاهه ! 

فلم يجد نفسه الاّ وهو يتجه دون وعيٍّ منه ناحية الحوض .. ثم قام بشيءٍ لم يجرأ أحد على القيام به , حيث أمسك بها بيديه العاريتين , مُعرّضاً نفسه لإحتمالية قضم أصابعه بأسنانها الحادّة التي تشبه المنشار .. لكن ما ان فعل ذلك حتى سقط مغشياً عليه , وكأنه تلقّى صعقةً كهربائية !
***

وبعد ساعة .. خرج العالم الشاب من المختبر السرّي دون ان يتحدّث بكلمة واحدة مع اصدقائه , وكان وجهه أشبه برجلٍ آلي خالي من المشاعر !
ثم انطلق بسيارته , حتى وصل الى صديقه الذي يعمل كأحد الحرّاس المسؤولين عن حفظ النظام داخل قاعةٍ مُخصّصة لخطب رئيس اميركا السياسية , وكان العالم الشاب إتصل به قبل خروجه من المختبر 
***

وفي المطعم ..
الصديق ببذلته العسكرية : ما بك يا جون ؟! لما طلبت رؤيتي في الحال ؟ 
فقال العالم البحري بوجهٍ صارم : أريد ان أكلّم رئيس اميركا في موضوعٍ مهم
- انت تمزح بالتأكيد , فالرئيس مشغولاً اليوم بإلقاء خطبته على الملأ .. وعليّ التواجد هناك لتنظيم الحفل .. فاخبرني ماهو الأمر المستعجل الذي تريده فيه ؟

وهنا ! أمسك العالم بيد صديقه الذي شعر على الفور بصعقةٍ كهربائية أرجعت كرسيّه الى الخلف بقوّة , مما لفت نظر المتواجدون في المطعم .. 
لكن من بعدها قام العسكري بوجهٍ خالي من أيّةِ تعابير , ومشى الى خارج المطعم , بينما عاد صديقه العالم الى سيارته وكأن شيئاً لم يحصل !
***  

وما ان وصل العسكري الى الحفل السياسي , حتى طلب التحدّث مع مديره لأمرٍ هام .. 

وفي مكتبه :
المدير : لما تأخرّت عن الحفل ؟ الرئيس سيصل بعد قليل , وانت لم تستأذن بالخروج ..

وقبل ان يُكمل عتابه , أمسك العسكري بيد مديره ليحصل الشيء ذاته ! وبعد تلقّي المدير للصعقة الكهربائية .. خرج العسكري لإكمال عمله في القاعة , بينما ذهب مديره كرجلٍ آلي لاستقبال حرس الرئيس الذين وصلوا قبله للتأكّد من توفّر وسائل الأمن في الحفل العام ..

وهناك حصل الأمر ذاته من جديد , وانتقلت الصعقة الكهربائية لحارس الرئيس الشخصي , الذي ذهب وكأنه منوّماً مغناطيسياً باتجاه سيارة الرئيس التي وصلت للحفل للتوّ ..

وقبل ان يصعد رئيس البلاد الى المنصّة (بعد ان تجمّع الناس بالقاعة الكبيرة لسماع كلمته) .. لمس الحارس الشخصي يده , لتنتقل اليه نفس الحالة ! والتي جعلته يُلقي بكلمة مُخالفة تماماً للكلمة التي قدِمَ للحفل لإلقائها .. فبدل ان يُعلن عن رغبة بلاده بالتصالح السلمي مع كوريا الشمالية بعد سوء تفاهم حصل بين الدولتين قبل شهور , أعلن رئيس اميركا امام الصحافة والملأ عن بداية حربٍ مع كوريا الشمالية لا تُبقي ولا تذر !

فأسرع المسؤولون الأمريكان (الذين كانوا يجلسون في الصفوف الأمامية) بالطلب من منظميّ الحفلة إنهائها فوراً .. ثم أعادوا الرئيس الى مقرّه لإيجاد حلٍ سريع لهذه المصيبة ..
***

واجتمع السياسيون مع الرئيس الأمريكي داخل غرفةٍ عسكرية سرّية لعتابه على كلمته الغير مُتفق عليها مُسبقاً , لكن الرئيس (المنوّم مغناطيسياً) فاجأهم جميعاً , حين انطلق بسرعة ناحية الزرّ الأحمر ليضغطه وسط دهشة الجميع ! ليظهر فوراً على شاشات الكمبيوترات : إنطلاق صاروخٌ نووي باتجاه كوريا الشمالية ..

ورغم طرد الكونغرس للرئيس بعد يومٍ واحد من الحادثة , الاّ ان اعتذارهم هذا لم يُرضي زعيم كوريا الشمالية بعد ان تدمّرت جزءاً كبيراً من عاصمته , ليُعلن بعدها حرباً نووية شاملة على اميركا ..
***

وبأقل من شهرين ..تضامنت بعض الدول مع كوريا الشمالية , والبعض الآخر مع اميركا .. لتبدأ حربٌ عالمية ثالثة نوويّة بين الدول , أدّت لاحقاً الى اختفاء مدن وقرى بحالها من على الخريطة , بينما تشوهّ الملايين من البشر , وعاش الباقون داخل ملاجىءٍ مُحصّنة تحوي القليل من المؤن الغذائية ..
*** 

وفي خُضمّ المعارك وهيجان الشعوب على بعضها .. سافر العالم الشاب بطائرة خاصة الى المحيط الهادي , حاملاً السمكة الغريبة بحوض مخصّص للرحلات الطويلة .. ثم ذهب الى المرفأ الذي قاد فيه نفس السفينة المخصّصة لدراسة العلوم البحرية , الى ان وصل لنفس المكان فوق المحيط الهادي .. ثم ركب الغواصة الصغيرة الموجودة على متن السفينة (التابعة لمدير عمله) ومعه السمكة , ونزل بها الى أعمق نقطة بالمحيط , حتى وصل لخندق ماريانا ..ومن ثم أعاد السمكة الى حيث وجدها .. 

وارتفع ثانيةً بغواصته عائداً لسطح الماء دون ان يُدرك ما فعله , لأنه كان بهذه اللحظات منوّماً مغناطيسياً من قِبَل السمكة الغريبة !

اما ما حصل لهذه السمكة , فقد سبحت في الأعماق وهي تضيء قرنها الذي دلّها الى بوابةٍ حديدية صدئة مليئة بالطحالب .. وما ان طرقت رأسها بالباب ثلاثة مرات , حتى انفتح لوحده ! 

ومرّت من خلاله الى ان وصلت الى فتحة داخل حوضٍ موجود في حديقة قصرٍ مبنيّ تحت أرضيّة عمق المحيط ! 

وفجأة ! تحوّلت السمكة الى رجلٍ بجلدٍ أحمر وله ذيلٌ طويل وقرنان كبيران .. وبعد ان قام بتنشيف جسمه .. دخل الى صالةٍ كبيرة يوجد في مقدّمتها عرشٌ ذهبيّ مُهيب !

وما ان رآه مساعده حتى أسرع ناحيته , وهو يسأله بقلق : 
- سيدي ابليس ! اين كنت طوال الشهرين الفائتين ؟! فقد إفتقدتك جميع الشياطين !
ابليس وهو يستند على عرشه بارتياح : كنت أتنزّه في المحيط على هيئة سمكة كما تعرف , فاصطادني غبيٌ ما
فسأله باستغراب : وهل وصل الإنسان الى هذه الأعماق ؟!
ابليس وهو يتنهّد بضيق : انا ايضاً تفاجأت في البداية , لكن البشر فضوليون كما نعرف جميعنا .. المهم قاموا بحبسي داخل حوضٍ بإحدى مختبراتهم في اميركا 

مساعده : وكيف تحرّرت منهم ؟
ابليس : قمت بالسيطرة الذهنية عليهم , الواحد تلوّ الآخر .. الى ان وصلت الى رئيس اميركا
فقال بدهشة : أبهذه السرعة ؟!
- نعم , حتى انا لم أصدّق سهولة المهمّة ! ..المهم انني إفتعلت حرباً نوويّة على سكّان الأرض .. ومن ثم عدّت الى قصري 
المساعد باهتمام : هل تقصد ان البشر سيفنون قريباً ؟!
- أعتقد هذا ..

ثم ابتسم ابليس بارتياح وقال : 
- لم اظن ان إنهاء ذريّة آدم ستكون بهذه البساطة ! فقد ضيّعت قروناً من عمري وانا أجنّد أبنائي وأحفادي للوسّوسة بعقول البشر , لكني أدركت الآن انهم قادرون على إفناء بعضهم البعض دون تدخلٍ منّا ! 
مساعده : وماذا سيحصل بعد ان يُفنى الجميع ؟!

ابليس بابتسامةٍ خبيثة : نعود ونستوطن الأرض من جديد .. فهو مكاننا الأصلي قبل ان نُحاصر في أعماق البحار ..
فقال مساعده : أشعر وكأنك تريد قول شيئاً ما 
ابليس بابتسامة : هذا صحيح 

ثم وقف امام عرشه وصرخ بعلوّ صوته , رافعاً يداه في الهواء : 
- هآ يا آدم !! هل تسمعني ؟!! .. انظر الى ابنائك كيف يتعاركون مع بعضهم كالأغبياء , ويلوّثون الأرض بسمومهم ! .. فأنا كما قلت لك سابقاً , ان كنت تذكر : المهم من يضحك منّا آخراً .. وانا الذي انتصرت بالنهاية يا عزيزي آدم , وأفنيت ذريّتك للأبد !!!

ثم أطلق ابليس بعدها ضحكته المجلّجلة التي وصل صداها لجميع الشياطين في مملكته , مُعلناً إنتصاره أخيراً على الجنس البشريّ ! 

ملاحظة :
جميع المعلومات التي ذكرتها عن خندق ماريانا في أعمق نقطة بالمحيط الهادي صحيحة , ويمكنكم ايجادها في الإنترنت 

الخميس، 8 فبراير 2018

السرداب المهجور

تأليف : امل شانوحة


رسالة مخيفة في قبو منزلي !

بعد ان عانى جون لشهورٍ طويلة من أذيّة شابٍ مُتنمّر في سكن الطلاّب الجامعي , أقنعه صديقه بالإستئجار خارج الجامعة , وأعطاه عنوان سمسارٍ جيد  

وفي مكتبه :
جون : لكن المنزل الذي أخبرتني عنه موجود بأطراف قريةٍ صغيرة , وانا طالبٌ جامعي وعليّ الذهاب يومياً ..
السمسار مقاطعاً : نعم , لكنه منزل رخيص .. كما انك تملك سيارة , وكل ما تحتاجه هو نصف ساعة لكيّ تصل الى الطريق السريع الذي يوصلك مباشرةً الى الجامعة .. وصدّقني لن تجد منزلاً يناسبك أكثر منه .. ثقّ بكلامي 
فوافق جون رغم قِدم المنزل , فهو لا يريد تكلفة عائلته المزيد من المصاريف .. 

وبعد نقل حاجياته الى هناك .. أمضى شهره الأول فيه بسلام , بعيداً عن المضايقات التي كانت تحصل معه في السكن الجامعي ..
***

لكن مع بداية الشهر الثاني .. بدأ جون يشعر بالضيق في منزله الجديد , ويعاني من الأرق والإرهاق بسبب تكرار رؤيته لنفس الكابوس المزعج :  
((وفيه يرى انه مُحاط بأطفالٍ يبكون داخل قفصٍ حديدي , بينما هو يراقب من خلال القضبان مجموعة من الرجال ومعهم امرأة يلبسون الثياب والأقنعة السوداء ويجلسون قرب موقدٍ للنار , ويرتلّون تعاويذاً بنغمٍ مخيف ! ثم يشاهدهم وهم يسجدون باتجاه سردابٍ مظلم .. ومن بعدها يتوجّه أحدهم ناحية القفص ويخرج منه طفلاً رضيعاً .. ثم يقذفونه جميعاً داخل الفرن الموجود بجدار الحائط , وكأنهم يقدّمونه كقربان او أضحية ! ويظلّ جون طوال الحلم يستمع لصراخ الطفل وهو يتلوّى من الألم , الى ان يختفي صوته وسط نيران الفرن التي التهمت جسده الصغير !)) 

ومن بعدها يستيقظ من كابوسه مُتعرّقاً وخائفاً للغاية ! 
***

وبعد ان شاهد هذا الكابوس للمرّة السابعة على التوالي , قرّر ان يقوم بجولة داخل المنزل , فهو لم يتسنّى له بعد استكشاف العلّية والقبو بسبب إنشغاله بالإمتحانات طيلة الشهر الفائت , لكن بما ان لديه الآن عطلة نصف السنة (في الجامعة) فأراد استغلال هاذين الأسبوعين لمعرفة كل شيء عن البيت القديم الذي يسكنه .. 

ووجد العلّية فارغة تماماً , الاّ من بعض الشقوق والغبار المتراكم هنا وهناك ..

لكن ما ان دخل القبو حتى أحسّ بأنه رآه من قبل , فهو يبدو مألوفاً لديه ! ثم بدأ يتجوّل فيه الى ان وصل لمكتبةٍ خشبية , فيها بعض الكتب التي أتلفتها الرطوبة .. وعندما أقترب أكثر منها (مُغلقاً أنفه من رائحة العفن) تعثّر فجأة بسلك مُهمل على الأرض , ليُسرع بالإستناد على المكتبة المهترئة كيّ لا يسقط على وجهه .. وحينها حصل ما لم يكن بالحسبان ! فقد إنكسرت بعض أرففّ المكتبة , ليظهر خلفها سردابٌ طويلٌ ومظلم !

فأضاء جوّاله , بعد ان فتح المكتبة التي كانت عبارة عن بابٍ سرّي يسدّ بوابة هذا الممرّ المجهول .. 
ورغم خوفه الاّ انه غلبت عليه روح المغامرة , فظلّ يمشي داخل السرداب الذي شعر بأنه مرّ به من قبل !

ثم نزل بضعة درجات للأسفل , فوجد شيئاً هناك صعقه للغاية !
نعم لقد رأى نفس المكان الذي كان يشاهده بكوابيسه .. فهناك في الزاوية يوجد القفص الحديدي الصدىء الذي يسعّ طوله لأطفالٍ دون سن السابعة ..كما هناك رسمة لعبّاد الشياطين على أرضية المكان ..وموقد كبير داخل جدار الحائط .. وحينما فتح باب الموقد , شاهد بين رماده عظاماً صغيرة مُتفحّمة ! 

وبهذه اللحظات .. شعر بلفحة هواءٍ ساخنة قادمة من الجهة المقابلة ! فوجّه النور ناحيته , ليرى سرداباً آخر أكثر ظلمةً ورعباً من الذي هو فيه ... لكنه تجمّد في مكانه , بعدما قرأ الرسالة المكتوبة على اول جدار صادفه بالسرداب الثاني , والتي كُتبت بطريقة معكوسة ! وتلك الجملة المرعبة كانت : ((ابليس , نحن في انتظار اوامرك))
فركض عائداً الى القبو , ومنه الى خارج منزله .. 

ولم يجد نفسه الاّ وهو يسرع باتجاه مكتب الشرطي (مارك) المسؤول عن أمن هذه القرية الصغيرة .. وهناك أخبره بكل شيء 

ورغم ان الشرطي العجوز لم يصدّقه في البداية , الاّ انه قبِلَ الذهاب معه ليرى السرداب المهجور بنفسه .. 
***

وبعد ان عاين الشرطي المكان , تأكّد بأن القبو السرّي كان يستخدم سابقاً كمركز قيام عبّاد الشياطين بطقوسهم ..
جون : ومتى برأيك كانوا يجتمعون هنا ؟
الشرطي وهو يتفحّص بقايا العظام الصغيرة داخل رماد المحرقة القديمة : يعني .. منذ حوالي خمسة عشر الى عشرين سنة الماضية , لكن لا أظنهم استخدموه فيما بعد ..
جون : وماذا سنفعل الآن ؟

الشرطي وهو يخرج من السرداب باتجاه القبو : لا شيء
جون (وهو يتبعه) بصدمة : كيف لا شيء ! ألن تخبر السلطات عن هذه الجرائم ؟ فأكيد هؤلاء القرابين الصغار مُخطتفين , وأهاليهم مازالت تبحث عنهم الى يومنا هذا ! 
الشرطي : برأيّ عليك ان تلزم منزلك , ولا تنزل الى هنا مجدّداً ..وأترك الموضوع لي ..

وقد ضايق جون إستهتار هذا الشرطي بإكتشافه المرعب .. لكن لم يكن بيده فعل شيء سوى إقفال باب القبو والعودة لدراسته في الطابق العلوي , مُتجاهلاً شعوره بالخوف من وجود محرقة للأطفالٍ في قبو منزله , عدا انه يسكن فوق المكان التي كانت تجتمع فيه سابقاً الشياطين مع عبّادهم المجانين !  

ولهذا كلّه .. إتصل جون بالسمسار وطلب منه ان يدلّه على منزلٍ بعيد عن هذه القرية , دون ان يخبره بالأسباب 
*** 

وفي صباح يوم الأحد ...وبعد ان استيقظ جون مجدداً على نفس الكابوس اللعين , وجد نفسه يسير باتجاه كنيسة القرية .. 
وبعد انتهاء القدّاس .. إقترب منه القسيس وأيقظه بعد خروج الجميع من الكنيسة ..
جون وهو يتلفّت حوله : آه آسف ! لا ادري كيف غفوت ..
فابتسم القسيس له : يبدو وكأنك لم تنمّ منذ فترةٍ طويلة ؟
جون بتردّد : بصراحة نعم , وأتيت اليك لأخبرك بأمرٍ مهم 

ثم أخبره بموضوع السرداب المهجور وطقوس عبّاد الشياطين التي كانت تقام هناك .. 
وبعد ان استمع اليه القسيس قال له : أقلت بأن الشرطي مارك لم يهتمّ كثيراً للأمر ؟!
جون : نعم , ولهذا فكّرت بأن أصوّر السرداب والعبارة المكتوبة على جداره وكل شيء موجود هناك , ثم أنشره بوسائل التواصل الإجتماعي
فقال القسيس بحزم : ايّاك ان تفعل !!
جون بخوف : لماذا يا أبانا ؟!
- دغّ الموضوع لي , وانا سأحلّه بنفسي .. أهتم انت فقط بدراستك و .. آه لحظة ! ماهذا الوشم الذي على ساعدك ؟!

جون وهو ينظر الى يده : والشرطي مارك ايضاً سألني عنه ! ولا ادري ماذا يعني بالضبط , فهو موجود منذ صغري 
- الم يخبرك والداك عن هذا الوشم ؟
- انا يتيم وتربّيت في دور الشؤون الإجتماعية , ثم تبنّتني عائلتي الحالية وانا بعمر الثماني سنوات 
- وهل كنت برعاية الدولة منذ ان كنت طفلاً ؟
- لا , بل قيل لي : بأن الشرطة وجدتني هائماً لوحدي بالشوارع بعمر الثلاثة او اربعة سنوات .. لا اذكر تحديداً 
فقال القسيس وهو شارد التفكير : هائمٌ في الشوارع ! .. جميل 
جون باستغراب : مالجميل في الموضوع ؟!

بارتباك : آه لا شيء !.. فقط لازم منزلك هذه الأيام , وانا سأتصل بك 
جون : حسناً سأعطيك رقم جوالي , لكني أخبرك منذ الآن انني أنوي الإنتقال من هذا البيت في القريب العاجل
القسيس باهتمام : ومتى سترحل عن قريتنا ؟ 
جون : عندما يجد لي السمسار منزلاً آخر
- أتقصد السمسار اريك داروين ؟
جون بدهشة : وكيف عرفت اسمه ؟!
- ماذا ! آه .. هذا لأنه السمسار الوحيد الذي يعرف عناوين المنازل الفارغة في قريتنا .. 

ثم ودّعه القسيس مستعجلاً , بحجّة ان لديه مراسم دفن بعد ساعة  
وذهب جون الى منزله متضايقاً لعودته الى هذا المكان الكئيب من جديد ..
*** 

بعد يومين , وفي منتصف الليل .. سمع جون أثناء نومه صرير بابه الخارجي وهو يفتح ! وقبل ان يستوعب ما يحصل , أطبقت يدٌ فوق وجهه ليشتمّ رائحة المخدّر من قماشةٍ مبلولة وضعت فوق فمه وانفه ! وآخر ما رآه كان رجلاً مقنّعاً يقف قرب سريره ..
***  

استيقظ بعدها , ليجد نفسه داخل سرداب القبو المهجور .. مُحتجزاً في قفصٍ حديدي صغير ! وعلى مقربةٍ منه , جلس مجموعة من الرجال وامرأة يراقبون موقد النار (الموجود في الجدار) بعدما اشعلوه من جديد 

ولم يكن جون في تلك اللحظات مستوعباً لما يحصل معه ! فهل هو يشاهد الكابوس مجدداً ؟ ام انه بالفعل يشارك طقوسهم ويستمع الى تراتيلهم المخيفة ؟!
وهنا صرخ جون بعلّو صوته !!! وهو يطرق على قضبان القفص الصدئة 
- إخرجوني من هنا !!!

وفجأة توقفت التراتيل ! واقترب الجميع منه , بأقنعتهم وألبستهم السوداء 
جون بخوف : من انتم ؟! وماذا تريدون مني ؟!
وهنا رفع اول شخص منهم القناع عن وجهه , وكان نفس الشاب المتنمّر بالجامعة , والذي بسببه ترك جون السكن الجامعي 
جون بدهشة : أهذا انت يا آدم ؟!
آدم : نعم ..و هذا جايسون

فرفع الشاب الذي بجانبه قناعه , وكان جايسون : صديق جون المقرّب الذي أقنعه بالإستئجار خارج الجامعة 
جون بصدمة : أأنت معهم ايضاً ؟!
فأومأ جايسون برأسه ايجاباً , فعاد وسأل جون صديقه :
- ألست انت من أعطيتني رقم قريبك السمسار ؟

وهنا اقترب رجل من الشابين , ورفع قناعه .. واذا به السمسار (اريك داروين) ..
جون معاتباً : لما يا رجل دلّيتني على هذا المنزل المرعب ؟!
فأشار السمسار الى رجلٍ آخر مُقنّع بقربه وهو يقول : سأدعه هو يجيبك على سؤالك 

فتقدّم الرجل الثاني (الذي بدى من مشيته وكأنه كهلٌ كبير) ورفع القناع عن وجهه , فإذا به قسيس الكنيسة 
جون وهو منصدمٌ تماماً : أأنت ايضاً مشترك معهم في هذه المهزلة ؟!
القسيس : ليس انا وحسب , بل هو ايضاً

وأشار الى رجلٍ ثالث ..الذي حين رفع القناع عن وجهه , كان الشرطي العجوز مارك
فقال جون بيأس : يبدو ان كل القرية من عبّاد الشياطين !

وهنا اقتربت منهم امرأة مُقنّعة : جميعنا تابعون لقيادة والدك
جون بصدمة : ماذا ! هل والدي حيّ ؟
وبعد ان أزالت القناع عن وجهها , كانت امرأة في بداية الخمسينيات من عمرها , والتي قالت لجون : نعم والدك حيّ , وانا اكون امك يا دان
فابتسم جون ساخراً : اسمي جون , وانا لست بإبنك دان .. اظنك مخطئة يا سيدة..
السيدة وهي تنحني قرب القفص (المحتجز به جون) : بل اسمك الحقيقي هو دان .. انظر الى وشمك .. به حرف (دي) 
جون وبعد ان نظر الى ذراعه : لا أصدّق هذا , لأنه لا يمكن لأم في الدنيا ان تحرق ابنها الوحيد ليكون قرباناً لأبليس !

فقال المتنمّر آدم : هذا لأنك لست ابنها الوحيد .. فأنا وجايسون ابنائها ايضاً 
جون بصدمة : ماذا ! أأنتما إخواني ؟!
جايسون : نعم انا وآدم توأمان , لكننا لا نشبه بعضنا بالشكل ..وانت اخونا الكبير .. أكبر منّا بسنةٍ واحدة .. وكان من المفترض ان تموت في عمر الرابعة 
جون : انا لا افهم شيئاً ! ليخبرني أحدكم بالقصة كاملة !!

وهنا اقترب من القفص الرجل الأخير في هذه المجموعة .. وبعد ان ازال القناع عن وجهه قال له : انا سأخبرك بالقصة .. لكن دعني اولاً أعرّفك عن نفسي .. انا جاك ..والدك الحقيقي , ووالد آدم وجايسون , صديقاك بالجامعة 
جون بدهشة وغضب : ابي ! أأنت من أسسّت هذه الطائفة اللعينة ؟!!

الوالد مبتسماً : انت تدرك تماماً انني لست مؤسسّ عبّاد الشياطين , لكني رئيسها في هذه القرية الصغيرة .. دعني أخبرك القصة منذ البداية .. كنت متزوجاً من امك .. وأنجبناك اولاً , ثم اخويك التوأم .. وكان هذا منزلنا .. وفي أحد الأيام , حدث تسرّب للمياه من انبوب موجود بجدار القبو .. وعندما قمت بكسر الحائط لأغيّر الأنبوب , تفاجأت بوجود هذا السرداب السرّي .. وعندما دخلت فيه ..(ثم سكت)
جون باهتمام : هيا أكمل , لما توقفت ؟

ابوه : شاهدت ابليس بالداخل
جون بسخرية : أحقاً ! يعني اكتشفت منزل ابليس 
امه مُعاتبة : لا تسخر من والدك يا دان !!
جون بعصبية : أأنتِ تهذّبين سلوكي وكأنك أمٌ مثالية , وسابقاً كنتِ تنوين حرقي كقربان لشياطينكِ ؟.. وأنت ايها القسيس المحترم !! اليس هذا مخالفاً للتعاليم المسيحية ؟
القسيس العجوز : انا لم اكن راهباً في ذلك الوقت , بل رجلٌ في مثل عمر والدك الآن .. فأنا والشرطي مارك في نفس العمر تقريباً 
الشرطي مارك : وانا لم أكن في تلك الأيام قد التحقت بسلك الشرطة , بل كنت صاحب محل لبيع الأجبان في القرية

ابوه : المهم دعني أكمل لك القصة .. بعد رؤيتي لأبليس , أخبرني بأنه يحتاج لأرواح اربعة اطفال , بشرط ان يكون الولد البكر لأهله.. 
فقاطعه جون ساخراً : ولما يحتاج ابليس لأرواحنا ؟ هل سيحصل بالمقابل على قسيمة شراء مجّانية من متجر الشياطين ؟
السمسار غاضباً : أصمت يا ولد !! ودعّ والدك يُكمل القصة 

فسكت جون , ليُكمل والده قائلاً :
- وقال لي ابليس : انه في حال أعطيته ما يريد , فسيوهبنا ثروة لا مثيل لها 
امه بحماس : نعم .. أكياسٌ من الذهب لكل واحداً منا
جون : لحظة ! لكل واحداً منكم ! هل انتم ايضاً أحرقتم اولادكم البكر ؟

فأومأ الشرطي والقسيس والسمسار رأسهم موافقين , وهم يخفون حزنهم على قيامهم بهذه الجريمة بحق اولادهم .. 
وكان الحزن جليّاً على ملامح القسيس , الذي عرف جون لاحقاً بأن زوجته ماتت من الحزن بعد معرفتها بموت ابنهما الوحيد , ومن بعدها توجّه للرهبنة , وعاش ستة عشر سنة من حياته دون ابناء .. بينما كان للشرطي والسمسار وكذلك والديه ابناءً آخرين ..

جون بغضب : وهل أصبحتم أغنياء بعد حرقكم لأولادكم , ايّها الحمقى ؟!!
الشاب آدم بغضب : كنّا سنصبح كذلك لولا هروبك من هنا قبل سنوات , يا غبيّ ؟  

وهنا تذكّر جون كل شيء عن ماضيه .. فهو بالفعل شاهد بعينيه حرق الأطفال الثلاثة الذين كانوا بين سن الثانية والشهرين .. وعندما وصل الدور اليه , ولأنه أكبر الأولاد فقد استطاع عضّ يد والده بعد ان وشم ساعده الصغير بشعار الشياطين استعداداً لحرقه .. ثم أسرع هارباً من القبو , ومنه الى خارج المنزل , ليقفز الى خلفية شاحنة مُحمّلة بالقشّ صادف تواجدها في المكان .. وعندما خرج الرجال (عبّاد الشياطين) للبحث عنه , كانت الشاحنة قد تحرّكت وفي داخلها الصغير , والذي خرج منها بعد توقفها عند الإشارة في وسط المدينة .. وهناك شاهده شرطي مرور يمشي هائماً بالطرقات , وسلّمه الى دار الأيتام .. 

جون : الآن تذكّرت كل شيء ! لكن كيف وصلتم اليّ بعدما أصبحت شاباً ؟
جايسون مُبتسماً بخبث : هذا لأن القدر جمعنا من جديد .. فحين التقيت بك في الجامعة , لفت نظري الوشم الذي على ذراعك .. وأخبرت والدي بالأمر .. ومنذ ذلك الحين ونحن نخطّط لإعادتك الى هذا السرداب ..
آدم : نعم وقد طلبوا منّي مضايقتك في الجامعة , فهذه كانت مهمّتي 
جايسون : وانا قمت بإرسالك الى صديق والدي السمسار .. وبقيّة القصة تعرفها انت..
جون وهو ينظر لهما بقهر : يالكما من اخوين حنونين ! 
آدم وهو يقترب من القفص الحديدي : يمكننا من أجل المال والثروة ان نفعل أكثر من ذلك يا اخي العزيز

فسأل جون والده : يعني طالما انني هربت منكم , فلما لم تحرق هاذين الغبيين بدلاً مني ؟
وأشار الى أخويه , فأجابته امه : أخبرناك قبل قليل , ان شرط ابليس ان يُحرق الولد البكر فقط 
جون بسخرية : آه صحيح , لقد نسيت .. (ثم بلع ريقه بخوف) ..طيب وماذا الآن ؟
الأب وهو يرمي بالخشب داخل المحرقة ليزيد من لهيبها : والآن يا ولدي  العزيز.. سنُكمل من حيث توقفنا

وهنا شعر جون بخوفٍ شديد بعد ان رآهم يقتربون جميعهم من القفص :
- لحظة واحدة !! ماذا سينفعكم المال الآن بعد ان كبرتم في السن ؟
القسيس بقهر : لقد حُرمت من الأطفال طوال حياتي , ولن اسمح لك ان تحرمني من المال الذي سيكفيني لآخر عمري
آدم : كما انني وجايسون مازلنا شباباً , ونريد ان نصبح اغنياءً بأسرع وقتٍ ممكن  

ومن ثم هجم عليه أخويه وأخرجاه من القفص بالقوة .. ثم قام الجميع بتثبيته بالسلاسل فوق طاولةٍ حديدية مخصّصة للفرن .. ودفعوه الى داخل النار
فصرخ جون بعلوّ صوته بعد ان أمسكت النيران بثيابه : أخرجوني من هنا ارجوكم !! لا اريد الموت !!!! 

وهنا لمح جون شيئاً أشدّ رعباً مما هو فيه ! حيث رأى من خلال فوهة الفرن , الشياطين وهي تخرج من جدران القبو وبيدها اكياس كبيرة ملأى بالعملات الذهبية .. 

ثم سمع صوتاً جهورياً من بعيد (دون ان يراه) وهو يقول لهم : لقد استحقيتم جائزتي بعد ان وفّيتم بشروطي !!
ليطلق بعدها ابليس ضحكته المجلّجلة ! 

وكان آخر ما شاهده جون : هو افراد عائلته والرجال الثلاثة وهم يتهافتون على اكياس الذهب , بينما كانت النيران تلتهم جسده .. 
ثم فاضت روح جون الطاهرة .. وإختفت صرخاته المؤلمة للأبد ! 

ملاحظة :
الصورة التي وضعتها لهذه القصة : هي صورة لملجأ مهجور في الغابة بشمال المانيا , والعبارة المكتوبة على جداره تقول : 
((مرحباً ابليس , انا احبك))

لمعرفة المزيد , شاهد هذا الفيديو عن : رسائل مرعبة وغريبة عُثر عليها في سراديب المنازل
الرابط : 
https://www.youtube.com/watch?v=DaeEdHbwQII
ومن الفيديو استوحيت هذه القصة , اتمنى ان تنال اعجابكم

الأحد، 4 فبراير 2018

القطة الشريرة

تأليف : امل شانوحة


لما أبتليتُ بهذه القطة المخيفة ؟!

في ليلةٍ عاصفة , وقبل ان يخلد اريك للنوم سمع طرقاً على بابه .. 
- من سيأتي بهذا الوقت المتأخر ؟!
وحين اقترب من بابه الخارجي , انتبه على كلبته وهي تحتضن صغارها الثلاثة وتنظر ناحية الباب بخوفٍ واضح ! فقال لها :
- مابكِ اليسي ؟ لا تقلقي , ربما كان صديقي

لكن قبل ان يفتح الباب .. بدأت الكلبة تصدر اصواتٍ شرسة وكأنها تستعدّ للهجوم على طريدة , بعد ان خبّأت جرائها خلفها !
- اهدأي اليسي ... سأفتح الباب .. هيا اجلسي .. قلت اجلسي اليسي !! 
فجلست الكلبة وهي مازالت تراقب الباب برعب .. 

وحين فتحه شاهد قطةً سوداء تجلس عند بابه , وتحاول تدفئة نفسها بدوّاسة الباب .. فأسرع اريك بحملها وإدخالها المنزل , ثم وضعها قرب المدفأة على بعد متر من فراش كلبته التي كانت تنبح عليها بغضب ..
فقال لها مُعاتباً :
- اليسي كفى !! ان لم تهدأي سأرميك خارجاً 

فهدأت الكلبة , لكنها ماتزال خائفة على جِرائها من هذه القطة ! التي قام اريك بإطعامها السردين , بعد ان غطّاها بكنزته القديمة .. 
ثم ذهب للنوم , بعد ان أوصى كلبته :
- ايّاكِ ان تؤذي القطة .. هل فهمتي اليسي ؟!!
فعادت الكلبة تزمجر بصوتٍ منخفض , وكأنها تكتم غضبها بصعوبة !
***

في صباح اليوم التالي .. استيقظ اريك على عراكٍ حادّ بين الكلبة والقطة ..فأسرع للصالة ليشاهد شيئاً غريباً ! حيث وجد كلبته غاضبة ومنصدمة من موت إحدى جرائها , بينما كانت القطة تراقب الوضع من بعيد  
فأسرع اريك بحمل الجروّ , ليجده ميتاً بسبب جرحٍ عميق في رقبته .. فنظر الى القطة مندهشاً :
- هل عضتّي الجروّ الصغير ؟!

لكن القطة أكملت طريقها نحو المطبخ دون اكتراث .. بينما ظلّت الكلبة تلعق جرح ابنها وهي تصدر أنيناً حزيناً .. وكذلك اخويه كانا منصدمين من موته المفاجىء !

وقد قام اريك بدفن الجروّ في فناء منزله , بينما وقفت امه (الكلبة) بقربه وهي تراقب عملية الدفن بحزنٍ شديد ..
***

وتكرّرت الحادثة في اليومين التاليين .. ومات كلا الجروين بعضّة في رقبتهما .. فهل يعقل ان القطة تغافل الأم لتقتل صغارها ؟! ام ان الكلبة  تقتل ابنائها بنفسها ؟! .. الأمر يبدو غير منطقياً ! 

وبعد دفنه للجروّ الثالث تكلّم مع صديقه على الهاتف , وأخبره بأنه يفكّر بإرسال القطة الى ملجأ للحيوانات الضالّة لأن تصرّفاتها الغريبة تغضب كلبته التي عاشت معه لسنواتٍ طويلة.. 
وأثناء هذه المكالمة , كانت القطة تراقبه من بعيد وكأنها تتنصّت عليه !
***

لكن اريك إضّطر لتأجيل موعد تخلّصه من القطة بسبب عاصفة ثلجية مفاجئة ضربت المنطقة , وقد طلبت البلدية من السكّان ملازمة منازلهم الى ان تمرّ العاصفة بسلام 

وفي المساء .. قام اريك بإطعام القطة , كما إجبر كلبته على تناول بعض الطعام لأنها امتنعت عن الأكل بعد موت جرائها ..
ثم ذهب للنوم بعد ان أضاء لهما المدفأة .. 
***

لكنه عاد وسمع نباح كلبته في منتصف الليل , وكان حينها مرهقاً للغاية ..
فقال في نفسه قبل ان يعاود النوم : 
- هآقد تشاجرا من جديد , عليّ التخلّص من هذه القطة المشاغبة قبل ان أُجنّ منها انا وكلبتي اليسي .. 
***  

وفي الصباح .. وجد القطة نائمة قرب المدفأة , لكن لا يوجد أثر لكلبته في أرجاء المنزل ! 
وبعد ان شعر بالقلق , خرج من منزله ليرى كلبته مُجمّدة قرب الباب , وقد صدمه الأمر تماماً ! فكيف خرجت الى العاصفة والباب مغلق بالمفتاح ؟! وهل كانت تنبح البارحة لكيّ ينقذها بعدما علقت في الخارج ؟!
فأحسّ اريك بحزنٍ شديد على وفاة صديقته المخلصة , كما شعر بتأنيب الضمير لأنه فضّل النوم على الإطمئنان عليها .. 

وبعد ان بكى كثيراً عليها , دفنها قرب جرائها الثلاثة .. 
وخلال الدفن شاهد القطة تراقبه من بعيد , قبل ان تعود الى المنزل وكأن شيئاً لم يحصل !
***

وفي عصر هذا اليوم .. اتصل اريك بمسؤول ملجأ الحيوانات , وأخبره عن القطة السوداء الشريدة .. 
اريك : ((نعم فهمت .. سأحضرها غداً صباحاً .. وأتمنى ان تجدوا لها بيتاً جديداً , فأنا طالبٌ جامعي ولا وقت عندي لرعايتها .. نعم فهمت , شكراً لك)) 

وبعد ان أغلق جواله , انتبه للقطة وهي تنظر اليه من طرف باب غرفته وكأنها سمعت كلّ المكالمة .. لكن شيئاً ما أشعره بالخوف من نظراتها الحادّة , وكأنها تتوعّده بالإنتقام لتخلّيه عنها ! 

لكنه عاد وقال في نفسه : ما هذا الهراء يا اريك ؟ انها مجرّد قطة مُشرّدة , وأكيد لن تؤذيني ..
***

وفي منتصف هذه الليلة .. أصيب اريك بالجاثوم في نومه , وأحسّ بشللٍ مؤقت في كلتا يديه ورجليه ! وبينما كان يصارع كابوسه , شعر بفروّ القطة يحطّ فوق انفه وفمه ! فعلم ان القطة قفزت لتجلس فوق وجهه تماماً 

وفي تلك اللحظات لم يكن باستطاعته تحريك يديه او ايّ جزء من جسمه .. وقبل ان يفقد وعيه , رنّ هاتف منزله !! لتقفز القطة مُبتعدةً عنه بعد ان أفزعها الصوت , وذلك قبل ثوانيٍ قليلة من إختناقه حتى الموت .

وبعد ان استيقظ اريك من نومه مساءً , أسرع الى الصالة ليجدها نائمة قرب المدفأة , فحملها وهو غاضبٌ جداً من تصرّفها الذي كاد ان يقتله 
- اللعنة عليك !! كدّت تقتلينني !! الآن تأكّدت انك انتِ من قتلت الجِراء , وقتلتي كلبتي ايضاً .. انت شريرة , لابد انك جنّية خبيثة مُتلبّسة بهيئة قطة .. أخرجي من بيتي يا ملعونة !!
ورمى بها بعنف خارج بيته , ثم أقفل بابه الخارجي بإحكام .. 
***

وقد إحتاج اريك لبعض الوقت ليهدأ من غضبه .. 
وبعد ان استردّ انفاسه .. أطفأ انوار الصالة لكيّ يُكمل نومه ..لكن قبل ان يدخل غرفته , شاهد القطة تقف خلف نافذة الصالة , وكانت عيناها مضيئتان بشكلٍ مرعب , وكأنها غاضبة جداً من طردها من بيته .. 
فأسرع الى غرفته وأقفل عليه الباب بعد ان أرعبه منظرها !
***

في الصباح .. قام اريك بحزم بعض حاجياته في حقيبةٍ صغيرة , مُقرّراً المبيت في بيت اهله لعدّة ايام حتى تهدأ اعصابه قليلاً .. 
وقبل خروجه من المنزل , التفت يميناً ويساراً خوفاً من تلك القطة الشريرة , وحين لم يرَها بالجوار أسرع ناحية سيارته , وانطلق مسرعاً الى بيت اهله ..
*** 

في مساء ذلك اليوم .. وبعد ان تعشّى اريك مع والديه .. ذهب الى غرفته القديمة لينام .. وهناك أتاه اتصال على جوّاله من صديقته :
- اريك 
- اهلاً جاكلين .. نسيت ان أخبرك انني سأبيت عند اهلي طوال هذا الأسبوع 
- ليتك اخبرتني قبل ان أذهب الى بيتك ..
اريك : ماذا ؟!
صديقته : مابك متفاجىء ؟ الم تعطني نسخة من مفاتيح منزلك ؟
- آه صحيح .. لكن لحظة ! ما هذه الأصوات التي حولك ؟!

- كنت سأخبرك الآن .. عندما دخلت الى منزلك لم أجد كلبتك اليسي وجرائها , لكني وجدّت ثلاثة قطط صغيرة , فكيف تتركهم لوحدهم هناك دون طعام , ايّها القاسي ؟!
اريك بخوف : قطط ! وهل لون الهريرات سوداء ؟!
- نعم 
فصرخ اريك برعب : أهربي بسرعة من البيت يا جاكلين !! انها ليست قطط , بل شياطينٌ لعينة !!

وفجأة !! سمع صوت مواء القطط وكأنها تهجم على صديقته ! 
وقد استمع اريك بخوف على صراخ صديقته وهي تقول :
- ابتعدوا عني !! آه عيني !! لا لا تعضّوا رقبتي !! اريك ساعدني !!

ثم اختفى صوت جاكلين ! وحينها سمع اريك صوت مواءٍ مميزّ , فعرف انها نفسها القطة السوداء (الأم) , وكأنها تخبره : بأنها انتقمت منه أخيراً .. ومن ثم .. انقطعت المكالمة ! 

الخميس، 1 فبراير 2018

نهاية مُتغطّرس

تأليف : امل شانوحة


لا تؤذيني , ارجوكِ !

استلقى الشاب الغني (مايكل) في حوض استحمامه داخل قصره وهو يحمل الكأس بيده , مُستمعاً الى الحان الموسيقى الكلاسيكية .. لا شيء يعكّر صفوه هذه الليلة بعدما أذن لخدمه بإجازتهم السنوية 

فهو يستمتع الآن بالهدوء بعد شهورٍ قضاها بالحفلات والسهرات إحتفالاً بافتتاحه فرعاً آخر لشركته الضخمة .. فبالرغم انه في الثلاثين من عمره الا انه يُعدّ شاباً ناجحاً بسبب دهائه وقدرته على استغلال المواقف , كما انه يتمتّع بقدرٍ كبير من الوسامة واللسان العذب الذي سهّل له الطريق مع عددٍ كبير من العملاء , خاصة النسّوة منهنّ .. وهذا يعني انه ترك خلفه الكثير من الضحايا العاشقات له .. لكن هذا لم يكن يهمّه ابداً , فكل ما يريده هو النجاح وزيادة ثروته وسلطته ولوّ على حساب البريئات اللآتي يعتبرهنّ ضحايا سُذجّ لا يستحقينّ الشفقة منه ..

وفي تلك الليلة .. ظلّ يسكر في حوضه الدافىء حتى غفا .. لكنه استيقظ بعد توقف الموسيقى , وإذا به يجلس في حمامٍ مظلم بعد انقطاع الكهرباء فجأة عن قصره ! لكن تعبه منعه من الخروج من هناك , بل فضّل إكمال نومه في الحوض ..
وظلّ كذلك الا ان أحسّ بشيءٍ يجذب قدمه ببطأ نحو بالوعة الحوض ! فانتفض مرتعباً .. وأضاء جواله الذي كان بجانبه , فوجد شعراً اسوداً طويلاً يخرج من البلوعة ويطفو فوق سطح الماء.. 

فحاول الخروج من هناك , لكن يداً باردة سحبته من قدمه .. فأخذ يتخبّط في الحوض محاولاً إنقاذ نفسه من الغرق .. الاّ ان ذلك الشيء كان يسحبه بقوة الى اسفل الماء !
***

استيقظ مايكل بعدها ليعيش تجربة أشبه بالكابوس ! فهناك فتاة تلبس ثياباً ممزقة تجرّ قدمه بعنف داخل المجاري المُعتمة , بينما ظهره يحتكّ بأرضيه المجارير التي امتلأت بالقاذورات , وكانت الرائحة هناك لا تطاق .. فحاول إيقافها , لكنها كانت تمسك برجله بقوّةٍ تعادل ثلاثة رجال رغم جسدها النحيل ..وهنا صرخ بعلوّ صوته :
- إتركيني يا هذه !!! 

فالتفتت عليه , ليرى وجهها الشاحب وعينيها البيضاوتين , ممّا أخافه للغاية حيث تجمّد في مكانه ! بينما أكملت هي سحبه ..الى ان وصلا الى غرفة موجودة هناك  

ثم تركت قدمه , ليركض كالمجنون باتجاه الباب الذي وجده مقفلاً .. اما هي فقد جلست بهدوء على كرسيها , وبدأت تسرّح شعرها الطويل المبلول امام مرآتها المكسورة , وهي تدنّدن اغنيةً ما ..
ثم قالت له دون ان تنظر اليه : أتذكر هذه الأغنية التي أهديتني ايّاها في عيد ميلادي ؟ انا أغنيها دائماً 

وعادت لتدنّدن نفس الأغنية التي أحسّ الشاب بأنه سمعها من قبل ! فاقترب ببطأ خلف الفتاة ليشاهد وجهها الحقيقي من خلال المرآة , وقد عرفها على الفور ..انها إيميلي ..أكثر فتاة أحبّته في حياته , وأكثر النساء التي عرّفهنّ براءةً .. 

وكان تعرّف عليها قبل خمسة سنوات من خلال الفيسبوك , وهي الوحيدة التي لم تعرف شخصيته الحقيقية فهو اخترع لها شخصية رومنسية وطيبة بعيدةٌ تماماً عن خبثه ومكره .. 

وقد أغرمت به بجنون بعد سنة واحدة من التعارف.. وحين تأكّد من وقوعها اخيراً في شباكه , طلب منها ان تقابله في فندقٍ ما .. ولأنه يعرف تماماً بأن هذه المراهقة العذراء لن تقبل بعلاقة قبل الزواج , فقد دسّ لها المخدّر في شرابها ..

لتستيقظ في صباح اليوم التالي لوحدها بالفندق , وامامها على السرير  ظرف به رزمة من المال مع ورقة كتب عليها : ((لقد أخذت ما اريده , ودفعت لك ثمنه .. فلا تحاولي الإتصال بي مجدّداً , فلديّ العشرات غيرك ولا ارغب بتضيّع المزيد من وقتي الثمن معك .. التوقيع : حبيبك مايكل))

وفي مساء ذلك اليوم .. وصل خبر انتحارها لمايكل بعدما رمت بنفسها فوق الجسر .. لكن الشرطة لم تجدّ يوماً جثتها , ورجّحوا بأن جسدها سُحب ناحية المجاري لأن مصبّه كان قريباً من مكان انتحارها .. 

وبعد ان تذكّر مايكل قصتها , اقترب من شبحها قائلاً لها بخوف :
- انا آسف يا ايميلي , لقد أخطأت بحقك كثيراً .. أعتذر منك 
فقالت وهي تنظر الى شكلها في المرآة : لقد أحببتك بصدق يا مايكل 
- أعرف هذا , وانتِ بالفعل كنتِ أصدق النساء اللآتي تعرّفت عليهنّ , وكنتِ.. 
فقاطعته قائلة : هل حزنت لوفاتي ؟
- بالحقيقة نعم .. فأنا لم أرغب لك بهذه النهاية المأساوية

لكنها فجأة !! قفزت عليه لترميه على الأرض وتصرخ في وجهه:  
- كاذب !! لقد خدعت براءتي وحبي الصادق لك .. انا الوحيدة التي أحببتك لنفسك , دون ان أهتم لثروتك وجمالك 
فقال وهو يرتجف على الأرض : أعرف هذا .. ارجوك سامحيني 
فقالت وهي تجلس فوقه : لن اسامحك ابداً .. لقد قضيت عليّ , وسأقضي عليك الآن 

وهنا لم يجد نفسه الاّ وهو يطرحها ارضاً , بعدما رفعت عليه قطعة زجاجٍ حادة , أخرجتها من جيبها.. ثم أسرع نحو الباب ليجده هذه المرة مفتوحاً ! 
وركض بأسرع ما يمكنه في الممرّات النتنة المضاء جوانبها بلمباتٍ صغيرة وضعتها البلدية لعمّال المجاري .. 

ووصل أخيراً الى مصبّ الصرف الصحي نحو البحر .. وتوقف هناك متردّداً خاصة انه على علوّ طابقين .. لكن ما ان سمعها تصرخ وتناديه من بعيد : 
- مايكل !! مايكل لا تتركني مجدّداً ..ارجوك حبيبي !!!
وكان صوتها يقترب أكثر وأكثر من مكانه , فلم يجد نفسه الا وهو يقفز نحو البحر..
*** 

استيقظ بعدها ليرى نفسه يقف وسط جنازة تحت المطر .. وشاهد هناك اصدقائه واقربائه بلباسهم الأسود وهم يحملون المظلّات ويتابعون مراسم الدفن ..فاقترب منهم وهو يسألهم بقلق :
- من الذي مات ؟! جوزيف صديقي من تدفنون ؟ آدم .. جنازة من هذه ؟!
لكن لا احد أجابه , وكأنهم لا يرونه بينهم .. وعندما اقترب من التابوت شاهد نفسه مدفوناً بداخله ! 

وسمع أحد المعزّين يقول للآخر :
- لقد غرق في حوض استحمامه البارحة , يبدو انه كان سكراناً 
فصرخ مايكل برعب :
- لا !!! انا لم أمت يا اصدقاء , انا بخير .. انظروا اليّ !!
لكنهم لم يلتفتوا ناحيته ! ووقف هناك مذهولاً وهو لا يصدّق بأنه يشاهد عملية دفنه , وكيف رموا بالتراب فوقه !

ومن ثم ذهب كل واحداً منهم نحو سيارته .. فأسرع بركوب السيارة التي بها صديقيه , ليتفاجأ بأنهما يضحكان ويسخران من موتته !
حيث قال صديق طفولته جوزيف : واخيراً ارتحنا من هذا الشقيّ 
آدم (مساعده الأيمن في الشركة) بارتياح : نعم , وسنتقاسّم شركته فيما بيننا , بعد ان نعطي الفتات لأقربائه
جوزيف : طبعاً ..فاللعين أخفى عنهم نجاحاته المتكرّرة , وأوهمهم بأن شركته على وشك الإفلاس , وكأنه كان يخطّط لوفاته 

آدم : لا , لا أظن هذا المتغطرس يفكّر بالإنتحار .. لكني يبدو ان الله استجاب لدعوة البنات المظلومات التي خدعهنّ طوال عمره  
جوزيف : صحيح , يكفي ما حصل للمسكينة ايميلي بسببه 
آدم : رحمها الله .. (ثم ينظر من نافذة السيارة) .. وهآقد وصلنا الى قصر المغرور .. سنقدّم التعازي لأهله , ثم نذهب الى البار لنحتفل بفوزنا بشركة هذا الغبي 
جوزيف بابتسامة : اتفقنا اذاً , والمشروب على حسابي

ونزلا من السيارة وخلفهما مايكل مذهولاً تماماً مما سمعه ! فهو عاش حياته كلّها لا يثق بأحد سوى بهاذين الصديقين اللذين كانا اليوم أسعد الناس بوفاته !

وقبل ان يدخل مايكل الى قصره الذي اكتظّ بالمعزّين .. جلس على حافة بركة المياه في حديقته وهو يستذكر المعاصي التي ارتكبها في حياته .. كما تذكّر دموع الفتيات وهو ينهي علاقته القصيرة بهنّ.. كما تذكّر منظر  ايميلي وهي نائمة كالملاك على سرير الفندق بعدما خدّرها هناك ..

وفجأة ! سمع صوت ايميلي قادماً من تحت البركة تقول له :
- لقد وعدّتني بأن نبقى سويّاً طوال العمر .. هل تذكر ؟
وقبل ان يبتعد من البركة مرتعباً .. خرجت يدها من داخل البركة لتسحبه الى أسفلها , وهي تقول :
- لنعدّ الى بيتنا .. في المكان الذي يليق بغرورك ايها التافه

وسحبته مجدّداً الى بيتها العفن .. حيث علا صدى ضحكاتها في أرجاء المجاري القذرة والموحشة , ليواجه هناك مصيره المرعب والمجهول !  

الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة  التردّد المنخفض في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم ...