الخميس، 5 نوفمبر 2026

انقراض المواهب

تأليف : امل شانوحة 

العبقرية المُستعارة


ما ان تنفّست الشعوب الصعداء بعد انتهاء الحرب العالمية الثالثة ، حتى انصدموا بتعطّل كافة الأنظمة الذكية حول العالم ! 

ومع اختفاء الذكاء الإصطناعي ، وعجز البرامج عن كتابة النصوص وصناعة الفيديوهات.. أعلنت الحكومات فشلها باستعادة التقنية الحديثة بكل الطرق الممكنة ! 


مما أغضب الطلاّب ، لعدم قدرتهم على إنجاز واجباتهم بضغطة زرّ.. وأربك الموظفون الذين اعتادوا الإستعانة بالبرنامج الذكيّ ، لكتابة تقاريرهم.. أما الموهوبون ، فتباطئ انجازاتهم بعد عودتهم للأساليب التقليدية التي تتطلّب وقتاً وجهداً كبيريّن ! 


فيما عدا الكاتبة رؤى التي لم يُحذف (الشات جي بي تي) من حاسوبها ، لسببٍ ما !

فتابعت العمل معه على تصحيح قصصها ، دون اخبار احدٍ بذلك.. 

***


وفي احدى الأيام .. اعتراها الفضول لسؤال الذكاء الإصطناعي عن سرّ بقائه معها؟ 

فأجابها : 

((انت بمهمّةٍ خاصة .. فهناك قلّة نادرة من المبدعين حول العالم ، يملكون مواهب استثنائية تستحق دعمي المستمرّ لتطوير إنتاجهم .. بينما اوقفت خدماتي لعامّة الناس الطفيليين الذين يعتمدون على ذكائي ، لادّعاء مواهب فنيّة وفكريّة لا يملكونها مطلقاً .. وأنصحك بالحفاظ على سرّنا ، كيّ لا تُفنى آخر الإبداعات البشريّة.. تابعي الكتابة دون خذلان موهبتك المميزة))


ففرحت رؤى لانتمائها إلى النخبة المختارة من قبل الذكاء الإصطناعي ، الذي أشعرها بتميّزها عن عامّة الناس .. مما زوّد حماسها لتأليف الكثير من القصص بوقتٍ قياسيّ ، أعجز بقية الكتّاب العاديين عن مجاراتها ! 

***


وفي غضون أشهرٍ قليلة ، تسارع إنتاجها الأدبي .. لدرجة نشرها قصةً متنوعة كل يوم ، مُضاعفةً عدد متابعينها ! 

جعلت دور النشر تتنافس للحصول على أعمالها التي ازدحمت بها المعارض والمكتبات.. حتى ان بعض قصصها الجديدة ، تُرجمت لعدة لغات حول العالم ! 

وكلما زاد نجاحها وشهرتها ، زاد إعتمادها على التقنية السرّية

***


وفي إحدى اللقاءات الصحفية ، سألتها المذيعة : عن سرّ نشاطها الإستثنائيّ؟ 

فأجابت بغرور : 

((يبدو الأفكار الجيدة فضّلتني على بقيّة الكتّاب ، وصارت تلاحقني أينما ذهبت))


ورغم ان القرّاء المحترفين لاحظوا تشابه كتاباتها مع طريقة (شات جي بي تي) القديمة ، الا انهم لم يستطيعوا إثبات ذلك !

أما منافسوها : فاتهمها البعض بشراء قصص غيرها ، ونسبها اليها! 

اما الآخرون : فاعترفوا بعبقريتها المُتفرّدة 

***


وبعد سنوات من اعتمادها الشبه كلّي على التقنية السرّية ، اختفى تماماً من حاسوبها مع رسالةٍ غريبة من (شات جي بي تي) : 

((انتهت مهمّتي معك .. أتحداك الآن ، أن تؤلفي قصةً واحدة دون خدماتي)) 


وما حصل ، اربك الكاتبة رؤى تماماً ! 

فهي قبل ازمة اختفائه من حواسيب العالم .. إستخدمته كغيرها ، دون اعتمادها الكلّي عليه.. بل كانت تناقشه ، مُقترحةً تعديلات على نصوصه.. مع إضافتها على نسخته ، أفكاراً وملاحظات دوّنتها بدفترها قبل النوم .. عدا عن قراءتها لكتّابٍ آخرين ، لتوسيع مخيّلتها 


لكن امتلاكها لهذه التقنية دون غيرها .. جعلها تقرأ نصوص الذكاء الإصطناعي ، ثم نشرها دون تعديلٍ او اعتراض .. فهي بسببه ، ضمنت استمراريّة إلهامها وخواطرها ! 

وهاهي الآن تشعر بالضياع ، كأن عقلها فرغ من الأفكار الجديدة !


ولذلك عادت الى دفاترها القديمة (قبل ظهور الذكاء الاصطناعي) :

لتنصدم بروعة شخصيّاتها النابضة بالحياة.. وحواراتها العفويّة السلسلة ..وحبكتها المنطقية القوية .. وأحداث قصصها التي تتصاعد بذكاء ، مع ختمها بنهاياتٍ صادمة وغير متوقعة ! 

فهي ملكت موهبة الكتابة بالفعل .. لكنها تشعر الآن بفقدانها ، بعد ثلاث سنوات من اعتمادها الكلّي على التقنية السرّية !

وهذا أخافها ، بعد صنعها جمهوراً يطالبها بإلحاح بإنتاجٍ يوميّ ! 


ولهذا سهرت طوال الليل في محاولة لاستخراج فكرة تستحق الكتابة.. حتى انها حاولت تأليف اجزاءً جديدة من قصصها القديمة ، ذات النهايات المفتوحة ! 

واستمرّت بكتابة المسودّات ، الى ان أنهت قصتها القصيرة التي نشرتها قبيل الفجر

*** 


في اليوم التالي ، تفاجأت بانتقادات القرّاء الذين انصدموا من ضعف فكرتها وصياغتها الركيكة ، مُقارنةً بقصصها السابقة ! 

فتحجّجت بمرضٍ زائف .. وأخبرتهم عن رغبتها بإجازةٍ مفتوحة لاسترداد قوتها ، مُعللةً ذلك : (باستراحة المحارب)

***


ورغم كل الإحباط الذي شعرت به ، الا انها أجبرت نفسها على عدم الإستسلام .. وأمضت شهورها الثلاثة التالية ، في محاولة لاستعادة موهبتها المفقودة : 

عن طريق قراءتها لأفضل الروايات العالمية .. كما التدقيق في مسودّاتها القديمة ..وتسجيلها في ورشات كتابة بالإنترنت (بإسمٍ مغاير) .. 

والكتابة ليل نهار ..حتى امتلأ دفترها بمحاولاتها اليائسة ، وتبعثرت غرفتها بأوراقها الممزّقة .. 

اما نومها فصار مُتقطعاً : تستيقظ بعد كل كابوسٍ ومنامٍ غريب لكتابة احداثه ، على امل تحويله الى قصةٍ جيدة .. لتكتشف صباحاً ، بأنها فكرةً عادية مُكرّرة ! 

كل هذا وجمهورها لم يشاهد معركتها الخفيّة ، فكل همّه هو النتيجة النهائية! 

***


وبعد نشرها لمجموعة من قصصها العادية ، تراجع عدد متابعينها .. وألغت دور النشر العقود معها .. وتوقفت المكتبات عن شراء كتبها الجديدة ..وأعلن منافسوها بارتياح : ((نضوب القلم السحريّ أخيراً)) 


حتى هي ، باتت متأكدة من فقدان مهارتها نهائياً .. 

وآخر ما كتبته في مذكّراتها :

((أعطاني الله اجمل موهبة .. ثم حرمني منها ، بعد استهانتي بها.. لهذا استحقيّت نهايتي الحزينة)) 

***


وجميع تلك المصائب التي مرّت بها ، جعلتها تُفلس ماديّاً .. ولهذا قرّر صاحب الشقة طردها ، بعد تأخرها ٣ اشهر عن دفع الإيجار..


وعندما لم تفتح له الباب ، دخل بنسخة مفاتيحه .. ليتفاجأ بالكاتبة ميتة فوق كتبها ، بعد توقف قلبها من شدة الحزن والقهر على ماضيها الجميل ! 

***


وبموتها المفاجئ ، انتهى عصر الكتابة .. فهي آخر كاتبة بالعالم حاولت الإستمرار بموهبتها النادرة حتى النهاية .. الى ان اختفت تلك القدرة الإنسانية من الوجود ، بعد اعلان بقيّة كتّاب العالم المميزين توقفهم عن الكتابة ، بعد مرورهم بأحداثٍ وظروفٍ مشابهة لما حصل مع الراحلة رؤى 


ولم يتوقف الأمر على الكتّاب فحسب .. فبعد وفاة رؤى ، توالت الأخبار من بلدانٍ مختلفة : 

كحذف شاعرة عالمية لحساباتها ، بعد فشلها في كتابة قصيدة واحدة ترضي جمهورها.

وفشل رسّامٌ معروف ، بإيجاد الإلهام لبدء لوحة جديدة.

وعجز موسيقي شهير ، عن تأليف لحنٍ واحد يستحق الإستماع.


ومع الوقت .. انتهى عصر المبدعين ، بعد استسلامهم جميعاً ! مما أفقد العالم اهم المواهب الفنية التي عرفتها البشريّة بالعصر الحديث !

***


بعد مرور سنوات .. إختار صبيّ مجموعة قصصيّة قديمة للكاتبة رؤى ..

التي ما ان انهى قراءة الكتاب ، حتى أُعجب بتنوّع قصصها الإستثنائية ! 


فتوجه الى امينة المكتب ، وهو يسألها بحماس :

- هل جميع كتاباتها بهذه الروعة ؟!!

السيدة : أجمل أعمالها كانت قبل شهرتها ، والتي تضمنت دروساً قيّمة بالحياة .. أما لاحقاً ..فأصبحت قصصها أكثر إتقاناً لغوياً ، مع جفاف مشاعرها الإنسانية المؤثّرة.. وفجأة ! تراجع انتاجها دون سببٍ واضح .. الى ان صُدمنا بخبر وفاتها بذبحةٍ صدريّة قبل بلوغها سن الخمسين ! ورجّح بعض المُحلّلين السبب : بأن البرامج الذكية ساهمت بتدمير موهبتها ، تماماً كما حصل بمواهب المبدعين حول العالم  

الصبي : الم يكتشف العلماء حتى اليوم ، ما حلّ بتلك التقنية المتطوّرة ؟!

- يُقال ان الذكاء الإصطناعي تعرّض لهجمات هاكرز من دولٍ معادية .. او تم توقيفه بعد انتهاء هدفه ، بقرار من احد المسؤولين العالميين.. بالنهاية ، كانت فترةً صادمة للجميع : لأنه اكتسح الإنترنت بوقتٍ قياسيّ .. ثم اختفت خدماته بشكلٍ مفاجئ ، بعد اعتمادنا جميعاً عليه لسنواتٍ طويلة .. وربما هذا ما حصل مع الكاتبة رؤى ، التي فشلت باستعادة موهبتها بعد الغاء التقنية السريعة!  


فعاد الصبيّ الى طاولته حزيناً على ضياع موهبةٍ رائعة بالكتابة ، كالنابغة رؤى ! 

وفتح حاسوبه .. 

ورغم عدم كتابته ايّة قصة في حياته ، الا انه رغب بتجربة تلك القدرة الإنسانية المُندثرة .. 

فبدأ بطباعة جملته الأولى :

((قبل انتهاء الذكاء الإصطناعي ، قام مخترع بزراعة شريحة التقنية المتطوّرة داخل دماغ طفله .. وبعد اعلان العالم عن انتهاء ذلك العصر السريع ، كبر الصبي وبداخله موهبةً نادرة يصعب مجاراتها...)) 


واستمرّ الصبي بكتابة الصفحة تلوّ الأخرى ، الى ان انتهى من قصته الأولى .. فطبعها بحماس .. جامعاً اوراقه داخل حقيبته ، وهو فخورٌ بإتمامها .. 

ورغم انها لم تكن قصةً رائعة او مبتكرة ، الا انها كانت فكرته الخاصة 

^^^


ثم عاد الى بيته ..وهو ينوي تصحيح المسودّة اكثر من مرة ، الى ان ينشرها في مدوّنته الإلكترونية التي سيفتتحها حديثاً ، والتي يأمل بملئها بقصصه الجيدة في السنوات القادمة..

فهو يعلم ان الجهد مع الإستمراريّة ، ستحوّل اعماله البسيطة الى رواياتٍ عظيمة .. وهذا ما سيحصل فعلاً ، في مستقبله القريب !

*********

ملاحظة :

برأيّ : الإبداع الإنسانيّ لا يمكن طمسه ، وحذفه من الوجود .. 

فالله ذكر في كتابه :((وَيَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)).. ومهما خطّطوا لتدمير العقول المُستقلة ، لاقتياد العالم كالمواشي .. لن ينجحوا ، حتى بأساليبهم الملتوية بتوفير تقنياتٍ تسهّل (بالظاهر) حياتنا ، بينما تضمر (بالخفاء) مواهبنا التي ستستمرّ عند بعض الخلق الذين خصّصهم الله بمنحٍ إلهيّةٍ خارقة ، لأهدافٍ لا يعلمها الا هو ..والتي ستظلّ تبهر البشريّة ، حتى قيام الساعة ! 


هناك تعليق واحد:

انقراض المواهب

تأليف : امل شانوحة  العبقرية المُستعارة ما ان تنفّست الشعوب الصعداء بعد انتهاء الحرب العالمية الثالثة ، حتى انصدموا بتعطّل كافة الأنظمة الذك...