تأليف : امل شانوحة
ثمن الخلود
رغم طلاق جاكلين (المرأة السبعينية) وموت ابنها الوحيد ، الا انها مازالت تصرّ على البقاء وحدها في منزلها القديم .. رافضةً قدوم العمّال لترميم منزلها ، او توظيف خادمة ، او مُزارع يهتم بحديقتها المُهملة !
وفي احد الأيام .. سمعت الجارة صرختها ، بعد سقوطها فوق الدرج الخارجي لمنزلها .. فنقلتها للمستشفى ..
وعندما عادت جاكلين الى منزلها مُتكئةً على عكّازتها ، تفاجأت بوجود خادمة تنظّف منزلها (بعد ان أدخلتها الجارة التي دفعت أجرتها مُقدّماً لشهرٍ كامل) !
فحاولت جاكلين طرد الخادمة التي اعتذرت عن الرحيل ، تنفيذاً لوصية الجارة بالبقاء لحين فكّ جبيرتها..
فرضخت جاكلين للأمر مُرغمة ، وهي متضايقة من فضول جارتها!
***
بمرور الأيام ، بدأت الخادمة تلاحظ أموراً تتحدّى قوانين الطبيعة !
ففي إحدى الليالي ، نست علبة الحليب خارج الثلّاجة .. والتي لم تفسد او يتغير طعمها في اليوم التالي ، رغم الطقس الحار !
وكذلك الخضار التي قطفتها من حديقة المنزل بقيت طازجة ، كأنها قُطفت للتوّ رغم مرور اسبوع على وجودها بزاوية المطبخ !
اما هرّة جاكلين ، فقد أكّد صغار الحيّ انها بقيت بحجمها الصغير منذ ملازمتها حديقة العجوز قبل سنوات !
كما لاحظت الخادمة ، مشي جاكلين على ساقها المكسورة دون عكّازٍ او ألم!
ليس هذا فحسب ، بل تصرّ العجوز على الإهتمام وحدها بحديقتها بكل حيويةٍ ونشاط !
حتى الزهور التي تُرتّبها بالمزهرية ، تحتفظ بنضرتها لوقتٍ طويل دون ان تذبل اوراقها !
والأغرب ان قبوها مقفلاً بإحكام .. رغم عرض الخادمة تنظيفه مجّاناً ، الا ان جاكلين رفضت فتح الباب لها !
***
وما ان انتهى الشهر ، وفكّت جاكلين جبيرتها .. حتى طردت الخادمة على الفور ، والتي انتقلت للعمل في قصرٍ فاخر في الشهر التالي ..
وكانت مالكة القصر : امرأة سبعينية ايضاً ، تدعى ديانا .. لديها الكثير من الأملاك والأراضي ، الا انها تخشى شيئاً واحداً : الشيخوخة !
ولهذا أنفقت ثرّوةً طائلة على عمليات التجميل الباهظة
^^^
وبإحدى الأمسيات ، أخبرتها الخادمة عن سيدتها السابقة (جاكلين) التي تملك نشاط وحيوية الصبايا داخل منزلها الذي لا يفسد فيه شيء!
وقد آثار الموضوع اهتمام الثريّة التي ارسلت محاميها ، لشراء ذلك المنزل بأيّ ثمن .. الا ان جاكلين رفضت عرضها المغري ، مُمزّقةً شيك المحامي الذي كان بإمكانها به شراء فيلا فخمة
ورفضها الحاسم ، أكّد لديانا بأن السرّ حقيقيّ ! ولذلك رشت بعض نسّوة المنطقة لنشر الشائعات حول جنون جاكلين ، وتشكيلها خطراً على المجتمع
وحين حاول رجال الأمن إخراجها بالقوة .. اوشكت جاكلين على إشعال النار في ملابسها ومنزلها ، مُفضلةً الموت على تركه !
مما اجبر السلطات على الإستعانة بفريقٍ طبّي لتخديرها ، ونقلها إلى مصحّة الأمراض العقلية.
^^^
وبذلك حصلت الثريّة اخيراً على منزل جاكلين المتهالك ..
ومن بعدها ، وظّفت عمّال أكفّاء لإصلاحه .. والذين سألوها عن المرآة الضخمة التي وجدوها بالقبو .. فأمرتهم ديانا بإبقائها مكانها ..
***
بعد شهرين من الصيانة الباهظة .. انتقلت ديانا للعيش وحدها في المنزل المتواضع .. وسرعان ما لاحظت نتائجه العكسيّة !
فالطعام يفسد أسرع من المعتاد ، ورائحة الرطوبة والعفن انتشرت بالغرف رغم تجديدها ..حتى كلبها فقد حيويته ، كأنه هرم فجأة!
وحين وقفت أمام مرآة غرفتها ، رأت تجاعيد وجهها تضاعفت عن السابق ! فجهّزت نفسها للذهاب الى طبيب التجميل .. لتنصدم بأن باب المنزل الخارجيّ ونوافذه مغلقة بإحكام .. فاحتجزت داخله بعد اختفاء شبكة الإتصال من جوالها ، مع عدم سماع الجيران لصرخاتها المُستنجدة !
وقبل شعورها باليأس ، سمعت صوتاً يناديها من القبو !
فنزلت بحذر للأسفل .. لترى انعكاس جاكلين على المرآة ، وهي تقول :
- يبدو انك اكتشفتي سرّي .. نعم !! منزلي ضدّ الشيخوخة .. لكن هذه الميزة لي وحدي ، بعد دفعي ثمنه غالياً
فسألتها ديانا باهتمام :
- وماذا كان الثمن ؟
انعكاس جاكلين : ابني الوحيد .. قدّمته قرباناً لإبليس ، فمنحني الخلود
وكلامها المخيف كان سيجعل ايّ شخصٍ يفرّ هارباً من المنزل ..
لكن ليس ديانا التي تعاني من رهاب الشيخوخة .. والتي فكرت قليلاً ، قبل أن تقول بخبث:
- اذاً !! سأقدّم قرباناً له .. إخبري المخلوقات الباطنية بفتح باب المنزل ، لدعوة ضحيّتي للعشاء
فاختفى انعكاس جاكلين من المرآة .. بينما سارعت ديانا الى المطبخ ، بعد عودة الإرسال لجوالها التي بعثت منه رسالة الى طليقها (الذي يلاحقها دائماً ، ويتمنى عودته الى حياتها) لدعوته على عشاء الليلة
***
في المساء .. وصل طليقها بطقمه الأبيض وهو يحمل الزهور ، كأنه عريس جديد يغمره الفرح لموافقتها على مصالحته.
ونزل معها الى القبو .. حيث أعدّت طاولة العشاء هناك ، بجوار المرآة الضخمة .. ورغم استغرابه من تركها قصرها الفخم ، للعيش بمنزلٍ تعبق منه رائحة الرطوبة .. لكنه لم يردّ إثارة المشاكل ، وتناول حسائه بسعادة .. قبل اصفرار وجهه من أثرّ السم .. وسعاله بقوة ، وهو يطلب من ديانا مساعدته .. التي ظلّت تراقبه ، الى ان لفط انفاسه الأخيرة ..
وبعدها خرج دخانٌ اسود من المرآة ، سحب جثته الى داخلها .. مع ظهور صوتٍ أجشّ يقول :
- قبلت القربان !!
ديانا بحماس : اذاً أعدني فتاةً ثلاثينية
- تمّت الموافقة على طلبك
وهنا شعرت ديانا بنشاطٍ يغمرها .. فسارعت الى غرفتها ، وهي تعاين وجهها وجسمها .. وهي غير مصدّقة باستعادة جمالها ورونقها ، بعد عودتها صبيّة فاتنة !
^^^
لكن بعد ساعات من رقصها وغنائها ، إحتفالاً بشبابها الدائم .. تذكّرت العجوز جاكلين .. ففكّرت بقلق :
- إن تركتها بمشفى المجانين ، قد تخبر احداً بسرّ المنزل .. وربما تعاقبني الشرطة على قتل طليقي بعد اختفائه .. فالأحمق اخبر اولاده (من زوجته الأولى) بقدومه اليّ !
***
وفي الصباح الباكر ، زارت جاكلين في المصحّ .. وما ان رأتها بهيئة صبية ، حتى سألتها :
- ما القربان الذي قدّمته ل..
فأغلقت ديانا فمها بسرعة ، كي لا يسمعها احد .. وأجابت بصوتٍ منخفض:
- طليقي .. وانت ، كيف هان عليك ابنك الوحيد ؟
جاكلين بحزن :
- هو وُلِد مريضاً ، لا يقوى على الحراك .. فأنقذته من إعاقته .. ومع ذلك لم انسى اليوم الذي خنقته بالقبو ، لإراحته من آلامه
- أفعلت ذلك لتقديمه قرباناً ، لأجل الشباب الدائم ؟
جاكلين : لا طبعاً !! لكن وفاته ، أيقظت الروح الشريرة داخل المرآة الغريبة التي اشتريتها من غجريّة بسعرٍ رخيص .. التي خرج منها دخانٌ اسود ، سحبت جثة ابني لعالم الشياطين .. ومن يومها ، لاحظت تزايد نشاطي وصحتي ! ولهذا رفضت رؤية الغرباء .. وعزلت نفسي في منزلي ، مكتفيةً بخضراوات حديقتي لسنواتٍ طويلة ، مع شعوري بالوحدة القاتلة.. ورغم حرصي الشديد ، الا ان سرّي وصل اليك !
ديانا : لا تقلقي ، لن تشعري بالوحدة بعد الآن .. فقد اتيت ، لإعادتك الى بيتك .. سنعيش معاً هناك
جاكلين : لا اظنك تفعلين ذلك حباً لي ، بل خوفاً من فضح جريمتك
فردّت ديانا بابتسامة : يبدو سنتفق جيداً معاً ، رغم انك عجوزة .. بينما عدّت لجيل الصبايا اليافعين
- اظنك اخطأتي بأمنية المظهر الشبابي .. فأنا طلبت من ابليس البقاء على شكلي الهرم ، رغم تحسّن صحتي
ديانا : ولما ترفضين هكذا نعمة ؟!
- كيّ لا أثير الشبهات وشكوك الجيران .. لكن بفعلتك المتهوّرة ، ستزيدين عزلتنا بعد خوف الناس منا
ديانا : لا اكترث لآرائهم ، المهم ان ارى نفسي جميلة دائماً
- لكن نسوة المنطقة عرفوك كعجوزةٍ ثريّة.. والأفضل ان تخبريهم بأنك ابنتها ، وان تلك الهرمة سافرت للخارج
ديانا : لا تقلقي ، لن نختلط بالغرباء كثيراً .. والآن سأذهب لتوقيع اوراق خروجك من هنا
***
وبالفعل عاشت السيدتان معاً في البيت المعزول الذي نادراً ما تخرجان منه ، بعد تكفّل الثرّية بإحضار أطعمة المطاعم عبر عمّال التوصيل .. بالإضافة لتناولهما الخضراوات الطازجة من حديقتهما التي اعتنيا بها جيداً
ومع ذلك انتشرت الإشاعة بين نسوة الحيّ عن عدم كبرهما بالعمر ، وحفاظهما على شبابهما وطاقتهما .. مما اخاف الجميع منهما .. مُتجنّبين اللقاء بهما ، كونهما ملعونتين !
***
وفي احدى الليالي ، وبينما كانتا تتعشيان في القبو.. ظهر على المرآة : انعكاس طليق ديانا ، والإبن المعاق لجاكلين ..وهما يقولان :
- نفذ رصيدكا من الشباب الدائم .. عليكما ارسال قرباناً آخر لإبليس ، قبل ان تتعفنان داخل منزلكما
ثم اختفى الإنعكاسان .. تاركان جاكلين وديانا بحيرةٍ وخوف ، وهما تخطّطان سرّاً : اما بقتل بريءٍ آخر ..او تضحية إحداهما بالأخرى ، حفاظاً على صحتها وشبابها الأبديّ !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق