الأحد، 26 فبراير 2023

الحاكمة الماكرة

تأليف : امل شانوحة

جزيرة الشيطان


وصلت إمرأة اربعينيّة الى الشاطىء بشقّ الأنفس بعد سباحتها ليومٍ كامل ، بعد غرق العبّارة التي استقلّتها ، وموت كل من عليها ما عداها ! 

وبعد استرداد أنفاسها ، تعمّقت في الغابة القريبة من الشاطىء ..الى ان وصلت مع غروب الشمس لقلعةٍ سوداء ، مُضاءة بالشعلات الناريّة.. 


ومن شكل حارسها المخيف عرفت بصحّة الإشاعة القديمة التي تداولها الصيّادون ، الذين نصحوا الناس بالإبتعاد عن الجزيرة المشبوهة !

لكن لشدّة جوعها وشعورها ببرد المساء ، إستجمعت قواها للإقتراب من الحارس الذي صُدم برؤيتها ! وأوقفها برمحه الطويل ، قائلاً : 

- سيفرح اهالي القصر بالقربان الجديد


فلم تكترث لتهديده ، قائلةً بثقة : 

- هل ابني الأحمق بالداخل ، ام مازال يتسلّى مع حوريّات البحر كعادته ؟

الحارس باستغراب : من سمح لكِ بالتكلّم عن ابن ابليس بهذه الطريقة ؟!

فقالت بقوة : اولاً !! إبعد يدك القذرة عني .. وثانياً !! كيف سمحت لنفسك بقول اسمي دون لقب سيدي ، ايها التافه ؟!!

- هل تظنيني غبيّاً ؟ فأنا اعمل لدى سيدي منذ قرون ، وهو الآن غائباً عن الجزيرة في مهمّةٍ سرّية بمدينة البشر


المرأة : أعرف ذلك جيداً ، فهو عملي .. لكن ملاكاً كشفني ، فنزل غضب الربّ عليّ .. لأجد نفسي تحوّلت لإمرأةٍ عادية ، وليتني فاتنة ! المهم سأبقى على هذه الهيئة لبعض الوقت .. والآن إبعد عن طريقي ، فعليّ الوصول الى عرشي للإشراف على سير العمل في مملكتي

- لا !! مازلت لا أصدّق إن ابليس المبجّل تحوّل لإمراةٍ قبيحةٍ مثلك

فصفعته بقوة ، مُعاتبة :

- لا تقلّ لأيّ امرأة بأنها قبيحة .. آه اللعنة ! أصبحت أتكلّم مثل نسائهم التافهات .. هيا إغرب عن وجهي وإلاّ احرقتك ، ايها الأحمق !!

فتجمّد الجني مكانه !

المرأة باستحقار : فكّر قليلاً بذرّة العقل الموجودة برأسك الفارغ .. هل يمكن لبشريّة أن تصفع مارداً ضخماً مثلك؟

الحارس : معك حق .. تفضّل سيدي


وأكملت طريقها ، وسط دهشة خدمها (من عبيد الجن) ..لحين جلوسها على العرش الذهبيّ ..


ووصل الخبر لإبن ابليس الذي سارع الى هناك ، رافعاً سيفه بوجه المرأة الغريبة :

- كيف تجرأين ايتها البشريّة على الجلوس فوق عرش ابي ؟! لا احد من الشياطين فعلها من قبل !

فقالت بثقةٍ وغرور : ما اخبار قبيلة الجن والشياطين بغيابي ؟

ابن ابليس : من انتِ ؟! ولما لستِ خائفة من سلاحي ؟!

المرأة بلؤم : لأني بحركة من يدي ، أحوّلك لرماد ايها الإبن العاقّ

ابن ابليس بصدمة : ابي !

- نعم ، والربّ مسخني لإمرأة 

- ولما لم تظهر كفتيات السينما ؟ 

المرأة : الا تكفيك حوريّات البحر ، أتريد ايضاً ان تغازل اباك ايها المنحرف ؟ إذهب واخبر الطبّاخ أن يشوي لي سمكاً طازجاً 

- لكننا لا نأكل سوى العظام والأحشاء !


فتنهّدت المرأة بضيق : الله بلاني بإبنٍ احمق ..قلت لك بأني سأبقى مُحتجزاً في جسد بشريّة لبعض الوقت .. فاذهب واجلب لي أفخم الطعام ، فأنا جائعٌ جداً

- كما تشاء ابي ..هل تريد شيئاً آخر ؟

- نعم ، اين دورة المياه ؟

ابن ابليس باستغراب : لكننا لا نتبو..

مقاطعاً بعصبيّة : أحلف إن أكملت الجملة ، سأحرقك على الفور !! فبالكاد أطيق جسدها الضعيف 

- اذاً عليك النزول الى حمّامات الخدم ، فالجن يستخدمونها وليس الشياطين.. 

المرأة : فهمت فهمت ، سأنزل حالاً .. لكن اولاً إخبر العاملين بقصري بما حصل ، فلا اريد ان أشرح لكل واحدٍ موضوع المسخ المزعج 

- كما تشاء ابي

***


مرّت الأسابيع ، حكمت فيها المرأة القصر بقوةٍ وحزم .. وأطاعها الجن والشياطين ، بعد سماحها بإجازاتٍ اسبوعيّة وشهريّة لأول مرة في حياتهم ! كما علّمت الطبّاخين بعض وصفات الطبخ البشريّة اللذيذة ، التي أعجبتهم كثيراً  


وفي المقابل ، تابعت اعمال ابليس المتوقفة قبل المهمّة السرّية .. حيث طالبت بحضور كبار الماسون لإقالة اهم زعماء العالم ، واستبدالهم بقادةٍ صالحين ! 

مما فاجأ زعيم الماسون الذي سألها :

- لكننا اخترنا الفاسدين بتركيزٍ وعناية ، فلما نقيلهم رغم إخلاصهم لأوامرك ؟!

المرأة : إفهم يا غبي .. الم اقل سابقاً انني كنت في مهمّةٍ سرّية بمدينة البشر ، لإفساد اكبر عددٍ منهم ؟

- نعم

- وقد تمكّنت من خلال تنصّتي على فئاتٍ متنوّعة من الشعب ، معرفة القادة الذين حصلوا على ثقتهم ودعمهم .. لهذا اريدهم ان يحكموا البلاد ، كيّ لا تحدث ثورات تطيح بخططنا السابقة


زعيم الماسون : أتقصد انك تخطّط لإفساد الصالحين بعد قيادتهم الشعوب ؟

المرأة : شيء من هذا القبيل ، لهذا نفّذ اوامري دون اعتراض .. فالحكّام السابقين أحرقوا ورقهم بعد فوح سمعتهم السيئة ! ليصبحوا مكروهين من أغلبيّة المواطنين ، لذا حان وقت إستبدالهم

- كما تشائين سيدتي

المرأة بغضب : ماذا قلت ؟!!

- آسف .. كما تشاء سيدي

***


ومرّت الأيام ، والمرأة مازالت تراقب البحر من نافذتها العلويّة في غرفتها ببرج القصر كل مساء ، اثناء إستراحة الجن الذين سمحت لهم بتعديل اوقات نومهم بعكس ما تعوّدوا عليه طوال حياتهم ، فصاروا يستيقظون وينامون مُتزامنين مع اوقات البشر !


وبنهاية الشهر الثالث .. شاهدت مساءً ، سفينةً صغيرةً سوداء تقترب من الشطّ ! فنزلت بسرعة من برجها .. وخرجت من القصر ، اثناء نوم الحارس المارد امام البوّابة .. ثم اختبات بالغابة 

وبعد رؤيتها ابليس يتجه الى قصره ، أسرعت الى الشاطىء وسرقت قاربه السريع مُتجهةً لأقرب يابسة .. 


بينما وصل ابليس الى قصره ، ليتفاجأ بالتغيّرات التي حصلت هناك ! بِدءاً بحارسه النائم ، وإجازات الجن والشياطين ، ومذاق طعامهم الجيد ..وصولاً لكل الإصلاحات التي قامت بها المرأة الغامضة في العالم ، مُدمرةً بذلك خططه التي دائمت لقرون ، بعد تعيّنها القادة الصالحين بدل الفاسدين ! 


مما اغضب ابليس الذي انصدم من تصديق قومه لقصة مسخه السخيفة ! 

ونادى ابنه لمعاقبته ، والذي برّر قائلاً : 

- ابي ، كانت تتصرّف مثلك تماماً ! وبنفس النبرة الآمرة والإستبداد بالرأيّ ، لهذا لم نشكّ انها مجرّد بشريّة تجرّأت على احتلال القصر بغيابك!

ابليس : صفها لي ؟

- عاديةٌ جداً ، وليست فاتنة

- وطبعاً لأنها ليست جميلة ، لم يهمّك التدقيق بماضيها ، كما تفعل مع الحوريّات ايها الفاسق ؟!

ابنه : الم تخبرنا دائماً انك تعرف الغيب ، فكيف لم تعرف انها احتلّت مكانك ؟

ابليس : انا لا اعرف القدر او المستقبل ، فانا مخلوقٌ عاديّ

ابنه بصدمة : أحقاً ما تقوله !

فاقترب منه مُهدّداً : إن عرف احد بهذا السرّ ، سأحرقك دون تردّد .. فأنا مازلت غاضباً منك ، لأنك لم تقتل الدخيلة الماكرة

- سامحني ابي ، فقد غلبتنا بذكائها

ابليس : صدق القرآن حين وصف الشياطين ((إن كيد الشيطان كان ضعيفاً)) ..ووصف النساء على لسان العزيز ((إن كيدكنّ عظيم))

- ومالعمل الآن ؟


ابليس وهو يشاهد سعادة الناس بحكّامهم العادلين ، من بلوّرته :

- علينا البدء من جديد ، بعد أن دمّرت اللعينة الكثير من خططي السابقة .. إجمع لي زعماء الماسون في الحال

ابنه : لكن الحاكمة السابقة أعطت الشباب منهم اجازاتٍ طويلة ، وأقالت العديد من عجائزهم 

ابليس : لا يهمّني الشباب ، إتصل بخدّامي القدامى .. 

- وماذا عن المرأة ؟ 

- عندما أعرفها ، سأعاقبها بنفسي

***


في المدينة ، عادت المرأة الى بيتها وهي متفاجئة مما فعلته :

((يبدو إن قمّة الخوف ، شجاعة .. ولا ادري كيف خطر ببالي أن أذكر الإشاعة السائدة : بعلاقة ابن ابليس مع الحوريّات ! والتي جعلت الحارس المارد يخبرني بسفر ابليس .. فبغيابه ، استطعت تمثيل دوره كيّ لا أقتل بأسوء طريقة .. كل ما أتمناه أن تدوم الإصلاحات التي قمت بها لأطول مدةٍ ممكنة ، قبل أن يعمّ الفساد من جديد.. يبدو اننا أعطينا ابليس اكبر من حجمه ، فبإمكاننا بسهولة محاربته وتدمير خططه ! .. صدق من قال : النساء أخبث من الشياطين))

وابتسمت بفخر..


الجمعة، 24 فبراير 2023

السفّاح الصغير

تأليف : امل شانوحة 

تنبؤٌ ظالم !


لم تكترث الأم ببرودة تلك الليلة وهي تتخلّى عن رضيعها امام باب الميتم في بلدتها الصغيرة الفرنسيّة ! تاركةً ورقة على صدره تبيّن سبب تخلّيها عنه : 

((أخبرتني المشعوذة بأنه سيكبر ليصبح أخطر سفّاحٍ بفرنسا ، أتمنى ان لا تصدقونها كما فعلت !))


من بعدها اختلقت كذبة على ابيه : بأن الغجر خطفوه منها ، بعد تخديرها بقماشةٍ مبلولة في زقاق السوق ! 

فبحث الوالد كثيراً عن طفله (شارل) بقرية الغجر المليئة بالّلصوص والمجرمين والشحاذين ، دون عثوره عليه !  


ومع ولادة طفله الثاني (لويس) تقبّل فكرة زوجته : بأنهم قتلوا ابنه البكر.. 

وأخفت سرّ إحتفاظها بأبنه الثاني ، وهو تنبؤٌ آخر من ذات المشعوذة : بأنه سيصبح رجل قانونٍ تفتخر به !  

***


كبر شارل في الميتم الذي عاملوه دائماً بحذر .. ففي العصور الوسطى كان كلام المشعوذات مُقدّراً وذوّ أهميّة ! 

لهذا فضّلوه عن غيره ، أملاً بتجنّب نوبات غضبه العنيفة والمخيفة بنسبة لولدٍ في 12 من عمره ..

 

الى ان أتى يوم إنفجر فيه المدير غاضباً ، بعد مشاجرة شارل مع زملائه اثناء الغداء .. فشدّه من ياقته ، قائلاً امام الجميع :

- امك معها حقّ بتخلّيها عنك !! فأنت حتماً ستصبح اخطر سفّاحٍ بفرنسا ، كما تنبّأت المشعوذة 


ونزل كلامه كالصاعقة على شارل ! فهو ظنّ بأنه يتيم الوالدين ، وانهما ماتا في صغره .. ليعلم الآن انهما تخلّيا عنه طواعيةً ، لأجل تنبؤٍ من عجوزةٍ خرفة !

***


بعد هذه الحادثة ، إنزوى شارل عن زملائه ! وقلّ طعامه ولعبه مع الآخرين ، مما أسعد المدير الذي ارتاح من مشاغباته المتواصلة ، مُعتقداً بأن كلامه أدّبه .. وبأنه بذكائه إستطاع تحقيق معجزة ، بتغيّر مستقبله الشنيع .. 

لكنه لا يعلم بأن شارل يُخطّط للهرب من الميتم الذي ضاقت جدرانه به ، بسبب نظرات الإستحقار والخوف من زملائه الذين عرفوا حقيقته ! 

***


ببلوغ شارل سن 16 ، تمكّن اخيراً من تنفيذ خطته : بالإختباء تحت القشّ الخاصّ بأحصنة الإسطبل التابع للميتم .. ومن هناك هرب للقرية المجاورة ، دون علمه بأنها تابعة للغجر الهاربين من العدالة !


وسرعان ما وقع بأيدي عصابةٍ إستخدموه بالشحاذة والسرقات .. 

وبعد عدّة سرقاتٍ ناجحة .. ضُرب بعنف من شرطيّ تمكّن الّلحاق به ، بعد سرقته محفظة لرجلٍ ثريّ !  


فعاد متألّماً الى عصابته ، ليعاتبه زعيمهم :

- انت غير نافعٍ بشيء !! لا الشحاذة ولا السرقات

ليتفاجأ بشارل يقول بعصبية : 

- الا تعلم من اكون ؟ انا الذي سأصبح أخطر سفّاحٍ بفرنسا !!


ثم أخبره قصة المشعوذة .. وفي ذلك الزمن ، كان كلام السحرة مُصدّقاً تماماً .. فقال الزعيم بخبث :

- اذاً سأرسلك لزميلي بالعصابة الثانية ، ليضعك على مسارك الصحيح .. فهم متخصّصون بالقتل 

شارل : أتقصد القتلة المأجورين ؟

- نعم ، فبالعادة يستأجرهم كبار السياسيين والتجّار لقتل منافسيهم بسرّيةٍ تامة .. لكن عليهم اولاً تدريبك على السلاح .. 

- ومتى اذهب اليهم ؟

- يبدو انك متحمّساً للدماء !

شارل بحزم : إن كانت هذه وظيفتي بالحياة ، فسأفعل كل ما يجعلني الأقوى والأخطر في فرنسا !!

الزعيم : حبك للشهرة سيحقّق نبوءة المشعوذة .. حسناً دعني أخبر زميلي بماضيك ، وهو سيتصرّف معك

***


بالفعل ، تمّ ضمّه لأهم عصابة للقتل المأجور .. حيث تفاجأ رئيسهم بسرعة إتقانه للسيف والسهام والرماح .. كما سرعته بالركض والإختفاء ، في حال لاحقته الشرطة 

***


بعد شهور من التدريب المتواصل على الخطط الخبيثة المستخدمة بعصرهم ، أُرسل شارل لمهمّته الأولى : وهي قتل تاجراً إستحوذ على الخمور في المنطقة .. حيث عليه مراقبته خارج البارّ كل ليلة ، لحين إيجاده الفرصة للتخلّص منه بعيداً عن رجاله ..


وقد استطاع انهاء المهمّة بعد اسبوع من المراقبة ، غير آبهٍ بقتله بالسهم امام زوجته وابنه الصغير ! 


لتحتفل عصابته بجرأته وانعدام ضميره ، وهم يتمّنون له المزيد من الضحايا والمهمّات المستقبليّة الدمويّة !

***


لم يكن صعباً على شارل أن يصبح الأول بقائمة القتلة المتسلّسلين ، بعد ثقة من حوله بتنبّؤ المشعوذة المعروفة بقوتها بين سحرة زمانها! 

لهذا أفسح زملائه الطريق له ، ليصل للقمّة بوقتٍ قصير .. ويصبح المطلوب الأول لدى كبار المسؤولين بالدولة .. 


اما المنافسون : ففور معرفتهم بأنهم مراقبون منه ، يفرّون خارج البلاد لأن إصابته لا تخطىء ابداً ! فهو معروف بحبه للذبح بدل استخدام السهام والرماح ، حتى عُرف بالسفّاح الأخطر بفرنسا .. وبذلك تحقّقت النبوءة اخيراً !

***


لم يستطع احد إيقاف شارل يوماً ، الى أن عُيّن الشرطي الجديد (لويس) المعروف بجرأته وقوته التي توازي شرور القاتل المحترف .. والذي تتبّعه في كل مكان ، متمكّناً من إفساد خططه بآخر لحظة .. مما أغضب شارل بعد عرقلته مسيرته المثاليّة ، مُقرّراً القضاء على عدوه (لويس) بأيّ ثمن

***


راقب المجتمع الفرنسي المنافسة الشرسة بين الشرطي البطل والقاتل العنيف .. 

وقام الشرفاء بدعم مركز الشرطة بالمال الكافي لتوظيف المزيد من المتطوّعين لمساندة لويس الذي أنقذ عدّة ضحايا باللحظة الأخيرة ! 

وبتعيّن المزيد من المخبرين ، ورشوى الأعضاء الصغار بالعصابة التي ينتمي اليها المجرم شارل ، إستطاعوا معرفة تحرّكاته اولاً بأول 


الى أن قُبض عليه قبل هروبه بالسفينة .. وتمّ اقتياده الى مركز الشرطة التي احتشد الناس خارجها بعد معرفتهم بالقبض على المجرم الشهير ، رغبةً برؤية وجهه الذي لم يره أحد !

***


لم يتعدّى فترة محاكمة شارل بضعة ايام ، قبل الحكم عليه بالإعدام بعمر الأربعين .. وتمّ تحديد يوم شنقه امام الحشود ، وسط ساحةٍ فرنسيّة ..

 

وقبل إعدامه ، إقترب الشرطي (لويس) وهو يقول :

- صدقت مشعوذة امي بالفعل ! 

شارل : ماذا تقصد ؟!


وهنا اقتربت امرأة عجوز منهما ، وسط دهشة الجمهور لصعودها على منصّة الشنق ، قائلةً له :

- انا امك يا شارل 

شارل بصدمة : أأنت من تخلّيت عني ؟!

الأم : نعم ، لأني لم اردّ تربية مجرمٍ عنيفٍ مثلك .. جيد أن والدك توفيّ قبل رؤيته اعدامك .. وهذا اخوك لويس ، ربّيته ليصبح اعظم رجل قانونٍ بالبلد 

شارل باستغراب : انت اخي !


لويس : امي أخبرتني عند انتشار صيتك ، بأننا إخوة .. فهي عرفتك من الرسم المنشور لك ، حسب اوصاف المخبرين

الأم : أكيد عرفت أنك ابني يا شارل .. فأنت وُلدّت بأصبعٍ زائد في يدك اليمنى

شارل بقهر : هذا الأصبع لقبوه زملائي بأصبع الشيطان .. لما حوّلتني لمجرمٍ يا امي ؟!

الأم : لم افعل ، أنا فقط صدّقت نبوءة المشعوذة العظيمة


شارل بغضب : اللعنة عليك وعليها !! انتما حوّلتما حياتي لجحيم .. من هي لتعرف المستقبل ؟ .. لوّ انك ربّيتني جيداً ، لأصبحت شرطيّاً كأخي الصغير .. لكنكِ تخلّيت عني .. ليس هذا فحسب ، بل أخبرتي الميتم بكلام المشعوذة .. وبسببك عاملونني كمنبوذٍ قذر .. انت من جعلتني مجرماً يا امي .. وفي حال تلاقينا يوم الحساب ، سأطلب من الربّ أن يحرقك بجنهم قبلي .. (ثم تنهّد بضيق) .. من الجيد انني عرفت قبل موتي ، من اين ورثت إنعدام الضمير .. (ثم نظر للويس) .. لقد فزت عليّ .. يمكنك شنقي ، اخي العزيز


ونزل الشرطي لويس مع امه من المنصّة .. ليبدأ السجّان بتنفيذ الحكم ، بوضعه قماشة على رأس شارل الذي صرخ لإزالتها بالحال ، قائلاً بغيظ :

- اريد رؤية عائلتي لآخر مرة قبل خروج روحي ، كيّ أحفظ وجهيهما جيداً وألاحقهما في كوابيسهما للأبد


وبالفعل شُنق دون إخفاء وجهه ! وسط تصفيق الجمهور ، السعداء بانتهاء الفترة القاتمة على فرنسا .. 

وتفرّقت الجموع بعد إنزال الجثة ، لدفنها بمقبرة المجرمين .. بينما عادت الأم وابنها متضايقيّن للمنزل ، فكلام شارل هزّ إيمانهما الداخلي وثقتهما العمياء بالمشعوذين ! حيث تساءلت الأم طوال الليل:

- هل ما فعلته صحيحاً بتخلّصي من الشيطان الصغير ، ام انني حوّلته فعلاً لمجرمٍ كما قال ؟!


وظلّت تردّد ذلك ، حتى نامت من شدّة تعبها النفسي .. دون علمها بأنها وابنها لويس سيشاهدان الكوابيس المرعبة لما تبقى من حياتهما ، بسبب روح السفّاح الغاضبة !  


الأربعاء، 22 فبراير 2023

الهزّة الأرضيّة

كتابة : امل شانوحة 

 

الذكرى الأخيرة


((وجدتك ماما))

كان عمره خمس سنوات حين لاعبته امه الغميّضة ، وهي الذكرى الأولى لوالدته الحنونة .. 


ومن بعدها كبر مروان ، ليصبح ممرّضاً في سيارة إسعاف .. وبعد زواجه ، داوم على زيارة امه في عمارتها القديمة التي رفضت تركها ، لحبها لجيرانها التي عاشت معهم اكثر من ثلاثين سنة .. حيث تعمّقت صداقتهم اثناء اختبائهم في الملجأ أيام الحرب التي حصلت قبل عشر سنوات .. وتقاسموا الطعام بعد اشتداد الحصار على منطقتهم .. فهم بالنسبة لها اهلٌ واحباب ، لهذا لم تقبل الإنتقال للحيّ المجاور الذي يسكن فيه ابنها الوحيد  

***


في تلك الليلة الباردة ، تجمّع السكّان في الشوارع بعد هزةٍ ارضيّة عنيفة ضربت المنطقة ! 

وكان مروان اول الواصلين من المسعفين ، لعلمه بمباني الحيّ القديم المتهالكة .. ونزل من الإسعاف وهو يمشي متثاقلاً بين السكّان الذين يصرخون مذهولين بعد إنهيار اكثر من مبنى بالهزة الأرضيّة التي تجاوزت 7 درجات ، وتعتبر الأولى منذ سنواتٍ طويلة .. 


كانت قدماه بالكاد تحمله وهو يمرّ بالزقاق الذي لم يعدّ ضيّقاً بعد انهيار المباني بكلا الطرفين ! مُتجاهلاً إستغاثة الأمهات اللآتي أمسكنّ بثيابه ، طلباً لإنقاذ اطفالهن العالقين تحت الركام .. 

لم يكن بوعيه ، فكل ما اراده هو الوصول الى عمارته التي عاش بها سنوات طفولته ومراهقته وشبابه ، بعد بلوغه سن الأربعين


ولم يعرف انه وصل المكان إلاّ من خلال المسجد الأثريّ الذي لم يبقى منه سوى مأذنته المتشقّقة .. فعلم إن تلّة الحجر المقابلة له ، هي عمارته القديمة! 

وعندما سمع صراخ جارته وهي تقول للشرطة (الذين تجمّعوا هناك) اسماء جيرانها المفقودين ، عرف بأن امه مازالت عالقة تحت الركام!


فأسرع لتسلّق التلّ وهو يحفر بيديه العاريتين ، غير آبهٍ بشظايا الزجاج التي تخترق جلده ..فهو يعلم جيداً بأن نبتة الياسمين الموجودة بزاوية شرفةٍ منهارة ، تعود لمنزل امه !


خلال هذه الدقائق العصيبة ، إستذكر كل شيء : ((صوت ماكينة الخياطة التي عملت عليها امه ليل نهار لتلبية حاجاته ودفع مصاريف المنزل ، بعد وفاة والده وهو طفلاً صغيراً .. سهرها معه ايام الإمتحانات ومراجعتها دروسه ، رغم عدم إنهائها الدراسة الإبتدائية .. ذكرها الله لطمأنته خلال الحرب ، اثناء وجودهما في الملجأ .. عجنها الخبز على ضوء الشمع ، اثناء الحصار .. دموعها خلال تخرّجه من معهد التمريض .. إفتخارها به امام الأقارب والجيران ، كأنه جرّاحٌ شهير ! سعادتها بيوم زواجه .. حنانها ولطفها على اطفاله.. كما تذكّر كلامها في زيارته الأخيرة حينما اخبرته بأنها شاهدت في المنام : والده ينتظرها بالجنة بثياب العريس .. فحسّ بغصّةٍ بقلبه بأنه لن يجدها حيّة !)) 


وفي الوقت الذي حشر فيه نفسه داخل شقٍّ ضيّق على نور جواله ، غير مكترثٍ بصراخ زملائه بعدم المخاطرة كيّ لا يحتجزّ بالداخل .. وهو يتابع الزحف باتجاه غرفة امه ، مُستذكراً لعبة الغميّضة في طفولته .. 

حتى وجدها فوق سريرها ، والإبتسامة تعلو وجهها .. ولولا عينيها المفتوحتين وشفاهها الزرقاء ووجها الشاحب ، لظنّ أنها نائمة بسلام! 

فهمس بأذنها بصوتٍ متهدّج :

((وجدتك ماما))


الثلاثاء، 21 فبراير 2023

حارس المدرسة

تأليف : امل شانوحة 

حفلة التقاعد


بعد مرور اربعين عاماً على حراسته لمدرسةٍ إبتدائيةٍ مُختلطة ، تمّ تكريم العم صالح (السبعينيّ) امام الطلاّب والأساتذة ، في حفلة تقاعده بنهاية العام الدراسيّ


وعلى المنصّة بساحة المدرسة ، سألته الناظرة عن اهم الأحداث التي شاهدها خلال عمله .. فأجابها مبتسماً :

- في بداية عملي ، عاملت الطلّاب كأولادي .. وبعد كبري في السن ، صاروا في مقام أحفادي.. فمن واجباتي الخوف عليهم ، وأخذ الحرص والحيطة اثناء صعودهم الحافلة او نزولهم منها بأمان .. كما عليّ التأكّد جيداً من ذهاب آخر طالبٍ مع وليّ امره ، قبل إقفالي المدرسة .. وغالباً ما أصل متأخراً لمنزلي ، لبقائي بجانب التلاميذ الذين أطال اهاليهم الحضور لسببٍ ما .. فهم مسؤوليتي منذ دخولهم المدرسة وحتى خروجهم منها .. اما اهم الأحداث التي سمعتها اثناء تجمّعهم امام البوّابة بنهاية الدوام ، فهي بسيطة بسبب اعمارهم الصغيرة مثل : 


((شجاراتهم المتنوّعة ، مع ان أغلبهم يتصالحون قبل عودتهم منازلهم – كما يسعدني مشاركتهم الحلوى فيما بينهم ، اثناء انتظار اهاليهم – وأحياناً أظلّ اراقب الأولاد عند قطعهم الشارع ممن يذهبون مشياً الى بيوتهم القريبة ، وكم جميلٌ رؤيتهم يتشاركون المظلّة تحت المطر – ولا انسى الطلاّب الصغار الذين يحتمون بي من صوت الرعد اثناء العواصف – وقد كنت من وقتٍ لآخر أسمعهم وهم يمدحون اولياء امورهم ، او العكس تماماً ! وكثيراً ما نصحتهم ببرّ اهاليهم وجزاء ذلك بالآخرة – وهناك من يتحدّثون عن عواطفهم لصديقهم المقرّب ، لكنهم يخجلون حين يرون نظراتي المعاتبة – اما الأولاد الأكبر سناً ، فيتناقشون احداث مسلسلهم المفضّل او لعبتهم الإلكترونيّة ، او يتفقون على مباراة كرة القدم بالحديقة بعد المدرسة – اما البنات فمشغولين بالأعياد والهدايا والزيارات العائلية والنزهات في العطلات الإسبوعيّة - وطبعاً بنهاية كل فصل تتركّز أحاديثهم على الدروس والإمتحانات الشهريّة – اما الفتيات فهن الأكثر تكلّماً عن الأساتذة ، بعكس الأولاد المشغولين بتدبير الطرق للإفلات من الحصصّ الدراسيّة .. وعادةً ما أمسكهم وهم يحاولون القفز من الجدران الخلفيّة للمدرسة .. خاصة بعد أن كسر احدهم قدمه ، ولامني والده على عدم إنتباهي له ! كما هناك من يمرض ويخرج قبل نهاية الدراسة ، وأبقى معه حتى قدوم والده بعد اتصال الإدارة به .. وفي بعض الأحيان اضّطر لملاحقة فتاة بعد شكّي بالشاب الذي أخذها من المدرسة ! واستطعت اكثر من مرة إنقاذهنّ من الشباب المخادعين الذين يهربون فور ملاحقتي لهم بالعصا ، لأعود وأنصحهنّ بعدم تصديق وعودهم الكاذبة .. وهناك من هدّدتها بتبليغ والدها ، لتكفّ عن تصرفاتها المتهوّرة .. اما في ايامٍ أخرى ، فاستقبلت الأطباء القادمين لتطعيم الطلاّب الجماعيّ ، وكان يضحكني منظرهم وهم ينصرفون من المدرسة وهم مازالوا يبكون من حقنة الصباح ! بعكس وجوههم السعيدة عندما يحملون الهدايا من حفلات المدرسة ، او علب الطعام من مسابقاتهم الشهريّة الممتعة .. وعادةً ما يهدونني بعض حلوياتهم اللذيذة .. كما لا أنسى زيارات الأهالي بالإجتماعات الدوريّة ، او وقت تسليم الشهادات بنهاية السنة .. فهناك طلاّب إفتقدناهم ، لنشاطهم وذكائهم وتميّزهم الإجتماعيّ .. وهناك طلاّب حمدنا الله على تخرّجهم ، لمشاغباتهم الدائمة .. مازلت لا أصدق انه مرّ 40 عاماً على عملي كحارس مدرستكم ، كأني البارحة عيّنت لديكم ! والحمد الله أن السنوات عدّت بسلالةٍ ويسر)) 


الناظرة : وماذا عن المعلمين والمعلمات ؟

الحارس : أغلب حديثهم عن مشاكل منزلهم او عملهم ، لذلك فضّلت عدم التنصّت  عليهم لخصوصيّة حياتهم .. اما الأطفال فكنت حريصاً على التسمّع عليهم ، خوفاً من انحراف سلوكياتهم او تعرّفهم على اشخاص يخدعونهم من خارج المدرسة .. وكثيراً ما عاتبتهم على ألفاظهم البذيئة ، وفي بعض الأحيان إستخدمت العصا لتأديبهم ، وكانت تجدي نفعاً بالكثير من الأوقات .. كما لا انسى الأوقات الطريفة حينما اخطئ بنطق بعض أسماء العائلات بالميكروفون .. ورؤية الآباء يعاتبون ابنائهم على تأخّرهم بالخروج من المدرسة ، وسماع حججهم المضحكة .. وغيرها من المواقف التي أشعرتني بتعلّق الطلّاب بي ! 


فقال المدير بالميكروفون : 

- كنت فعلاً والداً للجميع ، وكثيراً ما ساعدتنا بتزيّن المدرسة وحمل صناديق الكتب في بداية العام .. وقيامك بتصليح بعض الأعطال في الأنوار والمكيّفات وحتى السباكة ، وأمضيت الكثير من الوقت مع عمّال الصيانة .. وكنت بحقّ والداً للجميع ، فشكراً لك عم صالح

الحارس بتواضع : هذا واجبي ، سيدي المدير  

ثم سلّمه هديته الماليّة بالإضافة لدرع المدرسة ، وسط تصفيقٍ حارّ من الطلاًب .. 

***


عمّ الهدوء في المدرسة مع بدء عطلة نهاية السنة .. وكان العم صالح يمرّ من وقتٍ لآخر وهو يتأمّل غرفته الخارجية بجوار البوّابة المغلقة ، وهو يستذكر ايامه هناك 

***


قبل ايام من بدء العام الدراسيّ الجديد .. إقترب العم صالح من الحارس الجديد ، وهو شابٌ ثلاثينيّ .. وأخذ ينصحه ببعض الأمور ، وكيفيّة تصرّفه مع الطلاًب .. وأن يعامل المعلمات كإخواتٍ له ، ويغضّ البصر عن الصبايا اليافعات .. ويحفظ اشكال اهاليهم ، كيّ لا يذهبنّ مع الشباب الأنذال .. 

وبعد عدّة نصائح ، دعى له بمسيرةٍ مهنيّة مريحة .. ثم غادر بسلام


فسأل الحارس ، خادمة المدرسة عنه .. فقالت :

- هذا هو العم صالح ، حارسنا منذ أربعين سنة .. كان والداً للجميع ، وقد أعطاك ملخّصاً سريعاً عن خبرته .. وأتمنى ان تكون رحيماً ومسؤولاً مثله 


فشعر الشاب بالإمتنان للعجوز المخلصّ الذي مازال باله مشغولاً على طلاّب مدرسته ، حامداً الله على وجود شخصٍ نادرٍ مثله في زمننا الصعب!  


الأحد، 19 فبراير 2023

قسمة ونصيب

تأليف : امل شانوحة 

المريض الوسيم


بعد خروج الأم من العمليات ، أعادوها الى غرفتها في المشفى لقضاء اسبوعٍ ثاني قبل رجوعها الى منزلها .. بينما باتت ابنتها سلوى على الكنبة القريبة من سريرها 


وفي المساء وبعد خروج الزوّار ، ونوم المرضى .. جافاها النوم .. فتجوّلت سلوى بين الأروقة بعد شعورها بالملّل ..

وقبل عودتها الى غرفة امها ، لاحظت شاباً في الغرفة المجاورة يحاول اخذ قبعته الصوفيّة التي وقعت منه بجوار سريره ..


فدخلت غرفته ..ونفّضت القبعة من الغبار ووضعتها على رأسه ، وسط دهشته ! 

ثم قالت بارتباك ، بعد انتباهها على وسامته :

- رأيت المصل في ذراعك الأيمن ، والجبس في يدك اليسرى ، فساعدك بلبسها .. آسفة على تطفّلي


وقبل خروجها من غرفته ، ناداها :

- هل تعملين هنا ؟

سلوى : لا ، انا أبيت مع والدتي بالغرفة المجاورة 

- لوّ سمحتي .. هل يمكنك إعطائي لحافاً من الخزانة ، فأنا اشعر بالبرد 


وبعد أن غطّته بالّلحاف ، قالت باستغراب :

- وقدمك ايضاً مكسورة ! هل أصبت بحادث ؟

الشاب : كنت اقود سيارتي بعصبية ، وارتطمت بقوّة بعامود النور

- جيد أن الأمر انتهى ببعض الكسور

- الحمد الله

سلوى : لا شيء يدعو للعصبيّة لهذه الدرجة

- علمت يومها بأن حبيبتي فسخت خطبتنا ، للزواج من حبيبها السابق بعد عودته من السفر .. وشعرت كأنها طعنتني بالظهر

سلوى : ومن الغبية التي أطلقت سراحك ؟


فابتسم قائلاً :

- تتحدثين وكأني عصفورٌ بقفص !

سلوى : آسفة ، لا أجيد التعبير جيداً .. على كلٍ ، سأعود لأمي

- هل هي مستيقظة ؟

- أعطوها منوّماً قوياً ، سيبقيها نائمة حتى الصباح

الشاب : اذاً لما الإستعجال ؟ إبقي معي قليلاً

- الم يزورك اهلك اليوم ؟

- بلى ، وتمنّيت لوّ زارتني معهم  

سلوى : طالما ارتبطت بغيرك ، فليس من صالحها إغضاب العريس الجديد

الشاب بقهر : هذا صحيح


سلوى : لا تحزن ، ربما كتب الله نصيباً أفضل لك

- ربما ... وانت ؟

- انا ماذا ؟!

الشاب : هل انت مخطوبة ؟

- تخرّجت حديثاً من الجامعة ، ولم أفكّر بالموضوع بعد

- وانا تخرّجت من جامعتي قبل خمس سنوات ، يعني لا أكبرك بكثير .. مع ان شكلك يوحي بأنك مراهقة !

سلوى بخجل : ليس لهذه الدرجة ..


الشاب : وماذا تعملين ؟

- مازلت أبحث عن وظيفة ؟ مع اني لا أحبّذ عمل البنات

الشاب باستغراب : أحقاً ! كان هذا خلافي الدائم مع خطيبتي .. فهي تصرّ على العمل ، رغم راتبي الجيد وراتبها الزهيد ! 

- أتريد إثبات نفسها وشخصيّتها ، وكلام من هذا القبيل ؟ 

- نعم 

سلوى : وبعد إنجابها الأولاد ، تصرف راتبها على الخدم والحضانة والأكل الجاهز وهدايا زملائها بالعمل 

- معك حق ، لذلك لم يعدّ الأولاد مهذّبين بزمننا هذا.. غريب ان اجد احداً يفكّر مثلي ! فهي أشعرتني كأني رجلٌ متخلّف


سلوى : أهذا رأيها بأفكارك ؟

- هي حاولت كثيراً تغيّر شخصيّتي وارائي التقليديّة ، حسب قولها

- برأيّ الشخص الذي لا يحبك كما انت ، لا يستحق أن تهديه قلبك

الشاب : لما كلامك اكبر من سنك ؟

- انا من جيلك ، وإن كان شكلي يبدو طفوليّاً

- وهذا ما يميّزك .. صحيح لم اسألك ، ما اسمك ؟

- سلوى ، وانت ؟

الشاب : ماجد 

- ذكّرتني بالرسوم المتحركة ، وبمجلة الأطفال القديمة 

ماجد : نعم ، كانوا في زماني .. وكنت أجمع المجلاّت ، وأحلّ المسابقات التي فيها 

- وهل ربحت يوماً ؟

- ولا مرة

سلوى : ولا انا


وضحكا بسعادة .. ثم نظرت لساعتها :

- مضت ساعة على حديثنا معاً ! 

- لم اشعر بذلك

سلوى : وانا ايضاً .. عليّ العودة لأمي ، لربما استيقظت .. 

- هل سأراك غداً ؟

- ربما .. متى ستخرج من هنا ؟

ماجد : بعد يومين 

- يعني قبلنا ..

- زوريني غداً بمثل هذا الوقت 

سلوى : وإن كنت نائماً ؟

- لا أعتقد ، فأنا أحبّ السهر

- وانا كذلك 

ماجد : يبدو لدينا اشياء مشتركة

فابتسمت بخجل ، وعادت لغرفة امها 

***


في اليومين التاليين .. إنتظرت سلوى مرور الوقت لحين خروج الزوّار من المشفى ونوم امها ، للتحدّث مع الشاب اللطيف الذي كان يُضحكها بتعليقاته الظريفة .. 

وكان الوقت يمضي معه بسرعة ، إلى أن تعود الى غرفة امها قبل بزوغ الفجر..

***


في اليوم الثالث .. واثناء وجود اخوتها بجوار امها ، لمحت ماجد يسلّم عليها من خارج الغرفة وهو مُتكئ على عكّازه بجوار عائلته .. ويبدو انه خارج من المشفى بعد لبسه ثيابه العادية .. ولم تستطع الّلحاق به لتوديعه ، لوجود كلا العائلتين 

***


مرّت الأيام المتبقيّة في المشفى ببطءٍ شديد على سلوى التي تجوّلت وحدها في ممرّات المشفى الكئيب ، اثناء نوم المرضى .. وهي تشعر بشوقٍ كبير لماجد الذي لم تعرف رقم جواله.. 

فتساءلت بنفسها بحزن :

((ربي لما جعلتني ألتقي بتوأم روحي ، طالما ليس مُقدّراً البقاء معاً ؟! ..كيف سأنساه الآن ؟))

***


في اليوم الأخير لأمها في المشفى .. إنشغلت سلوى بترتيب الأغراض في شنطتها للرحيل ، لتتفاجأ بماجد قادماً مع امه وابيه وهو يلبس طقماً رسميّاً ، ومستنداً على عكّازه .. وكان الموقف محرجاً امام اخوتها ، حين قال لأمها :

- مرحباً خالتي .. قدمت مع والدايّ لخطبة ابنتك سلوى


فنظرت امها وإخوتها الثلاثة اليها باستغراب ! وهي محمرّة الوجه ومرتبكة للغاية .. فأكمل العريس قائلاً :

- كنت مريضاً في الغرفة المجاورة قبل ايام ، ولمحت ابنتك بالصدفة .. وأعجبتني للغاية ، وعلمت أنكم خارجين اليوم من المشفى .. فأردّت الإستعجال بخطبتها


ثم اخذ يكلّم اخاها الأكبر عن وظيفته وراتبه الجيد ، وامتلاكه منزلاً مجهّزاً بالكامل ..وانه على استعداد للزواج ، فور شفاء كسور يده وقدمه


وأمضت العائلتان معاً قرابة ساعة ، الى ان وافق اهلها على تحديد موعد كتب الكتاب .. فهو سيسافر بنهاية الشهر للخارج بدورةٍ تدريبيّة ، ويريدها معه ..

***


وتم تجهيز العرس خلال اسابيع ، وتزوجا بعرسٍ عائليّ .. وسافرت معه للخارج بشهر العسل .. وهناك اخبرها :

- أتدرين ان ليلة القبعة لم يكن لقاءنا الأول ؟ 

- ماذا تقصد ؟!

ماجد : قبلها بأيام ، شعرت بالمللّ .. فاتّكأت على عكّازي للتجوّل بالممرّات .. وقبل عودتي لغرفتي ، لمحتك نائمة على الكنبة بجوار امك 

- أتقصد قبل إدخالها العمليّة ؟!

- نعم ، ومنذ النظرة الأولى شعرت أني لمحت زوجتي المستقبليّة !  

سلوى : انت تبالغ


ماجد : لا ابداً .. وقبل يومٍ واحد من لقائنا ، أوقعتي لحافك اثناء نومك .. فدخلت بهدوء كيّ لا اوقظ امك ، وغطيّتك جيداً

سلوى بدهشة : ومسّدت شعري بحنان ؟

- نعم

- ظننته حلماً !

ماجد : كنت فعلاً منصدماً من ملامح وجهك

- لماذا ؟!

- لأني رأيتك مراراً في مناماتي ، منذ ان كنت مراهقاً ..وتساءلت كثيراً عن الفتاة المجهولة التي تظهر لي دائماً .. لكني قرّرت عدم مفاتحتك بالموضوع ، وسلّمت امري للقدر .. وسألت الله : ((إن كنتِ فعلاً نصيبي ، أن تأتي وحدك اليّ)) .. لهذا انصدمت عندما وضعتي القبعة على رأسي 


سلوى : وانا ايضاً تفاجأت من جرأتي ، فبالعادة لا اقترب من الشباب .. لكني شفقت على حالتك 

- ألهذا فقط ، ام لأني فتنتك بوسامتي المميزة ؟

- يالك من مغرور 

ماجد بابتسامة : وانتِ طفلتي المدلّلة  

وحضنها بحنان  


الجمعة، 17 فبراير 2023

أصدقاء للأبد

تأليف : امل شانوحة 

جمعنا القدر !


بعد إنتقال لؤيّ الى صفّه الثالث في مدرسته الجديدة ، صار يخبر والديه باستمرار عن صديقه الجديد وليد .. 


وبعد شهور ، عرفا أن وليد بالصفّ السادس ! فارتابا من الموضوع ، وسألاه عن سبب مصاحبته لولدٍ اكبر منه ؟!

فأجابهما لؤيّ : لا ادري ، هو يعاملني جيداً ..وأحياناً يشتري لي الحلوى من مصروفه

الأم : وكيف تعرّفت عليه ؟


لؤيّ : كان هناك طالباً في صفّي يتنمّر عليّ ، لأني تلميذٌ جديد .. وعندما حاول ضربي في الملعب ، دافع عني وليد ببسالة .. ومن يومها صار يرافقني بفرصة الغداء ، ويدرّسني المواضيع التي لم أفهمها بالفصل

الأب بقلق : هل حاول التقرّب منك بطريقةٍ غير لائقة ؟

لؤيّ : لا ابي ، هو يعاملني بلطفٍ فقط

***


في احد الأيام ، طلبت المعلّمة أن يكتبوا نصّاً عن الأم..  فأراد لؤيّ أن يستلهم موضوعه من صور امه القديمة .. 

فبحث في خزانتها اثناء إنشغالها بالطبخ ، ليجد صورة عرسها مع والده ..


كما وجد صورةً قديمة لها (مُمزّقة من النصف) وهي بفستان عرسٍ مُغاير ! وصورةٌ أخرى وهي تحمل طفلاً على وجهه وحمةٍ زهريّة! 


وهنا سمع امه تعاتبه ، بعد دخولها الغرفة :

- لؤيّ ! لما تبحث في اغراضي دون إذني ؟!

فأراها الصورة ، وهو يسألها باهتمام : هذا الطفل لا يشبهني ! فمن هو ؟

فأجابته بارتباك : إبن أحد اقاربي

لؤيّ : لكن وحمته على شكل قلب ، وهي تشبه التي في وجه صديقي وليد !


فسألته باهتمام عن اسم صديقه بالكامل .. وحين أخبرها ، أدمعت عيناها وهي تعيد الصور مكانها .. ومن بعدها التزمت الصمت طوال اليوم !

***


في الصباح التالي ، تفأجأ لؤيّ بأمه تحتضن وليد باكية خارج المدرسة ! 

وحين اقترب منهما ، سألته امه : 

- أهذا هو صديقك المفضّل ؟

لؤيّ : نعم

فردّ وليد : سبحان الله ! أحببته دون علمي بأنه اخي الصغير

لؤيّ بدهشة : اخوك !

الأم : نعم بنيّ ، هذا ابني البكر .. فبعد طلاقي من والده ، سافر به للخارج ..ولم اره بعدها !

وليد : وبعد وفاة ابي ، إنخطبت زوجته .. فأعادتني الى هنا ، لتتزوج من جديد


الأم : وتسكن الآن عند جدتك ؟

وليد : نعم ، ام والدي ..لكنها مريضةٌ جداً ، وبالكاد تهتم بي

الأم بقلق : وكيف عاملتك زوجة ابيك ؟

وليد بقهر : كانت تضربني بغياب والدي ، وتعاملني بلطف امامه !

الأم بغضب : اللعنة عليها !!

وليد : هي لديها طفلٌ الآن ، فليسامحها الله


لؤيّ : امي .. طالما وليد اخي ، فدعيه يعيش معنا 

الأم : عليّ سؤال والدك اولاً

وليد : اريد رؤيتك مجدّداً يا امي ، فأنا لا اعرفك جيداً 

الأم : سأراك دائماً ، أعدك بذلك .. وأشكرك لاهتمامك بأخيك الأصغر

ثم ودّعهما وليد ، ذاهباً لمنزل جدته 

^^^


بينما عاد لؤيّ مع امه لإخبار والده بالخبر المفاجىء الذي أزعجه تماماً ، رافضاً إحضار وليد الى منزله ، ومقترحاً على زوجته تغيّر مدرسة ابنه 

لكن لؤيّ رفض الإبتعاد عن اخيه الذي تعلّق به جداً منذ بداية السنة

***


بعد ايام ، لم يعد لؤيّ الى بيته ! 

فاتصل والداه بمديرة المدرسة التي اتصلت بسائق الحافلة الذي اخبرهم بأن الولدان نزلا لنفس العمارة .. فعرفت الأم انه رافقه الى شقة جدته !

^^^


فأسرع الوالدان الى هناك .. وصعدت الأم وحدها الى شقة حماتها القديمة التي استقبلتها بجفاء :

- الا يكفي انك بليّتني بوليد ، أتريدينني أيضاً أن أربّي ابنك الثاني ؟!!


فطلبت الأم من لؤيّ إحضار حقيبته ، للعودة الى المنزل..

لكنه أصرّ على البقاء مع اخيه .. فطلبت من زوجها الصعود ، وإقناعه بالعودة معهما .. لكن لؤيّ ظلّ مُمسكاً بقوة بيد اخيه ، رافضاً تركه او الإبتعاد عنه ! 

مما أجبر والده على قبول طلبه ، بأخذ وليد الى منزلهم .. لكن بشرط : البقاء لإسبوعٍ واحدٍ فقط 

***


خلال هذا الإسبوع .. راقب الأب وليد من بعيد ، خوفاً من تعليمه لؤيّ الفاظٍ وسلوكيّاتٍ سيئة .. لكنه تفاجأ بحسن خلقه ، ومساعدته لأخيه الأصغر بدروسه ..وتعليمه الوضوء والصلاة ! 

كما قام وليد بترتيب المنزل ، والطبخ مع امه التي كانت سعيدة بضمّ ولديها معاً .. مما جعل الأب يمدّد إقامته لشهر ، حتى بدء عطلة نصف السنة الدراسيّة ..

^^^ 


وفي أحد الأيام ، ذهب وليد معه للسوق .. حيث أُعجب الأب برزانته وحمله للأغراض ، وعدم طلبه الحلويات كبقيّة الأولاد.. بل كان متحمّلاً المسؤوليّة كشابٍ صغير ، حتى ارائه اكبر من سنه ! 

فتمنّى الأب أن يكبر لؤيّ ، ليشابه اخاه الأكبر بحسن تصرّفه وسلوكه

***


وفي يوم العطلة ، لعب الصغيران السلّة بحديقة المنزل .. فخرجت الكرة الى الشارع .. فأسرع لؤيّ للّحاق بها .. ووالده يراقب الوضع من النافذة العلويّة ، الذي لمح شاحنةً تمرّ بسرعة من هناك ! 

وقبل صراخه ، مُحذّراً ابنه .. أسرع وليد لدفعه من ظهره ، جعله يصل سالماً للرصيف المقابل .. بينما دُهس هو تحت عجلات الشاحنة !

وكانت الصدمة عنيفة ، هزّت العائلة بموت البطل الصغير

***


بنهاية العزاء .. وقف الوالدان امام القبر ، وهما يراقبان لؤيّ وهو يضع لعبته المفضّلة قرب شاهد اخيه ، وهو منهار بالبكاء .. 

في هذا الوقت علم الأب بحكمة ربه من لقاء الأخوين بعد هذه السنوات : وإحضاره منزله ، لإنقاذ لؤيّ من موتٍ محقّق

***


في الطريق ، حاول الأب التخفيف عن ابنه :

- كنا نريد إخبارك بمفاجأةٍ سارّة قبل ايام ، لكننا انشغلنا بالعزاء  

لؤيّ وهو يمسح دموعه : ماهي المفاجأة ؟ 

الأب : أمك حامل 

لؤيّ : أتقصد انه سيصبح لديّ أخاً جديداً ؟! 

الأم : او اخت .. ماذا تتمنّى ؟

لؤيّ : أخّ ، ونسميه وليد .. وهذه المرة ، انا من سيعتني به 


فكتمت الأم دموعها بعد أن خنقتها العَبرة !


الثلاثاء، 14 فبراير 2023

العيد البغيض

تأليف : امل شانوحة 

مقالبٌ جارحة


دخلت الصبيّة الثريّة الى عيادة الدكتورة النفسيّة وهي تحمل صندوقاً ، وضعته امام مكتبها وهي تقول :

- والدي يصرّ أن تعالجينني مع اقتراب عيد الفالنتاين اللعين

الطبيبة : نعم ، أخبرني عن مشكلتك مع هذا اليوم تحديداً.. لكن إخبريني اولاً : مالذي في الصندوق ؟

ففتحته امامها وهي تقول :

- جمعت هدايا احبّائي بهذا العيد في سنوات الدراسة ، إلى آخر هديّة حصلت عليها قبل ثلاث سنوات .. سأريهم لك


((وكانت هدايا مرحلتها الإبتدائية عبارة عن : العاب باربي ، واساور وعقود ملوّنة  بلاستيكيّة ، وأربطة شعر ، ودفاتر رسم.. 

اما مرحلتها المتوسطة : فدفاتر مذكّرات وحصّالات ، وقمصانٌ حمراء ، ورسائل غزل بريئة.. 

وبالثانويّة : علب مكياج وعطور.. 

اما في الجامعة : فكانت اشرطة موسيقيّة ودباديب حمراء.. 

اما في سنواتها الأربع الأخيرة : فكانت هدايا خطيبها من تذاكر سينما وحفلات موسيقيّة وخاتمٌ ذهبيّ))


ثم قالت بقهر :

- جميعهم إنفصلوا عني بعد العيد بأيام ، لهذا تشاءمت منه 

الطبيبة : الهذا تصرّين على إفساد العيد على المحبّين ؟!

- ضعي نفسك مكاني .. كنت سأتزوج بعيد الفالنتاين قبل عامين ، حينما اكتشفت خيانة خطيبي .. فخرجت غاضبة من منزله .. وفي الطريق ، شاهدت شاباً احمقاً يزيّن سيارةً صغيرة بالشريط الأحمر عند باب المعرض كهديّة لحببيته .. فوجدّت نفسي أجرح بابها بمفتاحي ..وهربت قبل انتباهه عليّ 

- هكذا أفسدتِ هديّته تماماً ، فإصلاح ذلك يحتاج لأيام عند الميكانيكيّ!

الصبيّة بابتسامةٍ ماكرة : طبعاً !! وبذلك يفوّت عيد الفالنتاين ، كما حصل معي


الطبيبة : وماذا عن بقيّة ضحاياك ؟

- في السنة التالية .. إستأجرت مقعداً بين كل مقعدين في السينما المخصّصة للمحبّين كيّ أفصل بينهما ، وأمنعهما من الإستمتاع بالفيلم.. (ثم ضحكت).. اليست فكرةً رائعة ؟ بل الأجمل انني تطوّعت بتغليف الهدايا بمتجرٍ في مول.. حيث تعمّدت على كسر الهدايا الزجاجيّة والإلكترونيّة .. وطباعة الشتائم على اكواب الهدايا ..وتمزيق القمصان المتشابهة بين المحبّين .. ورشّ رائحةٌ قذرة على الدباديب الحمراء قبل تغليفها .. وحفر القابٌ مسيئة على العقود والأساور ، لفصل العشّاق السخفاء.. وبعد طردي من هناك ، تذكّرت انه يمكنني فعل ذلك بشركة والدي الخاصّة بالبريد ! فتنكّرت تحت قناعيّ الطبّي ، وقمت بالشيء ذاته مع هدايا الحب ..


الطبيبة : نعم أخبرني والدك عن شكوى العملاء السنة الفائتة ، وانك كدّت تفلسين شركتك بفعلتك الشنيعة .. وطلب مني علاجك سريعاً ، لأن موظفيه مشغولين في الأيام القادمة بإرسال هدايا المحبّين

- بالرغم من وضعه كاميرات مراقبة وحرّاس على باب شركته ، مازال يخشى خططي الخبيثة ! .. بصراحة معه حق ، فأنا اكره هذا العيد المليء بالنفاق والمشاعر الكاذبة


وهنا ! استأذنت الطبيبة للردّ على مكالمةٍ خاصّة ، والتي تكلّمت فيها بهمسٍ وبابتسامةٍ خجولة .. 

وبعد إغلاق جوالها ، قالت للمريضة :

- آسفة على المقاطعة 

الصبيّة : يبدو من وجهك المحمرّ بأنه إتصال من حبيبك ؟

الطبيبة بخجل : نعم ، كان يخبرني بإرساله هديّة لي

- اذاً لن أطيل عليك.. سأرحل قبل انتهاء جلستي ، لتفرحي بهديّتك القادمة ..واخبري والدي انني تعالجت ، فالموضوع لم يعدّ يهمّني

- أتقولين الصدق ؟

الصبية : طبعاً ، وأعدك بأن لا اؤذي المحبّين مجدداً .. فهم محظوظين بعكسي ، وعليّ تقبل الأمر


وودّعتها ورحلت.. لكنها لم تبتعد عن العيادة ، بل ظلّت تنتظر بسيارتها قدوم ساعي البريد..


بعد ساعة ، رأته يحمل صندوقاً زهريّاً وباقة من الورد ! فنزلت من سيارتها الفارهة ، لإيقافه قبل دخوله العيادة..

***


بعد قليل .. خرج ساعي البريد من العيادة ، وهو يقول :

- فعلت ما طلبته مني

فأعطته الصبيّة رزمة من المال


من بعدها تنصتّت على باب العيادة ، وهي تستمع لصرخات الطبيبة الفزعة .. بعد وضعها الصراصير في علبة الشوكولا الفاخرة من حبيبها !


الصبيّة : آسفة دكتورة .. لكني اكره عيد الفالنتاين ، وأستمتع بتعذيب العشّاق الحمقى ..يبدو انها هوايتي الجديدة !


وأعادت ما تبقى من مرطبان الحشرات المقرفة الى صندوق سيارتها المليء بالألعاب الناريّة والدُمى المؤذية التي تنوي توزيعها على منازل المخطوبين من معارفها واصدقائها .. 


كما عقدت العزم على إستثمار ثروة امها المرحومة بإنتاج برنامجٍ تلفزيونيّ لتخيير المحبّين بين عرسٍ يجمعهما او حقيبةٍ من المال .. وهي تعرف جيداً بأن الأكثريّة سيفضّلون المال على الحب .. 

قائلةً بنفسها بفخر : 

((أظن ابليس سعيداً بخططي الجهنميّة)) 

وقادت سيارتها ، وهي تبتسم بمكر !


الأحد، 12 فبراير 2023

جزيرة الشوك

*تأليف : امل شانوحة* 

المعلّم الصبور


كان من المفترض وصول الطائرة العسكريّة بركّابها **عشرين** سجينًا من المراهقين، بعد نقلهم بأمرٍ إداريّ من سجن الأحداث في مدينتهم الصغيرة إلى سجن العاصمة، بسبب جرائمهم العنيفة التي تجاوزت أعمارهم، والتي تراوحت بين 13 و19 سنة، بحراسة 4 من الشرطة الشباب، وقائدهم جاك الذي سيتقاعد فور انتهاء هذه المهمّة بعد تجاوزه الستين عامًا.


وكانت الرحلة ستمرّ على خير، لولا وجود المشاغب إريك الذي سيبلغ عامه العشرين بعد شهرين، وبعدها سيُنقل إلى سجن الكبار لإكمال سنواته الخمسة المتبقية من حكمه، بعد قتله أفراد عائلته (والداه وأخوه الأكبر) بحرق منزلهم أثناء نومهم، مع إصراره على عدم البوح بأسباب الجريمة التي قام بها بعمر 12 سنة، ممّا يؤكّد على عقليّته الإجراميّة الخطيرة!


ولعدم رغبته بالانتقال إلى سجن البالغين، قام بحيلةٍ أربكت ركّاب الطائرة: بعد طلبه من الشرطي المُراقب الذهاب إلى دورة المياه، أثناء وجود زميله بالداخل، مدّعيًا آلامًا شديدة في مصرانه.

فاضطرّ الشرطي لنقله تحت تهديد السلاح إلى حمّامٍ ثانٍ قريب من كابينة الطيّار، ومنعه من إغلاق بابه!


ولأن مدخل الحمّام بعيدٌ عن أنظار الركّاب والشرطة، لوجوده خلف غرفة الطعام، سارع بغرز مسمارٍ صدئ في رقبة الشرطي (كان وجده على أرضيّة الحافلة التي نقلتهم إلى الطائرة، واحتفظ به في ثيابه).

ثم سحب جثته إلى داخل الحمّام، بعد سرقة مفاتيحه، لفكّ سلسِلة قدميّه.


ليُفاجئ الطيّار باقتحام كابينته، مُشهِرًا السلاح في وجهه، وهو يأمره بالهبوط على أوّل يابسة يراها، قبل وصولهم إلى العاصمة.


وبسبب إقفال إريك باب الكابينة من الداخل، اضطرّ الطيّار لالتزام الصمت وعدم الإجابة على سؤال موظّف المراقبة في المطار، بعد رؤيته انحرافًا في مسار الرحلة! كما أجبره على إقفال اللاسلكي تحت تهديد السلاح.


ومن بعدها بدأت عمليّة الهبوط فوق جزيرةٍ في البحر، رغم إخبار الخاطف بخطورة الموقف.

الطيّار بقلق: الجزيرة صغيرة، والطائرة تحتاج مدرّجًا طويلًا للهبوط بسلام… دعني أبحث عن مكانٍ أفضل.

إريك بحزم: قلتُ اهبط هنا، وإلّا أطلقتُ النار على رأسك!!


وسرعان ما علا صراخ المساجين والشرطة بعد هبوطٍ حادّ للطائرة، وبالكاد استطاعوا ربط أحزمتهم بفزعٍ شديد!

***


كان القائد جاك أوّل من جرفته الأمواج نحو الشاطئ، بعد انخلاع باب الطائرة القريب من مقعده، جعله يطير في الهواء عقب تمزّق حزام الأمان الخاصّ به!


وبعد وقوفه على قدميه فوق الجزيرة النائية، لاحظ أجسام المساجين تطفو قرب الطائرة التي اندلعت بها النيران.

ولأنه بطل سباحة في فترة شبابه، تمكّن من إنقاذ تسعة مساجين، من بينهم إريك الذي تسبّب بقتل بقيّة الركّاب!

***


بعد استرداد المراهقين التسعة أنفاسهم على الجزيرة، هلّلوا فرحًا بغرق طائرتهم فور شعورهم بالحرّية.

بينما كتم جاك حزنه لموت رفاقه، كما خوفه من البقاء وحده مع المساجين المشاغبين الذين تميّزوا بتمرّدهم على القوانين!


وقطع أفكاره صوت إريك وهو يقول بلؤم:

- ألم تمتْ بعد، أيّها العجوز؟!

جاك معاتبًا: أهذا جزائي لأنّي أنقذتك من الغرق؟

إريك: لا فضل لأحدٍ عليّ!! وكنتُ سأجد طريقةً لإنقاذ نفسي… أساسًا أنا من اخترت هذه الجزيرة.

جاك بقلق: ماذا تقصد؟!


فبدأ يتفاخر أمام زملائه بما فعله، فهجم جاك عليه:

- أيّها اللعين!! قتلتَ الطيّار و11 مراهقًا و4 شرطة… أيّ 16 شخصًا لديهم عائلات في انتظارهم!


فدفعه إريك بعيدًا عنه، ليسقط العجوز بقوّة على ظهره، ثم اقترب مهدّدًا:

- اسمع أيّها الخرف، أنت رهينةٌ هنا… فنحن من سنحكم جزيرتنا، وسنجعلك عبدًا لنا… من يوافقني الرأي؟!!


فرفع خمسة أشرار أيديهم، وهم يبتسمون بخبث، بينما التزم الباقون الصمت، لخوفهم من إريك المعروف بتصرّفاته غير المتّزنة!

***


كان الوقت عصرًا عندما تفرّق المراهقون لاكتشاف الجزيرة الصغيرة، بعد تقييد العجوز بأصفاده في شجرة جوز الهند.


وظلّوا يسرحون ويمرحون بحرّية، حتى قاربت الشمس على المغيب، فناداهم العجوز:

- عليكم إشعال النار، وإلّا ستمرَضون من برودة المساء!!

فاقترب منه إريك:

- أنت الوحيد الذي سيبرد أيّها العجوز… أمّا نحن، فيمكننا تحمّل البرد.

جاك: صدّقني، برد المساء لا يُحتمل… وإن كنتَ تجهل طريقة إشعال النار، ففكّ وثاقي لأعلّمكم، فقد كنت قائد الكشّافة بعمركم، وأعرف طرق النجاة في البرّية.

إريك: لا تحاول إغرائي بمعلوماتك الهرِمة… أنت تريد إشعال النار كي ترانا المروحيّات التي تبحث عن طائرتهم المفقودة… لذلك لن نشعل النار لثلاثة أيّام، إلى أن يفقدوا الأمل بنجاتنا… وهذا قراري النهائيّ!!

- وماذا عن الطعام؟ ستحتاجون النار لشواء ما تصطادونه من البحر… ثم هل بحثتم عن مصدرٍ لمياه الشرب؟ وهل انتهيتم من بناء مكانٍ تنامون فيه؟ أنتم تحتاجون خبرتي للنجاة من هذا المأزق.

- اصمت أيّها العجوز!! باستطاعتنا تدبّر أمورنا دونك.

وتابع المراهقون تضييع وقتهم باللعب، بعد تحويل جواربهم كرةً من صوف!

***


بحلول المساء، نام كلّ واحدٍ في مكانٍ بعيدٍ عن الآخر، تاركين جاك مقيّدًا بالشجرة، ممّا أجبره على الحفر بقدميه كالقطط، لعدم السماح له بقضاء حاجته في البحر، كما فعلوا!


أمّا الطعام، فاكتفوا بتناول جوز الهند الذي أسقطوه بالحجارة من فوق الأشجار، ولم يسمحوا لجاك بشرب مائه الذي تقاسموه بينهم، بعد ارتواء زعيمهم إريك أوّلًا!


فاكتفى العجوز بمراقبتهم من مكانه على ضوء القمر، وهم يتقلّبون في أماكنهم من شدّة البرد، حتّى إنّ بعضهم طمر نفسه بالتراب أملًا بالدفء، وآخرون غطّوا أنفسهم بأوراق الشجر الكبيرة، كي لا يتجمّدوا أثناء نومهم!


حتّى إريك تفاجأ من برودة المساء، رغم حرارة الجزيرة المعتدلة صباحًا! لكنّه رغب بقيادة زملائه دون حاجته لخبرة جاك، الذي رغم كبر سنّه إلّا أنّه متعوّد على برودة الطقس من تدريبات الشرطة القاسية.

***


في الصباح، استيقظ العجوز على مشاجرة المراهقين مع إريك بعد شعورهم بالبرد والجوع، حيث صرخ كبيرهم في وجهه:

- من وضعك رئيسًا علينا؟!! فأنا في مثل سنّك، ولن أسمح لك بحرماننا من خبرات العم جاك.

إريك باستنكار: الآن أصبح جاك عمّك؟! ألم يكن يقتادكم كالخرفان إلى سجن العاصمة؟ ولولا جرأتي، لما شعرتم بالحرّية في حياتكم!! فلا تدّعي الأدب والأخلاق أيّها المنحرف.

زميله: على الأقلّ لم أحرق عائلتي أثناء نومهم أيّها العاقّ!!


فسحب إريك المسدّس من بنطاله، ووجّهه نحوه:

- اسمعني جيّدًا!! طالما استحوذتُ على سلاح جاك، فلن أتردّد بقتل أيّ واحدٍ يتجرّأ على مخالفة أوامري.

فحاول مراهقٌ آخر تهدئة الوضع:

- اهدأ رجاءً… إريك، نحن نريد فقط…

إريك مقاطعًا بغرور: السيّد إريك، أيّها الصغير!!

فتنهّد بضيق، قائلًا:

- حسنًا كما تشاء… يا سيّد إريك… نريد من العم جاك أن يعلّمنا بعض الأمور الأساسيّة للنجاة: كإشعال النار، وطريقة الصيد دون سنّارة، وكيفيّة شواء الطعام.

مراهقٌ آخر: ونريده أن يساعدنا بصنع كوخٍ دافئ، فهو لديه خبرة بهذه الأمور… فدعنا نستفيد منه يا رجل!

فقال أصغرهم بخوف: لا أريد الشعور بالبرد كليلة البارحة، رجاءً.

مراهقٌ آخر: وأنا جائعٌ جدًّا، وعطشانٌ أيضًا.

المراهق الكبير: نحن الأكثريّة يا إريك، ولا يمكنك منعنا من فكّ أصفاد العم جاك… فهيا هات المفاتيح!!

إريك بلؤم: أنا من يقرّر ذلك… هو يريدنا أن نشعل النار يا أغبياء، ليعثروا علينا ويقتادونا مجدّدًا إلى سجونهم.

- وما الذي سيمنع مروحيّاتهم من إيجادنا في النهار؟ هل سنختبئ تحت الحشائش والأحجار؟

- دعنا نشعل النيران الآن، وسنطفئها ليلًا.

- لا طبعًا!! النار مهمّة مساءً، فالبارحة كدنا نتجمّد من البرد.

إريك بحزم: اهدأوا جميعًا!! سنحاول اليوم إشعال النار بأنفسنا، وكذلك الاصطياد من البحر، وبناء الكوخ دون مساعدة العجوز.

- وفي حال فشلنا؟

إريك: إن قاربت الشمس على المغيب دون إيقادنا النار، سأفكّ قيود اللعين.

- أهذا وعد؟

إريك بعصبيّة: لا تتكلّم معي كأنّي صديقك، فأنا الرئيس هنا!! وعندما أقول كلمة، أنفّذها في الوقت المناسب… والآن!! ليقم الصغار بجمع الأوراق الكبيرة والأغصان، لصنع مكانٍ يصلح للنوم… وأريد من الكبار إشعال النار بكلّ الطرق الممكنة… أمّا أنتم!! فعليكم اصطياد السمك.

- وهل نصطادهم بأيدينا؟

إريك: لا تتغابوا… حوّلوا غصنًا طويلًا إلى رمحٍ حادّ، واصطادوا به… أعليّ تعليمكم كلّ شيء؟!

- وفي حال صادفنا سمكة قرش؟

إريك: القرش لا يقترب كثيرًا من الشاطئ، يا غبي.

- وماذا ستفعل أنت؟

إريك: سأبحث عن شجرةٍ ضخمة واقعة على الأرض، وأحفرها لتصبح صالحة للملاحة.

- أتعني قاربًا؟

إريك: طبعًا، وهل ظننتم سنبقى هنا طوال حياتنا؟ (ثم أشار ليابسة تظهر من بعيد)… أظنّها المدينة المجاورة… وقريبًا سنتوجّه إليها، لنعيش فيها بعيدًا عن مراقبة الشرطة.

- لا تحلم كثيرًا… فالشرطة ستعلم بنجاتنا، ويلاحقوننا من جديد.

إريك: وكيف سيعرفون، إن قتلتُ جاك قبل هروبنا؟

ثم نظر إلى جاك، الذي كان قلقًا من كلامه، قائلًا له:

إريك: أتكلّم عنك أيّها العجوز!! فقد خصّصتُ رصاصةً لك، لكنّي لن أستخدمها الآن… سأبقيك رهينة، في حال وجدونا خفر السواحل أو مروحيّات الشرطة… والآن يا شباب!! كلٌّ إلى عمله.

***


وكما توقّع المراهقون، فقد فشلوا بإيقاد النار، كما لم يصطادوا سمكةً واحدة، ولم يستفيدوا من الأوراق والأغصان التي جمّعوها، لعدم وجود حبالٍ يربطونها معًا لتصبح سقفًا لكوخهم!


بينما انشغل إريك بنحت شجرةٍ صغيرة، وهو ينوي تحويلها لقاربٍ يكفي هروبه وحده، دون اكتراثه بموت رفاقه على الجزيرة.

***


قبيل غروب الشمس، ثاروا مجدّدًا ضدّ إريك، وطالبوا بفكّ العجوز قبل موتهم جوعًا وعطشًا، فاضطرّ إريك للرضوخ لطلبهم.


وبعد إطلاق سراح جاك، سأله بسخرية:

- والآن أخبرنا أيّها العجوز، كيف ستشعل النار قبل دقائق من حلول الظلام؟

فأخرج جاك ولاّعته التي أخفاها بحذائه…

إريك غاضبًا: أيّها اللعين!! لِمَ لم تعطِنا إيّاها، ونحن نجاهد لإشعال النار؟!!

جاك: أردتُ أن أفهمك بأنّ قيادة المجموعة تحتاج إلى دهاءٍ وحكمة.

- أعطني الولاّعة!!

العجوز: بل سأشعل الأغصان بنفسي.

فرفع إريك المسدّس في وجهه: قلتُ!! أعطني الولاّعة.


ليفاجئه جاك بحركةٍ سريعة، تمكّن بها من سحب المسدّس من يد إريك بخفّةٍ وبراعة، وسط دهشة الجميع!

وبعدها وجّه المسدّس ضدّ إريك، قائلًا:

- لم أصبح قائد الشرطة عبثًا، فأنا أملك الحزام الأسود بالأساليب الدفاعيّة.

فسأله أحدهم: ولِمَ لم تدافع عن نفسك عندما قيّدناك البارحة بالشجرة؟!

- لأنّي رغبتُ بمراقبتكم عن بُعد، لأقيّم شخصيّاتكم.

- وما رأيك بنا؟

جاك: أولادٌ تائهون، تحتاجون الكثير من الإرشاد والتوجيه.

إريك: وهل تظنّ أنّ المكان والزمان مناسبان لتربيتنا، أيّها الخرف؟!!

فعاد جاك لتهديد إريك بالمسدّس، قائلًا بحزم:

- أنا القائد هنا!! ومن اليوم ستنادونني بالأستاذ جاك.

- أستاذ أم القائد؟

جاك: بل أستاذ، لأنّي سأعلّمكم الكثير من أمور الحياة، وأوّلها إشعال النار… هيا بنا!!

^^^


بعد إشعال جاك شعلةً كبيرة من النار، استطاع صيد سمكتين بعد سباحتهما داخل أخدودٍ صغير حفره من الشاطئ، بعد وضعه بداخله مجموعةً من الديدان وجدها بين الحشائش (كطُعمٍ للأسماك).

ثم قام بشوائهما، بإعطاء قطعٍ متساوية للجميع. صحيحٌ لم تشبعهم، لكنّها خفّفت من ألم جوعهم.


وبعد العشاء، أحضر نوعًا غريبًا من النبات، يمكن تحويل أوراقه إلى حبالٍ عن طريق تجديلها معًا، وهي حيلة تعلّمها بالكشّافة.


وعلى ضوء النيران، انشغل المراهقون بتجديل مجموعةٍ من الأوراق، ثم تسليمها لجاك الذي ربط بها السِعف الكبيرة (لإحدى النخلات البرّية)، وتحويلها كسقفٍ لكوخهم الصغير الذي أسنده على أغصانٍ رفيعة.


وبعد انتهائه من الكوخ، تجمّعوا داخله، محاولين التدفئة بشعلة النار القريبة منهم،

ما عدا إريك، الذي نام بعيدًا عنهم، رافضًا الرضوخ لقيادة جاك الذي تركه وشأنه.

***


في اليوم التالي، تفاجؤوا باختفاء العجوز، وظنّوا بهروبه بطريقةٍ ما، وبحثوا عنه في كلّ مكان، إلى أن عاد إليهم قبيل العصر وهو يقول:

- ألم تخبروني أنّكم استكشفتم الجزيرة دون عثوركم على مياهٍ عذبة؟

- نعم!

جاك معاتبًا: وكيف لم تلاحظوا الكهف الصغير في الجهة الخلفيّة للجبل؟ ففيه ينبوعٌ عذب.

- أحقًّا؟! نكاد نموت عطشًا.

جاك: إذًا دعونا ننتقل للجهة الأخرى من الجزيرة، ففيها ماءٌ وفير وتوتٌ برّيّ لذيذ.

إريك: اذهبوا أنتم!! فأنا أريد البقاء وحدي بهذه الجهة من الجزيرة.

زميله ساخرًا: تتكلّم وكأنّك ملكتَ الجزيرة؟

- هو لا يريد الذهاب معنا، لانشغاله بحفر قاربه.

جاك: إريك، يمكنك القدوم إلى هنا كلّ صباح لمتابعة الحفر، لكن تعال معنا للجهة المريحة من الجزيرة.

إريك بعصبيّة: لا أريد التواجد معكم، ألا تفهمون؟!!

جاك: حسنًا، كما تشاء.

أصغرهم: وماذا عن كوخنا الذي تعبنا في بنائه؟

جاك: سننام داخل الكهف، فهو دافئ ويسعنا جميعًا.


وذهبوا جميعًا خلف أستاذهم، ما عدا إريك الذي بقي قرب شعلة النار التي أضاءها جاك بولاّعته، قبل أخذه الشباب للجهة الأخرى من الجزيرة.

***


في الصباح، شعر إريك بالدفء أخيرًا، بعد إشعال جاك ناره التي انطفأت آخر الليل أثناء نومه، ممّا أيقظ إريك مرتعبًا:

- أخفتني يا رجل!

جاك: لِمَ أنت عنيدٌ هكذا؟ تعال معنا إلى الكهف الدافئ، وسأطلب من رفاقك جرّ شجرتك المحفورة للشاطئ المقابل.

إريك: لا!! فاليابسة التي أنوي الرحيل إليها قريبة من هذه الجهة… ثمّ هذا قاربي وحدي، ولا أريد مساعدة أحد.

- حسنًا… طالما لا تعرف طريق كهفنا، فقد أحضرتُ لك ماءً عذبًا وضعته داخل أجواز الهند الفارغة… وإن كنت جائعًا، سنشوي السمك بعد قليل… حاول تسلّق التلّ للوصول إلى شاطئنا، ومشاركتنا الطعام.

فظلّ إريك صامتًا…

جاك: كما تشاء، يبدو أنّك تعشق الوحدة!

***


وفي المساء، شعر إريك بجوعٍ شديد، فأخذ شعلة النار، وتتّبع رائحة الشواء القادمة من خلف الجبل، إلى أن وصل لشاطئهم، ليراهم من بعيد مجتمعين حول شعلة النار.


لكنّه لم يقترب منهم، بل أخذ يتنصّت على تجارب جاك في سجن الأحداث التي استمع إليها المراهقون باهتمام، وهم يأكلون السمك المشويّ، حيث سأله أحدهم:

- كنّا نظنّ أنّ إريك هو أسوأ سجينٍ مرّ عليك؟!

جاك: لا… كان آدم هو الأسوأ على الإطلاق، بعد قتله ثلاثين طفلًا في مدرسته الابتدائيّة.

- الابتدائيّة! كم كان عمره؟

جاك: 12 سنة، وكان راسبًا مرّتين، وكانت سنته الأخيرة قبل طرده، لتجاوز عمره الصفّ الرابع… ليفاجئ الجميع بسرقته سلاح والده وقتله معلّمَتَين وبقيّة رفاقه! كان يومًا حزينًا على الدولة بأكملها.

- وماذا حصل له؟

جاك: شنق نفسه بالملاءة داخل سجنه الانفراديّ بعمر 15… كان مضطربًا نفسيًّا، وطالبتُ كثيرًا علاجه بمستشفى الأعصاب، لكنّ رئيسي ظنّ أنّ السجن كفيل بتقويمه، إلى أن أنهى حياته بالانتحار! (ثمّ تنفّس بضيق)… والآن أريدكم أن تخبروني بجرائمكم؟

- ألا تعرفها؟!

جاك: سجنُنا يضمّ أكثر من 300 سجين، أكيد لن أحفظ جميع القضايا.. كلّ ما أعرفه أنّه صدر قرارٌ بنقل أسوأ 20 سجينًا إلى سجن العاصمة.. لذلك لديّ الفضول لمعرفة جرائمكم، وسأبدأ بأصغركم.. ماذا فعلتَ ليحكموا عليك طوال سنوات مراهقتك؟


المراهق الصغير: اسمي جيم، وعمري 13، وأنا مسجون منذ سنتين.. كلّه بسبب زوج أمّي الذي خنق قطّتي التي أيقظته من النوم.. كنت أترجّاه أن يتركها، لكنه كسر رقبتها أمامي، وأنا بعمر 9 سنوات.. وهذا جعلني أفكّر لياليَ طويلةً بقتله، إلى أن حقّقت حلمي بسنّ 11، وضربته بعصا البيسبول على رأسه أثناء سُكره حتى قتلته.. ماذا عنك يا صديقي؟


– أنا جون، وعمري 14.. شعرت بالغيرة بعد رؤية صديقتي المفضّلة برفقة الطالب الذي أكرهه، والذي قهرني.. إنها تعلم بخصامي معه!.. لهذا رميت حجارةً على درّاجته، أدّت لسقوطه أسفل عجلات سيارةٍ مسرعة، فمات دهسًا.. والأسوأ أنّ حبيبتي شهدت ضدّي، وبسببها عوقبت بسبع سنوات في سجن الأحداث.


وصار كلّ ولدٍ (من الثمانية) يُخبر جريمته التي حصلت بسبب إهمال الأهل وقساوتهم، أو غدر الأصدقاء، أو صدمةً عاطفيّة.. وتعاطف جاك معهم بعد شعورهم بأخطائهم، ورغبتهم بالعودة بالزمن لتصحيح سلوكهم، قائلًا لهم:

– يكفي أنّ ضمائركم تؤنّبكم، فهذه أوّل خطوة لتصحيح مسار حياتكم.


فصرخ إريك من فوق التلّ:

– أمّا أنا!! فلا أشعر بالندم لقتل عائلتي اللعينة!

والتفتوا جميعًا نحوه باستغراب! فناداه جاك:

– تعال يا إريك!! ما زالت لدينا سمكةٌ مشويّة.

– اصطدنا الكثير من الأسماك اليوم.

إريك: أتيت لأخذ حصّتي، والعودة إلى كوخي.

جاك: هي لك، وخذ أيضًا الماء العذب.

فأخذ إريك السمكة والماء وجذوة النار، قائلًا:

– سأخذ هذه معي، لربما انطفأت شعلتي التي تركتها هناك.

جاك: خذ كلّ ما تحتاجه، وتأكد بإشعالك حطبةً كبيرة تكفيك طوال الليل.


وقبل ذهاب إريك، سأله جاك:

– ما الذي فعلته عائلتك لتحرقهم بحقدٍ شديد؟

إريك: هم ليسوا عائلتي الحقيقيّة.

جاك باستغراب: أأنت طفلٌ بالتبنّي؟!

إريك: بل والدي الذي ربّاني، هو من قتل عائلتي الحقيقيّة.. سمعت اعترافه أثناء سُكره مع صديقه.. فبعد اختلافه مع شريكه بالعمل، اقتحم منزلي الحقيقيّ وقتل إخوتي الثلاثة ووالديّ.. وقبل خروجه من المنزل، وجدني ألعب بالحديقة، وكنت في الرابعة، فأخذني إلى زوجته، مقترحًا أن أصبح لعبةً لابنه المنحرف الذي اعتدى عليّ طوال طفولتي.. وفور اكتشافي السرّ، أحرقتهم جميعًا أثناء نومهم.. ولأنّي لا أرغب بتكرار مأساتي بسجن البالغين، أوقعت الطائرة.. لهذا أعمل بجهد لإنهاء سفينتي، للهروب إلى حياةٍ أكثر حرّيّة، وبهويّةٍ جديدة.

جاك: لِمَ لم تُخبر القضاء بذلك؟! لكانوا خفّفوا عليك الحكم.

إريك: لا أحبّ أن أبدو ضعيفًا أمام أحد.. وأيضًا لعدم شعوري بالندم لقتلهم جميعًا.. كلّ ما أريده الآن، هو الخروج سالمًا من هنا.

جاك: أتمنّى أن يوصلك قاربك إلى مدينةٍ تعيش فيها حياةً لائقة.. تصبح على خير.

ثم شاهدوا إريك وهو يرحل بصمت..


أصغرهم: لِمَ لم تُجبره على البقاء معنا في الكهف الدافئ؟

جاك: هو يريد إثبات رجولته، فدعوه وشأنه.

***


بمرور الأيّام، تغيّرت طباع المراهقين برفقة العمّ جاك، الذي لم يبخل عليهم بنصائحه التي قوّمت الكثير من طباعهم السيّئة الناتجة عن إهمال الأهل والمجتمع.. بينما تابع إريك بناء سفينته على الجهة الأخرى من الجزيرة..


وفي أحد الأيّام، شاهدوا سفينةً تقترب من جهتهم من الشاطئ، فأسرع صغيرهم خلف الجبل لمناداة إريك.. ليتفاجأ به يجدّف مبتعدًا عن الجزيرة، بعد إنهاء قاربه دون توديعهم!


فظلّ الصغير يناديه لإخباره بوجود سفينةٍ بالجهة الأخرى، لكن الأمواج باعدت بينهما.. فعاد حزينًا إلى العمّ جاك الذي قال:

– هو الآن في طريقه إلى القدر المكتوب له، لا نستطيع فعل شيءٍ لإنقاذه.. دعونا نلوّح بالأوراق المشتعلة، للفت أنظار ربّان السفينة إلينا.


وظلّوا يصرخون ويصفّرون، إلى أن وصلت السفينة إليهم، ليتمّ نقلهم إلى العاصمة التي كانوا سيُقتادون إليها منذ البداية..

***


لم يستطع المراهقون الهرب من خفر السواحل الذين انتظروهم عند شاطئ العاصمة، بعد إبلاغ كابتن السفينة عن إنقاذه لمفقودين على جزيرةٍ نائية.. وبالطبع لم يتمكّن جاك (الشرطي الصالح) من إخفاء هويّاتهم، ليتمّ اقتيادهم إلى سجن الأحداث بالعاصمة..

***


لاحقًا، شهد جاك بحسن سلوكهم الذي تغيّر بعد شهرين على الجزيرة، ليتمّ تقييمهم من جديد من قبل لجنةٍ مختصّة بإصلاح الأحداث.. وأدّى تقريرهم الإيجابيّ إلى خفض سنوات عقوبتهم للنصف..


وبدورهم، شكروا العمّ جاك الذي كان بمثابة معلّمٍ ومرشدٍ لهم، راعاهم بحنانه وصبره عليهم أثناء تعليمهم أسس الحياة.. وشكروه أيضًا على قصصه المفيدة التي شاركها معهم كلّ ليلة..

***


أمّا إريك، فلم يجدوا أثره على مدى أسابيع في الدولة المجاورة، فعُدّ ميتًا، وأُغلق ملفّه للأبد.. دون علمهم بأنّه وصل إلى الشاطئ شبه ميّت، لتنقذه عصابةٌ مختصّة بتهريب المخدّرات من الميناء..

وبعد إخباره بهويّته وبطولاته للهروب من طائرة الشرطة، مُدّعيًا قتل رفاقه والشرطي جاك وبقاءه وحيدًا على الجزيرة، اعتبروه بطلًا ووظّفوه معهم..


وبمرور الأيّام، نجح إريك بالمهام الموكلة إليه، ليصبح خلال سنواتٍ قليلة اليدَ اليمنى لرئيسهم.. وقد أسعده المال الوفير الذي حصل عليه من نقله المخدّرات بين المناطق، وقتله لكلّ من يخالف أوامره، ليصبح عدوّ الشرطة الأوّل بعد تغيّر هويّته..


أمّا جاك المتقاعد، فكان الوحيد الذي عرفه (من صوره الملتقطة من المخبرين السرّيين)، فتنهد بحزن:

– لا يمكننا إصلاح الجميع، فهناك من وُلدوا كبذرةٍ شيطانيّة.. حمى الله مدينتنا من شروره وعقليّته المنحرفة!


جنة أنتاركتيكا

تأليف : امل شانوحة  لغز الحدود الجليديّة التقطت كاميرات المراقبة (الموجودة على حدود القطب الجنوبي) قارباً صغيراً يقترب من جبالها الجليديّة ا...