الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

الحب المُدمِّر

 تأليف : امل شانوحة

 

حطّم قلبها تدريجياً


في فندقٍ سياحيّ .. نظر كبير الخدم الى طبّاخٍ شاب يُعامل خطيبته (نادلة الفندق) بازدراء , رغم الحب الواضح بينهما ! 


وبعد خروجها باكية من المطبخ , أخذه العجوز جانباً :

- رجاءً لا تفعل مثل السيد مراد

الشاب : ماذا تقصد سيد نزيه ؟! ومن السيد مراد ؟

- كان حبيب لنزيلة غرفة (202)

- آه ! الغرفة المسكونة .. أخبروني انها تصدر اصواتاً مخيفة , لهذا أقفلتها الإدراة .. وانت من الموظفين القدامى , واكيد تعرف ما حصل لتلك السيدة 

العجوز نزيه : نعم , انا اكبركم وسأتقاعد قريباً .. لهذا أردّت إخبارك بسرّ الغرفة 

الطباخ : إنتهينا من فترة الغداء , سأغيّر ملابسي وألقاك بعد قليل في الخارج  

- إتفقنا

***


في حديقة الفندق .. أخبره كبير الخدم بقصة مراد : الرجل الثريّ الذي إعتاد حجز أفخم غرف الفندق , كلما قدم من سفره لمتابعة اعماله التجارية .. وكان الموظف نزيه يعمل حينها في توصيل المكالمات بالغرف .. ففي زمانه لم يكن هناك هواتف لاسلكية , وكان على النزلاء الإتصال بمكتبه لتوصيلهم بالنزلاء الآخرين او بإدارة الفندق وموظفيه ..


ثم أخذ نزيه نفساً طويلاً وهو يستذكر الماضي , قائلاً : 

- كنت شاباً فضولياً , أتنصّت على مكالمات النزلاء كلما شعرت بالمللّ .. وخاصة على السيد مراد الذي كان محطّ انظار السيدات المتواجدات في الفندق , فيماعدا سميرة 

- ومن سميرة ؟

العجوز : عاملة في تنظيف الغرف , قدمت من القرية لمساعدة اهلها .. كانت فتاةٌ بريئة وجميلة للغاية أثارت اهتمام مراد من النظرة الأولى حين التقى بها في المصعد , لكنه لم يستطع الحديث معها لشدّة خجلها .. وتهرّبت منه كالزئبق ! على حسب وصفه لها , حين أخبر صديقه عنها .. أتدري من صديقه ؟

- من ؟

- مروان سعيد

الشاب بدهشة : مدير الفندق !

- لم يكن مديراً وقتها , بل محاسب مراد ورفيق رحلاته .. وكان يحجز عادةً في غرفنا المتواضعة , بعكس رئيسه مراد الذي يحب التباهي بثروته ونجاحه المهني امام الجميع .. (ثم سكت قليلاً) .. بالعودة الى قصتنا .. كنت أستمع الى محادثاتهما وهو يخبره عن إعجابه الشديد بسميرة التي لم تكن سهلة كبقية العاملات اللآتي تنافسنّ على إثارة اعجابه .. لكن بدورها كانت تتجنبه لسمعته السيئة كزير نساء , فهو لا يملك صفات فتى احلامها كزوج وابٍ مثالي ..

الطباخ : وما علاقتي انا وخطيبتي , بمراد وسميرة ؟!

- لا تستعجل بنيّ , ودعني أكمل القصة 

- تفضل 


العجوز : من خلال محادثات الصديقين فهمت إستراتيجية مراد في تعامله مع سميرة : فهو في البداية لفت نظرها بحنانه نحوها , حيث كان يضع موسيقية رومنسية في غرفته كلما أتت لتنظيفها .. واحياناً يترك وردةً حمراء امام باب غرفتها في الطابق الخاص بالعمّال , وعليها اسمها وبيتين من الشعر .. وفي الأعياد يرسل لها هدية متواضعة كعلبة شوكولا او دمية صوفية , فهو يعلم مُسبقاً انها لن تقبل المال والهدايا الثمينة .. وبهذه الطريقة جذبها نحوه .. وفي كل مرة يأتي الى فندقنا , يزداد تعلّقها به .. ومع ذلك رفضت مقابلته في غرفته رغم إلحاحه المتواصل , ولم تجتمع به الا في حديقة الفندق امام الجميع .. مما أثار غيرة زميلاتها اللآتي حاولنّ تقليل شأنها امام مراد , فعاقبهم بالطرد الواحدة تلوّ الأخرى

- لحظة ! هل كان مراد مدير الفندق ؟

- لا لكنه من كبار المساهمين , لهذا لم يكن المدير السابق يرفض له طلباً .. المهم .. بعد مرور خمس سنوات , طلبت سميرة منه ترسيم العلاقة , لأن أهلها يضغطون عليها للزواج بقريبها .. فبدأ يتملصّ شيئاً فشيئاً , ويتعمّد تجاهلها .. وأحضر نساءً رخيصات الى غرفته لإثارة غيرتها .. فتأكدّت ظنونها أنه يتسلّى بمشاعرها , فشخصٌ ذوّ مركزٍ ومكانة لن يُناسب انسانةً متواضعة مثلها .. وحين حاولت الإبتعاد عنه , جنّ جنونه وازدادت عصبيته بشكلٍ ملحوظ


الشاب : لماذا ! الم يرد التخلّص منها ؟

- لا , هو يريدها ان تبقى معلّقة به .. عرفت هذا من مكالمة مع محاسبه .. ورغم كبر سني الا انني مازلت أتذكّر حواره بالحرف الواحد , حيث قال : ((انا أعاملها بعكس شعوري الحقيقي تجاهها , فهي تمتلك صفاتً لا املكها .. ولكي لا اشعر بالنقص , احاول تدمير مميزاتها : كتقليل ثقتها بنفسها وبالآخرين , حتى بأهلها واصحابها المقرّبين .. فأنا اريدها ملكاً لي وحدي .. ولغيرتي الشديدة عليها , اريد إطفاء شعاعها كي لا يراه الآخرون .. ومما سهّل الموضوع عليّ , انها لا تعرف قيمة نفسها وبأنها جوهرة حقيقية .. فهي تظن كرمها وعطفها على من حولها هو شيءٌ عادي , لكنه نادر في مجتمع الأثرياء المتزمّت والأناني .. لهذا ارغب ان اكون محور اهتمامها.. مع اني الوم نفسي من وقتٍ لآخر بأني انجذبت لفتاةٍ بسيطة مثلها , فضعفي اتجاهها وغيرتي الشديدة عليها يغيظني ويحدّ من كبريائي .. وقد حاولت مراراً إقناعها بالاستقالة , لكنها تصرّ على متابعة حلمها السخيف بالوصول الى رئاسة خِدمة الفندق .. رغم محاولاتي تحطيم طموحها بكل الطرق النفسية .. فأنا لا اريد ان يشغل بالها سوى عشقها لي , ومحاولاتها المُستميتة لإرضائي))


الشاب : يا الهي ! ماهذه النرجسية ؟ .. وماذا ردّ صديقه عليه ؟

العجوز : نصحه بتخفيف السيطرة عليها , فهذا يمتصّ طاقتها الإيجابية ويوقعها في متاهة الإكتئاب , ويدمّر ثقتها فيه .. كما أخبره ان النساء يهمّهنّ الشعور بالأمان , خاصة انها سافرت الى المدينة هرباً من قساوة والدها , فهي بحاجة ماسّة لحنانه واهتمامه .. ومن إجابة مراد , عرفت عقدته النفسية التي جعلته يتصرّف بهذه الغرابة.. 

- وماهي ؟

- كان قديماً يحب امرأة لحدّ الجنون , لكنها تخلّت عنه ..فاعتقد أنه بفرض سيطرته الكاملة على سميرة سيشلّ تفكيرها ويمنعها من التجرّأ على تركه  


الشاب : لا أفهم كيف يحبها ويعذّبها بذات الوقت ؟!

- هو عشقها كثيراً ..لدرجة انه اشترى قصراً فخماً في جزيرةٍ منعزلة , ليعيشا بقية عمرهما بعيداً عن الناس

- يبدو انه مهووسٌ بها ! .. وماذا كانت ردةً فعلها على هديته الفخمة ؟

العجوز : لم يخبرها يوماً بأحلامه الوردية  .. فكل مخطّطاته لحياتهما المستقبلية إحتفظ بها في خياله , وعاملها عكس مشاعره الحقيقية ليظهر قوياً امامها .. وقد رأيته مراراً وهو يعنّفها ويهينها امام زملائها , وكأنه مستمتعٌ بذلك ! 

- يعني يقصّ جوانح العصفورة كيّ لا تطير بعيداً

- بالضبط !!

الشاب : وهل نفع ذلك مع سميرة الطموحة ؟

- من مكالمتها الأخيرة مع زميلتها ..

الشاب مقاطعاً : الأخيرة ؟! 


العجوز بنبرةٍ حزينة : 

- نعم .. كانت تبكي بقهر بعد ان صفعها بقسوة امام زبائن الكافتريا , حين أوقعت الشاي عليه بالخطأ .. فأخبرت صديقتها بالهاتف أن حبه دمّرها تماماً .. فهي أعطته الحنان والإحترام والإهتمام , وهو بالمقابل ضغط عليها بغيرته الزائدة وشكوكه المستمرة وعناده الغير مبرّر , الى ان صارت جسداً بلا روح 

- وماذا حصل بعدها ؟

- اثناء تنصّتي على مكالمتها الأخيرة أحسّست بانقباضٍ في قلبي , فتنهّدادتها الحزينة أشعرتني باكتئابها الشديد .. فتركت مكتبي وأسرعت الى غرفتها .. لكني وصلت بعد فوات الأوان , حيث وجدتها مشنوقة بسقف الغرفة

الشاب بدهشة : إنتحرت ؟!

- نعم .. 

- وماذا حصل للسيد مراد حين علم بموتها ؟

- مازال صراخه المؤلم يتردّد في اذني وهو يحتضن جثتها , وكأن قلبه نُزع من بين اضلعه .. فبكائه المرير أحزن الجميع في تلك الأمسية الكئيبة .. (ثم تنهد بضيق) .. بعدها بأسبوع إشترى الفندق والحديقة المجاورة بإسم محاسبه , لندمه على عدم سماع نصائحه بتحسين علاقته بسميرة 

- واين السيد مراد الآن ؟


العجوز : لا احد يعلم .. وزّع املاكه على الجمعيات الخيرية واختفى .. يُقال انه سكن الجزيرة التي اشتراها لحبيبته , ومات وحده هناك 

- وانت أخبرتني قصته لأعامل خطيبتي جيداً , اليس كذلك ؟

- نعم .. ونصيحتي لك ان لا تخفي مشاعرك عن احبائك , فألم فراقهم لا يمكن لأحد تحمّله .. ولوّ رأيت ملامح مراد البائسة وقت دفن سميرة , لفهمت ما أعنيه 

- حسناً سيد نزيه , سأصالح خطيبتي هذا المساء 

العجوز مبتسماً : اريد حضور عرسكما قريباً

الشاب : ستكون اول المدعوين .. شكراً لك 

***


في ذلك المساء .. ذهب العجوز الى الطابق المخصّص لغرف العمّال , وفتح غرفة سميرة القديمة رقم (202) ..فهو الوحيد يحتفظ بالمفتاح 

وفور دخوله , سمع اصوات طرقٍ مخيفة ! 

فمشى بهدوء ناحية النافذة , ونظر من خلالها الى الطبّاخ وخطيبته التي كانت تضحك في حديقة الفندق بعد ان صالحها بقطعة كيك من صنعه .. 

وسرد نزيه بصوتٍ مسموع موجز قصتهما .. وبعد انتهائه , إختفى صوت الضجيج تماماً! 


فابتسم قائلاً :

- سميرة !! أعلم انك تسمعينني .. أردّتُ إعلامك ان موتك لم يذهب سدى , فهناك حبيبين يافعين استفادا من تجربتك المريرة .. وقمت بذلك لإراحة روحك على أمل ان تسامحي حبيبك مراد , وتوافقي على لقياه في عالم الأرواح , فهو لديه الكثير ليقوله لك .. رجاءً إذهبي اليه , فهو حتماً في انتظارك .. (ثم نظر الى حلقة السقف التي شنقت بها نفسها) .. إسألي قلبك الحنون يا سميرة : الم يحن الوقت لاجتماع الحبيبين بعد كل هذه المعاناة ؟ 


وفجأة ! ظهرت زوبعة هواء في الغرفة , إنطلقت مسرعة نحو النافذة لتفتحها بعنف على مصرعيها .. قبل ان يهدأ كل شيء 


فعلم السيد نزيه ان روحها خرجت من الغرفة للقاء حبيبها التي سامحته أخيراً .. 

فابتسم بحزن وهو يرمي المفتاح في سلّة النفايات :

- لا داعي لإقفال الغرفة ثانية .. 


وذهب لمكتب المدير مروان لطلب التقاعد , بعد إنجازه مهمةً صعبة بجمع روحين عاشقين تألّما من طول الفراق !  

هناك 6 تعليقات:

  1. مبدعة ورائعة، لكن لدي طلب سيدة أمل، انا فتاة في الثانية عشر من سوريا، أهوى الكتابة جدا، وللصراحة قد كتبت رواية تتكون من 382 صفحة، أود أن اطلب منك طلبين، واتمنى ألا يزعجاك، هل تستطيعين نشر دروس تعليمية على مدونتك القيمة حول كتابة السيناريو أو الرواية، والطلب الأخر، هل تسطيعين الاطلاع على قصتي؟ و
    وشكرا لك جزيل الشكر، واتمنى أن تردي علي، شكرا مرة أخرى

    ردحذف
    الردود
    1. اهلاً عزيزتي .. كنت نشرت قديماً مقالين في موقع اراجيك
      1- كيف تكتب رواية في 100 يوم
      https://www.arageek.com/2015/03/24/how-to-write-novel-in-100-days-or-less.html

      2- الفرق بين رواية القصيرة والطويلة
      https://www.arageek.com/2015/04/09/short-novel-and-long-novel.html

      كما قمت بتلخيص المعجم العربي
      https://www.lonlywriter.com/2016/10/blog-post_85.html

      اما السيناريو : فالأفضل دراستها من الإنترنت , فأنا لست خبيرة بها .. وإن كنت كتبت بعض قصصي الطويلة على شكل سيناريو , على حسب ما تعلّمته من مواقع متخصصة بهذه المواضيع

      اما قراءة روايتك : فلا ادري ان كان وقتي يسمح بذلك , فأنا اعتني بأمي المريضة هذه الأيام ولدي اعمال منزلية كثيرة , وبالكاد اجد ساعتين في اليوم لكتابة قصصي ..
      أقترح عليك نشر قصصك القصيرة في موقع كابوس , فهو السبب في شهرتي .. ومعظم قرّائه من المراهقين .. وستجدين الكثير من الأصدقاء هناك ..كما ان ادراته ومشرفيه رائعون .. سيعجبك الموقع جداً .. وهذا رابطه
      https://www.kabbos.com/

      اتمنى ان اكون أفدتك عزيزتي

      حذف
    2. لقد تعرفت على موقعك من خلال موقع كابوس، ولقد ارسلت منذ يومان قصة قصيرة هناك بعنوان رحيل بهدوء، وأتمنى أن تقوم أمك بالعافية، والله يطول بعمرها، وشكرا لك على أية حال سيدتي، والله يعطيك العافية

      حذف
    3. حين تُنشر قصتك بكابوس , إخبريني كي اقرأها .. تحياتي لك

      حذف

وحش الجبال

تأليف : امل شانوحة  المسخ  شعرت جاكلين باكتئابٍ شديد بعد فوز طليقها بحضانة اطفالها الثلاثة ، فنصحتها صديقتها بالحجز في رحلةٍ سياحية للمناطق ...