الجمعة، 14 أغسطس 2020

عرّافة المستقبل

 تأليف : امل شانوحة

تنبؤاتٌ صادقة


إستيقظت ريما قبيل الفجر على غير عادتها , لترسم في دفترها الموجود قرب سريرها ((نبضات قلبٍ تنتهي بخط مستقيم + كلمة بابا)) .. ثم عادت للنوم 


في عصر اليوم التالي .. إتصلت امها لتخبرها أنهم نقلوا والدها بسيارة الإسعاف , بعد شعوره بوخزٍ مؤلم في قلبه ! 


وفي المشفى .. أخبرهم الطبيب بفشله بإنعاش قلبه المتوقف 

***


بعد انتهاء العزاء , عادت ريما الى منزلها .. وقبل نومها , فتحت دفترها لتتفاجأ برسمتها الغريبة ! 

فقالت باستغراب : كيف عرفت أن ابي سيموت بسكتةٍ قلبية ؟!

واعتبرتها صدفةً غريبة !

***


بعد ايام .. طلبت صديقتها ان ترافقها لإجراء اول فحصٍ بالأشعة لحملها , بسبب إنشغال زوجها بالعمل ..


وفي اليوم التالي .. إستعدّت ريما للذهاب لموعدهما المحدّد .. 

واثناء خروجها من غرفتها إصطدمت بطاولة السرير , ليسقط دفترها .. وقبل إعادته مكانه , إنتبهت على العبارة كتبتها في الليلة الفائتة :

((طفل + معاق + طلاق))

لكنها لم تهتم , وخرجت لمقابلة صديقتها ..

***


في العيادة .. أخبرتهما الطبيبة (بعد إنهاء التصوير) بأن الطفل سيولد معاقاً لعدم نمو اطرافه بسبب نقص الفيتامينات , وحاولت إقناعها بإسقاط الجنين .. الا ان الأم رفضت بشدة , وأصرّت باكية على ولادة طفلها الأول .. 


وما حصل صدم ريما بعد تذكّر ما كتبته في دفترها ! لذا حاولت في طريق العودة إقناع صديقتها بإسقاط جنينها لتجنب المشاكل مع زوجها , الا انها أصرّت على موقفها ..

فحصل ما كان متوقعاً , حيث طلقها بعد إصرارها على إنجاب ابنه المعاق! 


مما ضايق ريما كثيراً , لهذا تركت دفترها في المطبخ خوفاً من كتابة تنبؤات أخرى تضرّ بأحبابها واصدقائها

*** 


باليوم التالي .. إستيقظت ريما في المطبخ , بعد نومها على طاولة الطعام على غير عادتها ! والدفتر امامها مفتوحاً , فيه بضعة كلمات :

((طبخ + جرح + يد))

فتنهّدت بضيق لإحساسها بمصيبةٍ قادمة ..


في ظهر ذلك اليوم .. واثناء طبخ غدائها , جرحت يدها جرحاً عميقاً أجبرها على الذهاب الى المستشفى لتقطيبه !


فعادت غاضبة الى بيتها .. ورمت دفترها في الزبالة , صارخةً بصوتٍ عالي :

- لا ادري من انت !! ولماذا تخبرني بالمستقبل ؟ ولا رغبة لي في موهبتك اللعينة !! أخرج من حياتي مع توقعاتك الشّؤم الشريرة !!

ثم تخلّصت من جميع دفاترها واقلامها ..

***


في اليوم التالي .. وجدت بيجامتها ملوّثة بالدماء , بعد ان نزف انفها طوال الليل اثناء نومها ! .. وهذا ليس الشيء الوحيد الذي أرعبها , بل ما كتبته بدمائها على طاولتها البيضاء قرب سريرها .. حيث رسمت قلب فيه :

((اسم خطيبها + اسم صديقتها المقرّبة))


مما جعلها تقضي اليوم كله في مراقبة صديقتها التي اجتمعت مساءً مع خطيبها في الحديقة العامة .. ويبدو من أحضانهما الحارّة انهما على علاقة منذ فترةٍ طويلة ! .. فاقتربت ريما وهي تنظر اليهما باشمئزاز .. فحاولا التبرير لها , الا انها اكتفت برميّ خاتمها في وجه خطيبها .. لتعود منكسرة الى بيتها بعد شرائها قلماً ودفتراً من المكتبة , وضعتهما بجانب سريرها .. وهي تقول بصوتٍ عالي :

- يا صاحب الموهبة الخفيّة !! يمكنك إخباري بالمستقبل , لكن بشرط !! أن تطلعني على الحوادث قبل شهر من حدوثها , لأتمكّن من تجنبها او منع حصولها .. إتفقنا !!


ونامت تلك الليلة بعد تشغيل الكاميرا , لتأكّد انها هي من تكتب التنبؤات المستقبلية..

وبالفعل صوّرها الحاسوب وهي تستيقظ آخر الليل لكتابة بضعة كلمات في دفترها , قبل عودتها للنوم !

وهذه المرة كتبت عبارة :

((كورونا – كذبة – عقار – شريحة – سيطرة))


وكان مرض كورونا في بداياته .. ولأنها تعمل كاريكاتير في صحيفةٍ وطنية , فقد نشرت رسمةً للرئيس الأمريكي وهو يسلّم على الثريّ بيل غيتس قائلاً :

((سيطرنا على العالم بالشريحة المدسوسة في عقار كورونا))


وكانت ريما اول من تنبأت بهذه المؤامرة السرّية , مما جعل كبار المفكّرين والمحلّلين السياسين يأيّدون نظريتها , خاصة ان هناك تجارب طبية قديمة لنفس الموضوع .. وبسببها نزع عددٌ كبير من الناس كمّاماتهم لممارسة حياتهم الإجتماعية السابقة .. مما أغضب أطباء عالميين (مشتركين سرّاً بتلك الخطة) وبدأوا بحملة نقدٍ قاسية ضدّها , وأنها السبب في تزايد اعداد مرضى الكورونا , مدعّمين كلامهم بصورٍ لجثث مزيفة خدعت الناس من جديد , الذين انقسموا بين مؤيدين ومعادين لها ممن وصفوها بالشعوذة والجاسوسية والماسونية ! مما أجبر مدير صحيفتها على طردها من العمل لتجنب المشاكل ..


لكن هذا لم يوقف ريما عن رسم المزيد من تنبؤاتها المستقبلية التي نشرتها في كافة وسائل التواصل الإجتماعي , التي فاجأت العديد من روّاد الإنترنت الذين عجزوا عن تفسير موهبتها الغريبة , حتى وصفها البعض بأنها مسافرة عبر الزمن !


وكان من ضمن توقعاتها ما حصل في لبنان مؤخراً , حيث استفاقت بأحد الأيام لتجد عبارة مكتوبة في دفترها :

((إنفجار – ميناء – بيروت – 6))


فحاولت ريما طوال الشهر تنبيه المسؤولين والناس الذين يسكنون قرب الميناء من انفجارٍ متوقع لأحد مستودعات البضائع بحدود الساعة 6 .. لكنها لم تستطع تحديد يوم الإنفجار , او وقته إن كان صباحاً او عصراً .. 

لهذا تناسى الناس رسمتها التشاؤمية للدمار الشامل الذي سيحلّ بالعاصمة , مع اعدادٍ كبيرة لمصابين بشظايا الزجاج المحطّم ..

***


بعدها بأسبوعين .. غفت ريما ظهراً لبضعة دقائق , وحين استفاقت وجدت كلمات في دفترها : ((إنفجار – ميناء – اليوم))


وكانت الساعة  5 .. فاتصلت بأخيها لتترجّاه بأخذ امها الى الجبل في أسرع وقتٍ ممكن , دون توضيح الأسباب .. وبعد اصرارٍ منها , خرجا من بيتهما القريب من البحر ..


اما هي فقادت سيارتها باتجاه المنطقة الخطرة , لتصل متأخرة بسبب زحمة السير بعد فكّ الحجر الصحّي لكورونا .. حيث وصلت الى الميناء مع ارتفاع ادخنة النار في السماء .. 

فصرخت بمكبّر الصوت :

- أخرجوا فوراً من بيوتكم !! هذه ليست مفرقعات , بل متفجراتٍ ناسفة !!!!

لكن لا احد سمعها , وكأن صوتها دون صدى !


فنظرت للأعلى , لتجد الناس تصوّر بجوالاتها حريق الميناء من بعيد .. فعادت لتنادي بالميكروفون :

- ابتعدوا عن الشرفات !! الزجاج سيتحطّم من قوة الإنفجار .. إحموا اولادكم !! أخرجوا من سيارتكم ومحلاّتكم 


لكن ايضاً لم يلتفت اليها احد ! فنظرت الى ساعتها التي قاربت على السادسة .. 

وبعد ان تملّكها اليأس , أخذت تصوّر نفسها مباشرةً على الفيسبوك : وهي تسرد ما سيحصل في الدقائق التالية , مع ذكرها أعداد الموتى والجرحى (دون علمها بكيفية حصولها على هذه المعلومات الدقيقة !)


وماهي لحظات حتى حصل الإنفجار المرعب , لتصاب ريما بشظايا زجاج سيارتها المحطّمة .. فأسرعت لتقطيب جروحها .. ووقفت منصدمة امام بوّابة المشفى التي اكتظّت بأعداد الجرحى الذين وصلوا تباعاً حتى منتصف الليل , وقلبها يعتصرّ ألماً .. 

***


وعادت مساءً حزينة ومكتئبة الى بيتها الذي تكسّر بعض زجاجه لبعده عن الميناء , بعكس منزل اهلها الذي تحطّم تماماً !

وبعد طمأنة عائلتها واصدقائها عن حالتها الصحية , كتبت في دفترها : 

- مالهدف من معرفة المستقبل ان لم يكن باستطاعتي تغيره ؟


ثم شعرت بالجوع , فدخلت المطبخ لتناول بضعة لقيمات .. 

وحين عادت الى غرفتها .. وجدت الإجابة مكتوبة في دفترها : 

((القدر لا يمكن تغيّره))


فمزقت دفترها ورمته في الزبالة , وهي تصرخ بغضب :

- اذاً لا تخبرني بتوقعاتٍ أخرى , فقلبي لا يتحمّل الإحساس بالذنب .. إبحث عن شخصٍ آخر يستفيد من موهبتك الغبية .. واتركني وشأني ايها الأحمق !!! 

***


واستفاقت صباحاً على اتصال من مدير صحيفتها يسألها عن الفيديو التي صوّرته , الذي انتشر كالنار في الهشيم بين ناس ! بسبب دقّة معلوماتها عن أعداد الموتى والجرحى , وإخبارهم بأسماء الأشخاص العالقين تحت الركام , واماكن وجودهم ! 

وقبل إدراك ريما ما فعلته , رنّ جرس منزلها .. لتجد المخابرات بانتظارها ! والذين اعتقلوها للتحقيق معها عن الفيديو المريب الذي تنبأت فيه بتداعيات الإنفجار ..  


وفي المركز أخبرتهم الحقيقة كاملةً , لكنهم لم يصدقوها .. وارسلوها للسجن بتهمة التواطؤ مع الأعداء ..

***


بعد اسابيع .. أخبرها المحامي أنه سيعمل جاهداً بمرافعته القادمة لإقناع القاضي بمرضها العقلي , لعلّه يرسلها للعلاج النفسي .. لكن ريما رفضت ذلك بعصبية :

- لست مجنونة !! ولا أعرف من أطلعني على المعلومات المستقبلية التي فضحتها لأجل الأهالي التي تبحث عن اولادها المفقودين تحت الأنقاض

فنصحها المحامي بتغير اقوالها في الجلسة القادمة , والا ستسجن لوقتٍ طويل

***


في سجن النساء .. طلبت ريما من الحارسات إعطائها ورقة وقلم , لكنهنّ رفضنّ مراراً ..


وقبل نومها , رمى مجهول طبشورة من النافذة العلوية لزنزانتها ! .. فنامت قرب الحائط , ممسكةً الطبشور جيداً


واستفاقت اليوم التالي , لترى عبارة على الحائط :

((الأكل- 12– حديدة 3)) .. لكنها لم تفهم شيئاً ! 


وحين نزلت الى قاعة الطعام , لاحظت عنبراً بجانبهم يحمل الرقم 12 .. فانتظرت ذهاب الجميع للإسراع الى هناك , حيث وجدت قضباناً حديدية تفصلها عن غرفة تغير ملابس الحرس .. فقامت بهزّ الحديدة الثالثة , لتجدها مكسورة ! فتمكّنت من المرور بجسمها النحيل الى الجهة الأخرى .. ودخلت الغرفة لتجد ملابس إحداهنّ معلّقة , فلبستها على الفور  


وأسرعت نحو البوّابة الرئيسية وهي تخفي وجهها بالقبعة العسكرية ..

وبصعوبة كتمت فرحتها عندما إكتفى الحارس بإلقاء التحية العسكرية , قبل فتحه البوّابة .. 

فمشت ببطء لحين الإبتعاد عن كاميرات السجن الخارجية .. ثم ركضت بكل قوتها , الى ان وصلت للشارع العام ... وهناك أوصلتها سيارة الأجرة الى بيت صديقتها 

*** 


وارتعبت صديقتها بزيارتها المسائية المفاجئة ! لعلمها بوجود ريما في السجن لأكثر من شهر , والتي قالت بحنق :

- لم آتي للإنتقام منك , رغم غضبي من خيانتك صداقتنا

فأجابتها بفزع : والله قطعت علاقتي بخطيبك منذ ايام , أحلف لك

- لا يهمّني امره , اريدك ان تساعديني للهرب من هنا  

- كيف ؟!

- انت تعملين في المطار ..

صديقتها مقاطعة : لا استطيع مخالفة القوانين ..

ريما بلؤم : لا تنسي انك مدينة لي .. وانا اريد السفر لعمي في اميركا 

- سأحاول جهدي ..

***


وبالفعل استطاعت صديقتها إدخالها من الباب السرّي الخاص بركّاب الدرجة الأولى في الرحلة المتوجهة لأمريكا ..

وتنفّست ريما الصعداء بعد تحليق الطائرة مُبتعدةً عن لبنان 

***


في اميركا .. استطاع عمها إستخراج هوية جديدة لها , بعد إجرائها عملية تجميلية غيّرت فيها ملامح وجهها , لتعود لتنبؤ الحوادث المستقبلية من خلال رسوماتها الكاريكاتورية في وسائل التواصل الإجتماعي التي شهرتها كثيراً في اميركا ودول اوروبا .. الى ان أصبحت المتنبأة الأولى لدى الأجانب الذين دفعوا لمقابلاتها التلفزيونية ملايين الدولارات لتصبح واحدة من أهم المشاهير الأثرياء ..

***


بعد سنوات .. تفاجأت ريما بعبارةٍ مكتوبة في دفترها :

((THE END))

فقالت بصوتٍ مسموع : ماذا تقصد ؟! 

فأحسّت برغبةٍ قوية لإمساك قلمها الذي تحرّك وحده لكتابة جملة :

((غرورك أنهى موهبتك))

ريما بخوف : ماذا يعني هذا ؟!! ألن تعطيني تنبؤات أخرى ؟

فكتب القلم : ((التوقعات .. إنتهت)) 

فصرخت غاضبة : الآن بعد ان أصبح لديّ جماهير عريضة تنتظر توقعاتي كل سنة تريد حرماني من موهبتي .. لا !! لن أقبل بذلك 


لكن يدها لم تكتب شيئاً لعدة دقائق ! .. فقالت بنبرةٍ منكسرة :

- أعدك أن لا يصيبني الغرور ثانيةً .. رجاءً أعدّ لي موهبتي , يا ملاكيّ الحارس 

فتحرّك القلم لكتابة كلمة ((ملاك)) , وفوقها علامة إكس ..

ريما بدهشة : ماذا تقصد ؟ .. ألست ملاكي ؟!

فكتبت : ((لا))

فسألته بفزع : إذاً من انت ؟!! .. هل انت جني ؟

- ((شيطان))

فتراجعت للخلف بفزع : 

- إذا كنت شيطاناً فلا اريد توقعاتٍ منك , فأنا لست خادمتك 


وهنا اشتعل أصبعها فجأة ! .. فأسرعت الى المطبخ وهي تصرخ بألم , محاولةً إطفاء النار بالماء .. لكن كلما أغلقت الصنبور , يعود للإشتعال ثانيةً !

فصرخت بوجعٍ شديد : انا آسفة !! ارجوك توقف

فانطفأ نارها اخيراً .. 


فعادت باكيةً الى غرفتها , وجلست قرب طاولتها .. ثم فتحت دفترها وأصبعها مازال يؤلمها , قائلةً بحزن :

- ماذا تريدني ان أفعل ؟ 

فكتبت يدها هذه المرة : ((توقعات من نوعٍ جديد))

ريما بقلق : عن ماذا ؟

- ((نهاية العالم))


وفجأة ! تغير صوتها ليصبح ذكورياً وضخماً , وبصوتٍ عالي :

- اخيراً احتللتُ جسدها , سيدي ابليس .. سنكون طوع امرك في تنفيذ مخطّط الدجّال لتدمير البشريّة !! 

وارتسمت على وجهها ابتسامةٍ خبيثة !  


هناك 5 تعليقات:

  1. آسفة على تأخري بنشر القصة , اتمنى ان تعجبكم

    ردحذف
  2. إبدااااع بكل ما تعني الكلمة.

    ردحذف
  3. شكراً لكي أستاذة أمل امتعتينا بقصصك عن التنبؤات والساحرات
    أتمنى نشر قصص عن وحوش قاتلة أو وحوش أسطورية تهاجم البشر..
    دمتي بخير

    ردحذف
  4. جميلة جدا لقد إستمتعت بقرائتها...أتمنى لكِ التوفيق��.

    ردحذف
  5. أ-أمل متى ستكتبين قصتك التالية أنتظرك بفارغ الصبر.
    تحياتي لك.

    ردحذف

رحلة الشقاء

 كتابة : امل شانوحة قطار اولاد الشوارع في مدينة نيويورك 1854 .. إجتمع (تشارلز لورينغ بريس) مع افراد جمعيته (مساعدة الأطفال) لإيجاد حلٍّ سريع...