تأليف : امل شانوحة
التعويذة الأخيرة
مرّت أسابيع على اختفاء فتاة البرق في الغابة...
ومنذ ذلك البرق المرعب الذي سطع في المدينة ، دون ان يعقبه رعدٌ او مطر ! بدأ السكّان يلاحظون اختفاء اغراضهم الشخصية خلال المساء : كخاتم زواج او صورة قديمة او قطعة ملابس وسخة او بالية ، أمشاط الشعر .. وصولاً لألعاب الصوف ، ومصّاصات الأطفال المُبلّلة بريقهم !
في البداية ظنّ الأهالي ان لصّاً أحمقاً يسرق اغراضاً تافهة لا قيمة لها بالسوق .. وإن كانت مهمّة معنوياً لأصحابها
لكن بعد تلك السرقات الصغيرة ، بدأت المصائب تنهال على الأهالي من كل حدبٍ وصوب !
كشعورهم بالكسل والتعب في اجسادهم .. وفوضى وإهمال في منازلهم ، وتوتّر علاقاتهم الإجتماعية.. مع زيادة امراضهم ، والحوادث المؤذية لهم ولحيواناتهم الأليفة دون مبررٍ لذلك !
عدا عن امورٍ غير مفهومة : كأصوات ركضٍ فوق اسطح منازلهم الخالية والمقفلة بإحكام !
اما اطفالهم : فصاروا يحادثون أصدقاءً خياليين ، كأن بيوتهم سُكنت بكائناتٍ خفيّة.
كما اشتمّوا روائح دخان سجائر وبنزين تفوح في منازلهم ومطاعمهم ، ثم تختفي فجأة .. رغم انطفاء المواقد والأفران!
عدا عن تقوّس ظهور اليافعين ، كأنّ مخلوقاتٍ ثقيلةً خفيّةً تمتطيهم كالأحصنة !
مع معاناة جميع الأهالي من كوابيس مرعبة كل ليلة .. حتى بات صغارهم يخافون النوم .. بينما فقد الآخرون شهيّتهم للطعام ، وتراجعوا في دراستهم.
الوحيد الذي شكّ بالموضوع : هو اخو الفتاة الذي كان اسوأهم حظا ، فقد تجمّعت كل المصائب فوق رأسه : بعد اصابته بصرعٍٍ مفاجئ ، تكرّرت نوباته بين حينٍ وآخر.. حتى عجز عن متابعة عمله في المصنع.
ثم تركته خطيبته بعد تزايد نوباته المُحبطة.. عدا عن فقدانه نصف وزنه بأسابيع قليلة !
وما كانوا سيكتشفون سرّ اللعنة الجماعية ، لولا منام الأخ : الذي ظهرت فيه أخته وهي مختبئة خلف اشجار الغابة ، وتهدّده بوضوح:
- هذا عقابك لإرسالي للفضائيين المرعبين
***
وفي الصباح ، اخبر اهله وبقية سكّان المنطقة بما رآه .. ليتفاجأوا بأن صغارهم رأوا الفتاة ايضاً بكوابيسهم !
مما جعل رئيس البلدية يجمع الرجال لاقتحام الغابة ، للقبض على المشعوذة المنبوذة وتلميذتها الحقودة
ودخلوا الغابة وهم يشعرون بالقلق ، الى ان عثروا على كوخ المشعوذة مُحاطاً بطلاسم محفورة على جذوع الأشجار !
وكلما تقدّم أحدهم نحو الكوخ المتهالك ، انهار على الأرض وهو يصرخ بهستيريا ارعبت بقية الرجال !
فأصرّ أشجعهم على الإقتراب ، متجاهلاً جميع المخاوف والشكوك .. لينتفض الجميع ، بعد رؤية الدخان يخرج من جلده المسلوخ ! فسارعوا بإطفاء النار التي اشتعلت في ملابسه ، دون سببٍ واضح!
قبل ان يهربوا فزعين ، بعد سماعهم لصرخاتٍ غير بشريّة تنبعث من باطن الأرض تحت أقدامهم !
فعادوا يائسين الى عائلاتهم ، بعد تأكدهم من ان الفتاة والمشعوذة تعيشان داخل حصنٍ منيع .. ولا يمكن بحالٍ من الأحوال مواجهة سحرهما الأسود ، او جيشهما الوحشيّ الخفيّ !
***
لكن كل شيء تغيّر في الصباح ، بعد استيقاظ جيل الرموز .. وعثورهم على منشور موقّع من الفضائيين فوق سرائرهم .. مكتوباً فيه :
((من دراستنا للبشر ، علمنا ان السحر هو السبب الأكبر في خراب زيجاتكم .. ولهذا حصّناكم بطريقتنا ضدّ كائنات العالم الآخر .. وانتم وحدكم ، يمكنكم تخليص مدينتكم من لعنة فتاة البرق.. بعد قضائنا البارحة على معلّمتها العجوز))
فسارع شباب (جيل الرموز) بالتجمّع بمكتب رئيس البلدية الذي وافق على ارسالهم لهذه المهمّة المستحيلة ..
^^^
وحين وصل الشباب الى الكوخ .. وجدوا جثة العجوز الشمطاء مُتفحّمة بين الأشجار .. كأن ليزراً صُوّب من مركبة الفضائيين ، أحرق جلدها تماماً .. بينما ظلّت فتاة البرق مُتحصّنة داخل الكوخ المتهالك !
ورغم ان التعاويذ الشيطانية المحفورة على الأشجار ، توهّجت فور اقتراب الشباب (جيل الرموز) منها .. الا انهم لم يشعروا بأوجاعٍ في جسدهم ، كما حصل لبقية الرجال .. فأكملوا طريقهم ، الى ان كسروا باب الكوخ بعنف
وما ان اصبحوا بالداخل .. حتى اشتعلت النيران في ستائر الكوخ القديمة ، وبدأت الكتب والمخطوطات تتساقط من الرفوف..
وفي وسط الدخان ، ظهرت الفتاة التي لمع نور رمزها (البرق) من جبينها!
وهي تقول بنبرة تهديد :
- ستندمون يا رفقاء السماء !!
ثم تلت تعويذةً سريعة ، جعلتها تختفي من المكان ..
لكن الشباب لم ييأسوا ، بل طاردوها بين طرقات الغابة الوعرة .. وهم يرونها تطفو سريعاً بين الأشجار ..
الى ان لاحظوا تباطئ حركتها ، بعد استهلاك الطيران لطاقتها !
وفي النهاية ، تمكنوا من حصارها قرب جدول ماء..
وقفزوا جميعاً عليها.. بينما تقاومهم بعنف ، وهي تحاول تلاوة تعويذةً أخرى.. لكنهم سارعوا بتكميم فمها ، وتقيدها بالحبال ..
ثم أعادوها معهم إلى المدينة.
***
في المساء ، في ساحة المدينة .. تجمّع الأهالي حول العمود الذي ربطوها فيه ، بانتظار محاكمتها.
لكنهم بالحقيقة لم يرغبوا بقتلها .. بل ارادوا ان تخبرهم بأماكن دفنها لأغراضهم الشخصية ، بنيّة انهاء لعناتهم !
لكنها امتنعت عن اجابة اسئلهم ، مُتوعدةً إيّاهم بالهلاك حتى أنفاسها الأخيرة.. دون فهمهم لسبب حقدها الكبير عليهم !
وفجأة ! ظهرت انوار المركبة الفضائية بالسماء .. وهذه المرة لم تُثرّ زوبعتها النورانية ، او ترمي منشوراتها .. بل خرج منها شعاعٌ أبيض ، سُلّط مباشرةً على الفتاة التي انفكّت قيودها عن العامود .. وبدأ جسمها يرتفع تدريجياً عن الأرض ..الى ان وصلت للمركبة .. وسط صدمة الجميع ، خصوصاً اهلها الذين راقبوا اختطافها للمرة الثانية !
بعدها ظهرت عبارةٌ مكتوبة على الهيكل الخارجي للمركبة :
((نحن سنتكفّل بها))
ثم اختفت المركبة في السماء.
بهذه الأثناء .. تلاشت الطلاسم المنقوشة على اشجار الغابة ، الواحدة تلوّ الأخرى.
^^^
وفي تلك الليلة... نام الناس لأول مرة منذ شهورٍ طويلة دون كوابيس..
خصوصاً اخوها الذي اختفى صرعه اخيراً ..
بعدها بإسبوعين .. احتفلت عائلته بعودة خطيبته اليه ، بعد تحسّن صحته .. وعقب استرداد وظيفته القديمة
أما اطفال المدينة ، فعادوا إلى مدارسهم.
وعادت الأسواق إلى الإزدحام ، وأصوات الضحكات تملأ الشوارع.
حتى الغابة ازدهرت بالورود العطرة ، بعد هدم كوخ المشعوذة الملعون !
***
داخل المركبة الفضائية ، وبعد عامٍ كامل من محاولة ترويضهم للفتاة المشاغبة ..
قال قائد الفضائين لها :
- لقد أخطأنا عندما أعدناك الى مجتمعك .. لكن هذه المرة ، ستبقين معنا للأبد
فابتسمت الفتاة بمكر : لا حاجة لعودتي ، فقد وجدت خليفةً لي
وفجأة ! اختفى رمز البرق من جبينها ، دون فهمهم ما حصل
***
بهذه الأثناء .. كان احد الأطفال يلعب وحيداً بالغابة ، حينما وجد قبعة مرمية هناك .. وبسبب حرّ هذا اليوم ، وضعها على رأسه ..
وما ان فعل ، حتى صرخ متألماً .. جعله يرمي القبعة بعيداً ، لظنه بوجود حشرةٍ قارصة داخلها ..
وعاد الى منزله ، وهو مازال يشعر بوخزٍ في جبينه ..
وما ان رأت امه الجرح ، حتى صرخت فزعة .. بعد ان حُفر رمز البرق على جبينه !
((فهل انتهت لعنة الفتاة الغامضة ، ام تمكنت من نقل شرّها الى خليفتها الصغير؟!))

هذه نهاية القصة .. اتمنى ان تكون اجزائها الثلاثة اعجبتكم
ردحذف