الجمعة، 9 أبريل 2021

عقوبةٌ تعسُّفيّة

 تأليف : امل شانوحة

 

السجين والفأر


في غرفة التحقيق ، إنتفض المتهم آدم (الخمسينيّ) غاضباً :

- انا مهندسٌ كهربائيّ محترم ، لا يحقّ لكم القبض عليّ هكذا !

المحقّق ساخراً : مُحترم ! كنت تنوي سرقة البنك المركزي ايها الخبيث ..  لذا ستبقى في السجن الإنفرادي مطوّلاً

آدم بدهشةٍ وقلق : لكنكم لم تحاكموني بعد ! فكم سنة سأسجّن هناك ؟

المحقق بابتسامةٍ لئيمة : مدى الحياة


آدم بذهول : مستحيل ! لم أسرق شيئاً ، كل ما فعلته إنني أصلحت إمدادات الكهرباء داخل البنك 

- وأثناء عملك ، حفظت الدهاليز المؤدية لمخزن ذهب الدولة .. وطالما اننا لا نستطيع حذف المعلومات من رأسك ، سنُبعدك عن أهلك وبقية المساجين لحين موتك 

آدم صارخاً بعصبية : هذا ظلم ! أريد محامياً الآن !!


المحقّق ساخراً : محامي ! يبدو انك شاهدت الكثير من الأفلام السينمائية.. فنحن وإن ظلمناك ، أهون من إنهيار قيمة عملتنا وتدهور إقتصاد بلادنا.. وإنقاذنا المجتمع ، أهم من حرّية مجرمٍ مثلك !! 

ثم نادى الحارس العجوز :

- إرمه في الزنزانة الإنفرادية في القبو ، فهي كفيلة بتأديب هذا اللصّ الماكر 

***


واقتاده الحارس الى زنزانةٍ مظلمة .. والتي ما أن دخلها آدم ، حتى سعل بشكلٍ متواصل لرطوبة جدرانها العفنة ! 


وبعد إقفال الباب عليه ، قال الحارس من الخارج :

- سأنزل اليك مرتين في اليوم لإحضار غدائك وعشائك .. فكثرة الأدراج تتعبني ، كما إني مصاب بالربو ويضيق صدري في هذا المكان الكئيب 


وتركه وحيداً هناك ، لا ينير ظلمة سجنه الا فتحةً صغيرة بالجدار .. فجلس آدم على السرير الصدئ ، وهو يستذكر ما حصل :


((فهو كان معروفاً بذكائه في مهنته ، لذا اختير لإصلاح اسلاكٍ تعطّلت في إحدى مكاتب البنك المركزي بسبب ماسٍّ كهربائيّ .. ولخوف المدير من تكرار الأمر وحدوث حريق يتلف أموال العملاء .. طلب من آدم فحص جميع الأسلاك ، من ضمنها انوار المخزن الرئيسي الذي يحوي اطنان الذهب التابعة لخزينة الدولة .. الا إن وجوده وحده هناك (بعد إنشغال الموظفين بعملهم) أغراه بفكرة سرقة بعض السبائك .. لكن كان عليه اولاً التخطيط الذهني للعملية .. فقام بحفظ الدهاليز المؤديّة للمخزن ، فهو يملك ذاكرةً فولاذيّة .. كما حفظ الأرقام السرّية للأبواب الحديديّة من خلال نغمتها الموسيقية (حين فتحها المسؤول امامه) فهو متعدّد المواهب ..وقرّر بعد عودته المنزل ، تنفيذ خطته بعطلة رأس السنة .. وفي الموعد المحدّد ، إستطاع الوصول بذكاء الى المخزن الرئيسي .. وقام بسرقة ثلاث سبائك ذهبية (بوزن كيلو لكل واحدةٍ منها) وضعها في حقيبته .. ولأنه لا يعلم بوجود ليزر خفيّ قرب باب المخزن ، إرتفعت أصوات الإنذار في ارجاء البنك ! الذي أغلق ابوابه أتوماتيكياً ..ورغم ذكاء آدم بمجال الكهرباء ، الا انه لم يستطع فتح باب المخزن الذي تغير رقمه السرّي فور حصول الإختراق ! فعلق هناك ، لحين وصول الشرطة الذين انتظروا ايضاً وصول مدير البنك الذي يحمل رقم الباب السرّي الجديد ، الذي أرسله الكمبيوتر على إيميله .. فقُبض على آدم متلبّساً ، وأُودع السجن)) 


لكن مالا يعلمه آدم : إن خطته الجريئة أربكت الإدارة العليا للبلاد ، حيث وصل الأمر لرئيس الدولة الذي طالب مدير السجن بأشدّ العقوبات عليه .. وذلك لأن تغير الممرّات والدهاليز والأماكن السرّية التي حفظها آدم مكلّفاً للغاية .. فكان الحلّ الأسهل هو إخفائه عن الوجود ، بعدم السماح له بالإتصال مع الآخرين .. لذلك أوكلوا الحارس العجوز (الذي يعاني من سمعٍ وبصرٍ ضعيفين) بإطعامه ، بعد تهديده بالإعدام إن تواصل مع آدم  أو أخذ معلوماتٍ سرّية منه ! كما منعوه من إعطاء السجين اوراقاً وقلم وحتى طبشور كيّ لا يرسم الخريطة الداخلية للبنك المركزي .. والأدهى إن رئيس الدولة أعطى اوامراً سرّية لمدير السجن بوضع سمٍّ مُخفّف في طعام آدم ، فبموته يقضون على المعلومات الخطيرة التي حفظها .. على أن يتمّ تنفيذ مخطّط القتل ، خلال شهرٍ واحدٍ فقط !)) 

***


ومرّت الأيام ، وآدم مازال مسجوناً في مكانٍ أشبه بالجحيم ! فبرودة القبو لا تطاق مساءً ، كما إن عصيدته الرديئة تسبّب له الغثيان دائماً.. حتى الشخص الوحيد الذي يراه (الحارس العجوز) يرفض البقاء معه ، بحجّة الربو ! 


وبذلك بدأ عقل آدم يتشتّت ، وخاف على نفسه من الجنون .. خاصة إن الأوراق والكتب هي ضمن الأشياء الكثيرة الممنوعة عليه : كما خروجه الى الساحة والإستحمام ، لمنعه الإختلاط مع بقية المجرمين المتشوقين لمعرفة المعلومات الخطيرة المسجّلة في ذاكرته .. فسرقة السجن المركزي هو حلم كل منحرف !

***


وبعد ايام .. إستيقظ ادم وهو يشعر بشيءٍ يتحرّك على قدمه ! فقفز فزعاً من سريره ، ليرى فأراً يحاول الهرب أسفل الزنزانة .. فأسرع اليه وحمله بين ذراعيه ، فهو متشوّق لأيّ كائنٍ حيّ يشاركه السجن .. وأسرع بإطعامه بقايا خبزه القاسي .. وأخذ الفأر يتناوله ، بعد زوال خوفه من آدم الذي ظلّ يمسح فرائه برفقٍ وحنان ..

***


بعد ثلاثة اسابيع .. .. إزدادت الصداقة بينهما ، حيث زاره الفأر من وقتٍ لآخر لمشاركته فتات الخبز .. 


وفي البداية إكتفى آدم برعايته ، الا انه في هذا اليوم قرّر التحدّث معه قبل نسيانه الكلام :


- مرحباً يا صديقي الفأر .. إسمي آدم .. مهندسٌ كهربائيّ .. الأمهر في البلاد كلها .. أعرف ما ستقوله .. كيف لشخصٍ متعلّم وذكيٍ أن ينتهي به المطاف هنا ؟ .. بصراحة بعد التفكير مراراً بجريمتي ، أجد انهم صائبون بالخوف مني .. فلوّ نجحت خطتي ، لما اكتفيت بسرقة بعض السبائك .. فأنا بطبعي طمّاع .. وربما استمرّيت لحين إفلاس دولتي تماماً.. لا تنظر اليّ هكذا ، فأنا أقول الحقيقية .. آه تسألني كيف تجرّأت على السرقة بوجود الكاميرات ؟ .. يبدو لم تركّز معي جيداً ، فأنا أخبرتك انني خبير بالكهربائيات .. لذلك كان سهلاً عليّ إختراع ماكينة صغيرة تشوّش الكاميرات أثناء وجودي بالبنك .. لكن الليزر اللعين أفسد خطتي ، فهو متصل برمزٍ موجود على السبائك .. وفي حال رُفعت عن الأرففّ دون إبلاغ الكمبيوتر الرئيسي بذلك ، فإن الليزر الخفيّ يعمل فوراً .. ولوّ علمت بوجوده ، لاخترعت شيئاً يبطله .. لكن لا ينفع الندم الآن ، فقد حكموا عليّ بالموت .. لا ليس الإعدام .. (ثم ضحك) .. كنت سأكون حديث الناس لوّ إن كهربائيّ أُعدم بالكرسي الكهربائي .. لكنهم لم يرغبوا بإثارة الإعلام لصالحي ، فأخبروهم إني مسجون لبضعة أشهرٍ فقط .. لكن كما واضح من زنزانتي المقرفة إنهم خطّطوا مُسبقاً لقتلي إما بمرضٍ جلديّ او نفسيّ ، أو إرغامي على الإنتحار .. آه آسف ! إسترسلت بالكلام ولم اسألك عن نفسك .. هل لديك عائلة ؟ .. لا ! اذاً انت أعزبٌ مثلي .. مع إن الفئران تتكاثر بسرعة .. (ثم فكّر قليلاً) .. ما رأيك أن أسمّيك : آرثر .. نعم ، كإسم الملك الإنجليزي العادل .. والآن يا آرثر ، هل يمكنني أن أطلب منك معروفاً ؟ .. اريدك ان تجلب لي قلماً .. نعم ، أيّ قلم .. اريد رسم مخطّط البنك على الحائط ، قبل أن أنساه تماماً .. لربما السجين الذي يحلّ مكاني يحفظه ، ويساهم بإفلاس دولتنا اللعينة بعد تسريحه .. ماذا قلت ؟.. لا يا صديقي ، لا أظنني سأخرج من هنا حيّاً .. لست متشائماً ، لكنها الحقيقة .. هيا يا عزيزي ، إحضر قلماً من مكتب الحرّاس.. هل يمكنك ذلك ؟ .. شكراً يا بطل !! انا مدينٌ لك 

***


وعاد الفأر الى الزنزانة بعد يومين ، وهو يحمل شيئاً في فمه ! 

آدم باهتمام : ماذا تحمل يا آرثر ؟ .. لا ! هذا ليس قلماً .. يا الهي لقد جرحت فمك .. دعني أمسحه بقميصي ..أعرف إن ثيابي قذرة ، لكني سأحاول إيقاف الدم .. لا تتحرّك ارجوك .. من اين أحضرتها ؟! .. تبدو شفرةً مُستخدمة .. هل سرقتها من سلّة النفايات ؟ .. لكن من الذي يستخدم آلة حلاقة قديمة ، بغيارات الشفرات ؟! .. ربما الحارس العجوز ..(ثم فكّر قليلاً).. أتدري يا آرثر .. ربما أستفيد منها يوماً ، شكراً لك .. سأعطيك بقايا خبزي مكافأةً لك .. سأفتّتتها قطعاً صغيرة ، بسبب فمك المجروح .. لا لن أطعمك من العصيدة ، فهي سيئةٌ جداً .. الخبز يكفيك .. وشكراً على الشفرة ، انا مدينٌ لك يا صديقي

*** 


بعد خروج الفأر من الزنزانة ، خبّأ آدم الشفرة أسفل سريره .. وسهر طوال الليل وهو يفكّر باستخدامها لأخذ الحارس العجوز رهينة ، بعد وضعها على رقبته .. وكان متحمّساً اثناء تخطيطه بدقة ، للحظة هروبه من هذا الجحيم 

***


لكن لسوء حظه ، منعت الإدارة الحارس من دخول الزنزانة ..وأمرته بتمرير صحن الطعام من الفتحة السفليّة للباب الحديديّ !

ولم تُجدي محاولات آدم لاستدراجه الى الداخل ، مما أفسد خطة الهروب


وفي ذلك اليوم ، أحسّ آدم بأن عصيدته زادت سوءاً ! فقد تقيّأ مراراً ، لدرجة انه لم ينتبه على دخول آرثر الى زنزانته .. واثناء تلوّيّ آدم في سريره من مغص معدته ، تناول الفأر بقايا عصيدته .. وعلى الفور انقلب على ظهره وهو ينتفض بقوة .. فانتبه آدم لما حصل ! ووضع الفأر في حضنه ، محاولاً إنقاذه بالضغط على معدته لإخراج ما أكله .. لكن الفأر مات على الفور ! فعرف آدم انهم وضعوا السمّ في طعامه .. وحين بدأت رؤيته تتغبّش وهو يشعر بدوارٍ شديد ، أخرج الشفرة من أسفل السرير ..قائلاً بغضب :

- أتريدون قتلي يا ملاعين ؟ اذاً سأنتقم منكم جميعاً !!

 

وجرح رسغ يده ، لرسم مخطّط البنك بدمائه ! محاولاً تجاهل آلام معدته المتزايدة .. 


وانتهى خلال دقائق من رسم كل الطرق السرّية المؤدية لمخزن البنك ، على الجدار ! 

ومن بعدها طرق باب الزنزانة بقوة ، منادياً الحارس :

- انا أنزف بغزارة !!.. الدم لا يتوقف !.. ارجوكم ساعدوني!!!!

 

وما أن استلقى على سريره ، حتى أغميّ عليه ..

***


حين استيقظ آدم .. وجد طبيب السجن يُخيّط جرح يده ..

فأمسك آدم ذراع الطبيب بيده السليمه ، وهو يهمس له :

- هل جوالك معك ؟

الطبيب بصوتٍ منخفض : نعم ، لماذا ؟!

- صوّر الجدار بسرعة !! فهو المخطّط السرّي للبنك المركزي .. هيا لا تتردّد .. صوّره ، قبل دخول الحارس الينا 


وبالفعل قام الطبيب بتصوير الجدار ، قبل لحظاتٍ من دخول مدير السجن وحارسه العجوز الى الزنزانة ، ليجدا الطبيب يلفّ الشاشّ حول يد آدم المصابة ، فسأله المدير :

- هل سيعيش ؟

الطبيب : علينا نقله فوراً الى المستشفى ، فهو يحتضر 

المدير بلؤم : اذاً دعه يموت !!

الدكتور بدهشة : ماذا !


وهنا انتبه المدير على رسمة الحائط !

- ما المرسوم هنا ؟

الطبيب : لا ادري سيدي ! وجدّت الشخبطة ، حين دخلت الزنزانة

فأمره المدير بغضب : أخرج فوراً !!

الدكتور باستغراب : لكني لم أُنهي عملي ، فأنا لم أعالج بعد أمغاص معدته!

فقال المدير للحارس : أخرجه حالاً !!


واقترب الحارس العجوز لسحبه من ذراعه ، مما أغضب الدكتور الذي خرج طواعيةً ، للعودة الى عيادته الصغيرة في الطابق العلويّ للسجن 


وبعد ذهابه ..طلب المدير من الحارس : إحضار إسفنجة ودلوّ ماء ، لمسح الدماء .. فأسرع العجوز لإحضارهم .. 


وبعد قليل .. وأثناء مسح العجوز الحائط ، جلس المدير على طرف سرير آدم الذي استعاد وعيه مُنهكاً .. قائلاً له بلؤم : 

- ذاكرتك القوية قضتّ عليك يا مسكين 

آدم مهدّداً بألم : قريباً سيعرف العالم إسمي !!

المدير : لا احد سيهتم بموتك ايها البائس المغرور


وسحب الوسادة من تحت رأس آدم .. ووضعها فوق وجهه ، وهو يضغط عليها بقوة .. مما جعل الحارس العجوز يتجمّد في مكانه ! 

فصرخ المدير عليه لإكمال المسح ، وهو مازال يضغط بكل قوته على رأس آدم الذي ظلّ جسمه ينتفض ، الى أن توقف عن الحراك  


فأزال المدير الوسادة .. لتظهر عينا آدم الجاحظتين ، مُعلنا موته ..

فقال له ساخراً :

- أخيراً مُتّ ، ومات سرّك معك ..

 

ثم قال للحارس الخائف :

- مبروك !! حصلت على تقاعدك المبكّر ، مع تعويضٍ مجزّي .. المهم أن لا تخبر أحداً بما حصل هنا ، والا ستلاقي مصيره

فأومأ العجوز رأسه بخوف ، وهو حزين على العقاب الظالم لآدم 

***


بعد سنة ..ضجّت البلاد بخبر سرقة ذهب الدولة من البنك المركزي ، ضمن عمليةٍ ضخمة ودقيقة للغاية !

وعلى الفور !! إنهار سعر العملة والبورصة ، وتدهور تدريجيّاً إقتصاد البلاد ! 

*** 


في جهةٍ أخرى من العالم ..إحتفل الطبيب مع افراد عصابته من جنسياتٍ مختلفة ، والذي اختارهم بعناية من الإنترنت المظلم (كخبراء في مجال الكمبيوتر والكهرباء والتقنيات ، وموظف جمارك متقاعد لتهريب المسروقات خارج الحدود) والذين تمكّنوا معاً من سرقة اطنان الذهب الى خارج البلاد ..


فسأل أحدهم الطبيب :

- الا تشعر بالذنب لما حصل في بلادك ؟

الدكتور : كنت طبيباً في سجنٍ سيء السمعة ، وبراتبٍ حقير لا يكفيني لآخر الشهر .. واليوم بفضل صورةٍ واحدة : إشتريت سلسلة من الفنادق الفخمة بدولٍ نامية ، فلما أهتم بالملاعيين ؟

زميله : المسكين آدم ، عاش فقيراً ومات مُعذّباً .. ونحن استفدنا من خريطته التي رسمها بدمائه ! 

الطبيب بلا مبالاة : قدره أن يُعاقب عنّا جميعاً


وضحك أفراد العصابة في سكرٍ وفجور ، دون ذرّة تأنيب ضمير ! 


هناك 4 تعليقات:

ملاكٌ في عالم الجريمة

تأليف : امل شانوحة  براءةٌ لا تقاوم  توقفت السيارة أخيراً .. ونزل السائق وهو يسترحم الرجل الضخم أن يدعه وشأنه ، وبأن لا دخل له بما حصل لقائد...