*تأليف : امل شانوحة*
قوانينٌ صارمة للعبةٍ عنيفة !
مع بداية العام .. اتفق رؤساء المدينة على ترحيل مجرميها إلى جزيرةٍ مهجورة بعد أن بنوا فيها ثلاثة سجون: سجن الأحداث، وسجن النساء، وسجن الرجال .. بشرط أن تكون تهمهم جميعًا القتل .. أما المجرمون المقبوض عليهم بتهمٍ أخرى فيبقون في سجون المدينة.
وبالفعل !! بغضون شهورٍ قليلة، تم نقل أخطر المجرمين إلى تلك الجزيرة مع حراسةٍ مشددة ..
إلا أنه بعد خمس سنوات .. بدأ حراس السجن بالعودة سرًّا إلى المدينة، بعد أن ملّوا البقاء بتلك الجزيرة بعيدًا عن أهاليهم .. فانتشر الخبر سريعًا بين السجناء: بأن أعداد الحراس في تناقص ! وبدأ الأمل يعود إليهم بعد معرفتهم بأن أجهزة المراقبة بحاجة إلى صيانة، والحراس يهملون ذلك.
وكان من بين السجناء: طبيب طوارئ سابق، حوكم ظلمًا بقتله ابنة رئيس البلدية بعد فشله في إنقاذها، عقب حادثٍ مروريّ خطير .. فاتهمه والدها بالإهمال الوظيفي .. كما لفّق له محامي الرئيس عدة وفيات جرت في المستشفى التي يعمل فيها ! فرضي الطبيب مُرغَمًا بحكمهم الظالم، بعد رفض القضاء استئنافه ..
إلا أن ابنه المراهق انتقم له، وقتل رئيس البلدية عند خروجه من إحدى الحفلات الخيرية .. وبذلك اجتمع الأب والابن في سجنيّن مُتفرّقين بتلك الجزيرة !
ولأجل مستقبل ابنه خطّط الطبيب الذكي مع رفاقه المساجين لعمليّة انقلاب على الحراس ..
***
وفي إحدى الليالي .. وقبل عودة المساجين إلى زنازينهم (بعد السماح لهم بساعة تجوّل مسائية في حديقة السجن، المسيجة بالأسلاك الكهربائية المطلّة على البحر من كل جانب) صفّر الطبيب بقوة، معلنًا بدء العملية ..
وعلى الفور !! حصل هرجٌ ومرج في الساحة بعد هجوم كل خمسة مساجين على أحد رجال الشرطة، لنزع مسدساتهم وصواعقهم الكهربائية !
وأثناء المعركة .. جُرح بعض المساجين بالرصاص الطائش لرجال الشرطة، فقام الطبيب بعلاجهم بعد اقتحامه غرفة الطوارئ بالسجن.
***
وقبيل الفجر .. تمكّن المساجون من فرض سيطرتهم على سجن الكبار بأكمله !
وبعدها بساعة .. بدأت العملية الثانية، وانقسم المساجون المحرّرون إلى قسمين: قسم انطلق بقيادة الطبيب نحو سجن الأحداث القريب منهم .. والقسم الآخر اتجه بحماس لإنقاذ المجرمات المحتجزات في سجن النساء المتواجد في أطراف الجزيرة.
فدبّ الرعب بين رجال الشرطة الذين سارعوا إلى الهرب بقوارب النجاة التي جذفوها بعيدًا عن الجزيرة المنكوبة !
أما القسم الآخر من الشرطة النسائية والرجالية، فقد تم تقيدهم وحبسهم في السجن الرئيسي ..
***
وفي الصباح الباكر .. وصل الخبر إلى رؤساء المدينة الذين قاموا بالتواصل مع الخاطفين بقيادة الطبيب الذي وافق على تحرير الحراس بشرطيّن ..
أولًا: يُمنع اقتراب السياسيين ورجال الشرطة من الجزيرة مجددًا، لأنها أصبحت مدينة خاصة بالمجرمين.
ثانيًا: لن يُعاد الحراس سالمين إلى المدينة إلا بعد وصول المؤن الغذائية والبذور التي يحتاجونها للزراعة، مع قطيعٍ من الماشية .. لاستقلالٍ تام لأهالي الجزيرة عن موارد المدينة.
^^^
وفي المقابل، كان لرؤساء المدينة شرط وحيد: أنه في حال فرار أيٍّ من سجناء الجزيرة، فإن عقوبته ستتضاعف .. لذلك سيقومون بتكثيف الحراسة البحرية لحماية مدينتهم.
لكن الطبيب طمأنهم: بأن أصدقائه المساجين لن يهربوا من جزيرة الحرية، ليعيشوا في بلد الفساد ..
وبعد إمضاء المواثيق بين الطرفين، تم الإعلان بوسائل الإعلام بأن: ((جزيرة المساجين أصبحت منذ اليوم مدينةً مستقلة، غير تابعة لقوانين دولتهم)).
^^^
وبعد سماع المساجين لخطاب رئيس المدينة من مذياع السجن: صفّقوا بحماس لبلدتهم الجديدة !!
وعيّنوا الطبيب رئيسًا عليهم .. والذي قام بإلقاء خطبة خلف أسوار السجون، اجتمع فيها المجرمون من كل الأعمار والأجناس:
((إخواني وأخواتي !! اليوم هو يوم استقلال جزيرتنا عن قيادة المدينة، وبهذا التاريخ أُعلن قيام دولتنا .. دولة الأحرار!!))
وصّفّق الجميع بحرارة !!!
ثم أكمل الطبيب كلامه بصوت جهوريّ:
((لطالما اعتبرونا بشرًا ميؤوسًا منا، وبأننا حثالة المجتمع ! لكننا وإن أخطأنا، نستحق فرصةً ثانية .. لذلك سنثبت لهم بأننا قادرون على بناء دولةٍ منظمة بقوانينٍ عادلة .. وسيعمّ الأمن والاستقرار بيننا، فلا جرائم هنا على جزيرة السلام .. جزيرتنا .. جزيرة الأبطال!!))
وعادوا للتصفيق مجددًا، وهم ينادون بعلوّ صوتهم:
- يحيا حاكمنا العادل !! يحيا طبيبنا البطل !!
***
بعدها بشهور .. تم الاستفادة من خبرات المساجين السابقة في الزراعة ورعاية المواشي، كما في الحدادة والنجارة لبناء دولتهم.
كما كان من بين المساجين، رجلٌ يحفظ الإنجيل .. فقام الطبيب بتعيينه كرجل دين مسؤول عن تزويج المساجين من السجينات، رغم أن البعض فضّل العلاقات العابرة بينهم !
ولاحقًا أُقيمت الأعراس بعد تحويل غرف الزنزانات إلى شققٍ صغيرة، بعد هدم الجدران الفاصلة لتوسيع الزنزانات الإنفرادية لأجل المتزوجين حديثًا .. حيث نُقلت الأقفال إلى الداخل، لينفرد العرسان ببيتهم الجديد.
***
وخلال خمس سنوات .. استطاع الطبيب بذكائه بناء دولة تفرض القانون على شعبٍ من أخطر وأعتى المجرمين، دون ارتكاب جريمةٍ واحدة طوال تلك السنوات !
ومع ذلك ظلّ قلقًا من حماس شباب الأحداث الراغبين دائمًا بإثارة الفوضى والعراك بينهم !
***
وخلال تلك الأعوام .. وُلد عشرات الأطفال الذين قدّر لهم العيش محتجزين مع آبائهم داخل الجزيرة، بعيدًا عن مظاهر الحياة في المدينة ..
وذات يوم .. قالت سجينة حامل، لسجينة أنجبت حديثًا:
- وما ذنب طفلي أن يُولد بجزيرةٍ ليس فيها مدارس أو ألعاب أو مدينة ملاهي؟!
فردّت الأم وهي تُخيط لعبةً قماشية لطفلها:
- لقد أرسلنا شكوتنا للطبيب، وهو وعدنا ببناء المدارس في الشهور القادمة.
^^^
وبالفعل !! تم تحويل سجن النساء إلى مدرسة وعيادة، وسوق للمنتجات المصنوعة يدويًا لمساجينٍ كانوا أصحاب حرفٍ سابقة.
***
وفي أحد الأيام .. وبينما كان المراهقون يلعبون كرة القدم في حديقة سجنهم القديم، نادى شاب صاحبه (الذي كان يجلس بعيدًا عنهم):
- هل ستكتفي بمشاهدة المباراة ؟! تعال والعب معنا !!
فردّ بحزن: أتدرون أنه بدأت مباريات كأس العالم، والتي كنت أتابعها دائمًا قبل إرسالي إلى هنا.
فقال ابن الطبيب (جيم):
- لقد أخبرت والدي بالأمر قبل أيام، وهو اتصل بالمدينة .. طالبًا تلفازًا كبيرًا، مقابل حصاد مزروعاتنا.
الشاب بحماس: وهل وافقوا ؟!
جيم: سيرسلونه غدًا، حسب قولهم .. وسيضعه أبي في الساحة، لمشاهدتنا جميعًا بطولة العالم.
الشاب بفرح: هذا جميل !!
جيم: لكن والدي سيضع مسؤولًا عن جهاز التحكّم، فهو لا يريدنا أن نشاهد أفلامًا إجرامية أو سياسية أو حب وإثارة، لأنه لا يريد مشاكل بالجزيرة.
الشاب الآخر ممتعضًا: والدك دائمًا يقتل فرحتنا بقوانينه الصارمة.
ابن الطبيب بغضب: لولا والدي، لما كنت حرًا يا ولد !!
فردّ الشاب مهدّدًا: لمن تقولولد ؟! تعال لأريك من منا الطفل، أيها الصعلوك المدلّل.
وحصل عراك بينهما، أوقفته إحدى السيدات (أكبر السجينات، والمسؤولة عن المطبخ) بعد أن هدّدتهم بحرمانهم من طعام الغداء إن لم يهدأوا حالًا ..
فعاد كل مراهق إلى غرفته غاضبًا (التي كانت زنزانته قديمًا) وهو يلعن حظه على بقائه في جزيرة الأشرار.
***
لكن مع بداية السنة السابعة .. حصلت أول جريمة قتلٍ بينهم ! بعد عثورهم على جثة شابٍ مقتول في الغابة، المتواجدة بأطراف الجزيرة ..
وجنّ جنون الطبيب الذي لطالما أفهم الجميع (ضمن اجتماعاتهم الدوريّة) بأنه سيعاقب بشدّة كل شخصٍ يؤذي الآخر في دولته المحرّرة .. لذلك أرسل أشخاصًا موثوقًا بهم، للبحث والتحرّي عن القاتل .. فإذا به شابٌ مراهق قتل صديقه بعد مغازلته حبيبته !
ورغم هذا، رفض سكّان الجزيرة حبس القاتل في غرفة الاستجواب (المتواجدة في قبوّ سجن الرجال) التي تم إقفالها منذ إعلان الاستقلال!
بل إن بعضهم برّر فعلة القاتل، لأنهم مثله يشتاقون للمغامرة بارتكاب المحظورات ! وكان من بين المؤيدين: ابن الطبيب الذي شعر أيضًا بأن حياتهم كئيبة وخالية من التشويق ..
***
وفكّر الطبيب لأيام، إلى أن وجد فكرةً جيدة !
وجمع الرجال فوق سن 20 (دون النساء والمراهقين، بما فيهم ابنه ذو 17 عامًا) في اجتماعٍ خاص ..
واقترح عليهم لعبةً سرّية، تُقام بنهاية كل شهر مساءً في الغابة .. حيث يجتمع الرجال للقتال بالأيدي دون استخدام الأسلحة، بشرط لبس الألبسة الموحدة كي لا يميّزوا بعضهم ..
وستقام المعركة بين فريقيْن: فريق الفهود ضدّ فريق النمور .. والفريق الرابح يمكنه إجبار الفريق الخاسر على خدمته لثلاثة أيام من سقاية الأرض ورعاية الغنم وغيرها .. فتحمّس الجميع للفكرة !!
ثم وضع الطبيب أسماء كل شخصٍ منهم داخل وعاء، وقام بخلط قصاصات الورق .. ثم سحب أسماء المئة شخص التابع للفريق الأول، وأسماء المئة للفريق الثاني .. بحيث يلبس الفريق الأول الأقنعة الحمراء، والفريق الثاني الأقنعة السوداء ..
وبنهاية الاجتماع، وافق الجميع على كتمان السرّ ..
وبدوره وعدهم الطبيب بعلاج الجرحى من كلا الطرفين بعد انتهاء معركتهم السلميّة، حيث سيكون حكّمًا حياديًّا بينهم ..
وانتهى الاجتماع وهم في قمّة الحماس لمعركتهم الأولى التي ستُقام بعد أسبوعين، عند نهاية الشهر.
***
وبالفعل !! جرت اللعبة السرّية بسلام .. وعاد اللاعبون إلى منازلهم مع تباشير الصباح بعد حصولهم على بعض الكدمات البسيطة أثر العراك بالأيدي .. لكنهم شعروا براحةٍ كبيرة، لتفريغ طاقتهم السلبية ..وبسبب لعبتهم الخشنة الدوريّة، قلّت المضاربات والمشاجرات بين المساجين الكبار في حياتهم العامة !
***
إلا أنه في الشهر السادس .. قام جيم باللحاق بوالده إلى الغابة دون علمه .. واسترق النظر بين الأشجار، ليرى مشهد تجمّع الرجال ضمن فريقيْن بانتظار صفّارة الطبيب التي ما أن أطلقها، حتى هجموا على بعضهم وهم يسدّدون لبعضهم اللكمات والرفسات بحماسةٍ كبيرة !
وظلّ ابن الطبيب يراقبهم بدهشة وقلق ! حتى انتهت المعركة مع شروق الشمس بفوز فريق الأقنعة الحمراء ..
ثم تفاجأ بهم بعد صافرة النهاية وهم يسلّمون على بعضهم ! رغم تألّمهم من الجروح التي أصابتهم أثناء المعركة .. حيث عاد بعضهم إلى بيته وهو يعرج ويضحك من فرط السعادة !
فأسرع الشاب إلى البيت قبل وصول والده، وهو غاضبٌ منه لعدم إخباره بشأن لعبتهم الحماسيّة ..
***
وفي اليوم التالي .. صارحه ابنه بما رآه، قائلاً بغضب:
- لقد ضيّعت مستقبلي لأنتقم لك من ذلك الظالم، وأنت لا تثق بي بشأن لعبةٍ سخيفة !
الطبيب: إهدأ بنيّ .. هي لعبة لتخفيف غضبهم المكبوت.
فردّ ابنه بعصبية: لكنهم جميعًا فوق سن الثلاثين ! وكان الأجدر بك جعلها للمراهقين، فنحن من لدينا طاقةً سلبية أقوى منكم أيها العجائز!!
- تأدّب يا ولد !! فأنا لم أخبركم بها، لأن أصدقائك متهوّرون .. وربما يتحمّسون زيادة باللعبة، ويؤذون بعضهم .. بالنهاية أنا الطبيب الوحيد على هذه الجزيرة ولست قادرًا على إنقاذ الجميع .. خاصة إذا أُصيب أحدهم بجروحٍ خطيرة، فالمعدّات الطبية التي لدينا محدودة .. هل فهمت الآن ؟!
لكن ابنه لم يجيبه، بل ظلّ ينفث أنفاسه الغاضبة !
فأردف الطبيب قائلاً: اسمع يا جيم .. أنا فعلت ذلك لصالح الجميع، لذا رجاءً لا تخبر أصدقائك بأمر اللعبة، وخاصة النساء اللاتي سيفسدنّ كل شيء.
- أخاف أن تمنعك عروسك من هذه اللعبة .. (ثم تنهّد بضيق) .. على كلٍ، هي لعبة سخيفة ولا يهمّني أمرها.
ثم خرج من مكتب والده غاضبًا ..
***
ومرّ الشهر بسلام .. لكن في صباح يوم المباراة الجديدة .. ذهب جيم إلى أصدقائه في الملعب، فلاحظ صديقه تعكّر مزاجه .. وظلّ يلحّ عليه، إلى أن أخبرهم باللعبة السرّية.
صديقه: أقلت أنها ستُقام هذه الليلة ؟
جيم بقهر: نعم، بعد منتصف الليل .. ولهم ستة أشهر يلعبونها وحدهم!
فقال شابٌ آخر مفتول العضلات: ليس بعد الآن.
جيم بقلق: ماذا تقصد ؟!
وأخرج الشاب سكينة من جيبه، وهو يقول لرفقائه:
- عليكم التجهّز جيدًا للمعركة .. وعلى كل واحدٍ منا، صنع سلاحه الخاص .. كما لا تنسوا موضوع الأقنعة .. فلعبة اليوم ستكون أكثر إثارة.
فحاول ابن الطبيب إفهامهم بقوانين لعبة والده الصارمة، لكنهم أصرّوا على اللعب بطريقتهم ..
وقال أقوى الشباب بنيةً، لبقية المراهقين:
- لقد قرّرت أن أكون قائدكم في هذه المعركة، واخترت تسمية فريقنا: فريق العقارب .. ما رأيكم ؟
فأيّدوه على قراره ..
ثم اقترب القائد من جيم وسأله:
- وأنت !! هل ستأتي معنا، أم ستخاف من عقاب والدك ؟
فقال جيم بحزم: أنا لست صغيرًا لأخاف من أبي.
- أحسنت !! .. هل ما زالت عصا البيسبول معك ؟
جيم: نعم .. فوالدي طلبها من المدينة، كهدية عيد ميلادي الماضي .. لما تسأل ؟!
فابتسم القائد بخبث: لأننا سنضيف عليها هذه الأشياء البرّاقة.
وأخرج من جيبه المسامير الحادة، وهو يضحك مع أصدقائه .. بعكس جيم الذي فهم حينها حكمة والده بإخفاء الأمر عن هؤلاء المتهوّرين، لكن ندمه جاء متأخرًا !
***
وفي ليلة المعركة وقبل صافرة البداية .. تفاجأ الرجال بقدوم فريقٍ ثالث للغابة، مكوّناً من المراهقين المُلثّمين الذين أرادوا بالقوة الاشتراك باللعبة ..
فاعترض الكبار على ذلك .. وحصلت نقاشاتٍ حادّة بينهم، وحاول الطبيب التفاوض مع الشباب ..
لكن قائد المراهقين قاطع كلامه، قائلاً بحزم:
- اليوم ستقام المعركة بقوانيننا نحن، لا قوانينكم أيها العجائز !!
فردّ الفريق الآخر: أسكت يا صغير !! هي بالأساس لعبتنا نحن .. لعبة للكبار فقط!!
فأجابه الشاب: لكن لعبتكم مملة، والليلة سنجعلها أكثر حماسة .. هيا يا أصدقاء، أروهم أسلحتنا !!
فأخرج المراهقون من جيوبهم السكاكين، ومن حقائبهم العصيّ المُدبّبة بالمسامير !
فاعترض الكبار بقلق على مخالفتهم الشروط الصارمة !
وقبل أن يُفهمهم الطبيب قوانين اللعبة السلميّة، صرخ قائد المراهقين بصوتٍ جهوريّ:
- هجـوووم !!!
وفجأة ! هجم المراهقون بأسلحتهم العنيفة نحو الكبار الذين فرّوا خائفين إلى مجاهل الغابة ..
وحينها صرخ الطبيب منادياً ابنه بخوفٍ شديد:
- جيم !! إن كنت معهم، فاترك اللعبة حالًا !!
لكنه فات الآوان لإنسحابه، بعد انخراطه مع الجموع المُقاتلة !
وحصلت معركة وحشية بينهم .. اضطُر فيها الكبار لاستخدام أيّ شيء للدفاع عن أنفسهم: سواءً أغصان شجر أو أحجار، وحتى حركات الكاراتيه التي يتقنها بعضهم .. مما أدّى إلى جروحٍ خطيرة بين الفريقين ..
^^^
وقبيل الفجر .. استيقظت النسوة على صرخات أزواجهنّ القادمة من الغابة!
لكن خفن دخولها، كيّ لا يتعرضنّ لما أصابهم .. وانتظرن بصبر خروج أحدهم سالماً، لإخبارهن بما يحصل هناك ! ظنًّا منهنّ أن الشرطة اقتحمت الجزيرة ليلاً، ورجالهم يحاولون الدفاع عن استقلاليّة بلدتهم ..
ولم تختفِ أصوات الصراخ المفزعة إلا مع شروق الشمس، حيث عمّ السكون المرعب الذي زاد من خوف النساء !
^^^
وبعد ساعة .. خرج الطبيب بثيابه الملوّثة بالدماء وهو يحمل جثة ابنه، لينهار أمامهنّ باكياً وهو يقول:
- هذا خطئي .. لقد ماتوا جميعًا بسبب لعبتي .. سامحوني أرجوكم.
ولم تفهم النساء ما حصل إلا بعد اقتحامهنّ الغابة، واكتشافهن الشباب الذين يأنّون بألم من جراحهم وكسورهم .. وبجانبهم جثث الرجال المقتولين بوحشيّة في كل مكان !
***
بعدها بساعات .. بلّغ الطبيب رؤساء المدينة بانهيار دولة الجزيرة المستقلّة، بعد فشله في إدارة الحكم .. ليقوم المسؤولون بإرسال جنودهم، لنقل بقيّة المساجين إلى سجونهم القديمة ..
وتمّ إغلاق الجزيرة بعد أن حكمها الطبيب بعدلٍ وأمان لسبع سنوات وبضعة أشهر، لتصبح اليوم خالية إلا من الزيارات السنويّة للصحفيين والسوّاح !



