الخميس، 11 يناير 2018

المخلّدون

تأليف : امل شانوحة


عمري ثلاثة آلاف سنة , وأملك قوّة الشباب !

إندهش كل ركّاب القطار ممّا حصل امامهم .. فقد حاول شابٌ مقنّع إختطاف طفلٍ من بين يديّ امه .. والأغرب ان لا احد منهم حاول مساعدتها , حتى الشباب ذويّ العضلات المفتولة الذي صادف وجودهم في نفس القاطرة فضّلوا إدارة ظهورهم بدلاً من الإنقضاض على اللصّ نحيل الجسم ! 

والسبب انه في هذا العام (ايّ سنة 2080) أصبح إختطاف الأطفال وبيعهم بالسوق السوداء تجارةٌ رابحة , خاصة مع انتشار العقم بين الناس بسبب زيادة تلوّث البيئة , وفساد الأغذية الغنيّة بالملوّنات والمحسّنات الضارّة بالصحة .. ولذلك أغلقت معظم مدارس الأطفال بعد إزدياد حالات الخطف , وفضّل الأهالي حبس اولادهم داخل بيوتهم خوفاً عليهم ..لكن هذه السيدة إضّطرت للخروج مع طفلها (ذو الخمس سنوات) لزيارة الطبيب بعد ان ساءت حالته الصحية .. 

ولشدّة خوفها على ابنها الذي يرتجف باكيّاً من الخوف , سلّمته للخاطف الذي كان يضع سكينته حول رقبة الصغير , بعد ان تبادلت مع بقيّة الركّاب نظرات التوسّل والرجاء لمساعدتها , لكن لا احد منهم إقترب من الخاطف سوى ذاك الرجل الذي يبدو وكأنه في الثمانينات من عمره.. أبيض اللّحية , ويلبس ثياباً شتوية قاتمة اللون , ويغطي نصف وجهه بالشال الصوفي .. حيث قام بسحب رقبة الشاب بطرف عصاته بقوّةٍ أرجعته للخلف ! ممّا أبعد السكين عن رقبة الصغير الذي إستطاع الإفلات من قبضة الخاطف ليرتمي في حضن امه المنهارة من هول الموقف .. 

بينما أسرع الركّاب بإخراج جوّالاتهم الحديثة (التي تُشبه الرقاقة الشفّافة) لتصوير هذا الحدث المثير  
فعاد السارق ورفع سكينته الضخمة ملّوحاً بها امام وجه العجوز :
- هل تريد مواجهتي ايها العجوز الخرف ؟

لكن ردّة فعل العجوز فاجأت الجميع , حيث استطاع بحركتين سريعتين من عصاه ان يرمي بسكينة الخاطف بعيداً ! 
فأخرج الخاطف على الفور مسدسه من خاصرته , وأصاب العجوز في كتفه .. الاّ ان العجوز ركله بقوّة على بطنه أسقطته أرضاً , حيث أرتطم ظهره بباب القطار .. وصُعق الجميع من قوّة العجوز الذي لم يكن يُبالي بالدماء التي تنزف من كتفه المصابة , وكأنه لا يشعر بأيّ ألم ! 

وبثوانيٍ تمكّن العجوز من إلتقاط المسدس الواقع على الأرض , ورفعه في وجه الخاطف .. 
الخاطف وهو يرفع يديه مُستسلماً بخوف : ارجوك لا تقتلني 
العجوز بنبرةٍ آمرة : إخلع قناعك ليراك الجميع 
الخاطف بخوف : ان فعلت ستقتلني العصابة 
العجوز بغضب : وان لم تفعل سأقتلك انا !!

فكشف الخاطف عن وجهه مُتردّداً , بينما أسرع الركّاب بتصويره من خلال جوّالاتهم 
العجوز وهو مازال يرفع المسدس في وجه الخاطف : والآن أجبني على أسئلتي .. كم طفل إختطفت حتى الآن ؟
- انا أعمل ضمن عصابةٍ كبيرة , وكل واحداً فينا إختطف عدداً من الأطفال لنبيعهم للأغنياء بالسوق السوداء , وبأسعارٍ تتفاوت حسب جمال الطفل 

- وكم طفل إختطفت لوحدك ؟
- هذا أول طفل أقوم ..
فقاطعه العجوز بغضب : كاذب !! بل سبعة عشر ولداً وثلاثة بنات , بالإضافة الى هذا الطفل
الخاطف بصدمة : وكيف عرفت هذا ؟! هل انت من الشرطة ؟ هل كنت تراقبني ؟
- أصمت وأجبني على باقي الأسئلة !! اين هم الأطفال الآن ؟
- تمّ بيع معظمهم
- وماذا عن الباقين ؟
- نحن نقوم ببيع القبيحين منهم لتجّار الأعضاء البشرية

فشهقت الأم بخوف وهي تضمّ طفلها بقوّة ..
فقال العجوز لها : لا تقلقي , لا أحد سيؤذي ابنك .. فقط حاولي ان لا تُخرجيه كثيراً من المنزل  
فأومأت الأم برأسها ايجاباً , وهي تحمد الله على سلامة طفلها من هذه العصابة المرعبة 

ثم عاد وسأل العجوز المختطف : واين تضعون الأطفال المختطفين ؟
- لا طبعاً لن اخبرك , لأن العصابة ستقتلني حتماً

وهنا صُعق الجميع بعد ان أطلق العجوز دون تردّد النار على ساق الخاطف الذي صار يتلوّى من الألم !
العجوز : أجبني الآن !! والاّ أفرغت المسدس في جسمك 
فأخبره الخاطف مُتألّماً عن عنوان الأطفال المفقودين ..
- كما أخبرتك .. نحن نجمعهم في ذلك المستودع القديم الذي أعطيتك عنوانه .. أحلف لك

وهنا نظر العجوز الى الشباب الأقوياء من الركّاب والذين إكتفوا بتصوير الحدث من جوّالاتهم , فقال لهم بأسى :
- لقد أصبحنا في زمنٍ نكتفي فيه بالتصوير بدلاً من إيجاد الحلول .. يا أسفي على شبابكم وقوّتكم المهدورة 
فطأطأ الشباب (مفتولي العضلات) رؤوسهم خجلاً من جرأة العجوز التي عجزوا عنها 
فأكمل العجوز قائلاً للجميع :
- على الأقل إرسلوا الفيديو للشرطة , ودعوهم ينقذون بقية الأطفال
فأومأ الشباب رأسهم إيجاباً ..

ثم عاد العجوز ليسأل الخاطف من جديد :
- لديّ سؤال أخيرٌ لك .. في حال تركتك وشأنك , فهل ستعود للخطف مجدّداً ؟
فقالت سيدة من الركّاب : أكيد سيقول لك لا , لتطلق سراحه
فقال العجوز لها بثقة : انا لا احد يستطيع الكذب عليّ 

ثم أعاد السؤال مجدّداً على الخاطف وهو ينظر اليه بعيونه الزرقاء الثاقبة , فأجابه الخاطف : بالتأكيد سأفعل !! فأنا أجني ثروة من عملي هذا
العجوز مبتسماً : توقعت إجابتك 

وفي هذه اللحظات كان القطار على وشك دخول النفق .. وفجأة ! فتح العجوز باب القطار الذي كان يستند عليه الخاطف , ليسقط من القطار ويرتطم بجدار النفق ويتحوّل في ثوانيٍ الى أشلاء , وسط صدمة الجميع ! 

لكن الأغرب كان انقطاع الكهرباء داخل القاطرة أثناء عبور النفق .. وعندما عادت الإضاءة من جديد كان العجوز قد إختفى تماماً ! فهل وقع هو ايضاً من باب القطار المفتوح ؟!
***  

وفي عيادة الطبيب .. وبعد ان قطّب جرح العجوز , قال له :
- عليّ إبلاغ شرطة المستشفى عن هذه الإصابة يا عمّ , فهي طلقٌ ناريّ .. وانت تصرّ على عدم إخباري بمن أطلق النار على كتفك 
العجوز : قلت لك لا احد .. كنت أنظف مسدسي وانطلقت الرصاصة بالغلط
- مع اني لا اصدّقك لكني سأتجاهل الموضوع في الوقت الراهن , لأكمل ملفك .. والآن إخبرني بإسمك كاملاً
- جاك اندرسون 
- وكم عمرك يا سيد جاك ؟
فسكت العجوز قليلاً , ثم قال : 
- 2999 سنة .. وبقي سنةٌ واحدة ويأتي شخصٌ آخر ليحلّ مكاني.. وحينها أكمل حياتي بسلام

فكتب الطبيب في تقريره (عجوزٌ يعاني من ألزهايمر والخرف المُبكر) .. ثم قال له بنبرةٍ ساخرة :
- يعني عمرك ثلاثة الاف سنة ؟ 
العجوز : الاّ سنة
- فهمت .. واين هويتك ؟
- في العصر الذي عشت فيه , لم تكن هناك اوراقٌ رسمية بعد
الطبيب مُبتسماً بسخرية : آه نعم صحيح.. المهم الآن .. لنقل ان عمرك ثمانين سنة ومع هذا تبدو لي بصحةٍ جيدة , حتى انك رفضّت التخدير قبل تقطيب جرحك !

- انا لا اخاف من الألم , كما انني حاربت في الحربين العالميتين وشاهدت الكثير في حياتي
الطبيب بسخرية : طالما عمرك ثلاثة آلاف سنة , فأكيد شاهدت حروب الروم مع الفرس ايضاً
- نعم , كنت وقتها في عزّ شبابي 
الطبيب : لا ادري هل أضحك ام أشفق على حالتك ايها العجوز ؟ لكن يبدو من هيئتك انك مُشرّد , لهذا سأتصل بإخصائية الأحوال الإجتماعية لمساعدتك

فوقف العجوز وهو يلبس معطفه القديم قائلاً : لا داعي لذلك ..فالمخلّدون أمثالي لا خوفٌ عليهم .. لأننا لا نجوع ولا نتألّم ولا نشعر بالإرهاق طوال حياتنا ..  
- أقلت المخلّدون ؟! 
- نعم .. فكل واحدٍ منّا مسؤولاً عن حماية الضعفاء طوال ثلاثة آلاف سنة .. ولقد قاربت مهمّتي على الإنتهاء .. وقريباً جداً سيُخلّفني مخلدٌ جديد , وأرتاح من هذه المهّمة التي أثقلت كاهلي 

ثم خرج العجوز من العيادة , تاركاً الطبيب مُحتاراً من كلامه الغامض !
****  

في المساء .. أجرى الطبيب بعض البحوث على حاسوبه ..فوجد نصوصاً في الكتب التي تتكلّم عن الأساطير التاريخية : انه عبر العصور تمّ العثور على اشخاصٍ يسكنون وحدهم في الكهوف او رؤوس الجبال ولسنواتٍ عدّة دون طعامٍ او شراب , ويتمتّعون بصحةٍ جيدة رغم كبر سنهم ! وأحياناً كانوا يحلّون بعض المشاكل العالقة بين الناس , او يلقون عليهم النصائح الثمينة ثم يكملون طريقهم مبتعدين عن الجميع .. 

وقد أطلقت على هؤلاء العجائز الغامضين عدّة القاب : فمنهم من لقّبهم بالفلاسفة او الزاهدين او البسطاء , وفي بعض العقائد لقّبوهم بالأبدال والأقطاب والأوتاد , لكنهم يطلقون على أنفسهم لقب المخلّدين في الأرض , حيث ان عمرهم أطول بكثير من أعمار البشر , ويحافظون على قوّة الشباب بشكلٍ غامض ! كما يتمتّعون بقدراتٍ خارقة : مثل سماعهم بما يخطر في بال الناس ومعرفة المستقبل وإكتشاف نوايا البشر , وغيرها من القوّة الخفية !

لكن ما آثار إهتمام الطبيب هو جملة (وجدها بالنت) في كتابٍ مقدّس للديانة اليهودية قيل فيها : ان الرجل الذي أحضر عرش بلقيس للنبي سليمان كان ايضاً من المخلّدين , وكذلك الرجل الصالح خضر الذي إلتقى به النبي موسى , حيث انهما سيظلاّن أحياءً الى يوم القيامة , لكن لا أحد يعرف مكانهما الآن !

وبعد ان أنهى الطبيب القراءة , تساءل في نفسه : ((طالما هؤلاء العجائز ليسوا بشراً عادين مثلنا , ولا ملائكة ولا جن ولا شياطين , فهل هناك أجناسٌ أخرى لا نعرفها في هذا العالم , رغم كل الحضارة التي وصلنا اليها ؟!))
***

وفي مساء اليوم التالي .. طلب الطبيب من مسؤول الأمن بالمستشفى ان يعطيه فيديوهات المراقبة عن ليلة الأمس (ايّ بوقت زيارة المخلّد له) لكنه صُعق تماماً حينما رأى نفسه بالعيادة , وهو يُكلّم نفسه ! حيث لم يظهر أثر للعجوز في كاميرات العيادة او في ممرّات المستشفى .. فهل كان شبحاً ؟!

والأغرب ان فيدو الخاطف بالقطار انتشر كالنار في الهشيم في وسائل التواصل الإجتماعي , ليس بسبب عمل العجوز البطولي في إنقاذ الطفل , بل بسبب عدم ظهوره اطلاقاً في الفيديو ! حيث تمّ تصوير الخاطف وهو يُضرب من خيالٍ اسود , ثم يقع بعد انفتاح باب القطار لوحده ! رغم تأكيد  بعض المعلّقين من الركّاب الذين كانوا شهوداً على الحادثة على رؤية العجوز هناك ..فكيف انحذف المخلّد فجأة من جميع كاميرات الجوّالات لركّاب تلك الرحلة ؟!
****

وفي إحدى الليالي .. كان العجوز يتنقّل بين الأزقّة المظلمة , ليلتقي وجهاً بوجه مع شابين يحاولان الإعتداء على صبيّة .. 
وبسرعة البرق لكَمَ أحدهما بقوّة ليسقط مغشياً عليه , بينما أمسك بخناق الشاب الثاني , وهو يقول للصبيّة التي تجمّدت في مكانها :
العجوز صارخاً في وجهها : أهربي بسرعة !! ماذا تنتظرين ؟ عودي الى بيتك , ولا تخرجي في المساء وحدك ثانيةً .. أفهمتي ؟!!
فركضت الصبيّة بأسرع ما يمكنها نحو بيتها الموجود في الشارع المقابل

اما الشاب الذي كان يحاول بكل طاقته إبعاد اصابع العجوز القابضة على رقبته بإحكام : من انت ايها العجوز , وماذا تريد مني ؟!
- انا لن أتركك قبل ان تجيبني على سؤالي 
الشاب وهو يكاد يختنق : ومالذي تريد معرفته ؟
العجوز : كم إمراة أعتديتما عليها حتى الآن ؟ 

وهنا استيقظ الشاب الآخر ليرى العجوز وهو يخنق صديقه , فأخرج سكينته من جيبه .. لكن العجوز في ثوانيٍ استطاع سحب السكينة من يد المغتصب (وهو مازال يخنق الشاب بيده الأخرى) ثم عاجله بطعنة في قلبه , ليسقط الشاب الثاني ميتاً على الأرض !

فصرخ الشاب الذي بين يديه : لقد قتلت صديقي ايها اللعين !!!
العجوز بغضب : وسأقتلك انت ايضاً ان لم تجيبني حالاً !! 
الشاب بخوف : هذه أول مرة , فأنا لم اؤذي ايّ بنت في حياتي.. أحلف لك 
فيتنهّد العجوز بضيق : يا الهي ..لما تصرّون ايها البشر على الكذب ؟!
الشاب بخوف : البشر ! ومن تكون انت ؟!

- هذا لا يهمّك.. اما الإجابة الصحيحة : فهي انك أعتديت على ثمانية نساء بمساعدة صديقك هذا الذي لديه ايضاً سوابق مع سبعةٍ غيرهنّ ..هذا عدا عن عمليات السرقة التي قُمتما بها في فترة المراهقة ..اليس كذلك ؟
الشاب بدهشة : وكيف عرفت ؟! .. ارجوك إبعد يدك عن رقبتي , أكاد أختنق
- وهذا ما أريده بالفعل , ايّها التافه !!

وأطبق العجوز كلتا يديه على رقبة الشاب بقوة , ليموت بعد إختناقه .. 

ثم ترك العجوز الزقاق المظلم وفيه جثتيّ الشابين الفاسدين , وهو يتمّتمّ بضيق : بقيّ سنة وأسلّم مهمّتي لمخلدٍ آخر ..والى ذلك الحين , سأنظّف الأرض من الأنذال قدر استطاعتي .. فأنا فارسٌ من الفرسان المخلّدين !! وسأكون سوبرمان هذا العصر الكئيب ! 


ملاحظة : 
هذه القصة خيالية , فأنا لا أصدّق بالأقطاب والبدائل المتداولة في الفكر الصوفي .. فسيدنا خضر , وآصف بن برخيا (الذي أحضر عرش بلقيس) هما رجلان صالحين خصّهما الله بعلمٍ تميزا فيه عن بقية الناس في عصرهما .. لكن لا ننسى قول الله تعالى : (ويخلق ما لا تعلمون).. فهل هناك مخلوقاتٍ أخرى غير الملائكة والبشر والشياطين والجن ؟ .. الله أعلم ! 

الثلاثاء، 9 يناير 2018

العبث بأحداث الماضي

فكرة ابن اختي : محمد مصعب ابو الفضل
كتابة : امل شانوحة


 
ليتنا نُغير ما حصل في الحرب العالمية 2 !

بعد ان حلّ المساء .. إقترب مسؤول المكتبة (العجوز الفرنسي) يرافقهُ شاباً اوروبي من الشاب الأمريكي المنهمك بقراءة كتاب التاريخ قائلاً له :
- وانت ايضاً ايها الشاب , تعال معي 
فنظر الأمريكي الى ساعته , وقال باللغة الفرنسية التي يُتقنها : 
- آه آسف .. لم ادرك انه حان الوقت لإغلاق المكتبة ! 
العجوز : لقد انتظرت ذهاب الجميع كيّ أريكما كتابين سيعجبكما حتماً .. الحقا بي
ومشى كلا الشابين خلف العجوز دون ان يعرفا ما يريده منهما ! 

وفي مكتب العجوز .. تفاجأ الشابان بفتحه مكاناً سريّاً في مكتبه ! لتظهر من خلفه غرفةٌ صغيرة بها بعض الكتب القديمة التي رُصّت فوق الأرففّ 
فاستفسر منه الشاب الأمريكي : أهنا تخبأون الكتب المهمّة ؟!
العجوز بابتسامةٍ غامضة : بل الكتب السحرية 

وكان يوجد في منتصف الغرفة السرّية طاولة للقراءة .. فطلب من الشابين الجلوس ليحضر لهما كتابين مميزين , قائلاً لهما وهو يبحث بين الكتب :
- لقد لاحظت على مدار اسابيع انكما لا تقرآن سوى الكتب التي تتحدّث عن الحرب العالمية الثانية !
فأجابه الأمريكي : نعم فجدّي كان طياراً في تلك المعارك , وانا دخلت كلّية الطيران إقتداءً به , فهو مثلي الأعلى
فقال الأوربي بدهشة , وباللغة الفرنسية : غريب ! فأنا الماني , وجدّي ايضاً كان أحد الضبّاط المهمّين في جيش هتلر  

العجوز : وماذا تفعلان في فرنسا ؟
الأمريكي : أردّت استغلال عطلتي للقيام بالسياحة هنا , لكني مدمن على القراءة ولهذا وجدت نفسي أتردّد كثيراً على هذه المكتبة 
الشاب الإلماني : وانا الشيء ذاته ! فقد قدمت الى هنا مع اصحابي , لكني عرفت من المرشد السياحي ان هذه المكتبة تحوي أقدم الكتب التاريخية التي أعشقها بجنون 
العجوز مُبتسماً : ولذلك إخترتكما بالذات لهذه المهمّة الصعبة 

فنظر الشابان لبعضهما باستغراب , ثم سألاه : عن ايّ مهمّة تتكلّم؟ 
فوضع بجانبهما كتابين قديمين , قائلاً لهما : كل ما اريده منكما ان تقرآ هاذين الكتابين .. وانا سأنتظركما في الخارج .. 
الأمريكي : وبعد ان ننتهي من القراءة , نناديك ام ماذا ؟
لكن العجوز لم يجيبه , بل قال لهما بغموض : بعد ان تُنهيا القراءة سيتغيّر وجه العالم 
ثم خرج واغلق عليهما الباب السرّي دون ان يوضح لهما ما كان يقصده !

فقال الشاب الإلماني للأمريكي بدهشة : نُغير وجه العالم ! 
الأمريكي : لابد انه عجوزٌ خرِف .. والآن دعنا نقرأ , فيبدو اننا حصلنا على كتب تتحدّث عن أحداثٍ سرّية حصلت في الحرب العالمية الثانية
الإلماني وهو يفتح كتابه : وهو مليء بالصور النادرة ! انا متشوّق للبدء بقراءته .. على فكرة اسمي أوليفر
الأمريكي بابتسامة : وانا جون .. تشرّفت بمعرفتك 

وبعد دقائق إنشغل كلا الشابين بالقراءة عن تلك الحقبة الزمنية المهمّة ..
***

وبعد ساعة .. شعر الأمريكي بدوارٍ مُفاجىء , وصار يفرك عيناه بتعب .. وما ان فتحهما حتى وجد نفسه يقود طائرة حربية قديمة ! 
فارتبك وهو يمسك المقود فترنّحت الطائرة يميناً ويساراً , ولم يعيّ اين هو الى ان صرخ فيه الطيار الثاني الذي كان يجلس خلفه :
- جون , ما بك ؟!! تحكّم بالطائرة جيداً , الا تدري اننا نحمل القنبلة النوويّة يا رجل ؟! 

وهنا نظر جون مجدّداً من نافذته على المنطقة التي يطير فوقها .. وسأل الطيار الثاني وهو مازال في صدمة :
- اين نحن الآن ؟!
- إقتربنا من هيروشيما اليابانية .. وما ان تظهر المنطقة المراد تفجيرها على شاشاتنا حتى نرمي بالقنبلة فوق رأس الملاعين !! 
- ماذا قلت ! .. في ايّ يومٍ نحن ؟!
- هل أصبت رأسك ..
مقاطعاً وبغضب : إخبرني يا هذا ؟!!

- اليوم هو 6 اغسطس !
- من ايّ عام ؟
- ماذا هناك يا جون , انت تخيفني !
فعاد وسأله بعصبية : فقط إخبرني !!! 
- نحن في سنة 1945 .. جون .. ان كنت تشعر بالدوار , فسأقود بدلاً عنك !

وهنا تذكّر جون ما قاله له العجوز الفرنسي بالمكتبة , فتمّتم بصوتٍ مسموع : 
- نُغير العالم ! يا الهي .. لقد أعادنا اللعين الى الماضي !
الطيّار الثاني بعد ان سمعه من الميكرفون : من الذي أعادكم للماضي ؟! ..عن ماذا تتكلّم يا جون ؟!

وفجأة ! إنحرفت الطائرة عن مسارها , حيث قادها جون بأسرع ما تتحمّله محرّكاتها نحو البحر
الطيار الثاني بخوف : جون مابك ؟! هيا توقف !! فنحن نبتعد كثيراً عن نقطة الإنفجار !
فقال جون : بالضبط !! فأنا لن أقوم بهذه العملية القذرة 

- ماذا ! هكذا سنطرد كلانا من الجيش , وربما نسجن .. هذا اذا لم يعدمونا لمخالفة الأوامر
- لا يهم طالما انني أمنع اسوء حادثة حصلت في التاريخ
- عن ماذا تتكلم ؟! نحن سنفجّر تلك المنطقة وحسب
- بل سيُقتل الآلاف ويتشوّه الكثيرين , وتنهار دول بسبب هذه القنبلة اللعينة .. وانا لن أفعل ذلك !!

ثم رمى القنبلة وسط البحر , والتي أحدثت موجة عالية تضرّرت منها بعض السواحل اليابانية .. لكن خطرها كان أقل بكثير من الدمار الذي حصل عندما قُصفت هيروشيما بالفعل !

وما ان فعل ذلك حتى أرتبكت الحكومة الأمريكية بعد انكشاف مخطّطاتها السرّية , مما نبّه رئيس الوزراء الياباني سوزوكي الذي أسرع بشنّ هجومٍ شرس بمساعدة القوات الإلمانية ضدّ قوّات الحلفاء التي من ضمنها الولايات المتحدة ! 
ولهذا أصدرت اميركا الحكم بإعدام كلا الطيارين اللذين خالفا الأوامر .. لكن جون تحمّل كامل المسؤولية , مما أنقذ الطيار الثاني من الموت ..

وعندما تمّ تقيد جون بالكرسي الكهربائي .. قال له الضابط : 
- أتدري انه ربما تنهار امريكا ودولٌ أخرى بسبب مخالفتك للأوامر , ايها الغبي ؟!!  
فقال جون مُبتسماً : يكفي انني أنقذت الملايين من أسوء تجربة بشرية , وأنقذت أمّنا الأرض من تلوثٍ عظيم 
فصرخ الضابط بغضب : أعدموه !!!
***

امّا ما حصل للشاب الإلماني (أوليفر) بعد قراءته لكتابه السحري : انه استيقظ من شدّة البرد وهو داخل خيمة عسكرية !
وعرف لاحقاً انه الظابط المسؤول عن قيادة الجيش الإلماني باتجاه الحدود الروسية !
اوليفر بدهشة : هل انا المسؤول عن هذه الحملة الغبية ؟!
الضابط المساعد : ولما تقول غبية يا سيدي ؟!
- ومن يحارب روسيا في عقر دارها في فصل الشتاء ؟! 
- لكنها اوامر هتلر

- وإن كانت !! نحن لن نقتحم روسيا , لأننا سنتجمّد حتماً مع هذا الطقس الذي سيزداد برودةً مع الأيام , وسيُفنى الجيش بأكمله تماماً كما حصل مع جيش نابليون , الا نتعلّم ابداً من أخطاء التاريخ !
الضابط الثاني بقلق : لكن هتلر سيعدمك في حال عرف انك لم تنفّذ أوامره 
- بل سيشكرني لاحقاً , لأنني سأنقذ المانيا من خسارةٍ فاضحة 
- ومالعمل الآن ؟!
اوليفر : سنتقهقر للوراء , ونتمركز في منطقة أكثر دفئاً .. وعليك ان تخبر الجميع بأنه من يحاول إيصال هذه المعلومات الى هتلر , فسأعدمه على الفور 

- يعني نتراجع بسرّية ؟!
- نعم , وعندما تختفي أخبارنا , سيظنّ الجميع بأننا دُفنا تحت الثلج .. هيا إجمع الجنود كيّ نعود الى.. 
الضابط مقاطعاً بقلق : لكن سيدي..
فرفع اوليفر مسدسه في وجهه , قائلاً بنبرة تهديد :
- نفّذ حالاً , والاّ قتلتك !!  
*** 

وبعد قليل .. استيقظ الشابان وهما يجلسان داخل المكتبة الفرنسية , لكن ليس بغرفتها السحرية , وكان الوقت صباحاً !
فنظر كلاّ منهما للآخر , وعلى وجهه آثار الصدمة ! 
جون بتردّد : هل حصل لك مثل ما حصل معي ؟!
اوليفر : أظنّ ذلك ! فقد أعادني الكتاب السحري الى الماضي
- وانا كذلك !
وصارا يتحدثان عما حصل لهما في الحرب العالمية الثانية..

اوليفر : يعني استيقظت قبل اعدامك ؟
جون : نعم وانت ؟ 
اوليفر : كل ما اذكره انني رفضت إقتحام روسيا , مُنتظراً اللحظة المناسبة لأعود بجنودي الى المانيا ! 
جون : أظننا فعلنا الصواب وأنقذنا البشرية من أسوء أخطاءٍ حصلت في تلك الحقبة
اوليفر : صحيح .. لكن اين صاحب المكتبة العجوز ؟ وكيف خرجنا من تلك الغرفة وجلسنا في القاعة ؟! 
جون هو يتلّفت حوله : والله لا ادري !.. انظر الى النافذة !! لقد حلّ الصباح.. دعنا نخرج من هنا 
***

وأول ما لاحظاه بعد خروجهما من المكتبة : هو ان الفرنسيين في الشارع يتكلّمون جميعهم اللغة الألمانية ! 
فسأل جون اوليفر : بأيّ لغة يتكلّمون ؟!
- الإلمانية ! 
- ولماذا ؟! 
- لا ادري !

وهنا اقترب منهما جندي يلبس الزيّ النازي , وسألهما عن هويتهما النازية
جون : اوليفر .. ترجم لي ما يقول 
اوليفر بدهشة : يريد هويتنا النازية !
فهمس له جون : وهل مازلنا في الماضي ؟ فالنازية إنتهى عصرها!  

لكنهما اعطيا الجندي جوازات سفرهما .. وحينها حصل مالم يكن بالحسبان !
فقد تم تسفير الشاب الألماني (أوليفر) الى المانيا , ومن ثم نقِل الى قصرٍ فخمٍ , وهناك عاملوه كأنه من الشخصيات المهمّة في البلد !
اما الشاب الأمريكي (جون) فقد اقتادوه الجنود الألمان الى معسكرات التعذيب النازية ! 
***

وقد عرف الشابان لاحقاً : بأن تغيرهما للأحداث الماضي أدّت لنتائجٍ سلبية في المستقبل !
فبسبب عدم خوض جيش الإلماني لروسيا , فقد عاد سالماً الى المانيا قبل ايامٍ قليلة من سقوط برلين , مما حرّر هتلر من ملاذه الأخير قبل ساعاتٍ قليلة من انتحاره , وهذا ما أعاد المانيا قويّة من جديد 

ولاحقاً قام هتلر بتكريم الضابط (الذي خالف اوامره باقتحام روسيا) الذي كان جدّ اوليفر , بحيث رقّاه الى رتبة قائد قوات الجيش الإلماني بأكمله ! 
وبذلك أصبحت عائلته تعامل الى اليوم كأمراء المانيا , ومنهم حفيده أوليفر 
***

امّا جون الأمريكي فبسبب رفضه القاء القنبلة النوويّة فقد زاد جبروت اليابان مما جعلها تحتلّ نصف الصين بأساليبها الوحشية , وأصبحت دكتاتورية (تماماً ككوريا الشمالية في وقتنا الحالي) ممّا زاد من تخلّف شعبها , وقد أثّر ذلك على حضارة المستقبل بعد ان قلّت الإختراعات اليابانية ..

كما ان اليابان انتقمت أشدّ الإنتقام من امريكا بعض فضح عمليتها النووية السرّية ومنعها للقنبلة الثانية المراد القائها على ناجازاكي في آخر لحظة , مما ادّى الى انهيار قوة اميركا التي أصبحت في المستقبل كدول أميركا الجنوبية حيث تفشّى فيها المخدرات وعصابات الأسلحة وسوء الأحوال الإقتصادية .. 

ومنذ يوم عصيان جون للأوامر تم تعذيب كل جندي اميركي يتواجد في الدول التي تسيطر عليها المانيا داخل المعسكرات النازية , الذي عانى جون فيها أشدّ انواع التعذيب , بينما صديقه اوليفر كان يُعامل معاملة الأمراء بعدما إحتلّت المانيا معظم دول اوروبا !
***

وفي داخل القصر .. قال اوليفر الإلماني وهو محاط بالنساء الجميلات : ((ليتني اعرف اين انت ايها العجوز الفرنسي كيّ أشكرك على حياة النعيم هذه))

امّا في طرفٍ آخر من المانيا , فكان جون يتلقّى حقنةً كيماوية في ذراعه , صارخاً بألم : 
- ليتني لم أعبث بالماضي !! ليتني لم أغيّر أحداث الماضي !! لا ارجوكم !! لا تعطوني الحقنة السامّة ..أتوسّل اليكم .. لا اريد ان أمووووووووووت !!!!! 

وهذا كان آخر ما قاله جون قبل ان يلفظ انفاسه الأخيرة !

الأحد، 31 ديسمبر 2017

ارواح في مهب الريح

تأليف : امل شانوحة


إجتمعنا بأسوء الظروف !

بعد ان انتهت من وضع بعض الحاجيات الضرورية في قبوها تحسّباً للعاصفة القادمة .. انتبهت (بعدما نظرت من نافذة الصالة) أنها لم تركن السيارة في مرآب بيتها ! فأسرعت للخارج دون ان تقفل باب المنزل .. حيث كانت الرياح في الخارج تُنذر بقُرب الإعصار من منطقتها  

وبعد ان اطمأنت على سيارتها , عادت الى الداخل .. 
لكن قبل ان تنزل لتحتمي في القبو , سمعت صوتاً قادماً من مطبخها ! 
فاقتربت ببطأ وهي تحمل عصا البيسبول , فوجدت هناك رجلاً مشرّداً يتناول بعض الخبز الذي أخرجه من الثلاجة .. 

فصرخت بخوف وهي تلوّح بالعصا امامه : 
- هاى انت !! ماذا تفعل في بيتي ؟!
فرفع يديه محاولاً تهدأتها : 
- إهدأي سيدتي واخفضي العصا ! فأنا لم آتي لأؤذيك
- هيا اخرج من هنا حالاً , والاّ اتصلت بالشرطة !!

وفي هذه اللحظات .. بدأت النوافذ ترتجّ لقرب العاصفة من الحيّ الذي تسكن فيه .. 
المشرّد بقلق : سيدتي ..ان خرجت الآن , فسيقتلني الأعصار ..هل يرضيك ذلك ؟

ومع إزدياد هبوب الرياح , كانت السيدة في حاجة ماسّة الى خطةٍ سريعة لإخراج هذا المتطفّل بثيابه القذرة من منزلها ! وما ان سمعت مواء قطة , حتى إدّعت امامه أنها نسيتها في الخارج ..
- حسنا لا تبكي سيدتي , سأنقذها لك
فقالت وهي تتظاهر بالبكاء : ارجوك بسرعة , قبل ان تقذفها العاصفة بعيداً وتموت 

وما ان خرج المشرّد من بيتها حتى أقفلت بابها بإحكام .. 
وبعد عودته مع القطة الصغيرة , تفاجأ بها تشير اليه (من خلف زجاج بابها) بأن يرحل بعيداً ! 
وكان الرجل يحاول ان يحمي وجهه من شدّة الرياح , حاضناً القطة الخائفة بكلتا يديه , فترجّاها قائلاً : 
- حسناً سأذهب .. لكن ارجوك إنقذيها حتى لوّ لم تكن قطتك ..واعدك بأن أذهب في طريقي .. عليك ان تثقي بكلامي

ولم تتحمّل السيدة منظر القطة الصغيرة الخائفة , فأمسكت بقبضة بابها وهي مازالت ترفع عصا البيسبول مُهدّدة :
- سأفتح الباب وآخذها منك , لكن ان قمت بأيّةِ حركة مفاجئة فسأضربك بالعصا ..أفهمت ؟!!
فأومأ المشرّد برأسه إيجاباً..

وبعد ان أعطاها القطة .. غطّى رأسه بقبعة جاكيته الممزّق , وابتعد بخطواتٍ متثاقلة من امام بابها وهو لا يدري اين يختبأ مع إقتراب الخطر 
فشعرت السيدة بتأنيب الضمير , وعادت ونادته : 
- هاى انت !! تعال بسرعة .. لندخل قبل قدوم العاصفة

فركض مسرعاً نحو البيت , وهو يشكرها على منحه فرصة للنجاة
وبعد ان أقفلت باب منزلها .. قالت له :  
- لن اسمح بأن تموت بسببي .. هيا بنا !! من الأفضل ان نختبأ داخل القبو المصنوع من الحجر الصلب فهو أقوى من الجدران الخشبية .. لكن ايّاك ان تضع يدك الوسخة على فرش بيتي الجديد !! 

فكتم المشرّد امتعاضه من كلامها الجارح , لأن العاصفة بإمكانها قلع المنزل بما فيه , لكن حتى في ظلّ هذه الظروف الإستثنائية مازالت تشمئزّ منه , كما يفعل معظم الناس تجاه المشردين !
وأكملت قائلة بنبرة تهديد ناتجة عن شعورها بالخوف تجاه هذا الغريب : 
- وان قمت بأيّ عملٍ خاطىء , فسأرديك قتيلاً بهذا المسدس 
ووضعت يدها على جانب قميصها , فابتسم الرجل لأنه يعرف بأنها لا  تحمل سلاحاً , لكنه فضّل السكوت والموافقة على كلامها 

ثم بسرعة نزلا نحو القبو بعد ان اهتزّ المنزل بعنف أرعب كُلاً منهما 
***

وكان القبو مُهيّئاً للطوارىء حيث وضعت به السيدة بعض الطعام والمعلّبات وكذلك البطّانيات ومياه الشرب وكشّافات النور 
المشرّد بدهشة : هذا جيد ! يبدو انك تهيّأتِ جيداً للعاصفة ؟
- طبعاً ..الم ينذرونا بقدومها في الأخبار منذ ايام ؟
- أحقاً ! انا اليوم فقط حتى عرفت بالأمر 
- الا تشاهد التلفاز ؟!
- انا مشرّد يا سيدتي .. ولوّ لم اسمع بالصدفة الناس تتكلّم في الطريق عن هذا الخطر , لبقيت في الشارع مُعتقداً انها عاصفة عادية وستمرّ كغيرها! 
- الم تحذركم البلدية ؟! 
فأجاب بحزن : لا احد يهتمّ بالمشردين سيدتي , ولوّ فعلوا لما تركونا نعاني من برد الشتاء 
- أعانكم الله .. خذّ هذه البطانية وتدفأ جيداً
- شكراً لك 

السيدة : سأعدّ لنا بعض القهوة ..
- عليك ان تسرعي قبل انقطاع الكهرباء
- لا تقلق فلديّ مولّد .. لكنه فوق بالمطبخ 
- كان من الأفضل لوّ خبأته هنا 
- زوجي مسافر منذ الأيام , وهو ثقيلٌ عليّ لأحمله 
- عفواً على سؤالي .. لكن لما لم تذهبين مع زوجك ؟ 
- هو مسافر منذ شهر تقريباً .. وعندما عرف بقدوم العاصفة , فضّل البقاء هناك 
بدهشة : يا ساتر ! أفضّل النجاة بنفسه على إنقاذ زوجته ؟!
- لا تحكم عليه .. فهو ارسل لي بطاقة سفر , لكن جميع الرحلات متوقفة منذ البارحة , ولهذا عدّت من المطار الى بيتي 
- والله لوّ كان يريدك معه لفعل ذلك مُسبقاً , لا ان ينتظر حتى آخر لحظة
- ماذا تقصد ؟!
- لا يهمّ ..

ثم عمّ الصمت بينهما , الى ان ظهر صوتٌ قوي من فوقهم .. 
فقال المشرّد :
- أسمعتي ؟ اظنّ ان العاصفة أصبحت فوقنا تماماً !

واذا بأركان المنزل ترتجّ بقوّة , مما أخاف السيدة كثيراً حيث صارت تصرخ بخوف : 
- لا اريد ان اموت !! لا اريد ان اموت !!!
فرفع صوته قائلاً :
- تعالي بقربي وابتعدي عن السلالم.. هيا !!!! 

لكنها تجمّدت في مكانها , فاضطر المشرّد لشدّها من يدها ليبعدها عن الدرج .. وما ان فعل ذلك , حتى تساقطت بعض الأحجار من فوق في نفس المكان الذي كانت تجلس فيه !
فقالت له بارتباك وهي واقعة بالقرب منه : يا الهي ! كان رأسي سيُشجّ حتماً بتلك الحجارة ..شكراً لك يا .. 
- اسمي جاك
- وانا اسمي جاكلين .. 
وابتسمت في وجهه لأوّل مرّة ! 
***

وبعد قليل .. تفاجآ بانقطاع الكهرباء , وكردّة فعلٍ منها : صرخت بخوف مُبتعدةً عنه , وهي تترجّاه بخوف : 
- ارجوك لا تؤذيني يا جاك !!
فقال بدهشة وضيق : بالطبع لن اؤذيك ! هل تظنينني رجل عصابات ؟! (وبنبرة غاضبة من شكوكها اتجاهه) .. هيا أضيئي كشّافات النور , وكفّي عن الدراما يا امرأة !

وبعد ان استردّت انفاسها مع إنارتها لنور الكشّاف الخافت , قامت بالإعتذار منه قائلة : 
- آسفة .. لا ادري لما صرخت كالمجنونة هكذا ؟!
يحاول كتم غيظه : لا بأس سيدة جاكلين .. أتفهّم خوفك من غرباء .. (ثم وقف قائلاً) .. سأحاول الصعود الى فوق لأشعال المولدّ , فالجوّ سيصبح بارداً هنا مع انقطاع المدفأة الكهربائية 
- لا !! انتظر قليلاً حتى تهدأ العاصفة .. فالكشّافات والبطانيات تكفينا الآن

ثم اعطته كشّافاً يدوياً .. فأخذه وبدأ يستكشف به القبو للبحث عن ايّ شيء يستفيدان منه ..فانتبه لوجود موقدٍ حديدي قديم مركوناً بأحدى الزوايا ..وعندما انتبهت جاكلين على اهتمامه بالموقد , قالت له :
- لقد اشتراه زوجي من احدى المزادات التي تُقام للأشياء القديمة ..  وفي يومها تشاجرت معه بسبب هذه الخردة , وبالنهاية رميتها هنا 
- بل من الجيد انه اشتراه , فهو يعمل بالحطب .. ويمكنني استخدام بقايا الدرجة الخشبية التي حطمتها الأحجار لتدفأتنا 
- لكن انا وزوجي حاولنا قديماً إشعاله وفشلنا  
- لا تقلقي , فأنا لديّ خبرة بالأشياء القديمة 

وبالفعل استطاع بمهارة اشعال الموقد الحديدي القديم , الذي لم يستخدمانه فقط لتدفئة المكان بل للشواء عليه بعض النقانق المعلّبة
جاكلين بدهشة : من اين تعلّمت كل هذا ؟
- في الجيش علّمونا الكثير من المهارات التي تُبقينا أحياءً , فبالأضافة لفنّ الأسلحة نتعلّم ايضاً الإسعافات الأولية وطريقة إيقاد النار ومهارات ربط الحبال , وكذلك صنع ..
مقاطعة : لحظة لحظة ! هل كنت تعمل في الجيش ؟! 
- نعم , وبالفرقة الخاصة ايضاً
- وكيف أصبحت مشرّداً ؟!

فسكت قليلاً وهو يتذكّر اليوم الذي تغيّرت فيه حياته : 
- لقد اعطوني امراً بضرب منشأة تابعة للإرهابين , لكني رفضت تنفيذ قرار التفجير بعد معرفتي بوجود عائلات للاجئين تسكن بداخله ..ولرفضي تنفيذ الأوامر تم طردي من الجيش دون ايّ تعويض مالي , حتى انهم منعوني من العمل بأيّ فرعٍ عسكريّ آخر ! 
- يا الهي ! ماهذا الظلم ؟!
بحزن : هذا ما يُسمّى بقانون الغاب , سيدتي

- ولما لم تعدّ الى منزل اهلك ؟
- انا يتيم الوالدين , وتربّيت في دور الرعاية الإجتماعية .. وعندما انهيت مرحلة المتوسطة التحقت بالثانوية العسكرية , وكنت متفوقاً على الجميع ..وظننت بأن الدنيا ستبتسم لي اخيراً , لكني عدّت الآن الى نقطة الصفر !
- ولما لم تبحث عن وظيفةٍ أخرى ؟
- أتقصدين خارج السلك العسكري ؟!
- نعم
- لم افكّر يوماً بذلك !

- الا تجيد اموراً أخرى ؟
- بل أجيد كل شيءٍ يدويّ
- اذاً لماذا لا تنضمّ للكشّافة المدرسية ؟
- تقصدين ان اكون مسؤولاً عن تنظيم الرحلات البرّية لطلاب المدارس ؟
- بالضبط .. فهم سيتعلّمون منك الكثير من المهارات التي اكتسبتها من عملك في العسكرية  

فسكت المشرّد قليلاً وهو يفكّر بالأمر , ثم قال لها بابتسامة : اتدرين سيدة جاكلين.. كلامك جعلني أتخيّل نفسي اجلس في البريّة برفقة المراهقين , واخبرهم بآخر الليل عن بطولاتي التي خضّتها في المعارك .. 
تبتسم له : اظنّ ان هذا سيعجبهم 
- اعدك أن افكّر بالموضوع , في حال خرجنا من هنا احياءً ..
***

وبعد قليل.. تناولا الطعام الذي قام المشرّد بشوائه في الفرن القديم .. ثم جلست جاكلين تراقبه وهو يأكل طعامه بالشوكة والسكين كرجلٍ محترم 
وانتبه هو على نظراتها المندهشة , فابتسم قائلاً : 
- لقد تعلّمت اصول الأتيكيت بإحدى الدورات العسكرية , فحلمي كان الإنضمام الى الفرقة الملكية البريطانية .. فبالرغم انني عشت معظم حياتي في أميركا , لكن الميتم اخبرني ان امي من اصولٍ بريطانية 

- وهل تعرف من هي امك ؟! 
- نعم .. فأنا يتيم ولست لقيطاً .. فوالدي توفيّ بحادث عندما كانت امي حاملاً بي .. اما هي فقد توفيت بالسرطان وانا في عمر الثالثة  
- آسفة لحدوث ذلك
- لا تهتمي .. (تنهد بضيق) لقد حاولت كثيراً البحث عن اقارب امي في بريطانيا لكن دون جدوى .. ربما كانت يتيمة هي الأخرى , من يدري ! اساساً تعوّدت على خيبات الأمل , وظلم الناس لي 

- لا تلمّ نفسك .. فأنت لم تفعل ايّ شيءٍ خاطىء ..بل رفضك لأوامر العسكرية الجائرة دليلٌ على روح الإنسانية التي تمتلكها.. وسيأتي يوم ويعوّضك الله عن كل آلامك .. كل ما عليك فعله الآن هو التخطيط لمستقبلك والبدأ من جديد
- معكِ حق .. واعدك أن احاول من جديد فور تخطّينا لأزمة العاصفة 

وهنا انتبه على وجود مذياعٌ قديم مرمياً في زاوية القبو..
- هل يعمل ذلك الراديو ؟ 
جاكلين : لا ادري , لم أجرّبه ! 
- يبدو ان زوجك من مُحبّي الأشياء القديمة
- نعم , وهذا ما يغضبني منه !
- بل هذا من حسن حظنا , فالجوّالات مُعطّلة الآن بسبب العاصفة , لهذا دعينا نستمع الى النشرة الجوية من المذياع
- حسناً اعطني ايّاه  

وأخرجت بعض البطاريات من إحدى الكشّافات الثلاثة , ووضعتها في الراديو القديم .. ثم جلسا يستمعان لتحذيرات الحكومة للمواطنين في ظلّ هذه الأزمة , وهما يشربان الشايّ ويأكلان بعض الحلويات لتدفأتهما , بالأضافة للبطانيات السميكة التي يتلحّفون بها 
***

وقد امضيا الوقت وهما يلاعبان القطة الصغيرة التي تعوّدت سريعاً عليهما , والتي ما ان شربت بعض الحليب حتى نامت في حضن المشرّد الذي وضعها جانباً بعد ان غطّاها بشاله القديم .. 
ثم قال للسيدة : 
- أسمعتي ؟! 
- انا لا اسمع شيئاً 
بارتياح : بالضبط ! يبدو ان العاصفة هدأت اخيراً
- اظن ذلك .. الحمد الله .. هل نصعد الآن الى فوق ؟
المشرّد : دعيني اولاً أُبعد هذه الأحجار عن الأدراج المتكسّرة  

ومن ثم فتحا الباب الحديدي السميك للقبو الذي كان يفصله عن باقي المنزل 
***

ولحسن حظها لم يتحطّم سوى نوافذها الزجاجية , بعكس منازل الجيران التي تهدّم جزءٌ كبير من جدرانهم !
المشرّد وهو يتفحّص البيت : إحمدي ربك سيدة جاكلين فوضع بيتك سليم
- وماذا عن النوافذ ؟ كيف سأنام في هذا البرد ؟!
- لا تقلقي , سأساعدك بتغطيتها بالأخشاب ..لكن ما ان تُفتح الطرقات ويهدأ الوضع بالبلد , حتى تحضرين بعض العمّال ليصلحوها لك ..لا تنسي ذلك
- أكيد 

ثم اخرجت من جيبها مفتاح المرآب واعطته ايّاه ..
- ستجد في المرآب بعض الألواح الخشبية , كما ماكينة التقطيع .. فزوجي يهوى النِجارة
- ممتاز !!
- هل تعرف كيف تدير الماكينة ؟ 
- اخبرتك سيدتي بأنني اتقن جميع الأعمال اليدوية.. وسأبدأ فوراً بالعمل 

وقام في البداية بأخذ مقاسات النوافذ .. ثم ذهب الى المرآب وبدأ بقصّ الواح الأخشاب الكبيرة لأحجامٍ مُناسبة .. ثم اغلق بها النوافذ المُحطّمة مُستخدماً مسدس المسامير .. 

وبعد ان انتهى.. قال لها مُمازحاً : 
- صار بإمكانك النوم بطمأنينة دون القلق من دخول مُتطفّل يُعكّر صفوَ يومك
- معاذ الله يا جاك .. بل ارسلك اهل  ليّ لتساعدني في هذه المحنة , وسامحني ان كنت قسيت عليك في البداية 
- لا الومك ابداً .. (ثم بدأ بلمّلمة العدّة) .. سأعيدها الى المرآب , ومن ثم اذهب في طريقي 

- ما رأيك ان تستحمّ اولاً , وانا سأعطيك من ملابس زوجي التي ستدفأك اكثر من الملابس الرقيقة التي تلبسها , فالجوّ مازال بارداً في الخارج 
- لكني لا اريد اتعابك 
- هذا أقل ما يمكنني فعله لردّ الجميل
***

وبعد قليل .. صعد المتشرّد الى الطابق العلوي ليستحمّ بعد ان أعطته المنشفة والملابس..
وفي هذه الأثناء ..قامت جاكلين بوضع بعض الأغراض الضرورية داخل الحقيبة التي كان يستخدمها زوجها في رحلاته البرّية , بالإضافة لسريرٍ بلاستيكي تابع للكشّافة , كما صنعت لجاك بعض السندويشات لتساعده في رحلته ..

وعندما نزل من فوق , تفاجأت به بعد ان حلق شعره وذقنه الطويلة ! حتى انه بدا لها بثيابه الجديدة وكأنه رجلٌ من الطبقة الراقية !
- يا الهي يا جاك ! والله لم اعرفك ..تبدو وكأنك ممثل هوليوود! 
مبتسماً : لا تبالغي سيدة جاكلين .. (وبعد ان شاهد الحقيبة الكبيرة) .. مالذي في يدك ؟!
- وضعت فيها بعض الحاجيات لك 
- ولما اتعبت نفسك ؟
- ليتني استطيع مساعدتك اكثر 
- لا تقلقي عليّ , لأني فكرت قبل قليل باستغلال موضوع الإعصار لتحسين وضعي 
- لم افهم !

- سأذهب غداً الى البلدية واخبرهم بأن اوراقي الرسمية التي كنت سأقدّمها للوظيفة الجديدة طارت جميعها مع منزلي الذي اكتسحه الأعصار , وانني بحاجة ماسّة الى سكنٍ ووظيفة
- يعني تختلق لهم قصة !
- اعرف انها كذبة , لكنها ستكون بداية لإنطلاقة جديدة .. واظن ان ثياب زوجك ستساعدني كيّ ابدو لهم كرجلٍ محترم
- وانت بالفعل كذلك يا جاك
- شكراً لذوقك ..واعدك بأن لا اتكاسل في الحصول على وظيفةٍ محترمة , فلا يأس مع الحياة
- جميلٌ ان اسمع منك هذا الكلام المتفائل

وهنا ! سمعا صوت امرأة تقول لجيرانها بصوتٍ عالي , وهي تقف في الشارع :
- الحمد الله !! لقد عادت خدمة الجوّالات 
وبسرعة أخرجت جاكلين جوالها لتتأكّد من الخبر
- نعم الحمد الله , هاهو يرنّ
- هل تتصلين بزوجك ؟
فهزّت برأسها موافقة .. 

وكان هو على وشك الذهاب , لكنه توقف بعد سماعها تقول بارتباك :
- الو .. من انتِ ؟! ولما جوال زوجي معك ؟!
ثم سمعها تقول غاضبة :
- اريك ايها اللعين !! اتركتني اعاني وحدي في العاصفة لتقوم انت بخيانتي ؟! ..ماذا تقول ؟ لا اسمعك ..لمن صوت بكاء الطفل هذا ؟!

ثم سكتت قليلاً وهي تستمع الى إجابة زوجها .. ومن ثم بدأت الدموع تنهمر على خدّيها , مما اقلق جاك كثيراً والذي سمعها تقول لزوجها بعصبية :
- يعني الا يكفي انك مدمن عمل , وتمتلك قلباً قاسياً .. والآن تخبرني بأن لديك طفلاً من حبيبتك ! .. اللعنة عليك يا اريك !! ..لا !! اصمت واسمعني جيداً !! فور عودتك الى هنا سأطالبك بالطلاق ..ماذا ! لا تريد العودة .. هذا أفضل !! اذاً سأدعّ المحامي يُنهي اوراق زواجنا , ايها الخائن اللعين !!

ثم اغلقت الهاتف وهي مصدومةٌ تماماً ..فحاول جاك تهدأتها : 
- سيدة جاكلين .. ارجوك اهدأي
وهي تمسح دموعها بعصبية : اللعين يخونني يا جاك , أتصدّق ذلك ؟! 

ثم أسندت رأسها فوق صدر جاك بعد ان انهارت بالبكاء المرير , فربت على ظهرها بحنان وهو يقول لها :
- الن تعطه فرصة ثانية ؟!
- كيف يا جاك , كيف ؟! أبعد ان أصبحت لديه عائلة ! .. (ثم تنهدت بضيق) وما يؤلمني اكثر انه منعني من الإنجاب لعشرة سنوات بحجة ان عمله يتطلّب الهدوء والتركيز , لكن الغريب ان هذه المشكلة اختفت مع ابن حبيبته ! ..آه يا جاك .. لقد حرمني من ان اصبح اماً رغم معرفته جيداً بعشقي للأطفال ورغبتي في انجاب الكثير منهم ! 

- اذاً برأيّ عليك الحصول على ملكية هذا البيت كتسوية طلاقك من ذلك السافل
- بالتأكيد سأفعل !! فهذا المنزل من حقّي , لأنه هو من خانني وليس انا
- أحسنتِ يا فتاة !!

ثم حمل الحقيبة (التي أعدّته له) وهو يقول بتردّد : مع اني والله لا اريد ان اتركك وانت بهذه الحالة , لكن عليّ الذهاب قبل مغيب الشمس
- لحظة !! انتظرني قليلاً 


ثم صعدت بسرعة الى فوق ..وعادت ومعها محفظتها ..
لكن وقبل ان تخرج منها المال , أوقفها قائلاً :
- لا !! انا لن آخذ منك مالاً .. يكفي ما أعطيتني إيّاه من اغراض  
- هيا خذها يا جاك , ولا تعاندني .. فهي ستفيدك في بحثك عن الوظيفة 
- لا اريد يا جاكلين .. اقصد سيدة جاكلين

الاّ انها عادت وأوقفته قبل خروجه من المنزل , قائلةً :  
- جاك توقف !! إعتبرهم ديناً ترُدّه لي لاحقاً ..على الأقل هذا سيعطيني الأمل لرؤيتك مجدّداً 
فابتسم لها بحنان .. ثم أخذ منها المال بتردّد :
- حسناً , واعدك بأن أردّهم لك قريباً .. وشكراً لك على كل شيء .. إعتني بقطتنا الصغيرة , سيدة جاكلين

ثم ودّعها وذهب .. بينما قامت هي بالإتصال بمحاميها لحلّ مشكلتها مع زوجها الخائن 
******

وبعد مرور سنة .. تفاجأت جاكلين برجلٍ محترم بلباسه الرسمي يقف امام بابها , فقالت له دون ان تنظر اليه :
- لا شكراً , لا اريد شراء شيء
وقبل ان تغلق الباب في وجهه , قال لها :
- انا لست بمندوب مبيعات يا جاكلين !
بدهشة : من ؟ جاك ! آسفة لأني لم اتعرّف عليك .. تفضّل بالدخول 

وفي الداخل .. أخبرها بأنه أخذ بنصيحتها وعمل في كشّافة المدارس .. وبخلال سنة اصبح المنظّم الرسمي لرحلات عدّة مدارس , مما سمح له بشراء منزلٍ صغير في الشارع المقابل لمنزل جاكلين ..
جاكلين : هذا رائع يا جاك !! انا سعيدة لأن امورك تحسّنت بشكلٍ ملحوظ 
جاك : الحمد الله .. ماذا عنك ؟
- لقد طلّقته اخيراً , وحكم لي القاضي بالمنزل بعد ثبوت خيانة زوجي ..واعمل حالياً في المكتبة القريبة من هنا 

- ولما لا تعملين في جمعيتنا ؟
- تقصد في تنظيم الرحلات المدرسية ؟
فأجابها بحماس : نعم !! وبذلك نعمل سويّاً 
- وهل سيقبلونني ؟
- عزيزتي , انا مدير الجمعية .. بالتأكيد سأقبلك 
- حسناً .. اعدك بأن افكّر بالأمر
- اتدرين يا جاكلين .. انا ممتنٌّ جداً لك لسماحكِ بإختبائي في منزلك يوم العاصفة  
فقالت له ممازحة : لم يكن لأجلك يا جاك , بل لأجل القطة ..هل نسيت ؟ 
فضحك قائلاً : نعم صحيح , واين المشاغبة الآن ؟! 

فنادت جاكلين القطة (بعد ان كبر حجمها) والتي نزلت من فوق الأدراج .. ..وفور رؤيتها لجاك حتى قفزت في حضنه !
جاكلين بدهشة : يا الهي .. مازالت تذكُرك ! 
وهو يلاعب القطة : بالطبع .. فأنا من انقذتها من العاصفة , والحيوانات وفيّة لأصحابها ..(ثم سكت قليلاً) .. اتدرين يا جاكلين .. عندما التقيت بك اوّل مرّة كنت مُحطّماً ويائساً من الحياة , وليس عندي هدف اعمل لأجله .. لكن بسببك تغيّرت كل حياتي ..فشكراً جزيلاً لك

- لا تبالغ يا جاك , فأنا لم افعل شيئاً .. بل انني مُمّتنة لعودتك الى هنا 
- بالتأكيد سأعود لأردّ ديني ... أنسيتي ؟
- لا تقلّ هذا .. كان مبلغاً زهيداً
- بل دينٌ كبير , ولأجله عملت ليل نهار .. وجاء اليوم لأردّه لك .. لكني سأحتاج الى سنواتٍ طويلة لأوفّيه كاملاً لك ..هذا في حال قبلتي بعرضي 
باستغراب : ايّ عرض ؟! 

وفاجأها بأن جثا على ركبته , رافعاً اليها الخاتم ..وهو يقول بارتباك : 
- هل تتزوجيني يا جاكلين ؟
فسكتت من شدّة الصدمة ! مما زاد من ارتباكه : 
جاك : اعرف ان حجم الماسّة صغير , لكني اعدك بأن أحضر لك في المرّة القادمة ..

فإذا بها تضمّه بحنان , قائلةً : 
- لوّلم تعرض عليّ الزواج الآن , لفقدّت ثقتي بجميع الرجال 
- أحقاً ! ظننت انك لن تقبلي برجلٍ التقيت به مشرّداً  
- بل انت لم تذهب يوماً من خيالي , وكنت البطل الذي أعانني في اسوء يومٍ مرّ بحياتي .. ومعدن الرجال الحقيقي لا يظهر الاّ في تلك الظروف الصعبة .. 

وبعد ان حضنها , وضع الخاتم في يدها .. 
فقالت له : من كان يُصدّق ان العاصفة ستكون سبب سعادتنا ؟!
- ستكون قصةً مثيرة نحكيها لأولادنا في المستقبل 
جاكلين بدهشة : ابنائنا ! 
فأجابها بابتسامة أنارت وجهه : نعم !! الكثير والكثير من الأطفال الذين سندلّلهم كثيراً , ونكون أفضل والدين لهم .. اعدك بذلك حبيبتي جاكلين  

فارتمت في صدره وهي تبكي دموع الفرح بعد ان تحقّقت امنيتها بالزواج من زوجٍ شهم ووالدٌ حنون لأولادها التي لا تطيق صبراً لإنجابهم .

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2017

المُتهمة الصغيرة !

تأليف : امل شانوحة


 
ارجوك إنقذني من هؤلاء الوحوش  

وصل جاك (الطبيب النفسي) الى العنوان المحدّد الذي أعطاه ايّاه صديقه الصحفي الذي طلب منه القدوم الى هناك لرؤية فتاةٍ تعاني من عقليّة أهل قريتها المُتخلّفة (لكنه لم يوضّح له مشكلتها معهم) 

ورغم اتصالات جاك المتكرّرة الا ان جوّال صديقه ظلّ مُغلقاً بعد تخلّفه عن الموعد المتفق بينهما ! لذا قرّر الطبيب الدخول الى القرية وحده لمعاينة حالة الفتاة النفسية التي ستكون (على حسب اقوال صديقه) مادةً دسمة في كتابه الطبّي الذي يقوم بتأليفه هذه الأيام .. 

وقد عبَرَ اولاً الغابة الكثيفة , الى ان وصل الى اكواخٍ خشبية .. لكن الأصوات كانت قادمة من بعيد , فتوجّه نحوها .. ليجد سكّان القرية مجتمعين في ساحةٍ تبدو وكأنها سوقهم الشعبي , وكانوا يقومون بتزينها تحضيراً لحفلٍ ما ! 
لكنهم صمتوا جميعاً فور رؤيتهم للشاب الغريب الذي اقتحم مكانهم السريّ دون استئذان ! لهذا لم يردّوا عليه السلام بل اكتفوا بالتحديق به بغضب لعدم احترامه خصوصيتهم .. 

وما ان وقف الطبيب في منتصف الأسواق حتى شاهد المفاجأة التي كان أخبره عنها صديقه (الذي إختفى دون مبررّ !)  
حيث وجد فتاةٌ (تبدو وكأنها في الثانية عشر من عمرها) تطلّ من نافذة بأعلى منزلٍ مهجور , وتنظر ناحية السوق الذي اكتظّ بأهل قريتها الذي لا يتجاوز عددهم المئة شخص .. 
فتسمّرت عينا جاك على نظراتها الحزينة اتجاهه وكأنها تترجّاه ليفكّ عنها الرباط القماشي الذي التف حول جسمها بإحكام , وكأنها بقيت مُقيدة هناك لمدةٍ طويلة !
***

وهنا وصل رجلٌ يبدو وكأنه رئيس القرية , لأنهم أحنوا رؤوسهم احتراماً له عند اقترابه منّي ..  وسألني مستفسراً : 
- مالذي أتى بك الينا ايها الغريب ؟ وكيف عرفت بمكاننا ؟!
فردّدت على سؤاله بسؤال : ولما تحاولون الإختباء داخل الغابة ؟! 
فأجابني أحد الرجال بنبرةٍ غاضبة : لكيّ نُبعد الطّفيليين امثالك عنّا !! فنحن تعاهدنا على العيش هنا دون وسائل التكنولوجيا المضرّة 
وأكمل رئيسهم قائلاً : نعم ..لقد قرّرنا جميعنا ترك الحضارة وراءنا , ولهذا اخترنا هذا المكان البعيد عن أعين الجميع , وخاصة الصحافة

فأجبته : لكن صديقي الصحفي هو من أخبرني عن مكانكم هذا , وأكيد سينشر قريباً مقالاً .. 
فقاطعني قائلاً بحزم : لقد حللّنا هذه المشكلة 
فسألته بدهشة وقلق : ماذا تقصد ؟! 
- دعك منه الآن , واخبرنا .. مالذي أتى بك الينا ؟

فأشرت الى الفتاة الصغيرة التي كانت تبكي بصمت وهي تحدّق بي بحزن .. وقلت لرئيسهم : 
- لقد أتيت لأجلها 
فشهقت إحدى النسوة المجتمعات حولي , قائلةً بفزع : 
- أأتيت لتنقذ الشيطانة ؟!

وقد ضايقني كلامها جداً , فقلت بنبرة تهديد : شيطانة ! انها فتاةٌ صغيرة .. واريد ان اعرف الآن سبب عقابكم لها , والاّ سأبلّغ عنكم الشرطة !! 
فضجّت الجموع الغاضبة , لكن رئيسهم استطاع تهدئتهم بإشارةٍ منه .. وقال لي : بل هي شيطانة بالفعل !! لأنها ابنة مشعوذة , ووالدها أحد الشياطين 

وهنا لم استطع تمالك نفسي وضحكت ساخراً من سخافتهم , مما زاد من غضبهم .. وقلت لهم : ان كانت شيطانة كما تقولون , فلما لم يأتي ابليس ويحرقكم جميعاً وينقذها منكم ؟!! 
فشدّني رئيسهم من قميصي بعنف , وقال لي بنظرةٍ أرعبتني : 
- هذه الفتاة التي تراها هناك .. تبلغ من العمر 35 سنة .. فهي عاشت معنا لسنواتٍ عديدة , لكن شكلها لم يتغير ابداً !

وهنا فهمت كل المشكلة , فأنا بالنهاية دكتور .. وقلت لهم : 
- لحظة لحظة ! الم تكونوا يوماً من سكّان المدينة , قبل ان تقرّروا العودة مئة سنة الى الوراء ؟ 
فقال رئيسهم : نعم , لقد تركنا مدينتنا منذ زمنٍ طويل 
- اذاً الم تسمعوا يوماً بمرض يدعى ((الخللّ في هرمون النمو)) ؟ 
فقالت لي احدى النسوة : لكنها ليست قزمة 
فقلت في نفسي : ((يا الهي ! ما كل هذا الغباء)) 

ثم بدأت بالشرح لهم :
- اسمعوني جيداً .. انا طبيبٌ نفسي , ودرست عن هذه الحالات النادرة ..والفتاة التي تخافون منها لا تشكو من ايّ خللٍ في عقلها , كل ما هنالك ان جسمها توقف عن النمو في عمر 12 سنة .. فهل يُعقل ان لا احد منكم قرأ او شاهد في التلفاز او الإنترنت عن هذا المرض ؟! 

فأشاروا برؤسهم (بلا) .. فأخرجت جوالي كيّ أريهم بعض الأشخاص الذين عانوا من نفس مشكلتها حول العالم , لكنه لم يكن هناك انترنت في هذا المكان المعزول .. والأسوء انهم استنكروا إخراجي لجوالي امامهم , فهم يعتبرونه من المحرّمات في عقيدتهم المتخلّفة .. حين قال لي رئيسهم بنبرة تهديد : 
- الأفضل ان تضعه في جيبك قبل ان أحطّمه لك !! 

ثم عمّ السكوت المُقلق بيننا , الى ان قطعه صوت رجلٍ عجوز يقول لي :
- انت تقول انها بشريّة وليست شيطانة , اليس كذلك ؟ 
فقلت له : نعم يا عمّ , هي انسانة مثلي ومثلك
ففاجأني قائلاً : اذاً كيف تفسّر انها لا تدخل الحمام او تأكل او تشرب منذ سنواتٍ طويلة ؟

فضجّت الجموع الموافقين على كلام العجوز .. لكني بالطبع لم اصدّق هذه الخرافة , بل اظنّ ان رئيسهم (الذي أخذ على عاتقه مهمّة مراقبة الشيطانة) كان يطعمها بالسرّ لكيّ يسيطر عليهم بأفكاره الغبية , هذا اذا لم يكن يستغلّ جسدها الصغير ايضاً .. 
فقلت في نفسي : ((من الأفضل ان أتوقف عن مجادلة الحمقى , الى ان أجدّ طريقة أحرّر فيها المسكينة من قبضتهم)) 
وقلت لهم مُصطنعاً الغباء : 
- حقاً ! طالما انها لا تأكل ولا تقوم بأفعال البشر , فهي اذاً شيطانة .. لكن عندي فضول لأعرف الطريقة التي قبضتم بها عليها ؟ 

فأجابني رئيسهم وعلى وجهه ابتسامة المُنتصر : انا من سجنتها بعد مراقبتي لها لفترةٍ طويلة , فهي تعوّدت على الخروج ليلاً لزيارة قبر والدتها والتكلّم معها بكلامٍ غير مفهوم .. وكأنها لغةٌ شيطانية ! فعرفت حينها انها ليست ببشريّة
- مع انني لا ارى مشكلة في زيارة البنت لأمها التي افتقدتها .. لكن اخبروني.. مالذي فعلته امها بالضبط كيّ تلقبوها بالمشعوذة ؟ 
فقالت لي احدى النسوة : الجميع يعرف بأن والدتها تمتهنّ الشعوذة , وهي اساساً لم تنكر ذلك وقت إحراقنا لها  

فأصابتني الدهشة والخوف : ماذا ! أأحرقتم الأم ؟! ... هذا إجرام !!! 
فقال رئيسهم : هي التحقت بجماعتنا عندما كانت حاملاً .. ثم انجبت هذه الطفلة .. ومن بعدها اختفت لشهرين فقط , لتعود الينا وابنتها بهذا الحجم الذي تراه  
وأشار الى الفتاة التي مازالت تنظر الينا من فوق ..

وهنا قال رجلٌ من الجموع : طبعاً , فأولاد الشياطين يكبرون بسرعة 
فقلت لهم بعصبية : ما هذا التخلّف ؟!! ربما كانت هذه ابنتها الكبرى التي كانت تعيش مع طليقها مثلاً ..
امرأة : واين طفلتها اذاً ؟ 
- ربما ماتت ولم تخبركم عنها !!

وهنا قالت لي امرأة اخرى : انا كنت القابلة التي ولّدتها .. والطفلة التي انجبتها تحمل نفسم الوحمة التي على ذراع هذه الفتاة , ومن المستحيل ان تملك الأختان نفس الوحمة وفي نفس المكان ! 
الرئيس : لأنها نفس الطفلة , لكنها كبرت بسرعة .. ومن ثم توقف نموها بعد ذلك .. فهل تعلّمت في الطبّ ما يُفسّر هذه الظاهرة الغريبة ؟
الطبيب : اعتقد انها تعاني من خللٍ هرموني نادر .. دعوني آخذها معي لأفحصها عند طبيب الغدّد ..

لكني تفاجأت بالرئيس يوجّه مسدسه نحو رأسي ! ويقول مهدداً :
- اذا اقتربت منها , سأقتلك وادفنك قرب والدتها .. فنحن بالكاد استطعنا السيطرة على هذه الشيطانة التي حوّلت حياتنا الى جحيم 
فقال رجلٌ آخر : نعم .. فبسبب هذه الحقيرة , ذبُلَ محصول ارضي بالكامل
وقالت امرأة بحزن : ومات طفلي بعد رميه لحجرةٍ صغيرة عليها , واطفال القرية يشهدون على ذلك
ورجلٌ آخر : كما انتشرت الأمراض بيننا دون سبب ! وقد تعبنا كثيراً الى ان عرفنا انها مصدر تلك الأوبئة 

ثم قالت سيدة لي : وبعد ان سجنّاها في تلك العلّية , لم تعدّ تصيبنا ايّة مشكلة 
رئيسهم : هذا صحيح ..لقد عانينا الأمرّين الى ان اكتشفنا بأنها مصدر تعاستنا , وسُجنُها كان قراراً جماعيّاً ..
فصرخت عليهم بغضب : يا الهي ! كفّوا عن هذه الخرافات !! 

وإذّ بالأصوات ترتفع مُطالبين رئيسهم بقتلي لحفظ اسرار القرية .. وحينها اعتراني خوفٌ كبير ! 
لكن لحسن حظي انتهى الموقف المُربك بعد قدوم الأطفال الينا .. حيث قال احد الصغار للرئيس : 
- سيدي اين الحفلة ؟! الم تخبرنا ان نأتي بهذا الوقت لنحتفل جميعنا ؟
وكان رئيس القرية أسرع في إخفاء مسدسه بعد حضور الأطفال , ثم همس لي قائلاً :
- إحمد ربك ان لدينا اليوم احتفالاً شعبي , والاّ لقتلتك على الفور !! 
ثم رفع صوته قائلاً للجميع :
- حسناً يا اصدقاء !! دعونا نحتفل اولاً , ثم نحلّ مشكلة هذا المتطفّل المزعج 
***

والغريب في الموضوع انهم سمحوا لي بالإحتفال معهم ! حتى انهم قدّموا لي الغداء .. 
في البداية رفضت تناول ايّ شيء لخوفي ان يدسّوا به السمّ .. وقد فهم الرئيس سبب تردّدي , فأخذ قطعة لحم من صحني وأكله امامي ..ثم همس لي قائلاً :
- نحن لا نعاقب احداً دون محاكمةٍ عادلة ..فتناول طعامك قبل ان يبرد 
وقد أربكتني نظراته الحادّة ممّا أجبرني على الإحتفال معهم , لأني لم أرغب في تحدّيهم أكثر من ذلك 

وبصراحة اللحم لم يُعجبني بالمرّة ! فقد كان صعب المضغ ومالحاً للغاية .. لكن الطباخة العجوز برّرت لي ذلك بإنه لحم غزال كبيرٌ في السنّ ..فشكرتها وأكملت طعامي مُجبراً ..
***

وقد طال زمن الإحتفال الى ان حلّ المساء .. فانتظرت حتى انشغل الجميع بالحفل الموسيقي .. ثم تسلّلت من بينهم ناحية المنزل المهجور .. واقتحمت بابه الخشبي الذي لم يتطلّب مني سوى دفعتين قويتين بالكتف لكسر قفله الصدىء .. 

وصعدت مباشرةً للعلّية , فوجدّت المسكينة نائمة فوق فراشٍ من القشّ , ويداها مربوطتان للخلف بالقماش , وكانت شديدة الهزال .. 
فحملتها بين ذراعيّ ونزلت بها الأدراج , مُبتعداً عن الكوخ .. 
وكنت أدعي ربي بخوف أثناء توغّلي داخل الغابة المظلمة , الى ان وصلت اخيراً الى سيارتي المركونة على جانب الطريق.. 

ثم وضعت الصغيرة النائمة بالمقاعد الخلفية .. وانطلقت كالمجنون لأبتعد قدر المستطاع عن القرية المجنونة التي أنوي ذكر قصتهم في كتابي الذي سأنشره قريباً 
***

ووصلت مع تباشير الصباح الى محطة بنزين , امامها مطعمٌ صغير .. فقلت في نفسي , وانا انظر اليها من خلال مرآتي :
((المسكينة ! مازالت نائمة الى الآن , يبدو ان الجوع أنهك قوتها .. سأحضر لها الطعام)) 

وما ان طلبت الطعام حتى تذكّرت انني لم افكّ قيودها بعد ! لأن كل همّي كان الإبتعاد عن ذلك المكان المخيف .. فقلت في نفسي :
((عليّ الإسراع بطلب الطعام قبل ان يراها احد مُقيدة في سيارتي ويظنّ بأنني اختطفتها ! .. من الجيد انني ركنت سيارتي بعيداً عن عمّال المحطة)) 

لكن الغريب انني فور خروجي من المطعم , وجدتها تجلس بهدوء في المقعد الأمامي , ومن دون قيود ! 
فطالما انها تستطيع تحرير نفسها , فلما لم تفعل ذلك وهي محتجزة بتلك الغرفة ؟! .. او ربما كانت خائفة من عقاب رئيس القرية في حال فعلت ! ..حسناً لا يهمّ .. لأذهب واعطيها الطعام .. 

ثم جلست بجانبها بالسيارة وبدأنا بتناول قطع الدجاج المقلي ..لكنها أنهت طعامها قبلي بعد ان تناولته بنهمٍ شديد.. فسألتها بشفقة :
- منذ متى لم يطعموك ؟
- منذ وقتٍ طويل 
- الملاعين !!

وقبل ان اكمل المسير , قلت لها :
- عزيزتي .. إدخلي الحمام قبل ان نتحرّك , فرحلتنا ما تزال طويلة 
- لقد دخلت قبل قليل
- متى ؟!
- عندما دخلت المطعم
- آه فهمت !

وبعد ان مشينا عدّة امتار , اقتربت من حاوية نفايات موجودة على جانب الطريق .. وابطأت السرعة لكيّ نرمي به بقايا الطعام .. وقد لمحتها لثوانيٍ وهي ترمي بصحنها البلاستيكي الذي بدا لي فارغاً ! بعكس صحني الذي امتلأ ببقايا الدجاج .. فهل أكلت العظام ايضاً ؟! .. لا طبعاً , هذا مستحيل .. لكن يبدو ان كلام اهل القرية الأغبياء أثّر في تفكيري .. لأكمل طريقي بهدوء..
***

ثم عمّ الصمت بيننا طوال الرحلة .. الى ان حلّ المساء , وحينها سألتها : 
- كم كان عمرك حين توفيت امك ؟
- هي لم تتوفّى , بل احرقوها امام عيني
- أحقاً ! يالهم من مجرمين .. وكم كان عمرك وقتها ؟!
- بعمري الحالي

ورغم انني لم افهم قصدها ! الاّ انني فضّلت السكوت بعد ان بدا الحزن واضحاً على وجهها ..
فقلت في نفسي : ((والله سأبلّغ عنهم الشرطة فور وصولي للمدينة))
لكنها فاجأتني قائلة : لا تفعل !! فهم سيختفون جميعاً من هناك

وقد أربكني جوابها كثيراً ! فأولاً : كيف سمعت ما يدور في ذهني ؟! وثانياً : ماذا تقصد بيختفون ؟! هل قصدها انهم سيغيّرون مكانهم بعد إكتشافهم لرحيلنا ؟ .. لا ادري ..المهم الآن ان أُوصلها لمؤسسةٍ ما تهتم بها.. لأنه في حال إفترضنا انها بالفعل امرأة بالغة بجسمٍ صغير ! فمن الخطأ ان تعيش معي خوفاً من ان تقع في حبي , وأتورّط انا لاحقاً بتهمّة الإعتداء على طفلة , فهي بالنهاية لا تملك اوراقاً رسمية تُثبت عمرها الحقيقي .. هذا في حال كان كلام رئيس القبيلة عنها صحيحاً !
وبينما انا شاردٌ بأفكاري , تفاجأت بقولها : 
- ليس مسموحاً لي أن احبك , لأن ابليس سيعاقبني ان فعلت

وهنا تجمّد الدم في عروقي ! 
وما ان التفتّ اليها , حتى رأيت عينيها قد تحوّلتا لعينيّ قطة ! 

ولا ادري ما حصل بعدها .. فكلّ ما اتذكّره هو انني خرجت من سيارتي المحطّمة وانا انزف من جبيني وانفي بعدما ارتطمت بقوة في سور الجسر .. لكن الأسوء هو ما رأيته في جنح الظلام .. حيث كانت الطفلة تقف فوق حافّة السور وكأنها تنوي الإنتحار ! 
فاقتربت منها ببطأ , وانا ارتجف قائلاً :
- لا تقفزي ارجوك .. يا 
فأجابتني بهدوء وهي تُمعن النظر في البحر الموجود اسفل الجسر
- اسمي انجيلا 
- لا تقفزي يا انجيلا .. ستموتين ان فعلتي
لكنها لم تجيبني .. 

فقلت لها :
- لا ادري ما فعله الحقير بك , ولا افهم ما حصل لنا قبل قليل .. لكني اعتذر منك , فقد فقدّت السيطرة على السيارة بعدما تخيّلت عينيك ..
فأكملت عني قائلة : ما رأيته كان حقيقياً 

ثم قفزت بخفّة ناحيتي , مُبتعدةً عن السور .. وأمسكت يدي بقوةٍ تُشابه قوة الرجال ! وقالت لي : 
- لا تنظر اليّ هكذا , فأنا لست شيطانة كما يقولون عني  
- أعرف هذا .. لكنك..
فقاطعتني مُبتسمة : بالحقيقة .. انا مجرّد جنّية صغيرة
فصرخت بصدمة : ماذا !

وحاولت إبعاد يدي , لكنها كانت تقبض عليها بقوة .. وقالت لي :
- لا تخف منّي يا جاك .. فأنا تطوّعت للبحث عنك 
فسألتها بخوف : ماذا تقصدين ؟!
فتنهّدت بضيق ثم قالت : المشكلة ابتدأت مع تلك المشعوذة الغبية
- تقصدين امك ؟!
- ليست امي ... بل امك انت !!
- ماذا تهلوسين يا فتاة ؟! فأهلي توفيا في حادث ..
فأكملت عني قائلة : بحادث سيارة فوق هذا الجسر بالذات ..وتحديداً في المكان الذي ارتطمت به سيارتك قبل قليل .. اليس كذلك ؟

وقد صدمني كلامها جداً ! لأني تذكّرت الآن ما قاله لي ذلك الشرطي الذي قدِمَ الى غرفتي في المستشفى الذي أعمل فيها 
الفتاة : اتريد ان تعرف ما حصل لهما ؟ 

فالتزمت الصمت , بعد ان شلّ كلامها الغير منطقي تفكيري تماماً ! فأجابتني قائلة : 
- والدك شاهدني ايضاً لكن بشكلي الحقيقي المخيف , وكنت أقف في منتصف هذا الجسر , فارتبك المسكين وارتطم بسور الجسر , لكن حادثته كانت اقوى من حادثتنا بسبب الأرض الزلقة من المطر الذي تساقط بغزارة ذلك اليوم .. فمات هو ووالدتك على الفور 
فسألتها بغضب : ولما قتلتهما ؟!!
- لأنهما كانا سيُصعّبان عليّ مهمّة إعادتك الى بيتك الحقيقي 
- انا لا افهم شيئاً !
- على كلٍ لا تحزن كثيراً عليهما , فهما ليسا والداك الحقيقيين .. بل اهلك بالتبني ..وقبل ان تقاطعني , سأخبرك القصة كاملةً ..

فاستمعت اليها وقلبي يرتجف بقوة , لأنه طوال سنوات مهنتي في الطب لم أقابل يوماً فتاةً مريضة نفسية بهذا الشكل المخيف ! 
الفتاة : امك الحقيقية كانت من نسلٍ نادر من الجن , حيث أُبيد جميع شعبها بحروبٍ قديمة مع ابناء ابليس ..ولكيّ لا تُفنى هذه السلالة نهائياً قام ابليس بالزواج من امك , لكنها هربت من مملكتنا بعد حملها بك , لأن حلم حياتها كان ان تعيش كبشريّة ! ولكيّ لا نقتفي أثركما قامت بوضع تعويذة داخل قلادتها وقلادتك التي تلبسها في رقبتك الآن 
- هذه كانت هدية من والدي !

- لا ليس صحيحاً .. والآن إخبرني .. هل أزلت يوماً هذه القلادة من رقبتك ؟
- لا .. وكلما حاولت , أغيّر تفكيري فجأة !
- طبعاً فأمك تُجيد الشعوذة , لكنها كانت غبية جداً عندما قرّرت التخلّي عن هويتها الشيطانية 
- لنفترض ان كلامك صحيح , فأين هي امي الآن ؟
- ماتت كامرأةٍ فقيرة , وتمّ ارسالك الى دار الأيتام حيث تبنّاك والداك .. المهم دعني أكمل لك القصة .. (وتنهّدت قليلاً) .. يبدو ان أمك وضعت تعويذة أخرى في عقدك تمنعك من إزالتها من رقبتك 

فقاطعتها قائلاً : لا هذا غير صحيح , فصديقي الصحفي أخذها مني قبل عدة ايام
بابتسامةٍ ماكرة : وجيد انه فعل .. أتذكر اين ازالها ؟ 
ففكّرت قليلاً ثم قلت : كنّا حينها نسبح في البحر  
- هذا صحيح , فالبحر يُلغي جميع التعويذات السحرية .. وعندما ازال قلادتك لبعض الوقت استطعنا سماع حديثكما بوضوح , وكان يخبرك وقتها عن اهل قرية الذي صادفهم اثناء رحلته , والذين يكرهون التكنولوجيا ويختبئون داخل غابةٍ سرّية .. وعلى الفور أرسلني ابليس مع اصدقائي الجنّ للسيطرة على اهل القرية قبل وصولك اليهم 

- أتقصدين ان جميعهم ملبوسين من قِبَل الشياطين ؟!
- نعم .. وقد حبست نفسي داخل الغرفة , وارسلت اليك رسائل ضمنية عن طريق التخاطر لكي تأتي وتنقذني من هناك 
- يعني كل قصتك كانت مُختلقة ؟
- هذا صحيح .. لكن فضول صديقك الصحفي كان على وشك ان يفسد علينا المخطط حينما وصل الى القرية قبلك
فسألتها برعب : وماذا حصل له ؟!
فأجابتني بابتسامةٍ مُستفزة : إخبرني انت .. كيف كان طعم لحم الغزال ؟ مالحٌ قليلاً , اليس كذلك ؟

فأمسكت ذراعها وهززّتها بعنف : ماذا تقصدين ؟!! هل قتلتموه ايّها الملاعيين ؟
بابتسامةٍ ماكرة : نحن قتلناه فقط , لكنك الوحيد الذي أكل من لحمه ايّها المتوحّش !
وقبل ان أعيّ هذا الكمّ من الخزعبلات في عقلي الذي يكاد ينفجر , فاجأتني بإمساكها يديّ بقوة .. 

وبخلال ثوانيٍ .. وجدت نفسي أقفز معها , لأقف مندهشاً قربها عند حافّة الجسر ! حيث كان جسمي يترنّح من شدّة الرياح , وانا احاول التوازن  بصعوبة .. فقلت لها بصوتٍ مرتجف وبخوفٍ شديد :
- توقفي يا انجيلا !! فأنا لا اريد الإنتحار

- ومن قال اننا سنموت .. انا فقط سآخذك الى والدك .. فإبليس مُشتاقٌ اليك كثيراً , وينتظرك منذ سنواتٍ طويلة .. وإحدى قصوره تقع تحت هذه البقعة من البحر تحديداً 
وأشارت ناحية البحر المظلم الهائج .. 

فصرخت بعلوّ صوتي , وانا احاول التحرّر من قبضتها العنيفة : 
- اتركيني يا مجنونة !!! انا انسانٌ عادي , ولست شيطاناً مثلك .. انا انسان .. انسسسسسسسسسسسسان !!!!!
***

وكانت تلك صرخة الشاب الأخيرة قبل ان يختفي أثره معها بين الأمواج العاتية .. فهل كان ذلك انتحاراً لطبيبٍ نفسيّ برفقة طفلةٍ مجنونة , ام انها أتمّت مُهمّتها بنجاح وأعادته الى والده ابليس بعد طول انتظار ؟!

الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة  التردّد المنخفض في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم ...