الخميس، 15 سبتمبر 2022

تعدّد الشخصيّات

كتابة : امل شانوحة 

 

الزهايمر


في عيادة الدكتورة النفسيّة ، سألت الرجل الستيني :

- ما اسمك ؟

- مارك

- وكم عمرك ؟

المريض بصوتٍ صغير : 6 سنوات

- وماذا تفعل الآن ؟

- اشاهد امي وهي تعدّ الغداء

الطبيبة : هل عدّت لتوّك من المدرسة ؟ 

- نعم ، وانا جائعٌ جداً 


ثم تغيّر صوته ، ليصبح اكثر قساوة :

- ستأكل بعد قليل ، ايها اللعين !! 

الطبيبة : ومن انت الآن ؟

- ديانا 

- هل هي قريبتك ؟ 

المريض بعصبية : انا عمّته !! فأخي المُدمن ترك ابنه المشاغب لأربّيه بعد وفاة زوجته

- ومتى توفيّت والدة مارك ؟

- بعد شهر من بلوغه سن السابعة 


الطبيبة : الم تحبي ابن اخيك ؟

- لا !! فهو ليس ابني

- لكنك عمّته ! 

المريض بعصبية : هو يشبه امه كثيراً

- أتقصدين بالشكل ؟

- والصفات ايضاً

الطبيبة : وهل كانت سيئة معكِ ؟

- بل تدّعي المثاليّة ، وهذا يغيظني

- وهل كانت زوجةٌ جيدة ؟


المريض : لوّ كانت ، لما أصبح اخي مُدمناً 

- ولما برأيك أصبح مُدمن كحول ؟

- لأنه يعشق غيرها

الطبيبة : ولما لم يتزوج حبيبته ؟!

- لأن والدي رفض زواجه من راقصة ، فصار يلتقي بها خفيّة من وقتٍ لآخر

- حتى بعد إنجابه مارك ؟! 


المريض : نعم .. وبسببها أدمن الخمور ، حتى خسر عمله .. وأصبح مُشرّداً بالشوارع ، لحين وفاته !

- ولما لم تعالجونه من إدمانه ؟

- بحثنا عنه في كل مكان ، دون العثور عليه

الطبيبة : ولا بالناديّ الليليّ ؟

- كان اول مكان بحثنا فيه .. يبدو انه فقد عقله بعد معرفته بزواج حبيبته ، وسفرها الى ولايةٍ أخرى .. (ثم تنهّد بضيق) ..مازلت أذكر اليوم الذي طلبت مني الشرطة التعرّف عليه في المشرحة !


الطبيبة : وكم كان عمر مارك وقتها ؟

- 12 سنة 

- كان صدمةٌ قويّة عليه !

المريض بتهكّم : وكيف سيكون شعوركِ لوّ عرفتي إن والدك توفيّ مخموراً ، امام مكبّ النفايات ؟  


ثم تغيّر صوته فجأة ، قائلاً بخوف :

- لا تؤذيني ارجوك ، انا لست منحرفاً

الطبيبة: من معي ؟

- مارك 

- وكم عمرك الآن ؟

المريض : 16 سنة

- وماذا يحصل معك ؟ 


فلم ينطق الرجل بشيء ، وظلّ يبكي وهو يغلق وجهه بكفّيه .. فسألته الطبيبة من جديد :

- لا داعي للحرج ، إخبرني بما يحدث الآن ؟

المريض بقهر : انه يعتدي عليّ في حمام المدرسة 

- من هو ؟

- استاذ الرياضة


الطبيبة : لما يفعل ذلك ؟!

- قال بأنه ليس لديّ عائلة تحاسبه ، وهو يعشق الصبيّة الوسماء 

- الم تخبر عمتك بما حصل ؟

المريض بحزن : عمتي تكرهني .. وتقول انها خسرت خطيبها الذي رفض عيشي معهما ، وبسببي أصبحت عانساً .. وأنه لا غرابة أن توفيّ والدايّ باكراً ، كُرهاً لي !

- ولما لم تبلّغ مدير مدرستك بإعتداء معلّمك ؟

- لأنه هدّدني بالطرد إن فعلت 

الطبيبة : وهل كنت الوحيد الذي أذاه الأستاذ المنحرف ؟

- يوجد ثلاثة غيري ، وجميعنا جبناء 


وهنا تغيّر صوته ، لتصبح نبرته حادّة :

- انا لست جباناً ، ايها الشاذّ !!

الطبيبة : من معي الآن ؟

- مارك

- وكم عمرك ؟

- 30 سنة

- تبدو قويّاً ؟

المريض بحزم : بل جبّاراً !! فأنا ضابطٌ في الجيش الأمريكي ، وحاربت في أفغانستان

- وهل انتصرت في معاركك ؟

- كنّا نربح ونخسر

الطبيبة : وما اسوء شيء حصل لك في الجيش ؟


فسكت قليلاً قبل صراخه بذهول ، والدموع تسيل على وجنتيه :

- لا تمتّ ، ارجوك !!.. إفتح عينيك .. لا تتركني يا صديقي

الطبيبة باهتمام : ماذا حصل ؟!

- جاك أصيب بطلقة قنّاص

- وهل إصابته خطيرة ؟

المريض بحزن : انه يموت بين ذراعيّ !!

- هل هو صديقك المقرّب ؟

- التحقنا معاً بالكليّة العسكريّة  


الطبيبة : وهل مات الآن ؟

- نعم ! كيف سأخبر زوجته واطفاله بأنه خطأي

- ولما هو خطؤك ؟!

المريض بقهر : لم يكن يريد الخروج من الدبّابة ، لكني أمرته بإصلاح العطل .. وحينها سمعت صرخته الأخيرة ! 

- جيد إن القنّاص لم يصبك حين خرجت لمساعدته 

- لم يكن يهمّني في تلك اللحظة سوى إعادة جثمان صديقي الى الدبّابة ، والإسراع للمركز .. كم أتمنى الإنتحار لأرتاح من عذاب الضمير 


وهنا تغيّر صوته ، ليقول بشفقة :

- لا تبكي حبيبي مارك ، هذه هي الحياة .. ربحٌ وخسارة 

ثم تغيّر صوته ثانيةً :

- أسكت انت !! ضعف شخصيتك دمّرني تماماً 


الطبيبة : مع من تتكلّم يا مارك ؟

- مع جدي 

- ولما انت غاضبٌ منه ؟

المريض : لأنه سلبيّ للغاية ! لم يدافع عني ، حين رآني أُضرب من متنمريّ مدرستي .. ولم يصرخ على الأولاد الذين منعوني من اللعب بالحديقة العامة .. ولم يتصرّف حيال إعتداء استاذي ، لأنه كسول ولم يرغب بسحب اوراقي وتسجيلي بمدرسةٍ اخرى .. واكتفى بنصحي بالصبر ، وعدم إخبار المدير بالأمر كيّ لا يؤذيني استاذي اكثر .. هل تصدّقين ذلك ؟! 


الطبيبة : الهذا التحقت بالعسكريّة ؟

- نعم ، لأتخلّص من عمتي القاسية وأبيها ضعيف الشخصيّة الذي كرهته بعد إخباري بأن امي لم تمتّ بمرض القلب (كما ظننت) بل لأنها انتحرت من شدّة اكتئابها من ابي وعشيقته الراقصة !.. انا فعلاً انسان فاشل ، وأتمنى الموت كل لحظة !!

الطبيبة : لست فاشلاً يا مارك ، انت ابٌ رائع 

- لم أكن زوجاً جيداً ! 

- هي لم تتفهّم مرضك ، فلا تلمّها 


المريض باستغراب : هل كنت فعلاً اباً رائعاً ؟!

- هذا ما أخبروني به 

- اذاً نجحت كوالد !

الطبيبة : نعم ، انت رائعٌ يا مارك .. ولا تحتاج لبقيّة الشخصيّات 

- اذاً من اختار منهم ؟

الطبيبة : مارك بعمر الستين ، بشيبته الرائعة وابتسامته الحنونة ..


وهنا دخلت الممرّضة وهي تقول :

- حان وقت نومه 

الطبيبة : حسناً ، ضعيه بالفراش .. ولا تنسي وضع أغنيته المفضلّة لينام ، كيّ لا يعاني من الأرق كما كلّ مرة  

فأمسكت الممرّضة يد الرجل ، وهي تقول :

- حان وقت قيلولتك يا مارك ..

 

فنظر مارك للطبيبة ، وهو يقول بصوت طفل :

- هل ستطبخين الدجاج اللذيذ ، حينما أستيقظ يا امي ؟

الطبيبة : سأفعل حبيبي ، نمّ قليلاً لترتاح  .. وبعد ساعة ، نتناول الغداء معاً

***


بعد نوم الرجل المريض في غرفته ، دخلت الممرّضة الى مكتب الطبيبة (في فلّتها) وهي تسألها :

- أمازال والدك يظنّك امه ؟!

الطبيبة بحزن : ربما لأنني اشبه جدتي .. لكني سأظلّ أعالجه يوميّاً لتتحسّن صحته ، فالمسكين عانى كثيراً بحياته

الممرّضة : انت ابنةً بارّة ، تعلّمت علم النفس لعلاجه من إضّطراب تعدّد الشخصيّات ..فهل هناك تحسّن في حالته ؟

- قليلاً .. فهو في بداية الزهايمر ، ومرضه الجديد جعله يحذف ثلاثة شخصيّات من خياله ، لم يذكرها في هذه الجلسة 


الممرّضة باهتمام : وماهي الشخصيّات التي نساها ؟

الطبيبة : شخصيّة ديفيد

- الأستاذ المتحرّش ؟

- نعم ، أدرك الآن أنه لا علاقة له بذلك القذر .. وايضاً نسيّ شخصيّة جاكلين ، الراقصة التي أحبها والده ..اما الشخصيّة الثالثة ، فهي مادلين 


الممرضة بدهشة : أنتِ ؟!

الطبيبة بقهر : نعم .. كان سابقاً ينتحل شخصيّتي من وقتٍ لآخر ! لكن يبدو انه نسيّ اصلاً إن لديه ابنةٌ ترعاه ، وترفض وضعه في مستشفى المجانين التي تعمل فيها !

- رجاءً لا تبكي ، آنسة مادلين 

الطبيبة بحزن : أتمنى للحظة أن يعود ابي الحنون ، فقد اشتقت اليه كثيراً


وانهارت باكية ، بعد تدهوّر صحّة والدها الميؤوس منها !


الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

اوروبا الباردة

كتابة : امل شانوحة 

عملة الحطب


- امي هذه مهمةٌ صعبة !

- مالعمل بنيّ ؟ الجوّ يزداد برودة ، وبوتين اللعين مازال يمنع الغاز عن اوروبا.. هيا خذّ الفأس واقطع إحدى الأشجار الصغيرة ، فنحن بحاجة لحطب لتدفئة اخوتك الصغار .. وحاول أن تعدّ قبل اشتداد العاصفة

فخرج المراهق باتجاه الغابة القريبة من كوخه..


وحين وصل لمنتصفها ، وجد جرّافة كبيرة تقطع الأشجار ! وسط إعتراض اهالي القرية المجتمعين حوله ، حيث ترجّته امرأة بقلق :

- لا تقطعهم جميعاً ، فنحن ببداية الشتاء ونحتاج للكثير من الحطب

السائق بلؤم : إبتعدي يا امرأة ، فهذه الجرّافة ملك لسياسي ثريّ

فقال أحدهم مُعترضاً : ولكيّ يتدفأ هو وحاشيته ، نواجه الموت برداً

السائق : هناك حطب بالسوق ، اشتروا منه

المرأة : سعره غالي جداً

السائق : طبيعي أن يرتفع سعره في الشتاء

عجوز : فقط إترك لنا جزءاً من الغابة يكفينا لنهاية الفصل القارص


السائق : القائد يأمرني بطنٍّ من الأخشاب

فقال احدهم بعصبية : طنٌّ كامل ! حرامٌ عليك يا رجل ..أفرغت ثلاثة ارباع الغابة من الأشجار ..على الأقل إخترّ الكبيرة منها ، ففؤوسنا ومناشيرنا لا يمكنها قطع الأشجار الضخمة

السائق : العمل على الأشجار الصغيرة اسهل وأسرع ..والآن ابتعدوا عن طريقي !!


فقفز احد الشباب الى الشاحنة المحمّلة بالأخشاب.. وبدأ بدحرجة الأشجار الصغيرة نحو الأرض ، صارخاً :

- نحن أحقّ بها من قائدك السياسيّ !!


فأسرع رجال القرية بحمل الأشجار الصغيرة .. بينما اقتطعت النساء جزءاً منها بفؤوسهنّ ، وجرّها بالحبال نحو بيوتهن

فهدّد سائق الجرّافة الشاب بالنزول فوراً من شاحنته ، لكنه أصرّ على متابعة عمله .. مما اضّطره لقتل الشاب بطلقةٍ ناريّة ! 

فحصل هرجٌ ومرج بين الأهالي ، إنتهى بهجوم رفاق القتيل على السائق وضربه حتى الموت !

***


وصل الخبر للقائد السياسيّ الذي انتقم منهم بإرساله عشرات الجرّارات لقطع اشجار الغابة بالكامل !

مما أفزع بقيّة السياسيين من إحتكار القائد لجميع الأخشاب ، فأرسل كل واحدٍ منهم حطّابين الى الغابات القليلة المنتشرة في دولتهم ، لقطع جميع الأشجار بما فيها المنتزهات العامة والمزروعة على جانبيّ الشوارع ! وتخبأتها في مخازنهم ، مع إرسالهم جزءاً بسيطاً منها للسوق بأسعارٍ خياليّة !


مما أجبر الفقراء على تكسير مفروشاتهم الخشبيّة ، لجعلها حطباً لمواقدهم .. لينتهي الأمر بهم الى حشر انفسهم في غرفٍ ضيّقة ، بعد استغنائهم عن بقيّة الغرف ، لتصغير اكواخهم الخشبيّة !

***


ومع إشتداد البرد ، حُصد المزيد من الأرواح .. خاصة في صفوف العجائز الذين يعيشون بمفردهم .. كما تمّ الإستغناء عن المرضى الميؤوس منهم والمعاقين والمجانين والأيتام والمجرمين بعد رميهم في الشارع ، لعدم قدرة المؤسسات على توفير التدفئة لهم ! 

مما زاد عمليات السرقة ونهب الأخشاب من داخل المنازل ، وصولاً للقتل .. ومعها انتشرت الفوضى بالمدينة والقرى المجاورة ، حتى أصبحت قطعة الخشب بقيمة الذهب ! بعد التعامل بها كعملةٍ نقديّة ، عن طريق المقايضة بينها وبين المنتجات الضروريّة التي يمتلكها افراد الشعب

***


مرّت الشهور الخمسة الشتويّة بصعوبة على الأوروبيين ، بعد فشل جميع المحاولات لإقناع روسيا بإرسال الغاز اليهم ! 

مما اضّطر بريطانيا لفتح مناجم الفحم القديمة ، حيث تقدّم الآف العاطلين للعمل في المناجم ، لتزويد انجلترا وبقيّة دول اوروبا بالفحم ، مما قلّل من مشكلة التدفئة .. خاصة بعد تفشّي العفن بالأخشاب المتراكمة بمخازن السياسيين المُحتكرين !

***


ولم يمضي الشتاء حتى تلوّث هواء اوروبا بدخان الفحم ، لتُعاد ازمة القرن الماضي ، والتي استمرّت لعدّة سنواتٍ لاحقة .. 

الى أن تمّ اغتيال زعيم روسيا المتغطرس .. واتفاق رئيسهم الجديد على حلٍّ سلمي مع زعماء اوروبا بإرساله الغاز ، مقابل مصالح مشتركة بينهم 


وذلك بعد أن خلّفت مشكلة الغاز آلاف القتلى وعشرات المساجين الهاربين من العدالة .. والذي تطلّب عقداً من الزمن لتنظيف الجوّ من تلوّث الفحم بعد إقفال المناجم من جديد ، وعودة الأمن للسكّان بعد القبض على الفارّين من الّلصوص .. وكلّه بسبب اطماع بوتين السياسيّة الذي أصيب بجنون العظمة التي أنهت حياته ، وحياة آلاف الأبرياء الذين تجمّدوا برداً في أصعب شتاءٍ مرّ بتاريخ اوروبا !


الأحد، 11 سبتمبر 2022

دودة الكتب (قصة أطفال)

تأليف : امل شانوحة 

أهميّة القراءة


التقت دودتان داخل معجمٍ ضخم ، بمكتبة رجلٍ مهووس بقراءة الكتب..

فقالت الدودة الكبيرة للصغيرة :

- منذ وفاة صاحب المكتبة لم يفتح احد من ورثته كتاباً !

- لاحظت ذلك ، بعد تراكم الغبار على الأرففّ

- بعكس المرحوم الذي اهتم جيداً بكتبه !


الصغيرة : الأسوء انني رأيت حفيده قبل ايام يصوّر المكتبة ، لبيعها على الإنترنت 

- مصيبة ! سنُقتل من قلّة الأكسجين داخل صناديق الشحن

- بصراحة ، لست قلقة مثلك

الكبيرة باهتمام : لماذا ؟!

- لأنهم لن يجدوا من يشتري كتباً ورقيّة .. فهذا الجيل لا يهتم بالقراءة بعد إعتمادهم في ابحاثهم على الإنترنت.. عدا عن إضاعة وقتهم على وسائل التواصل الإجتماعي ، ومشاهدة الأفلام والفيديوهات التافهة


الكبيرة : أنت تعلمين بأن معظم الأفلام السينمائيّة أضاعت جوهر الروايات وأحداثها الرائعة

الصغيرة : طبعاً ، فهي لا تنقل الحوارات الأدبيّة في كتب المؤلّفين المبدعين .. لكنه حال الجيل الجديد ، يريد ملخّصاً لكل شيء !

- مساكين .. لن يعرفوا قيمة الكتب ، كالجيل الذي نشأت فيه

الصغيرة : كتب جيلك أضعف نظرك ، بطباعته الصغيرة واوراقه الصفراء .. بينما لا اضع نظارةً سميكة مثلك ، لأن الطباعة بالإصدارات الجديدة واضحة على اوراقها البيضاء


الكبيرة : ومع ذلك أفضّل الكتب القديمة الغنيّة بالمعلومات العلميّة والأدبيّة

الصغيرة : قراءتها تسبّب لي الصداع لكثرة مصطلحاتها النادرة ، التي تجبرني على مراجعة المعجم لفهمها !

- لوّ داومت على قراءتها لأصبح لديك مخزونٌ وافر من المعلومات ، كما حصل معي  

- الهذا السبب تقرأينها ، أم لأن اوراق المخطوطات القديمة هشّة ومقرمشة كالشيبسي ، ايتها العجوز

الكبيرة : بصراحة اسناني لا تستطيع قضم الأوراق الحديثة السميكة


الصغيرة : أتدرين .. احياناً يُحزنني أكل بعض الكتب ، لروعة كلماتها !

الكبيرة : لولا إهمال البشر بنظافة مكتباتهم ، لما اقتربنا من كتبهم ومجلّداتهم .. ثم نحن نقرأ كل شيء قبل اكله 

- صحيح ، وكأننا نعاقب الجيل المُهمل بحذفنا المعلومات من بين الأسطر .. فهم لا يشعرون بالخسارة ، ظناً أن معظم الكتب تحوّلت لمعلوماتٍ إلكترونيّة !

الكبيرة : ليس كلها ، فهناك مخطوطات نادرة لم يجرأ احد على نسخها

- مثل ماذا ؟!


الكبيرة : أخبرتني جدتي انها حاولت أكل اطراف كتابٍ للشعوذة ، فشعرت برعبٍ شديد !

- أكان كتاباً لتعويذات السحريّة ؟!

الكبيرة : نعم ، فأوراقه لم تكن قابلة للمضغ رغم قدمه ! وأشعرها بآلام شديدة في معدتها ، لهذا نصحتني بأن لا أقترب من الكتب الشيطانيّة .. ومن يومها وأنا اقرأ محتوى الكتب قبل اكله ، وليس مجرّد العناوين


الصغيرة : ما يقلقني اكثر ، هم القرّاء العصبيين الذين يغلقون الكتب بقوّة ! فبالكاد اهرب قبل ثوانيٍ من سحقي بين صفحاتها 

الكبيرة : إنتبهي جيداً ! فالكثير من دود الكتب ، ماتوا بهذه الطريقة..او بسبب المُعقّمات والمبيدات الحشريّة الخانقة

- لهذا السبب توجهت لكتب الأطفال ، فهي ملوّثة ببقايا الطعام وبصماتهم الدهنيّة ، مما يضفي نكهة على الكتب .. عدا انها مليئة بالصور التي لا تشعرني بالوقت اثناء التهام ورقها الناعم


وهنا ! أضيء مصباح المكتبة..

الكبيرة بخوف : إختبئي بسرعة !!

فأسرعتا لداخل المعجم ، لتسمعا زوجة المرحوم تقول لعاملا النقل :

- اريدكما أن تغلّفا الكتب جيداً ، قبل وضعها بالصناديق .. اريد شحنها للمكتبة المتواجدة بالشارع المقابل

العامل : مكتبتكم ضخمة ! اكيد دفعوا لك مبلغاً مجزّياً ؟

الزوجة بضيق : للأسف لا ، تحجّجوا بقلّة القرّاء وزوّار المكتبة ..فأخبرتهم أن يأخذوها بالمجّان..

العامل الآخر : ووافقوا على الفور ، اليس كذلك ؟

الزوجة : بشرط أن أشحنها على حسابي ! رجاءً إنهيا العمل سريعاً ، اريد تحويل مكتبة المرحوم الى غرفة لعبٍ لأحفادي


وبعد خروجها من الغرفة ، تهامست الدودتان بحزن :

الكبيرة : رحمة الله على صاحب المكتبة ، جمعهم طوال حياته واعتنى بهم جيداً !

الصغيرة : وقرأهم جميعاً ، حيث لا يخلو كتاب من ملاحظاته الدقيقة ! وهاهي زوجته تتخلّص منها كأنها نفايات ، او عبء ثقيل على صدرها 

- يا حسرتي على أناسٍ لا تقدّر نعمة القراءة !


الصغيرة : أخبرتك سابقاً انهم يعتمدون على معلومات الإنترنت

- وماذا لوّ اصاب فيروس إرشيف شركة جوجل ، واختفت جميع المعلومات من الحواسيب ؟

الصغيرة : حينها سيعمّ الجهل ، وسيعرفون قيمة الكتب بعد فوات الأوان

- بالطبع !! بعد أن نأكلها كلها دون رقيبٍ او حسيب


الصغيرة : آه ! معك حق .. لما نحن حزينتين ؟ فإهمال الكتب في صالحنا ، فلا قرّاء او مبيدات توقف عملنا

- اذاً لنبتعد عن انظار العاملين ، كيّ لا يقتلونا إن رأونا نتحرّك بين الكتب.. والأفضل ان نختبئ في صناديق النقل

الصغيرة : فكرةٌ جيدة ، اراك في رفوف المكتبة الجديدة 

الدودة الكبيرة : أتمنى أن نصل اليها سالمتين ، وهناك سننهي العلم معاً .. فهذا الجيل لا يستحق الكتب الورقيّة ، بما فيها من كنوزٍ قيّمة

الدودة الصغيرة بحماس : اذاً القاكِ لاحقاً ، ايتها العجوز المثقفة 


وسبقتها نزولاً باتجاه الصندوق الفارغ ، للإنتقال للمكتبة المجاورة 


السبت، 10 سبتمبر 2022

الأستاذ المريب

فكرة : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 التفوّق الدراسيّ


إشتكى رجلٌ همّه لصديقه :

- سما أتعبتني كثيراً 

- ابنتك الوحيدة بعمر السابعة ، اليس كذلك ؟

- نعم 

- الأولاد بهذا السن يكونوا مشاغبين ، فلا تكتئب هكذا

الأب بضيق : هي كسولةٌ جداً ولا تريد الذهاب للمدرسة وعلاماتها سيئة ..وكلما احضرت معلمة ، تفتعل المشاكل لإجبارها على ترك العمل ! والبارحة استقالت استاذتها الخامسة .. والإمتحانات النهائيّة بعد ثلاثة أشهر ، وأخاف أن تعيد السنة

- اذاً عليك الإستعانة بالأستاذ مروان

- ومن هو ؟!

الصديق : استاذٌ مُختصّ بتعليم الأولاد المشاغبين ، معروفاً بصبره الطويل وحزمه وعناده لإكمال المنهج مهما كانت الظروف .. سأرسله غداً الى منزلك

- جزاك الله خيراً 

***


في اليوم التالي ، غضبت سما فور رؤيتها لأستاذها الجديد ! وتوجّهت مُنزعجة الى غرفة والدها :

- انا لا احب الأساتذة ، فلما لم تحضر معلمة ككل مرة ؟!

الأب : لأنك تفقدينهنّ أعصابهنّ ، فربما الأستاذ يستطيع إفهامك دروسك .. هيا لا تجعليه ينتظر ، فأنا احاسبه على الساعة


وأدخلها بالقوّة الى الصالة ، حيث كان الأستاذ يتصفّح كتبها على عجل

وبعد أن تركهم الأب لوحدهما ، قال مروان : 

- منهجك سهلٌ للغاية

سما باستنكار : أقرأت ثمانية كتب خلال الدقيقتين التي تحدّثت بها مع ابي؟!

المعلّم : نعم ، وهي سهلة بالنسبة للمدارس الأخرى .. فلنبدأ اولاً بمادة اللغة العربية

- لا !! سنبدأ بالرياضيات 

مروان بحزم : انا المعلّم هنا !! وانا اختار ترتيب المواد .. إفتحي كتاب العربي ، واخبريني عن المواضيع التي لا تفهمينها

- القواعد صعبة ، ولا اعرف الفرق بين الجملة الأسميّة والفعليّة


فأخرج مروان من جيبه تفاحة وأكلها ، ثم قال : 

- اكل مروان التفاحة .. هذه جملةٌ فعليّة

سما بدهشة : جيبك صغير ! فمن اين اخرجت التفاحة الكبيرة ؟!

- لا تهتمي لهذه الأمور ، وركّزي على الدرس


ثم أخرج دمية صوفيّة من جيبه الآخر ، ووضعها بجانبها وهو يقول: 

- دميةٌ جميلة .. مبتدأ وخبر ، أيّ جملةٌ اسميّة

سما بدهشة : من اين خرجت اللعبة ؟! 

وحاولت لمسها ، فأبعدها عنها ..

مروان بحزم : لا !! لن تحصلي عليها قبل نهاية المنهج بالكامل

وأعادها الى جيبه الصغير ، وسما مذهولة مما تراه !


وتابع معها دروس العربي ، وهي تحاول التركيز معه للحصول على  الدمية ، كما وعدها 


مروان : والآن سندرس الرياضيات

وهنا دخل والدها لإعطائه كوب الشايّ ، وهو يسأله :

- كيف وجدت سما ؟

الأستاذ : تتعلّم بسرعة

الأب باستغراب : أحقاً ! انت اول معلّم يمدحها

سما بضيق : ابي !!

الأب : هيا عزيزتي ، تابعي دروسك .. اراكما لاحقاً


وبعد خروج الأب ، شرب مروان الشايّ دفعةً واحدة ..

سما باستغراب : الم يكن ساخناً ؟!

المعلّم : بلى .. الآن سأشرح موضوع الجمع والطرح


وأخرج ثلاث كرات من جيب قميصه الصغير ، وثلاثة اخرى بلونٍ مختلف من تحت قبعته الرياضيّة .. ووضعهم بجانبها ، طالباً منها جمعها

سما باستغراب : كيف تخرج اشياءً كبيرة من اماكن صغيرة ؟!

الأستاذ معاتباً : ليتك تركّزين على دروسك كما تلاحظين الأمور التافهة 


وكلما جمعت او طرحت الكرات ، أخرج المزيد من الكرات الملوّنة من جيوبه .. الى أن قاطعته سما بقلق : 

- هل انت ساحر سيرك ؟!

- لما تقولين ذلك ؟!

سما : اخاف أن تخرج ارنباً من قبعتك

الأستاذ مبتسماً : إن لزم الأمر ، سأفعل .. والآن سندرس مادة العلوم


سما : الن ندرس الدين اولاً ؟

الأستاذ بعصبية : لا !! الدين ليس من اختصاصي ، دعي والدك يعلّمك إيّاه

سما باستغراب : ولما تضايقت هكذا ؟!

- لا تدخلي فيما لا يعنيك.. الآن سأشرح الدرس الأول في العلوم ، وهو عن الحواسّ الخمسة .. فما هي أهميّة العين ؟

فأجابته بسخرية : للنطق


فضرب بيده على طاولة بقوّةٍ ، أفزعتها !

المعلّم معاتباً : وهل تتكلّمين من عينك ؟!! 

ووضع يده على عينيها ، ليتحوّل كل شيءٍ لسواد ! 

وقبل أن تستنجد بوالدها ، اعاد سؤاله بلؤم : 

- ما أهميّة العين ؟!!

سما بخوفٍ شديد : للنظر

- احسنت !! 

ثم لمس عينيها ، لترى من جديد !

فمسحت دموعها ، وهي تسأله بقهر : لما أعميّتني ؟!


مروان : لم افعل شيئاً ، انت تتوهمين .. السؤال الثاني : بماذا نستخدم الأذن ؟

فأجابته بارتباك : للمس

فوضع يديه على اذنيها ، ليعمّ الصمت المخيف ! 

ثم صفّق بيديه ، ليعود سمعها من جديد .. 

مروان بغضب : الآن أجيبي على السؤال اللعين ؟!! 

فقالت مرتجفة : الأذن للسمع


مروان : طالما تعرفين الإجابات ، فلما تضايقينني ؟!

سما بخوف : لم أقصد ذلك !

فاقترب منها ، وهو يقول بجدّية : 

- إسمعيني جيداً يا سما .. لن اخرج من حياتك قبل تفوّقك في جميع المواد ، وإلاّ سأحوّل حياتك لجحيم .. وإن لم تفهمي درس الحواسّ الخمسة من الشرح الأول ، سأجعلك فتاةً خرساء وصمّاء ومشلولة بالكامل .. 

سما مقاطعة بخوف : آسفة ، لن اضايقك ثانيةً


مروان : أحسنت !! الآن بعد انتهائنا من العلوم ، سأعطيك امتحان سريع بجميع المواد .. 

- اذا دعني اكلّم ابي ريثما تكتب الأسئلة


فأخرج مروان ورقةً مطبوعة من حقيبته ، ووضعها بجانبها :

- الإمتحان جاهز

سما بدهشة : وكيف عرفت الأسئلة قبل قراءتك كتبي ؟!

- وهل تظني انك الطالبة الوحيدة التي درّستها بحياتي ؟

قالها بعينين حمراوتين ، اخافتها كثيراً !

مروان : هيا ابدأي بحلّهم ، فلديك عشر دقائق فقط


فنظرت سما لساعة الحائط التي اشارت على الرابعة والثلث عصراً

سما : لا اعرف حساب الوقت هكذا !

فأشار بإصبعه من بعيد للساعة ، لتصبح في الخامسة تماماً وهو يقول :

- إن إصبح العقرب الكبير على الرقم اثنين ، سأسحب منك الورقة

سما بخوف : كيف ادرت عقارب الساعة دون لمسها ؟!

مروان : كم مرة أخبرتك أن لا تسأليني خارج المقرّر الدراسيّ ؟!!


وهنا لمحت قدميه ترتفعان قليلاً عن الأرض ! فارتعبت لدرجة جعلتها تجيب الأسئلة بوقتٍ قياسيّ ، كيّ تُنهي الحصّة ويرحل من منزلها


بعد انتهاء الإمتحان ، نظر سريعاً لإجاباتها وهو يقول :

- هناك خطأ في اللغة العربية .. وخطآن في الرياضيات .. وعلامة كاملة بالعلوم .. تقدمٌ لا بأس به لهذا اليوم

وبدأ بجمع اغراضه ..

سما بارتياح : هل انت ذاهبٌ الآن ؟

مروان : نعم ، سآتي غداً بنفس التوقيت

سما بضيق : لا استاذ !! تحسّنت كثيراً ، ويمكنني متابعة دروسي وحدي


فاقترب من وجهها ، لتشعر بشيءٍ حادّ كالقرنين ينبتان في رأسه الذي يخرج منه الدخان ! قائلاً بلؤم :

- انا من يقرّر كم سأظلّ معلّمك ، ايتها الطفلة المدلّلة !!


ثم طفى سريعاً باتجاه الباب ، قبل مشيه بشكلٍ طبيعيّ بعد لقائه والدها خارج الصالة

***


فور ذهابه ، إحتضنت سما والدها باكية وهي تخبره بالأمور المرعبة التي حصلت اثناء الدرس .. لينفجر والدها ضحكاً ، دون تصديقه كلمة مما قالته .. مُكتفياً بالسماح لها اللعب لبقية اليوم !

***


وتكرّر الأمر كل عصر ، مثل : شربه الشايّ الساخن دفعةً واحدة ! وإخراجه الكثير من الأدوات التعليميّة من ثيابه وحقيبته الصغيرة  

اما اكثر ما يرعبها ، هي حصة العلوم : بعد إخراجه لمجسّمات حيواناتٍ نافقة ، لشرح اعضائها .. مما أثار غثيانها !


حتى انها في مرة أخطأت بحروف الجرّ باللغة العربية ، فضرب رأسه بقوّةٍ بخزانة الكتب المتواجدة بالصالة .. دون ظهور اثرٍ على جبينه ، رغم انها مزخرفة وذات أطرافٍ حادّة ! 


وكلما تحجّجت بدراستها المادة جيداً .. يُخبرها بالتفصيل كيف اضاعت وقتها البارحة ، مما يجمّد الدم في عروقها !

واحيانا تراه في منامها وهو يطالبها بالمذاكرة ، حتى بات اسوأ كوابيسها


والغريب ان لا شيء يمنعه من القدوم في موعده المعتاد ! لا الحرب الدائرة في البلد .. ولا الحادث الذي وقع للحافلة التي كان يستقلّها ، والتي اودت بحياة جميع الركّاب ما عداه ، حتى انه لم يصبّ برضوضٍ او جروح !


وباءت جميع محاولاتها بالفشل لإقناع والدها بطرده .. لتتفاجأ بمروان يخبرها باليوم التالي عن حوارها الكامل مع والدها للإستغناء عن خدماته! 


كل هذه الأمور جعلتها تنهار باكية ، وهي تترجّاه أن يتركها وشأنها .. فربت على كتفها وهو يقول بعينين مرعبتين :

- لن ترتاحي مني إلاّ حينما تتفوّقين بدراستك ، فهذه مهمّتي في الحياة

***


وبالفعل أصرّ والدها على اكمال دراستها مع المعلّم غريب الأطوار لنهاية السنة .. بعد تحسّن علاماتها بشكلٍ ملحوظ ، آثار استغراب معلّماتها وزميلاتها في المدرسة ! 

لهذا لم يكن امام سما إلاّ متابعة دروسها بجهدٍ مضاعف ، بنيّة التخلّص نهائيّاً من معلّمها المرعب

***


بعد نجاحها بالسنة الأولى ، إستغنى والدها اخيراً عن خدمات الأستاذ مروان الذي سلّمها الدمية التي وعدها بها في اول لقاء .. 


لكنه فور سماعها اللعبة تقول بصوت مروان : 

- سأراقبك دائماً يا سما

حتى رمتها بفزع من الشرفة ! 

***


مرّت السنوات .. كبرت فيها سما ، ونسيت تماماً استاذها مروان .. 

الى ان تزوجت وأنجبت صبياً ، ورث منها مشاغبتها وكسلها بالمدرسة !

***


في احد الأيام ، فاجأها زوجها بإحضاره معلماً لإبنه.. 

فدخلت الصالة لتضيّفه كوب الشايّ الذي كاد يقع منها بعد رؤيتها للأستاذ مروان بنفس العمر والهيئة التي لم تتغيّر بمرور عشرين سنة ! بل حتى صفاته لم تتغيّر : كشربه الشايّ الساخن دفعةً واحدة!


فنظرت لإبنها الذي كان يرتجف بخوف ، ويترجّاها بعينيه أن تطرد معلّمه المرعب الذي قال له :

- هل ستكون ولداً ذكياً تتعلّم بسرعة ، ام ستتعبني مثل امك ؟


ثم ابتسم في وجه سما ابتسامةً مريبة ، جعلتها تتذكّر خوفها القديم .. وهي تتساءل في نفسها : ((ترى هل سيصدّقها زوجها ، ام سيكذّبها كوالدها المرحوم ؟)) 


الى ذلك الحين ، سيبقى ابنها تحت رحمة الأستاذ المخيف لحين تفوّقه الدراسيّ ، فهي الوسيلة الوحيدة للتخلّص من هذا الإنسان الغامض ، او الكائن المرعب من العالم السفليّ الذي مهمّته تعذيب الأولاد المشاغبين وتقويم سلوكهم بأرعب الطرق الممكنة ! 


الأربعاء، 7 سبتمبر 2022

نيران قلبي

فكرة : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

الحب المُشتعل


التقت عيناهما وهو يحملها على سلّم المطافىء ، كونها الناجية الوحيدة من الشقة المحترقة .. حيث بدت في ذهولٍ تام مما حصل !


وتابعها الإطفائي مراد بنظراته وهم يضعونها في سيارة الإسعاف ، قبل أن يشدّ زميله ذراعه صارخاً :

- هناك ناجية اخرى في المبنى !!

مراد : إنقذها انت ، انا ذاهبٌ مع تلك الفتاة الى المستشفى


وترك زميله مصدوماً وهو يراه يصعد الى سيارة الإسعاف ، بعد كذبه على الممرّض بأنه قريبها ! 

***


في المستشفى .. ظلّ مراد يدعو لها بالنجاة خارج غرفة الطوارىء ، وهو لا يدري سبب تعلّقه بها بهذه السرعة ! فقد أشعلت عيناها الزرقاوتان في وجهها المسوّد من دخان الحريق ، نيران قلبه ! وكأن جميع القصص الرومنسية التي قرأها في مراهقته ، وكلمات الأغاني والأفلام السينمائيّة تجلّت في نظراتها الخائفة ، وهي تتشبّث به بكل قواها كأنه املها الوحيد في الحياة !


وقطع افكاره الطبيب وهو يسأله :

- هل انت قريب نور ؟

مراد : نور ! أهذا اسمها ؟

الطبيب : اذاً انت لا تعرفها !

مراد : بصراحة لا ، لكن صحّتها تهمّني ..فهل هي بخير ؟

- استشنقت الكثير من الدخان ، فوضعنا لها قناع الأكسجين لتنظيف رئتيها ، ومصلاً لتقويّتها .. وهناك بعض الحروق السطحيّة في ذراعها وقدمها ، لكنها بخير

- هل يمكنني رؤيتها ؟

الطبيب : سينقلونها بعد قليل الى غرفتها ، وهناك يمكنك زيارتها 

***


طرق مراد بخفّة على باب غرفتها :

- هل يمكنني الدخول ؟

فنظرت نور الى زيّه الخاصّ برجال الإطفاء :  

- أأنت من أنقذتني من الحريق ؟

- نعم ، ورافقتك بسيارة الإسعاف بعد فقدك الوعيّ  

نور : ومسكت يدي طوال الطريق ؟!

فأومأ برأسه إيجاباً ..

نور باستغراب : ولماذا تركت عملك لترافقني الى المستشفى ؟! 

مراد بإحراج : شعرت كأني أعرفك منذ وقتٍ طويل ... مُجرّد شعورٌ قويّ ، ليس له تفسير !  


وقبل إسترساله بمشاعره الصادقة ، دخل محققٌ عجوز الى غرفتها وهو يسألها :

- هل انت الآنسة نور نجيب ؟

- نعم 

المحقّق : اريد سؤالك عمّا حصل في منزلك ، وكيف اندلع الحريق الذي اودى بحياة عائلتك ؟

فصرخت نور بصدمة : هل ماتوا جميعاً ؟!!


وانهارت بالبكاء.. فاندفع الإطفائي نحو المحقّق غاضباً :

- الا يمكنك تأجيل التحقيق لحين استرداد عافيتها ؟ 

المحقّق : وما صلتك بها ؟

فارتبك الإطفائيّ .. فقال له المحققّ بلؤم :

- إن كنت لا تعرفها ، فالأفضل أن تعود لعملك لأكمل واجبي بهدوء ..هيا !! ماذا تنتظر ؟

فالتفت مراد اليها :

- اراك لاحقاً يا نور


وخرج مُغتاظاً من جلافة المحققّ العجوز الذي جلس قرب سريرها لإكمال إستجوابه ..

فأجابته بدموعٍ غزيرة وتنهّداتٍ حزينة بأنها كانت تدرس لامتحاناتها الجامعيّة (فهي بالسنة الأخيرة بكليّة المحاسبة) في الشرفة ، قبل اشتمامها رائحةً مزعجة ! 


فدخلت ، لتجد والدها نائماً على الكنبة .. وأخوانها الثلاثة الصغار نائمين قرب العابهم المتناثرة في ارضيّة غرفتهم ! 

وازدادت الأمور غرابة ، حين رأت اختها مستلقية في الممرّ دون حراك.. حينها عرفت أنه تسرّب في الغاز .. 

فأسرعت الى المطبخ ، لتجد امها واقعة على الأرض !


فسألها المحقّق :

- وبالطبع اطفأتِ انبوبة الغاز ؟

نور : لم اكن بوعيّ ، وكل همّي هو سحب امي من المطبخ .. وما ان وصلنا للغرفة المجاورة حتى سمعت جرس الإنترفون ، قبل دويّ إنفجار المطبخ !

- وهل كان زائراً ام عامل التوصيلات ؟

نور بعصبيّة : وهل هذا مهمّاً ؟!!

- آسف ، إكملي


نور بحزن : ركضت باتجاه الشرفة ، لطلب المساعدة من الناس الذين تجمّعوا اسفل المبنى .. وحين اردّت العودة للداخل لسحب عائلتي الى الشرفة ، إنصدمت بالنيران تلتهم كل شيء بسرعةٍ خياليّة .. الى أن وصلت للصالة !

- وماذا عن والدك الذي كان نائماً فوق الكنبة ؟ 

- هذا ما جعلني أفقد وعيّ (بالشرفة) بعد رؤيتي النيران تلتهم جسده دون حراكٍ منه !


المحقّق : أتظنين إنه مات اختناقاً قبل الإنفجار ؟

- لا ادري ..ارجوك ارحمني ، فأنا للآن لا أصدّق انني خسرت كل عائلتي

- ليس كلهم 

نور باهتمام : ماذا تقصد ؟!

المحقّق : يبدو إن اختك استفاقت بعد الإنفجار ، وزحفت باتجاه الباب الرئيسيّ .. حيث وجدها جاركم قرب السلالم

- واين هي الآن ؟ اريد رؤيتها في الحال !! 

- نقلوها الى طوارىء مستشفى آخر ، فاقدةً الوعيّ تماماً.. وأخبرني طبيبها إن هناك احتمال أن تطول غيبوبتها بسبب استنشاقها كميةً كبيرة من الغاز ، بالإضافة لدخان الحريق


فحاولت نور إزالة المصل عن ذراعها بعنف ، وهي تصرخ بقهر :

- اريد رؤية اختي !! فهي ما تبقّت من عائلتي

فحاول المحقّق إيقافها : رجاءً اهدئي آنسة نور

ونادى الممرّضة لإعطائها مهدّئاً ، بعد انهيارها ببكاءٍ مرير


ولم تمضي ايام ..حتى اخبرهم الطبيب إن أختها مروى دخلت في غيبوبة ، لا يعرف كم ستستمرّ !

***


وبعد شهرين على الحريق .. تابعت نور زيارة اختها برفقة خالتها (التي انتقلت للعيش عندها ، بعد خسارة منزل والدها) واحياناً برفقة الإطفائي مراد الذي اعلن حبه من خلال دعمه النفسيّ لها لتجاوزها الأزمة ، كما تابع قضيّتها مع شركة التأمين التي إجتزأت نسبة من راتب والدها طوال 25 سنة الماضية .. حيث حاول محامي الشركة التملّص من دفع قيمة التأمين (على حياة والدها) لنور ، لحين ظهور نتيجة الحريق ! 

***


لاحقاً ، ظهرت نتيجة التحقيقات : بأن موت عائلة نور هو لتسرّبٍ في إنبوبة الغاز .. ويبدو إن جرس الأنترفون (حسب اقوال نور) أحدث شراراً ، أدّى لانفجار الشقة !

لهذا أرغم القضاء شركة التأمين على دفع ربع مليون دولار لنور واختها (في حال استيقظت من الغيبوبة)

***


بعدها بأيام .. إشترى مراد خاتماً إلماسيّاً ، لمفاجأة حبيبته نور بخطبتها بعد تعلّقه الكبير بها في الشهور الماضية من خلال نزهاتهما سويّاً ، ومحادثاتهما الممتدةّ طوال الليل ..


وقبل ذهابه الى منزل خالتها لخطبتها رسميّاً ، وصله اتصال من المستشفى لإخباره باستيقاظ مروى من الغيبوبة ! (فهو وصّى ممرّضتها على إعلامه بمستجدّات صحّتها اولاً بأول) 

فقال في نفسه بسعادة :

((ممتاز !! خبران رائعان لنور : خطبتي لها .. واستعادة اختها صحّتها ، وبذلك تتمكّن من حضور عرسنا .. لأذهب اولاً للإطمئنان على مروى)) 

***


في المستشفى .. دخل مراد غرفة مروى ، دون طرقه الباب .. ليتفاجأ بنور تضغط بالوسادة بقوة ، فوق وجه اختها التي تصارع الموت ! 

فصرخ بعلوّ صوته ، بصدمة :

- ماذا تفعلين ؟!!!!


فارتبكت نور التي أوقعت الوسادة من يدها ! 

لتتنفّس اختها الصعداء ، وهي تصرخ بخوف : 

- نور أحرقتنا ، لتحصل على تأمين ابي لوحدها !!!


وجاء كلامها صادماً لمراد (الذي مازال خاتم الخطوبة في جيبه) خاصة بعد هروب نور من الغرفة ، دون دفاعها عن نفسها ! ممّا يؤكّد تورّطها بالحادثة .. ليكتشف أن الملاك الذي احبها لشهور ، ماهي إلاّ مجرمة عديمة الرحمة !


الاثنين، 5 سبتمبر 2022

البريء المشبوه

كتابة : امل شانوحة 

 

الفساد الوظيفيّ


في ذلك الصباح ، وقبل صعوده لمكتبه في مركز الشرطة .. إنتفض جاك رعباً بعد عثوره على جثة اريك (مصوّر المختبر الجنائيّ) عقب اشتمامه لرائحةٍ قذرة تفوح من صندوق سيارته !


والأسوء إنه قبل إسبوع ، شاهده موظفيّ المركز وهو يصرخ على اريك غاضباً ، بعد عودتهما من مسرح الجريمة لإحدى القضايا !


لهذا تردّد قليلاً قبل إبلاغ مديره بما حصل ، وهو يحلف أنه لا يعلم كيف وصلت جثة اريك لسيارته ، فهو لم يره منذ يوم المشكلة !


فاتصل مديره بموظّف المشرحة لأخذ الجثة وفحصها ، لمعرفة سبب الوفاة 


وسرعان ما انتشر الخبر في المركز .. ليلاحظ جاك نظرات الشكّ في عيون الموظفين ، اثناء ذهابه مع المحقّق لإستجوابه عمّا جرى

***


في غرفة التحقيق .. وبعد تقديم القهوة له ، التي ارتشفها بيده المرتجفة.. قال المحقّق مايكل :

- اهدأ يا جاك ، واخبرني عن خلافك الأخير مع اريك ؟

فتنهّد جاك بضيق ، قائلاً : 

- كنت طلبت منه تصوير الجثة قبل نقلها الى سيارة الإسعاف .. فصوّر كل شيء ، ما عداه ! مُتحجّجاً باستخدامه دورة المياه في شقة القتيل بعد مغصٍ أصابه .. وبسببه خسرنا صورةً مهمة ، تفيدنا بالتحقيقات .. الا يفترض ان ألومه على إهماله الوظيفيّ ؟

- بالطبع معق حقّ .. سؤالٌ آخر .. منذ متى تعرفه ؟ 


جاك : كلانا تخرّج من كلّية الشرطة قبل 13 سنة 

- على حدّ علمي هو قريبك ، ورسب بإمتحانات الشرطة !

- هو ابن خالتي ، ولم ينجح بالإمتحان النهائيّ .. فتوسّطت له أن يكون مصوّر مسرح الجرائم ، لموهبته بالتصوير .. 

المحقّق : وهو من نفس منطقتك ؟

- كلانا من الريف

- يبدو إن صدمتك بوجوده في سيارتك تفوق حزنك على قريبك الذي ترعرت معه ؟!

جاك : لوّ مات في مكانٍ آخر ، لكان الوضع مختلف .. لكن همّي الآن هو إبعاد التهمة عني 


المحقّق : حسناً لنتكلّم بموضوعٍ آخر .. ماذا بشأن رصيدك البنكيّ ؟

- وما دخل اموالي بمقتل اريك ؟!

- قبل أن يوّكلني المدير بمهمّة التحقيق معك ، إتصلت بالبنك الذي نرسل رواتبك اليه .. فأخبروني انك سحبت معظم مدّخراتك قبل شهرين لشراء منزلٍ في المجمّع السياحيّ القريب من الغابة !

جاك : لأن بيتي القديم صغيرٌ جداً ، ويحتاج لترميم ..


المحقّق مقاطعاً : جميعنا منازلنا صغيرة ، لكن ليس في مقدورنا شراء منزلٍ بالمجمّع الفخم ! والأغرب إن اريك ايضاً لديه منزلاً هناك .. رغم كونكما قبل خمسة اعوام لم تملكا سوى رواتبكما ، فماذا حصل ؟ هل حصلتما على ورث ، او شيء من هذا القبيل ؟

- انا لست متزوجاً كما تعلم ، وأجمع معظم رواتبي ..واستفيد من خصومات المواد الغذائية لرجال الشرطة

- أنت معروفٌ بحرصك الشديد للمال ، بعكس قريبك مُدمن الحفلات .. فكيف برأيك جمع ثمن منزله الفخم ؟! 


جاك بتهكّم : لا ادري ، اسأله انت

المحقّق بعصبية : أتستهزأ بي ؟!!

- وكيف لي ان اعرف !

- اليس قريبك ؟

جاك : لست زوجته لأتابع مصاريفه 

- هل تشكّ بأنه شرطي فاسد ، وحصل على مكافآت من المجرمين لطمسه الأدلّة من مسارح الجريمة ، كما فعل بالصورة المفقودة ؟


فسكت جاك قليلاً ، قبل ان يقول بذهول :

- ربما كلامك صحيحاً ! فأنا ايضاً تفاجأت حين اخبرني بأنه اصبح جاري في ذلك المجمّع ، رغم تبذير ماله على الخمور والنساء ! الآن فهمت ما حصل

المحقّق باهتمام : وماذا فهمت ؟

- يبدو انه تقاعس في احدى الجرائم عن طمس جميع العيّنات والدلائل ، بعد حصوله على رشوةٍ مُقدّمة.. مما أدّى لسجن المجرم الحقيقي ، لتُرسل عصابته شخصاً يقتله !

- ولما وضعوه في سيارتك ؟


جاك : ربما لكوني قريبه 

- او تهديداً لك

جاك بقلق : مصيبة إن كانوا يظنون انني متورّطٌاً معه ، فهذا يعني ان حياتي بخطر !

- تتكلّم كأنك تأكّدت من فساد اريك ؟!

- لا يوجد تفسيرٌ آخر لما حصل ! 


وهنا دخل الحارس ، ومعه تقرير المشرحة .. فقرأه المحقّق على عجل .. ليقاطعه جاك باهتمام :

- إخبرني كيف مات اريك ؟

المحقّق بصدمة : غرقاً !

جاك باستغراب : ماذا !

- انا ايضاً مُتفاجىء ، فالبحر يبعد عنا عشرات الكيلومترات ! والتقرير يُثبت ان الجثة وضعت في صندوقك بمنتصف الليل ، أيّ بعد ساعة من خروج اريك من البارّ .. فكيف تمكّنوا إيصاله الى مرآبك في الوقت المناسب ؟!  

جاك : ربما لم يغرق في البحر

المحقّق باهتمام : ماذا تقصد ؟

جاك : ربما غرق في حوض الإستحمام


فنادى المحقّق الحارس الذي دخل الغرفة مجدداً.. 

مايكل : أطلب من موظفي المختبر الجنائي الذهاب الى منزل جاك لمسح الأدلّة وأخذ العيّنات ، خاصة من حوض استحمامه 


ثم نظر لجاك الذي كان مصدوماً مما سمعه ، ومدّ يده قائلاً :

- هات مفاتيح منزلك ، كيّ لا يكسروا بابك الرئيسيّ

جاك معاتباً : ماذا تفعل يا مايكل ؟! أتظنني سأغرق قريبي في منزلي ، ثم أضعه في صندوق سيارتي التي قدّتها للعمل ، كيّ أبلّغ مديري عن الجثة ! لم اظنك غبياً لهذة الدرجة


المحقّق بحزم : اولاً !! اسمي المحقّق مايكل ..ثانياً !! أنت المشتبه الأول بهذه القضيّة ، بعد شهادة الموظفين بشجاركما العنيف قبل اسبوع من وفاة اريك .. لهذا أعطني المفاتيح دون اعتراض 


فاضّطر جاك لإعطائه ما يريد .. ليبدأ فريق البحث الجنائي بمسح الأدلّة من منزل جاك 

***


بعد ثلاث ساعات .. أُخرج جاك من الحجزّ ، واقتيد الى غرفة التحقيق ثانيةً ، لسماع الخبر الصادم .. فالأدلّة أكّدت أن اريك أُغرق بعنف في حمام جاك ، لوجود دمائه على حواف الحوض اثناء مقاومته الموت (ويبدو ان قتله لم يكن صعباً ، لنسبة الكحول المرتفعة في دمه ! بعد سهره طوال الليل في البارّ) 


كما وجدت الشرطة فردة حذاء اريك في زاوية حمّام جاك.. وأكّدت التحاليل بوجود بول القتيل في مياه الحوض التي لم تُصرّف بعد ، اثناء مقاومته الموت 


فصرخ جاك بعصبية : لم اكن نائماً في بيتي القديم البارحة .. بل سهرت في المجمّع ، كما أفعل كل ليلة أحد .. وأظن أعداء اريك استغلّوا غيابي ، لقتله في منزلي وتوريطي بالجريمة  

المحقّق : وهل لديك دليل على وجودك في منزل المجمّع ؟

- لا ، كنت لوحدي.. ومن سوء حظي إن حارس المجمّع كان غائباً بسبب مرضه ، لهذا لم يرني احد وانا افتح البوّابة الرئيسيّة 


المحقّق : سألت قبل قليل عن كاميرات المجمّع البالغ عددها عشرين كاميرا .. والغريب ان ثلاثة منها تعطّلت البارحة ، وهم : كاميرا البوّابة الرئيسية ، وإثنين قريبين من منزلك .. فهل هذه صدفة ؟ 

جاك : بالطبع لا ، يبدو ان القاتل ذكياً للغاية 

- او يعمل في مجال الشرطة

جاك غاضباً : لا تفقدني اعصابي يا مايكل ، فأنا لا اكره اريك لدرجة قتله!

- آسف يا جاك ، لكن كل الأدلّة ضدّك .. لهذا ستُنقل للسجن الى حين محاكمتك


ورغم صراخ جاك واعتراضه ، الاّ انه اقتيد للسجن المركزي الذي فيه عشرات المجرمين ممّن حبسهم قبل اعوام .. وهذا يعني ان حياته ستظلّ في خطر ، لحين البتّ في قضيّته الغامضة ! 

***


بعد شهور من المحاكمة .. ازدادت الأمور سوءاً بعد انكشاف أدلّة جديدة تؤكّد تورّط جاك وقريبه اريك في مهمّة طمس الأدلّة من مسارح الجرائم لقضايا قيّدت ضدّ مجهول ! 


حيث يبدو انه اشترى منزله الفخم من الرشاوي التي اخذها من المجرمين الذين انقذهم من العقوبة ، تماماً كقريبه اريك .. بل ظهرت ايضاً الأسباب الحقيقة لشجاره الأخير مع القتيل الذي فشل بطمس دليلٌ مهم ، ادّى للقبض على بعض افراد العصابة .. وهو عكس ما قاله بالتحقيق الأولي ! 

***


لاحقاً .. حُكم على جاك بالسجن عشر سنوات بسبب فساده الوظيفيّ فحسب! لعدم وجود ادلّة قوية تؤكّد قتله لقريبه ، رغم موته في منزله والعثور على جثته في سيارته !

***


بعد إمضاء جاك شهرين برفقة المساجين ، قدّم طلباً لمدير السجن بنقله الى زنزانةٍ منفردة ، بعد تلقيه العديد من التهديدات بالقتل من المجرمين الذين تعرّفوا عليه .. 

فوافق مدير السجن على طلبه ، بالإضافة لاستحمامه ونزوله الى الساحة بأوقاتٍ مغايرة عن بقيّة المساجين .. 

***


في إحدى الليالي الباردة .. واثناء قراءته كتاباً في زنزانته المنفردة ، سمع طرقاً على بابه ، لشخصٍ ينادي :

- العشاء !!


فاستغرب جاك لأنهم قدّموا العشاء قبل ساعة ! 

فاقترب من فتحة الباب الصغيرة المُخصّصة لصحن الطعام ، ليسمع الحارس يقول من خلف الباب الحديديّ :  

- ابن عمي يُهديك السلام

جاك باهتمام : ومن هو ابن عمك ؟!

- والد القتيلة المراهقة التي وجدتم جثتها على قارعة الطريق السريع قبل عامين ، هل تذكرها ؟ 

- ربما !  

الحارس : قريبي يعلم بأنك قمت بإخفاء آثار قدميّ المجرم المنغرسة في الوحل .. كما أخفيت لبانته التي رماها هناك ، والتي كانت من الممكن فضح هوّيته .. وبسببك ، قيّدت قضيتها ضدّ مجهول

- ومن اعطاه تلك المعلومات ؟!


الحارس : اريك أخبره بها ، وهو يترجّاه أن لا يغرقه في حمامك.. فقريبي توظّف كعامل نظافة في مركزكم لسنةٍ كاملة ، كيّ يراقبك انت وقريبك .. وفي أحد الأيام نسيت مفتاح منزلك على مكتبك ، فأسرع بنسخهم من متجر الخرداوت القريب من المركز .. ومن بعدها لحقك الى موقف السيارات لإعادتهم اليك .. ليس هذا فحسب .. فقبل خطفه اريك من امام البار ، تنكّر كعامل تصليحات لإعطال الكاميرات التي تُظهر منزلك في المجّمع ، بعد وضعه سمّاً خفيفاً في شايّ الحارس الذي أُصيب بتوعّكٍ معويّ ، منعه من التواجد امام البوّابة الرئيسيّة للمجمّع ليلة الجريمة.. ولأنه يعلم انك تترك سيارتك القديمة في مرآب منزلك ، وتذهب بسيارتك الجديدة الى بيتك الفخم ..فقد قام بإغراق اريك في حوض استحمامك ، ثم وضعه في صندوق سيارتك  


جاك بصدمة : أكل هذا ليفضحني بأني شرطي فاسد ؟!

- بل لأنك ساهمت بفرار قاتل ابنته الوحيدة .. وعلى فكرة ، عامل النظافة المسكين الذي كنت تتكرّم عليه ببقايا طعامك هو رجلٌ ثريّ  ، وقد دفع مبلغاً كبيراً لحارسٍ فاسد في سجننا لقتلك..

جاك بخوف : وهل ستقتلني الآن ؟!!

الحارس : لا ، فقريبي يعلم انني لا اخالف القوانين .. لهذا عرّفته على زميلي الفاسد الذي يملك كل مفاتيح السجن ، بما فيها مفتاح زنزانتك المنفردة ... احلامٌ سعيدة ، سيد جاك


وتركه يرتجف رعباً في زنزانته مظلمة ، مُنتظراً الموت في أيّةِ لحظة !


السبت، 3 سبتمبر 2022

الشقة المُحتجزة

فكرة : الأستاذ عاصم
كتابة : امل شانوحة 

 

ظلم الأقارب


قبل خروج الصحفيّة ندى (مسؤولة الشكاوي الاجتماعيّة في الجريدة الرسميّة) من عملها ، وصلتها رسالةٌ غريبة على بريدها الإلكترونيّ ! تضمّنت التالي :


((في الحقيقة لا اعلم من اين ابدأ.. لكني وجدّت نفسي مُضّطراً لمشاركتكم مشكلة عائلتنا ، لربما وجدّت الحلّ عند القرّاء : 

نحن نسكن في سكنٍ عائليّ مع اعمامي واولادهم ، كلّنا في عمارةٍ واحده تتكوّن من 15 طابق .. وفي كل طابق 4 شقق .. فمجموع أعمامي 59 فرداً.. وكل عمّ يسكن مع عائلته في شقته الخاصّة .. ماعدا شقة عمي (فطين) رحمه الله .. مع إن الرحمه لا تجوز عليه ، فهو سبب مشاكلنا التي نعاني منها حتى اليوم ، بعد بيع شقته (دون علم إخوته) للمعلّم (برعي) الرجل سيء السمعة في منطقتنا الشعبيّة! 

ومع هذا تدّعي ابنته الأرملة الحقيرة (عزّة) التي تسكن حاليّاً في الطابق الأرضيّ : بأن والدها لم يبيع الشقة بل احتلّها المعلّم (برعي) ظلماً ، والذي قام برميها هي وابنائها واغراضها فوق السلالم .. وهي غاضبة لأنّا شاهدنا ما حصل دون تدخلٍ منا .. فماذا كانت تنتظر ؟ هل نورّط أنفسنا مع رئيس عصابة ، فقط لأنها ابنة عمّنا ؟! .. الم يأتي والدها بذلك الفاسد الى عمارتنا ؟ اساساً مشاكلنا بسبب انانيّتها وكرهها لنا .. لهذا قرّرنا باجتماعٍ عائليّ : أن تترك عمارتنا ، وكان هذا اقتراح والدي قبل مرضه 

بينما اقترح عمي (سمير) أن نعكّر حياتها بالطابق الأرضيّ كيّ ترحل بنفسها ، حتى لا يقولوا الناس اننا رمينا قريبتنا في الشارع ..مع ان عمي (راضي الذي خطبها قديماً لإبنه هاشم ، ورفضته) لا يهتمّ كثيراً بكلام الناس ، ويريد طردها سريعاً من عمارتنا ..

المهم اننا بدأنا جميعاً بتنفيذ خطة لجعل حياتها جحيماً في مبنانا.. وفي البدايه : اخدنا منها مفتاح العماره.. ثم رفضنا فتح الباب لها ، كلما خرجت للتسوّق او المستشفى ، او حتى الجامع .. وكل هذا لشدّ الخناق عليها .. 

ومن بعدها قرّرنا إغراق شقتها بمياه المجاري ، بعد معرفتنا بأن ابنها الكبير استطاع حفر نفقٍ يوصله لخلفيّة المبنى ، لشراء الطعام والدواء لأمه إخوته ! واستطاع إنهاء الحفر خلال سنة ، بعد موت اخيه الصغير بسبب حمّى أصابته .. طبعاً ليس ذنبنا ، فهي بغبائها ستقتل بقيّة ابنائها لإصرارها على البقاء في عمارتنا.. 

لهذا أقفلنا النفق ، بالإضافة لنوافذ منزلها من الخارج بالحديد والخشب .. واستعنّا بالمعلّم (برعي) الذي سرق مفروشات شقتها القديمة ، كيّ يكسر عنادها بالإعتداء عليها مراراً ، بعد ضربه ابنها الكبير الذي يحاول جاهداً حماية امه دون فائدة .. 

وكنت انا وابن عمي نتنّصت على صرخاتها واستغاثاتها المضحكة ، كأننا نستمتع بفيلمٍ سينمائيّ مجانيّ.. 

حتى إن عمي (امير) سجّل لها بعضاً من إغتصابات المعلّم (برعي) من كاميرا أخفاها في شقتها ، كيّ يهدّدها بها في حال فكّرت بإبلاغ الشرطة عنا .. 

وهي دائماً تدعي الله على اعمامي ، لظلمهم المتواصل لها ! هل تصدّقون وقاحتها ؟ .. لهذا نفكّر حالياً بمنع الهواء عن شقتها كيّ تموت هي واولادها الملاعين إختناقاً ، دون تدخلٍ منا .. تماماً كما حصل مع ابنة عمي (نبيل) التي ادّعت إن المعلّم برعي استولى على المحل الموجود اسفل عمارتنا.. لكن ولله الحمد ، بعد حبسها شهوراً وحدها بغرفة السطح ، إنتحرت وتخلّصنا منها .. ولم تبقى امامنا سوى (عزّة) الملعونة واولادها 

لذا اريد من حضرتك نشر مشكلتي بالجريدة الرسميّة كيّ يساعدنا القرّاء بالمزيد من الإقتراحات لتعذيبها مع اولادها للخروج من عمارتنا ، او يموتوا ونتخلّص منهم للأبد .. فنحن سكّان المنطقة (الفلانيّة) معروفين بشهامتنا وقوتنا .. نحن في انتظار اقتراحاتكم بأحرّ من جمر ، تحياتي لكم))


وقد اثارت الرسالة غضب الصحفيّة ندى ، لعدم شعور المُرسِل بالذنب اتجاه الفظائع التي ارتكبوها بحقّ قريبتهم (عزّة) التي مازالت تعاني هي واولادها من همجيّتهم الغير مبرّرة ! 

وربما فضحهم الله بلسان احدهم لإنقاذ تلك المسكينة ، المغلوب على امرها 


لهذا لم تتوانى على الإتصال بالشرطة وإطلاعهم على مضمون الرسالة المستفزّة .. ليوافق مدير المركز على إرسال دوريّة معها الى المنطقة الشعبيّة المذكورة بنهاية الرسالة..

***


حين وصلوا الى تلك المنطقة.. لم يجدوا صعوبة في إيجاد العمارة التي يسكنها 60 أخاً ، والذين حاولوا منعهم من الوصول الى شقة عزّة .. 

لكن الشرطيان ههدّدوهما باستخدام مسدساتهما إن لزم الأمر ! 

فعادوا الى شققهم غاضبين ، بعد وضعهم ثلاثة من اولادهم لمراقبة الوضع من بعيد 


ودخل الشرطيان برفقة الصحفيّة الى شقة عزّة المتواضعة ، ليشعروا على الفور بارتباكها بعد إرسال اولادها الى غرفتهم .. رغم اعتراض ابنها المراهق الذي اراد مشاركتنا مشكلته .. لكنها اجبرته على الخروج من الصالة ، ريثما ينتهي التحقيق معها .. 

وكان واضحاً خوفها من اعمامها واولادهم .. وظهر ذلك جليّاً من عينيها المرهقتين واجساد ابنائها الثلاثة الهزيلة !


وما كانت تخشاه الصحفيّة حصل ، بعد إنكار عزّة لمضمون الرسالة ! بل الأسوء إنها مدحت اعمامهما واهتمامهم بها ، بعد وفاة والدها! 

ويبدو انها خشيّت الطرد في الشارع مع ابنائها ، في حال اخبرتهم الحقيقة .. لهذا أنكرت الإعتراف الصريح من احد الأعمام او ابنائهم في الرسالة الغامضة ! 


وعندما همّت الشرطة بالرحيل ، لمحت الصحفيّة المراهق وهو يشير بيده من امام غرفته بإشارة تعني المساعدة ، كأنه يترجّاها أن لا تتركهم بهذا الجحيم !


فانتظرت بسيارتها ، ريثما ابتعدت سيارة الشرطة .. ثم عادت الى شقتهم ، لتجد عزّة تبكي بقهر .. وحينها سمحت لإبنها الكبير بإخبار الصحفيّة بأنه هو من ارسل  الرسالة ، بعد إقناع ابن عمه الصغير باللعب معه على الحاسوب بغياب اهله.. 

وبعد دخول الصغير الحمّام ، بعثها على إيميل برنامجها الذي يتابعه دائماً.. وبأنه كتبها بتلك الطريقة المستفزّة كيّ يثير انتباهها ، بعد فشله إستدعاء الشرطة الذين لم يصدّقوا بأنهم محتجزين قسّراً في المبنى ، وأن اعمامه حرموه هو وإخوته من إكمال دراستهم او اللعب في الشارع !


وقبل أن تخبره الصحفيّة برأيها ، سمعت صوت السلاسل خارج الشقة ! فصرخ المراهق :

- إنتظر عمي !! لا تحبسنا ، فالصحفيّة عندنا

فردّ العم من خلف الباب :

- اعلم هذا ، رأيتها تعود اليكم .. لهذا ستعاقب بالحبس معكم ، لأننا لن نجازف بفضح اسرار عائلتنا بمقالاتها الجريئة .. وسنرسل طعامها من وقتٍ لآخر .. وهذا عقابها على فضولها الزائد


فانهار المراهق ، وصار يطرق الباب بعنف .. قبل ان توقفه الصحفيّة ، وهي تهمس له :

- لا تقلق .. قبل عودتي اليكم ، ارسلت عنوان العمارة الى زوجي .. وطلبت منه إبلاغ الشرطة ، في حال لم اعدّ منزلي بحلول المساء.. والى ذلك الحين ، سأتناقش معكم عن حلول لمشكلتكم 

عزّة : ليس قبل أن نتغدّى سوياً

الصحفيّة : إذاً اعمامك لم يحرموك الطعام ؟

عزّة : هم يريدون قتلي .. لكن عمي الكبير أمرهم بإعطائي معلّبات غذائيّة في بداية كل شهر .. فهل تقبلين غدائنا المتواضع ؟ 

الصحفية بشفقة : بكل سرور

***


في المساء .. قدمت الشرطة مع زوج ندى الذي طلب كسر الباب ، بعد رفض الأعمام إزالة السلاسل الخارجيّة عن الشقة !


وبعد دخولهم ، هدّدت الصحفيّة الأعمام بعقابهم على ظلمهم لإبنة اخيهم ..  وأصرّت على نقل عزّة وابنائها لمكانٍ آمن ، خوفاً من انتقامهم بعد رحيل الشرطة

***


لاحقاً ، استأجرت الصحفيّة شقةً صغيرة لعائلة عزّة من مالها الخاصّ .. كما عيّنت محامياً بارعاً ، إستطاع إجبار الأعمام بالقانون على بيع عمارتهم .. وإعطاء عزّة نصيبها من شقتها القديمة ، بعد اعتراف المعلّم (برعي) باستيلائه عليها ، وعلى محل ابنة عمها المنتحرة ظلماً .. 


وبعد حصول عزّة على الميراث ، ساعدتها الصحفيّة بشراء بقّالة تديرها هي وابنها المراهق ، واستجار منزلاً قريباً منه .. دون معرفة الأعمام بعنوانهم الجديد ..

***


بعد صدور الحكم النهائي بعقاب الأعمام الخمسة (المتورّطين بقراراتهم الظالمة بحقّ عزّة وابنة عمها المرحومة) بالسجن 5 سنوات ، تشتّت بقيّة الإخوة بعد حصولهم على حقهم من ثمن العمارة ، وشرائهم شققاً في مناطق متباعدة .. وباتوا لا يلتقون إلاّ بالمناسبات العائليّة ، دون حضور عزّة وابنائها الذين قطعوا علاقتهم بأقاربهم نهائياً !


الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة  التردّد المنخفض في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم ...