الخميس، 3 سبتمبر 2026

صفقة الوفاء

تأليف : امل شانوحة


تاجر الصين

في مطار الصين .. راقب العجوز بضيق سير الحقائب ، اثناء مغادرة بقية المسافرون المكان.

وإذّ بشابٍ يحمل حقيبةً كبيرة يقترب منه ، وهو يقول : 
- استاذ .. حقيبتك معي 
فلم يتعرّف العجوز عليه ! وحين تأكّد أن الحقيبة له ، إنتزعها من يده .. معاتباً : 
- هذه حقيبتي ! لما أخذتها ، طالما ليست ملكك ؟
الشاب : 
- انت نسيتها على طاولة التفتيش في مطار اميركا ، ثم دخلت الى صالة المسافرين ، فلم استطع اللحاق بك .. لهذا ادّعيت انني قريبك لتسهيل الأمور ، فوضعوها على رقم مقعدي .. ولأنني سافرت على الدرجة السياحية ، وأنت على درجة رجال الأعمال ، لم أتمكّن الوصول إليك طوال رحلة الطيران. 

فشكره العجوز على عجل ، وهمّ بالخروج من المطار .. فلحقه الشاب :
- استاذ !! هل تسمح لي بمرافقتك إلى الفندق ؟
العجوز بضيق : 
- لست بحاجة الى جليس اطفال
- لم أقصد ذلك.. لكنها المرة الأولى التي أزور فيها الصين ، ولا أعرف لغتهم .. وكنت سمعتك تتحدث بطلاقة مع المضيفة الصينية ، وأظنك معتاداً على السفر إلى هنا..

فردّ العجوز بثقة:
- أنا رجل أعمال.. أزور الصين أكثر من مرة في السنة ، وأتعامل مع مصانعها منذ سنوات.
الشاب بحماس :
- ولهذا أريد مرافقتك ، لأني أخشى الضياع وحدي.
العجوز : ولما جئت إلى بلدٍ لا تعرف عنه شيئاً ؟
- لأني اريد البدء بتجارة ألعاب الأطفال..
العجوز بدهشة : 
- هذا مجالي أيضاً 
الشاب بسعادة :
- ممتاز !! اذاً اسمح لي بمرافقتك إلى المصانع التي تتعامل معها .. لربما أجد بعض الألعاب التي تناسب متجري الصغير.
العجوز بابتسامة :
- يعجبني طموحك.. حسناً يمكنك مرافقتي ، لكن بشرط !! عليك التعلّم مني دون التدخل في عملي  
الشاب : 
- اعدك ان أكون طالبك النجيب.

ثم حجز الشاب غرفة ، في الفندق نفسه الذي نزل فيه العجوز..
***

منذ صباح اليوم التالي ، بدأت رحلتهما التجارية .. 
حيث اخذه العجوز إلى المصانع الموثوقة ، وهو يشرح له كيفية فحصه جودة الألعاب .. وكيف يفاوضهم على السعر .. ومتى ينسحب من الصفقة.
بينما كان الشاب يدوّن الملاحظات في دفتره باهتمام ..
***

ومع الأيام ، لاحظ العجوز تعلّم الشاب بسرعةٍ مذهلة ! خاصة عندما يتناقشان امور التجارة اثناء عشائهم معاً في مطاعم الصين..

ولم ينتهي الشهر ، حتى نشأت علاقة صداقة جيدة بينهما .. عدا عن تعلّم الشاب الكثير من مهارة التجارة بالألعاب ، وفهمه لبعض الكلمات الصينية .. واعداً معلمه بالتسجيل في دوراتٍ مكثّفة فور عودته إلى أميركا ، لإتقان اللغة بطلاقة .
***

حين وصلا الى المطار الأميركي .. إستقبلهما وريث العجوز الذي طلب من سائقه الخاص إيصال والده إلى القصر .. بينما ذهب مع الشاب إلى مكتبه بالشركة.

وهناك سلّمه ظرفاً فيه مكافئة مالية عن مرافقته والده طوال وجوده بالصين

((فهذا الشاب كان بالحقيقة سائق العجوز الذي تم تعينه حديثاً ، والذي اوصل سيده للمطار حسب طلبه .. لكن قبل ابتعاده عن هناك ، اتصل به الوريث وهو يلومه على توصيل والده دون اذنه .. فقد ظهرت نتائج فحوصات ابيه الطبية التي تؤكّد بوادر مرض الزهايمر  
وبسبب ذلك ، عاد الشاب راكضاً الى المطار .. ليخبره الشرطي بنسيان العجوز حقيبته .. مما اجبر السائق على سحب كل ماله من بطاقته ، للحجز بنفس الطائرة .. بغرض ملازمة العجوز طوال الرحلة ، مدّعياً انه تاجرٌ صغير)) 

الوريث : ما فعلته مع ابي ، شهامةً منك .. وفي هذا الظرف ما يغطي كافة تكاليف رحلتك وزيادة.. لكني مضّطر لطردك من عملك كسائق ، كيّ لا ينتبه ابي لما حصل .. فمعرفته بمرضه سيدمّر نفسيته تماماً ، لعشقه للسفر والتجارة 

فرضخ الشاب لقرار الوريث ، وعاد الى منزله وهو ينوي البحث عن عملٍ جديد
***

بعد شهر .. إتصل به العجوز وهو يطلب منه القدوم الى قصره 
ليجد هناك المحامي ومعه اوراقاً رسمية ، بعد قرار العجوز بتعينه مُمثلاً لشركته في الصين ، ومنحه صلاحية التفاوض مع المصانع ..وإحضار البضائع والتعاقد مع الموردّين..
الشاب بارتباك : هذه وظيفة اكبر مني بكثير !

العجوز : لقد تعلمتَ في شهرٍ واحد ، ما يتعلّمه الآخرون في سنوات.. ولا داعي لأن تشرح لي شيئاً ، فإبني أخبرني بحقيقة ما جرى 
الشاب : غريب ! مع انه طلب مني ابقاء الأمر سرّاً
العجوز : هو أخبرني بمرضي ، بعد إصراري على تعينك .. فأنا لم اصبح من اهم تجّار البلد ، إلاّ لامتلاكي نظرة ثاقبة بالأشخاص .. ولهذا كسبت ثقتي لحظة مخاطرتك بمالك للحاق بي ، خوفاً من ضياعي بالصين بعد فقدان ذاكرتي .. وهذا الموقف يؤكّد استحقاقك للوظيفة بجدارة .. ولا تقلق ، سأرسل معك مساعدي ببداية سفرياتك ، الى ان تتقن العمل تماماً 
***

وبالفعل !! اثبت الشاب ذكائه التجاري ، مع سرعة تعلّمه ودقّة حساباته .. والأهم من ذلك ، أمانته النادرة 
عدا عن إتقانه اللغة الصينية بأقل من سنة .. حتى بات محترفاً بالتفاوض على الأسعار ، وجودة المنتجات مع اصحاب المصانع .. الى ان اصبح من اهم مورديّ شركة العجوز لألعاب الأطفال 

حتى ان الوريث الذي عارض تعيينه في البداية ، أصبح يعتمد عليه في الصفقات الآسيوية
^^^

وهكذا تبدّلت حياة الشاب من سائقٍ بسيط إلى تاجرٍ محترف ، بفضل قراره الإنساني الجريء : بعدم تركه مسناً مريضاً ، وحيداً في بلاد الغربة 


ورغم أن ذاكرة العجوز كانت تتلاشى كل يوم ، إلا أنه لم ينسى أبداً الشاب النبيل الذي عدّه ابناً ثانياً ، يمكن الإعتماد عليه حتى آخر عمره

هناك 4 تعليقات:

  1. يعتقد بعض العلماء ان الزهايمر يكون احيانا من اختيار النفس او الانا الغير واعيه كحيلة خفيه دفاعيه هروبا من احداث قاسيه او ظروف مؤلمه كما تهرب املكم داخل القصص حلما ويقظه واني لاسائل بلا تاء بعد عي اب شفيق ! اتصبر على حد الغلاصم وقطع الحلاقم ونكز الاراقم ونهش الضراغم ومتون الطوارم والبلاء المتراكم المتلاطم لتشرق وتزهر وتلمع كليلكه وحيده بين بتلات سود
    http://rhhrs.blogspot.com/2014/01/300.html?m=1

    ردحذف
    الردود
    1. اهلاً بعودتك اخ عاصم .. أطلت الغيبة هذه المرة .. اين قصصك الجميلة ، لأقوم بنشرها لك

      حذف
  2. مـن أنـت حـتـى تـسـتـبـيـحـي عـزّتـي
    فــأُهــيـن فـيـك كـرامـتـي ودمـوعـى
    فـإذا ذويـت مـع الزمـان وأقـفـرت
    نــفــسـى وأقـوَتْ مـن شـذاك ربـوعـي
    وأُظِــلُّ أرضــك ذوْبَ قــلبــي راضـيـاً
    مـا دمـت فـي ظـلّ الهـوى يـنـبـوعى
    أهــواك مـا دام الخـيـال يـمـدّنـي
    مــن وحــي حــبّــيــنــا بـكـل بـديـع
    وذرتْ بـقـايـاك الريـاح فـأصـبـحـتْ
    بــدداً وفــي الأزهــار كُـلّ جـمـيـع
    أعزز علىّ إذا انتثرت على الثرى
    والزهــر بــيــن مُــنــضّــر ويــنـيـع
    يــا زهــرةً أنــضــرتُهـا ورعـيـتُهـا
    وســقــيـتُ تـربـتـهـا زكـىّ نـجـيـعـي
    ووصـلت مـن عـيـشـي بـعـيـشـك حـقبة
    شــاركـتـنـي فـي ذكـرهـا المـرفـوع
    وسـمـعـت هـمـس خـواطـري فـحـكـيـتـه
    لحـنـا يـشـوق النـفـس بـالتـوقـيـع
    وأجَـلْتُ فـيـك طـبـائعـي فـشـربـتـها
    ووردت مــنــهــل شــعـري المـطـبـوع
    نَــدِيــتْ جــوانــبــه ورقّ نــســيـمـه
    وأرنّ فــيــه الطــيــر بـالتـرجـيـع
    ونــشــرت مــن روحـي عـليـك غـلالة
    كـــالليـــل آذن فـــجـــره بــطــلوع
    إنــي كــسَــوتْــك مــن خــيـالي حُـلةً
    وشّــعــتُ صـفـحـتـهـا بـزهـر ربـيـعـي
    وأصــمّ عــن نــغــم عـشـقـت سـمـاعـه
    أيــام كــان القــلب غــيـر سـمـيـع
    أعـمـى عـن الحـسـن الذي هـامت به
    نــفــسـي وطـال إلى سـنـاه نـزوعـي
    وأبــيــت حــرّان الجـوانـح صـاديـاً
    أصـلي بـنـار الوجـد بـيـن ضـلوعـى
    هـاجـرتُ أطـلب فـي الريـاض خـميلةً
    تــنــدى عــلىّ بــيــانــعــات فــروع
    فــتـفـيـأت نـفـسـي رطـيـب ظـلالهـا
    ونــســيــتُ ســالف ذلتــي وخــضـوعـي

    ان حللتي الحزوره تفوزين أهجوا ام مدحا طلبت!

    ردحذف

صفقة الوفاء

تأليف : امل شانوحة تاجر الصين في مطار الصين .. راقب العجوز بضيق سير الحقائب ، اثناء مغادرة بقية المسافرون المكان. وإذّ بشابٍ يحمل حقيبةً كبي...