الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

ثمن التنمر

تأليف : امل شانوحة 

الفرصة الثانية


تصدّر اسم المراهق (جاك) نشرات الأخبار بعد دخوله مسلّحاً الى مدرسته الثانوية ، وقتله بعضاً من زملاء فصله ، قبل تسليم نفسه للشرطة ! 

وكانت ديانا إحدى ضحايا مجزّرته ..


ومنذ اللحظة التي سمعت فيها امها الخبر ، تحوّلت الى وجهٍ بارز في مظاهرات الأهالي أمام محكمة الجنايات كل يوم .. مطالبين بمحاكمته كبالغ ، رغم عدم تجاوزه 17 عاماً ، لإنزال أقصى العقوبات عليه !

***


وفي أحد الأيام .. اقتربت منها طالبة (بنفس مدرسة ابنتها القتيلة) وطلبت محادثتها بعيداً عن المظاهرة 

- سيدتي .. ابنتك لم تكن ضحية بريئة ، كما تظنين.. فهي من تزعّمت مجموعة من الطلاّب ، لتنمّر على جاك منذ التحاقه بمدرستنا قبل شهور 

الأم باستنكار : مستحيل !! ابنتي لا ترتكب هذه الحماقات

الطالبة : جاك كان طالباً هادئاً للغاية ، وعلاماته جيدة بمعظم المواد .. لكن كونه طالباً جديداً ، لم يكن لديه اصدقاء .. واستغلّت ابنتك بعض المعلومات : عن عيشه مع جدته ، بعد زواج والديه المطلّقين وتخلّيهما عنه .. كما فقر حالته المادية ، لتعذيبه يومياً .. وإن كنت لا تصدقيني ، ستجدين فيديوهات تنمّراتها بجوالها الذي يبدو انه نسته يوم الحادثة 

^^^


فعادت الأم إلى منزلها وهي لا تصدّق ما سمعته ! وبحثت بأدراج مكتب ابنتها الى ان وجدت جوالها .. وبدأت بمشاهدة التسجيلات .. لتظهر عدة مقاطع بصوت ابنتها وهي تشجّع مجموعة من زملائها على مناداة جاك بأسوء الألقاب .. بينما يكتب واجبه بهدوء محاولاً تجاهلهم ، رغم علامات الإنزعاج الواضحة على وجهه


وفي مقاطع أخرى ، تهين ملابسه وحقيبته القديمة .. حيث ظهر صوتها الساخر وهي تشير له باستحقار :

- لا أحد يريد مصاحبتك .. حتى والداك تخلّيا عنك!

ثم ضحكت مع زملائها الذين يحاولون منعه الوصول الى الفصل 


كانت الأم بصدمة وهي تتابع التسجيلات الواحدة تلوّ الآخرى التي تؤكّد بأن أبنتها هي رئيسة المتنمّرين !

 

وفي آخر تسجيلٍ لها ، قبل يومٍ واحد من المجزّرة .. ظهرت ابنتها في ملعب المدرسة وهي تشجّع بقية الطلّاب على رميّ طعامهم وعصائرهم على رأس جاك اثناء تناوله شطيرته بعيداً عنهم .. والذي اكتفى بالوقوف صامتاً وثيابه مبلّلة ببقايا طعامهم ، وهو يحدّق فيهم مطوّلاً بنظرةٍ غاضبة ، قبل خروجه باكراً من مدرسته.. وكأنه اتخذ قراراً نهائياً بالإنتقام من المتنمّرين جميعاً


وفي غرفة ابنتها .. انهارت الأم على سريرها ، بعد تأكّدها بأن قاتل ابنتها كان ضحيةً لها !

***


وفي اليوم التالي ، لم تتواجد الأم بمظاهرات الأهالي امام القضاء على غير عادتها ! بل توجهت مباشرةً للبنك لسحب كل مدّخراتها التي جمعتهم لسنواتٍ طويلة ، كتكاليف تعليم ابنتها الجامعيّ .. ثم توجهت نحو منزل اهم مشعوذة بالمدينة لإيجاد حلّ للمشكلة


فردّت المشعوذة : 

- لا يمكنني تغير القدر .. لكن باستطاعتي اعادتك للماضي ، شريطة تجسّدك شخصية ابنتك فقط

الأم باهتمام : 

- ان كنت سأعود للماضي ، فهل باستطاعتي منع الجريمة ؟

المشعوذة : انت وحدك باستطاعتك الإجابة على هذا السؤال .. هيا اشربي المحلول السحري في الحال

***


حين فتحت الأم عينيها .. وجدت نفسها تجلس في صف ابنتها ، بجسد مراهقة رشيقة .. وقبل استيعابها ما يحصل ! رأت جاك يدخل الى الصف ، قبل تجمّع زميلاتها حولها ، وهن يشجّعنها على التنمّر عليه قبل وصول المعلمة


فنظرت الأم (التي تسكن جسد ابنتها) إلى جاك .. لتجده يحاول الإنشغال بالكتابة ، كأنه يدعو ربه ان يمرّ اليوم بسلام ..


فوقفت الأم امام زملاء ابنتها ، وهي تقول بحزم :

- لا تنمّر بعد اليوم !! لن اسمح لأحد بإيذاء زميلنا جاك.. ألا يكفيه قسوة الظروف التي يعيشها ، لكيّ نزيد حياته جحيماً ؟ من نحن لنحاسبه ؟ هو طالبٌ مجتهد ، ويفوقنا ذكاءً .. وبدل ان نتفاخر به ، نضحك ساخرين منه .. فسلوكنا البغيض هذا ، سيدفعه لكره نفسه والعالم أجمع


فحدّق الطلاّب بها في ذهولٍ تام ! عاجزين عن فهم الإنقلاب الجذري في شخصيتها.

لكنها لم تهتم لآرائهم .. بل أصرّت على تناول الغداء مع جاك ، والتعرّف عليه 

 

حتى عندما عادوا للصف .. سحبت طاولتها للجلوس بجانبه .. بل وشجعته على المشاركة بإجابة اسئلة المعلمة ، والتخلّي عن خجله وتردّده ..

^^^


ومع مرور الأيام .. بدأ جاك يبتسم ، ويشارك المعلمين .. ويهتم بملابسه ونظافته بعد ان اصبح لديه صديقة لأول مرة بحياته .. 

ورغم نجاحها في تحويل مسار حياته داخل فصلهما ، إلا أنها لم تستطع التحكّم بجميع الطلاب في الفسحة أو الحصص الأخرى التي تغيب فيها.

***


وفي أحد الأيام ، خرج جاك من المدرسة غاضباً .. فلحقته ، في محاولة لتهدئته .. فنظر اليها ، قائلاً :

- لا تخافي يا ديانا ، لستِ ضمن اللائحة 

ثم غادر وهو يتمّتم غاضباً ..

فعلمت ام ديانا ان كل محاولاتها لتحسين نفسيّته ، باءت بالفشل .. وان المجزّرة ستقام في موعدها !

^^^


لهذا استيقظت باكراً في اليوم التالي ، وهي تنتظر قدومه عند باب المدرسة لإقناعه بالتخلّي عن فكرة الإنتقام .. 

لكن مغصاً مفاجئاً ، جعلها تسارع الى الحمام .. 


وقبل خروجها .. سمعت صراخ الطلّاب ، متزامناً مع صوت الطلقات النارية .. فسارعت باتجاه فصلها ، لترى المشهد المرعب :

((جميع المتنمّرين جثثاً هامدة على الأرض)) 

^^^


عندما فتحت عيناها .. وجدت الأم نفسها نائمة على سرير ابنتها في زمن الحاضر ! فظنت ان كل ما حصل ، مجرّد منام .. 

لكن قبل نهوضها ، تفاجأت بإبنتها ديانا تدخل الغرفة وهي تسألها : 

- الم تلبسي بعد ؟ نريد التظاهر بجانب المحكمة ، لإعدام اللعين جاك 


وما ان رأتها حيّةً ترزق ، حتى قفزت من السرير .. وهي تحتضن ابنتها بقوة وتبكي بحرقة وتحمد الله على سلامتها.. بينما وقفت ديانا مذهولة من حنان امها غير المبرّر !


وبعد ان هدأت ، اجلست ابنتها بجانبها وهي تنصحها بصوتٍ مرتجف : عن عواقب التنمّر الذي دمّر مستقبل فتى ذكيّ ، وأنهى حياة أصدقائها.


الأم وهي تمسح دموعها : 

- هذا خطأي .. دلّلتك كثيراً ، خوفاً من تعرّضك للتنمّر مثلي .. اردّت ان أقوي شخصيتك اكثر مني .. لكني لم اعلم انني جعلتك متكبرة على الآخرين .. ولهذا منذ اليوم ، سأعيد تربيتك من جديد ..وسأعاقبك ان عرفت باحتقارك لشخصٍ آخر 

البنت : امي ! عن ماذا تتكلّمين ؟!

- هذه المرة ، أصدقاؤك دفعوا ثمن تنمّرك .. وكنت ستموتين معهم ، لولا المغص الذي جعلك تخرجين من الصف.

فتغيّر وجه ابنتها : 

- امي ! كيف عرفتي بأنني كنت بالحمام لحظة اطلاق النار ؟ فأنا لم اخبر احداً بذلك ، حتى المحقق بالقضية 

- رأيت ذلك بالمنام.. والآن دعينا نذهب للمحكمة 

*** 


في الطريق .. توقفت الأم أمام جهاز الصرّاف الآلي.. لتتفاجأ بخلوّ رصيدها من المال ! 

وهنا تذكّرت طقوس المشعوذة ، والمحلول السحري .. فعلمت انه لم يكن مناماً .. بل تعويذة اعادتها للماضي ، دفعت ثمنها كل المدخرات الجامعية التي كانت ثمناً لإنقاذ روح ابنتها وتعديل مسار تربيتها.


فاكتفت الأم بابتسامة الرضا ، وأكملت قيادة سيارتها بصمت باتجاه المحكمة .. هذه المرة : لا لتصرخ غاضبة ، مطالبة بإعدام جاك .. بل لتشهد بقلب امٍ موجوعة على مصير فتى مظلوم ، دفع ثمن قسّوة المجتمع لوحده.


هناك تعليق واحد:

  1. اثناء بحثي بحاسوبي القديم ، وجدت ملفاً فيه بعض مسودّات القصص التي كتبتها بالمشفى (عندما كنت مع امي اثناء مرضها) .. لا ادري لما تجاهلت القصص لاحقاً ! صحيح انها ليست من القصص الفخورة بها ، لكن بها افكار لا بأس بها .. لهذا سأنشرها تباعاً .. ربما كل يوم او يومين ، حسب الظروف .. لحين ايجادي افكاراً افضل منها

    ردحذف

ثمن التنمر

تأليف : امل شانوحة  الفرصة الثانية تصدّر اسم المراهق (جاك) نشرات الأخبار بعد دخوله مسلّحاً الى مدرسته الثانوية ، وقتله بعضاً من زملاء فصله ،...