الخميس، 4 يونيو 2020

وتستمرّ الحياة

تأليف : امل شانوحة

جمعنا القدر 

وقف ايمن امام سور الشاطىء , يُراقب تلاطم امواج البحر بالصخور ..قائلاً في نفسه بحزن :
((الهي ! أعطني سبباً واحداً لكيّ لا انتحر)) 

واستعاد بذاكرته حواره مع امه التي وجدها بعد عناءٍ كبير , حين اجتمع بها قبل ساعة في زقاق حيٍّ شعبي .. قائلاً لها بحماسٍ وسعادة :
- امي !! هذا انا .. طفلك الذي تركته عند باب الميتم قبل 35 عاماً .. إسمي ايمن واعمل في ..

فقاطعته وهي تتلفّت حولها بقلق :
- كيف وصلت اليّ ؟!
- بحثت طويلاً في السجلّات المدنيّة ..
مقاطعة : إسمعني جيداً !! ان عرف زوجي بوجودك سيقتلني حتماً 
- تقصدين ابي ؟
- والدك لا اعرفه , كان مقنّعاً تلك الليلة 
ايمن باستغراب : لم افهم ! 
امه بغضب : يعني تعرّضت للإغتصاب يا غبي !! 

فنزل كلامها عليه كالصاعقة ! وكأن لا يكفيه انها تخلّت عنه فور ولادته , ليكون والده رجلٌ حقير ومجرم .. 
وأكملت قولها بلؤم :
- بسبب اللعين إضّطررت للزواج برجلٍ يكبرني عشرين سنة ليسترّ عليّ , ولديّ منه اربعة اولاد .. ولن ادمّر حياتهم لأجلك .. فاذهب من هنا فوراً , ولا تريني وجهك ثانيةً !!

وتركته لتعود الى بيتها المتهالك ..
بينما أكمل سيره تائهاً في الأزقّة , مُحطّم الفؤاد ويائساً من الحياة .. الى ان وصل للشارع العام , فركب سيارته الفارهة مُتجهاً للبحر ..

وبعد عزمه على الإنتحار .. رفع قدمه نحو السور , لكنه توقف حين شعر بأحدهم يلمس ذراعه ! 
فنظر خلفه , ليجد سيدة (في نهاية الستينات) تسأله بعينين دامعتين ان يقرأ لها المكتوب في الورقة لأنها أميّة .. وكان فيها :
((رجاءً من يجد امي يُرسلها لدار العجزة))
ايمن باستغراب : هل ابنك اعطاك الورقة ؟
- نعم 
- واين هو الآن ؟

العجوز : قال لديه عملٌ مستعجل .. وتركني هنا ظهراً , وقد أوشكت الشمس على المغيب.. (ومسحت دمعتها) .. أخاف ان أصابه مكروه  
فتمّتم بضيق : لا تقلقي , اللعين بخير
- ماذا قلت ؟! 
ايمن : هل انت غريبة عن المنطقة ؟
- أحضرني ابني من الريف هذا الصباح , بعد بيع بيتي ومزرعتي للعيش مع عائلته.. 
- وماذا فعل حين وصلتما للمدينة ؟
العجوز : أخذني الى البنك لأضع مالي فيه  
- بإسمك ؟
- لا بإسمه , فبطاقتي قديمة

فعلم ايمن ان ابنها العاقّ سرق مالها ورماها بالشارع .. فقال بنفسه بتهكّم :
((سبحانك ياربي ! امي لا تريدني , وابنها لا يريدها .. ربما جمعتنا لنداوي جروح بعضنا))

ثم سألها : 
- هل انت جائعة يا خالة ؟
فأجابته بارتباك : بصراحة نعم
- وهل لديك مكان تبيتين فيه ؟
- لا 
ايمن : الا تعرفين عنوان منزل ابنك ؟
- لا , هذه اول مرة ازور المدينة
- اذاً تعالي معي
- الى اين ؟
ايمن بابتسامةٍ حنونة : سنشتري الطعام , ونأكله في منزلي 
- أخاف ان أضايق زوجتك 
- لست متزوجاً
- اذاً استأذن من أهلك اولاً
فأجابها بحزن :
- انا يتيم
- آه آسفة .. 
- هيا بنا , فسيارتي هناك

لكنها لم تلحقه , فسألها عن السبب .. 
العجوز : ربما يأتي ابني بعد قليل ويبحث..
فقاطعها : لن يأتي 
العجوز بقلق : لماذا ! ما المكتوب في الورقة ؟ 
- سأخبرك لاحقاً يا سيدة .. 
- اسمي نجاة
- حسناً سيدة نجاة , ماذا تحبي ان تأكلي ؟
- أيّ شيء بنيّ , جزاك الله خيراً
- هيا بنا
***

واشترى لها بعض شطائر اللحم التي أكلتهم في السيارة لشدّة جوعها .. وحين وصلت شقته .. 
- ماشاء الله ! بيتك جميل وواسع
ايمن : شكراً لك 
- ماذا تعمل ؟
- محامي علاقات اسريّة
- طالما انهيت دراستك ولديك منزل كبير , فلما لم تتزوج بعد؟
- لأني معقّد من النساء بسبب امي
السيدة نجاة باهتمام : لماذا , ماذا فعلت ؟
- اخبرك لاحقاً .. دعيني اريك غرفة الضيوف

وحين رأتها , أعجبتها كثيراً .. فقال لها :
- هذه ستكون غرفتك , الى ان أحلّ مشكلتك  
نجاة : هل ستبحث عن ابني ؟ 
- سأحاول .. هل تريدين شرب الشايّ ؟
- سأعدّه لك حالاً 
- بيتي غداً سيكون في عهدتك طوال وجودي بالعمل , لكنك اليوم ضيفتي
نجاة : حسنا كما تشاء , سكر خفيف لوّ سمحت

وحين عاد اليها , كانت غارقة في النوم من شدة التعب .. فاطفأ النور واغلق الباب عليها لترتاح .. وعاد الى غرفته ليفكّر بتفاصيل يومه الغريب! 
***

في الصباح التالي , إستيقظ للعمل.. وفور فتحه باب غرفته , إشتمّ رائحة البيض اللذيذة .. فدخل المطبخ , ليجد السيدة نجاة أعدّت فطوراً لذيذاً 
ايمن بابتسامة : إستيقظتِ باكراً !
نجاة : انا متعوّدة على الإستيقاظ مع اذان الفجر .. تعال لناكل سوياً
- مع اني عادةً لا اتناول الفطور , لكني لن أفوت وجبة شهية كهذه

وأخذ يأكل طعامه بنهمّ ..
نجاة : لا تستعجل بنيّ
ايمن : لديّ مرافعة بالمحكمة .. يبدو طعام المنزل اطيب بكثير من أكل السوق !
- بالطبع !! وان سمحت لي سأطبخ لك الغداء
- لا اريدك ان ترهقي نفسك يا خالة
- لا ابداً انا أعشق الطبخ , لكن ثلاجتك تنقصها الكثير من اللوازم الأساسية
ايمن : اذاً دعيني احضر الغداء معي , وبعدها نذهب للسوق لشراء كل ما يلزمك 
- جيد .. ولا تقلق لشيء , سأهتم بمنزلك جيداً
- فقط الطبخ ان إردّتِ , فأنا متعاقد مع شركة لتنظيف منزلي مرة بالأسبوع ..(ثم نظر الى ساعته).. آه تأخرت ! 

وقبل خروجه من المنزل , سألته :
- لم تخبرني بعد بما كتبه ابني في الورقة ؟ 
- حين اعود نتكلم بالموضوع
- وعد 
- وعد يا خالة 
وخرج وهو قلقاً من ردّة فعلها حين تعرف بنذالة ابنها الوحيد
***

وفي العصر ..تسوقا في المول التي تفاجأت كثيراً من ضخامته ! 
وعادا سعيدان الى المنزل .. وقد حاول ايمن التحجّج بالتعب للتهرّب من سؤالها المتكرّر , الا انها اصرّت على معرفة المكتوب بالورقة .. 
وحين اخبرها , انهارت ببكاءٍ مرير من شدة الصدمة ! 
فحاول تهدأتها قدر الإمكان .. 

وبعد شربها الماء , قالت وهي تمسح دموعها :
- لا اصدّق انه أجبرني على بيع ارض والده الذي زرعها لخمسين سنة ليعطي المال لزوجته ! كيف سأعود الآن الى قريتي بعد ان اخبرت اهلي واصدقائي انني سأعيش معه لبقية عمري ؟ 
- لن تعودي الى هناك , ستبقين معي
نجاة : انت لست مُجبراً على تحمّلي 
ايمن محاولاً عدم البكاء : 
- بلى !! فأنا بأمسّ الحاجة لأمٍ حنون مثلك , لأني ...
ولم يستطع إكمال كلامه بعد ان خنقته العبرة ..
نجاة : ما قصتك بنيّ ؟

فأخبرها عن السنوات التي قضاها في الميتم وهو يدعي لوالديه كل ليلة بالرحمة , الى ان اخبره المدير بعد تخرّجه الثانوي بأنه لقيط ! الشيء الذي قلب حياته رأساً على عقب , وفي نفس الوقت اعطاه دافعاً للإجتهاد والتفوق بعمله لجعلها فخورةً به .. فهو لم يحقد على امه رغم تخلّيها عنه ! بل بحث جاهداً , الى ان وجدها ..

نجاة باستغراب : وبعد كل هذا رفضتك ؟!
ايمن بغضب : نعم !! وكنت أنوي تحسين حياتها البائسة , لكنها لم تسألني حتى عن اسمي بالهويّة ! 
- لا تلومها بنيّ
ايمن بدهشة : لا الومها ؟! انت تقولين ذلك
نجاة : ما حصل معها ليس سهلاً , فالإغتصاب دمّر حياتها وحطّم جميع احلامها 
ايمن بعصبية : وما ذنبي انا ؟!! لما لم تجهض الجنين بدل عيشي بالعار طوال حياتي ؟! 
- الحمد الله انها لم تفعل , والا لأصبحت مشرّدة بالشوارع .. الله أبقاك لأجلي يا بنيّ !!

فتنّهد ايمن بضيق , قبل ان يقول : 
- بل الله ارسلك لتنقذينني .. أتدرين يوم التقينا كنت على وشك الإنتحار ؟ 
نجاة بحزم : إيّاك ان تفكّر بالأمر ثانيةً مهما كان السبب !! فلا شيء يستحق ان تُغضب ربك لأجله.. مفهوم ؟!! 
فابتسم لها بحنان : والله ابنك خسر الكثير يا خالة نجاة
- وامك ايضاً 
وتنهدا بحزن ..
***

بالرغم ان فضفضته لنجاة اراحته كثيراً , لكنها أضعفت مناعته ! فأصيب باليوم التالي بنزلة بردٍ شديدة منعته من الذهاب للعمل .. 
ورغم آلامه الجسدية والنفسية , الا انه كان سعيداً باهتمام نجاة به .. وأخذ يراقبها بعينين دامعتين وهي تضع الكمّادات الباردة على رأسه وتدعي له بالشفاء , تماماً كما تخيّل امه حين يعيشان معاً  
كما ساعدت شوربة الدجاج التي أعدّتها له بإنزال حرارته واستعادة صحته 
***

في صباح التالي .. أصرّ ايمن على الذهاب لمكتبه , رغم قلقها عليه ..
وبعد خروجه من المنزل , وجدت قصاصة ورق في غرفته (أخبرها سابقاً بأنها عنوان امه) .. 

فنزلت الشارع .. وأعطت الورقة لسائق الأجرة الذي أوصلها للحيّ الشعبيّ .. وهناك سألت الناس الذين دلّوها على عنوان المنزل .. 
وجلست مع الأم في الصالة الصغيرة التي تعبق برائحة الرطوبة ..

وبعد شربهما الشايّ , أخبرتها نجاة عن ايمن .. 
فسألتها الأم باهتمام : هل قلتي انه محامي كبير ولديه منزلٌ فخم ؟
نجاة باستغراب : أهذا ما آثار اهتمامك ! الم تسمعينني حين اخبرتك عن اخلاق ابنك وحنانه عليّ ؟!
- رجاءً أعطني عنوان مكتبه
- إسمعيني جيداً , ايمن شاب حسّاس وهو مازال غاضباً من رفضك له المرة السابقة .. 
الأم مقاطعة بلؤم : لا تعلّميني كيف اتكلّم مع ابني , أعطني العنوان!!
فأعطتها نجاة بطاقة مكتبه (أخذتها من ايمن سابقاً) ..ثم طالبتها بالرحيل !

وفور خروجها , قالت نجاة في نفسها مُمتعضة :
((كيف لأم قليلة الذوق مثلها ان تنجب ولداً رائعاً كأيمن ؟! اتمنى ان تسير الأمور بينهما على خير))
***

بحلول الظهر , تفاجأ بأمه في مكتبه .. فاندفع نحوها بحماس وهو يقول : 
- اخيراً أتيتي لرؤيتي !!
لكنها انشغلت بمعاينة مكتبه الفخم , قائلةً : 
- تبدو ثرياً !
فقال ايمن بفخر : ابنك عصاميّ , بنيت نفسي بنفسي.. وعملت في الجامعة لأوفّر اقساط ..
الأم مقاطعة : المهم الآن !! انا واخوتك بحاجة للمال

فسألها بدهشة : لحظة ! أقدمتِ الى هنا لأجل ذلك ؟!
- نعم , ماذا ظننت ؟
- ظننت اننا سنذهب للدوائر الرسمية لإصلاح شهادة ميلادي!
الأم بعصبية : لا طبعاً !! لن أفضح نفسي امام الناس
- يعني لا تريدين الإعتراف بي , وتطالبيني الإهتمام بعائلتك؟!
- على الأقل نحن اهلك , وأحقّ بمالك من شحادة الشوارع 
ايمن بغضب : لا اسمح ان تخطأي بحقّ الخالة نجاة !! ولن ادفع فلساً قبل ان تصبحي امي رسمياً  
- وماذا عن اخلاقك ودينك ؟

ايمن بعصبية : وهل الدين يأمرك برمي طفلك في الشارع ؟!! ..(ثم اشار بيده نحو الباب) .. لوّ سمحتي , عودي من حيث اتيت  
الأم بلؤم : أتطرد امك يا قليل التربية ؟!.. لا غرابة , ابن ابيك .. والبذرة الشيطانية لا فائدة منها
ايمن بغضب : أتلومينني على ذنب ابي ؟! الا يكفي انني عشت طوال عمري كإبن حرام 
الأم بحزم : إسمع يا ولد !! إن لم تدفع لي راتباً شهرياً , فلن تراني ثانيةً
ايمن وهو يكتم غيظه : غيابك لن يغير شيء بحياتي 

فخرجت وهي تتمّتم بألفاظٍ نابية ! 
فلم يستطع البقاء اكثر في المكتب , وعاد منكسراً الى بيته
***

وما ان رأته نجاة , حتى قالت : 
- يبدو من وجهك ان الأمور لم تسرّ على ما يرام ! هل انت غاضبٌ مني؟ 
فأخبرها بكل ما حصل , فقالت بدهشة : 
- الوقحة ! تريد استغلالك مادياً 
ايمن بحزن : لا ادري كم سأتحمّل من مصائب الدنيا قبل ان أنفجر , فبسبب والدايّ فقدت ثقتي بكل الناس !  
نجاة : لا تيأس هكذا , فالدنيا مازالت بخير 
- ومالخير في حياتي البائسة ؟ 

نجاة معاتبة : اليست صحتك بخير ؟ الم تكمل تعليمك ؟ الا تعمل بوظيفةٍ جيدة , وتملك سيارة ومنزلاً جميلاً ؟ كل هذه نعم الله .. الحقيقة ان الشيء الذي يتعبك فعلاً هي روحك , فأنت مهملها تماماً 
- وكيف أنعش روحي ؟
- بالصلاة والدعاء 
أيمن : لم يعلّمني احد الصلاة ؟ 
- انا أعلّمها لك ... لا تضحك يا ايمن , أتكلّم بجدّ .. هل تعرف الوضوء ؟ 
- قرأت الكثير عن ديننا بالإنترنت , لكني لم أطبّق الفرائض بعد
نجاة باستغراب : ولا حتى الصيام ؟!
ايمن : صمت يومين رمضان الفائت , وتعبت كثيراً
- هذه السنة ستصومها كلها !!
- ماذا عن التدخين ؟ لا استطيع ايقافه 
- سأجعلك تقلع عنها 

فضحك ايمن قائلاً : يبدو الحياة مع الأمهات ليست سهلة كما تصوّرت
نجاة بابتسامة : تأدّب يا ولد !! والآن إلحقني , سنتوضأ للصلاة .. وهذه المرة سأكون الإمام , وسأرفع صوتي لأعلّمك 
- وإن تعلّمت , تصلين ورائي ؟
- طبعاً !! وكل فرض , لأتأكّد من مواظبتك عليها 
فضحك ثانيةً : اذاً هيا بنا يا شيخة نجاة

وبالفعل صليا معاً ..وما ان سجد لله , حتى انهار باكياً ..فتركته على راحته , ليُفرّغ طاقته السلبية 
وبعد الصلاة , قبّل يدها قائلاً :
- والله لم اشعر براحةٍ كهذه طوال حياتي !
- طبعاً فالصلاة تغسل الهموم يا بنيّ
- أتدرين , قلبي يفرح حين تناديني بإبني 
- اذاً ناديني امي يا أيمن
ايمن بدهشة : أحقاً !
نجاة بحزن : نعم , احتاج لسماع هذه الكلمة من جديد 
- وانا أتوق شوقاً لقولها .. يا امي الغالية
وحضنها , ليغرقا بالبكاء ..
***

في الصباح , تعاهدا سوياً على نسيان الماضي .. وبدآ بالتأقلم على حياتهما الجديدة .. 

وبعد شهرين , إكتسب ايمن وزناً زائداً بسبب طعام نجاة الدسم التي ساعدته على الإقلاع عن التدخين والسهر للحفاظ على صحته .. 
وصارا يقضيان وقتاً سعيداً في النزهات والمولات مما أدّى لتطوّر عمله , بعد تحسّن نفسيّته التي لاحظها رفاقه وموظفيه .. 
***

في إحدى الأيام .. زارته نجاة في المكتب , لتجد سيدة تجلس على طرف طاولته وتغازله ! لكن سرعان ما خرجت بعد رؤية نظرات نجاة الغاضبة التي سألت ايمن :
- من هذه ؟ 
- سكرتيرتي
- لم تعجبني 
ايمن : لماذا يا امي ؟
نجاة : ليست من الفتيات اللآتي يمكنك الزواج منها او الوثوق بها
- لكنها تحبني
- وماذا عنك ؟
ايمن : لا ادري بعد

نجاة بحزم : إطردها فوراً !! 
- امي !
- صدّقني .. انا اعرف النساء , وهذه نواياها ليست جيدة  
ايمن : سأثبت انك تظلمينها ..
- كيف ؟ 
- هناك كاميرا في مكتبها لا تعلم بوجودها , سأريك تفانيها بالعمل من شاشة حاسوبي 

وبعد لحظات .. سمعها ايمن وهي تكلّم عميلاً في مكتبها , وتقنعه بمحاميٍ آخر يقبل بتزوير اوراقه للحصول على حضانة اولاده , بعد ان رفض ايمن الدفاع عنه لعنفه مع عائلته وإدمانه الكحول !
ليس هذا فحسب ! .. فبعد ذهاب العميل , إتصلت بحبيبها التي غازلته بلا حياء ..

فأطفأ ايمن شاشة حاسوبه بغضب , وهي يسأل امه : 
- ولما تتقرّب مني إن كانت مرتبطة ؟!
نجاة : لأن هذا النوع من النساء لا يهمّها سوى مصلحتها
فتنهد بضيق , ثم سألها :
- هل باستطاعتك العودة وحدك الى البيت ؟ 
- لا تقلق عليّ .. المهم , ماذا بشأنها ؟

ايمن بعصبية : سأطردها طبعاً !! فهي تعمل لحساب المحامي المنافس لي ! ويبدو انها السبب في خسارتي بعض القضايا الهامة
نجاة : لكن اطردها بهدوء .. والأفضل ان يكون هناك شهود , كي لا تفتري عليك 
ايمن : لا تقلقي , اعرف كيف أتعامل مع الشخصيات الخبيثة .. سأعود بعد ساعة الى المنزل 
***

ولاحقاً , عاد الى بيته مُنهكاً ..
نجاة : هل طردتها ؟
ايمن بحزن : نعم وقلبي مكسور , فقد كنت راغباً بخطبتها
- لا دعّ هذا الموضوع لي
فابتسم قائلاً : هل ستخطبين لي من قريتكم ؟
- نعم , ولديّ فتاةٌ مناسبة لك 
- امي , اريدها متعلمة
- وهي انهت تعليمها الثانويّ 
- لا يكفي , عليها ان تكون مستقلة ..

نجاة مقاطعة : بنيّ !! انت ينقصك الحنان في حياتك , والموظفة لن تتفرّغ لك.. 
- اساساً لا افكّر بالزواج حالياً , وانت تهتمين بي جيداً 
- انا لن أبقى طويلاً معك 
ايمن بقلق : لماذا !
- تكلّمت البارحة مع اخي وأخبرته بكل شي , فطلب مني العيش معه بعد زواج اولاده 
ايمن بحزن : رجاءً !! لا تتركيني انت ايضاً 
- لا تقلق , لن اذهب قبل الإطمئنان عليك .. 
- وماذا عن ابنك ؟ 
نجاة بقهر : لا يهمّني امره 

ايمن بارتباك : بصراحة .. اردّت إخبارك بشيء منذ مدة , لكني تردّدت
- ماهو ؟
ايمن : زوجة ابنك رفعت قضية ضدّه للحصول على ممتلكاته وحضانة ابنائها
نجاة بغضب : طبعاً !! ما حاجتها له بعد حصولها على ثمن ارضي ومنزلي , دعه يتحمّل نتيجة تصرّفه الأرعن !!
- المشكلة اني محامي الزوجة , وبرأيّ معها حق ..فأبنك مدمن قمار
نجاة بصدمة : قمار ! ألهذا كان يصرّ بكل زيارة للقرية ان ابيع ارضي .. اللعنة عليه !!
- سيكون متواجداً بالمحكمة غداً , أتريدين الذهاب معي ؟
فسكتت وهي تفكّر بحنقٍ وغضب
***

في المحكمة .. وبعد نجاح ايمن بمرافعته , وحصول الزوجة على كل مستحقاتها المادية , بالإضافة لحضانة احفاد نجاة .. 
وبعد ذهاب الجميع , تفاجأ بوجود امه نجاة في المحكمة ! فاقترب منها لتقبيل يدها مُعتذراً .. 
لكنها أبعدته , وهي تقول بقهرٍ وخيبة أمل :
- لولا المحامي ايمن لكنت مشرّدة بالشوارع , بسبب ابني الذي ربيته وحدي بعد وفاة زوجي
- امي انا ..

مقاطعة بغضب : إسكت واسمعني جيداً !! الحكم الذي حصلت عليه في المحكمة قليلٌ عليك , ومازال ينتظرك عقاب الآخرة .. قلبي غضبانٌ عليك الى يوم الدين .. 
ابنها نادماً : دعينا نعود الى القرية , وأعدك ان أهتم بك ..
- ان إقتربت من هناك فسيقتلك خالك , وانا لن أمنعه .. هذا إن لم يقتلك المقامرون اولاً .. إنسى ان لديك أم بعد اليوم

وخرجت من المحكمة وهي مشدودة القامة , محاولةً إمساك دموعها التي انسكبت بغزارة في سيارة ايمن بعد ان حضنها بقوة 
- لا تبكي يا امي ارجوك 
- ايمن ارجوك .. وظفّ احدهم لمراقبته , فأنا خائفة ان يقتله الدائنون
ايمن بدهشة : أمازلتي قلقة عليه بعد الذي فعله بك ؟!
- ماذا افعل ؟ قلب الأم 

ايمن بحزن : كل قلوب الأمهات رحيمة بأبنائها باستثناء امي , الحمد الله انه أبدلني بخيرٍ منها 
نجاة : وأبدلني بخيرٍ من ابني ... (ثم فكرت قليلاً) .. إسمع يا ايمن , اريدك ان تأتي معي الى القرية في عطلة الأسبوع لأريك ارضي القديمة  
ايمن مبتسماً : الهذا السبب , ام لتريني العروس ؟
نجاة بإصرار : والله ستعجبك , صدّقني !!
***

في القرية .. جلس ايمن متضايقاً في صالة منزلٍ ريفيّ بانتظار العروس , التي ما ان رآها حتى قفز قلبه من شدّة الإعجاب ! فهي تشبه تخيّلاته عن زوجة المستقبل .. فتاةٌ ناعمة وخجولة , بشعرٍ اسودٍ طويل .. وبدت له كالقمر المنير رغم ثوبها وزينتها المتواضعة .. 

فلم يجد نفسه الا وهو يقاطع كلام والدها ليقول بحماس :
- انا موافق !! كم تريدون المهر ؟
الأب بابتسامة : يبدو العريس مستعجلاً !
وضحك الجميع , بينما ارتبكت العروس التي زادت حمرة وجنتيها خجلاً وحياءً .. 
***

وخلال اسبوعين , أقيم عرسٌ شعبيّ بحضور اهالي القرية .. (بعد إستعادة ايمن منزل نجاة وارضها القديمة التي كتبها بإسمها , كهدية شكر على معروفها معه) 
وقبل ذهابه مع زوجته الى المدينة , وعد امه بزيارتها من وقتٍ لآخر .. 

وفي الطريق .. أخبر عروسته عن ماما نجاة التي ساقها القدر , ليُغيّر كلاهما حياته للأفضل .. مُعلّلاً ما حصل بقوله : ((رُبّ صدفةٍ خيرٌ من الف ميعاد)) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مُتنبأة الجرائم

 تأليف : امل شانوحة كشف خيوط الجريمة في مكتب قصرٍ فخم .. سألت المراهقة والدها : - ابي ، وصلني إيميل غريب قبل قليل  - مِن مَن ؟ - من سي...