الأربعاء، 15 أبريل 2020

غزوّ العناكب

تأليف : امل شانوحة


المسخ العنكبوتيّ

عادت جاكلين حزينة الى بيت صديقها بعد انتهاء مراسم العزاء , لترتيب اغراضه داخل صناديق بعد وفاته بجرعة هرمونات زائدة أخذها لتكبير عضلاته قبل مسابقة كمال الأجسام ..

وحين رأت قفص عنكبوته الذئبي , فكّرت في بيعه لمحل الحيوانات القريب من المنزل .. لكنها أشفقت عليه حين وجدته يبحث عن شيءٍ يأكله , بعد ان تركه صاحبه لأيام اثناء احتضاره في المستشفى ..

وكانت علبة الحشرات فارغة .. ففتحت الثلاجة , لتجد قطعة بيتزا قديمة .. فرمتها في القفص وهي تقول للعنكبوت :
- لا ادري ان كنت تأكل مثلنا ! لكن في حال انتهيت باكراً , أذهب لشراء طعام لك 
وظلّت ترتّب منزل صديقها طوال اليوم , الى ان غفت على سريره 
***

في اليوم التالي .. وجدت العنكبوت اكل نصف البيتزا , بعد نسج خيوطه حولها .. فقالت بدهشة : 
- يالك من عنكبوتٍ قوي !

وهنا خطرت على بالها فكرةً غريبة .. وأخرجت علبة الهرمونات التي تسبّبت بقتل صديقها من سلّة النفايات .. ووضعت حبّة داخل قطعة حلوى أعطتها للعنكبوت , قائلةً بلؤم :
- اما ان يقويك الدواء , او يقتلك كصديقي الغبي 

ثم عادت الى بيتها .. وكالعادة تشاجرت مع زوج امها ..
لكن هذه المرة قرّرت حزم امتعتها , والعيش في بيت صديقها المتوفي .. 

وهناك أخذت ترتّب اغراضها داخل خزانته , وهي غاضبة من امها التي لم تدافع عنها امام زوجها الذي طردها من المنزل ! قائلةً بغيظ :
- لست بحاجة لأحد !! فمازال معي قسط الجامعة .. سأحتفظ بالمال لحين إيجادي عملاً يناسبني 
  
ثم تذكّرت العنكبوت , فذهبت للإطمئنان عليه ..
وحين فتحت قفصه , تفاجأت بأذرعه إزدادت طولاً !
- ماهذا ! أمعقول ان دواء الهرمونات ضاعف نموك ! هذا اكتشافٌ غريب .. هل أخبر إدارة الجامعة بتجربتي ؟ لربما خصموا من اقساطي ..(ثم فكّرت قليلاً) .. لا اظنهم سيصدّقونني على الفور , عليّ توثيق الحدث اولاً
***

في اليوم التالي .. اشترت جاكلين كاميرا وعلبة هرمونات من الصديلية ..حيث دسّت كل يوم حبة في طعام العنكبوت , وهي تصوّر نموه السريع بالكاميرا ..

وفي خلال اسبوع , صار حجمه أكبر من قفصه الزجاجيّ !  
فأخرجته ووضعته في الحمام الصغير , وهي تقول له :
- سأدعك تعيش هنا .. لكن لنتفق على شيء : إيّاك ان تلدغني , فأنا من أطعمك .. اتفقنا ؟ 

فإذّ بالعنكبوت يشير برأسه إيجاباً , وكأنه فهم كلامها ! فظنت الأمر صدفة , وأغلقت الباب عليه ..

ثم تابعت طحن الدواء مع الحشرات , ووضعها في صحن اسفل الباب .. ليسحبه العنكبوت للداخل , بإحدى أذرعه الطويلة !
***

مع الأيام .. لاحظت تعلّمه طرق الباب كلما جاع ! 

وكانت بالعادة تطعمه مرة في اليوم .. لكن هذا لم يعد يكفيه , وصار يُنهي علبة الحشرات في ايام قليلة ! مما اثار اهتمام صاحب محل الحيوانات الذي بدأ يسألها عن السبب .. فأرادت جاكلين اختصار الوقت ..فاشترت فئران وطيوراً ميتة , التي يبدو انها أعجبت العنكبوت اكثر من طعامه المعتاد ! 
***

وفي أحد الأيام ... فتحت جاكلين الحمام , لتتفاجأ بحجمه وقد تضاعف بشكلٍ مريب , حيث صار جسده أشبه بجسم انسان مفتول العضلات !

فأدركت أن عليها تسليم الكائن الغريب الى مختبرٍ مُتخصّص قبل فوات الأوان .. فأسرعت نحو الهاتف .. وقبل إجرائها الإتصال , رنّ جرس الباب !

فقالت للعنكبوت :
- عدّ بسرعة الى الحمام !!
لكنه اشار برأسه بالنفيّ .. وحرّك اذرعته وكأنه يخبرها : إن المكان ضيّقٌ عليه .. فقالت له :
- اذاً خذّ الحمام الكبير

لكنه اشار الى الصالون ..
جاكلين : لا استطيع وضعك هناك , لربما زارني احد ..
فأشار الى غرفة نومها , والجارة مازالت تطرق الباب .. 
جاكلين : حسناً خذّ غرفتي , وانا سأنام بالصالة .. المهم ان تختبأ الآن !! 

ثم تحدّثت مع الجارة عند الباب .. 
وبعد ذهابها , دخلت جاكلين غرفة النوم لتسأل العنكبوت :
- جارتي تقول ان كلبها مفقود منذ الصباح , فهل رأيته ؟
فابتسم العنكبوت ابتسامةً مريبة !

فدخلت جاكلين الى الحمام الصغير , لتجد عظام الكلب داخل حوض الإستحمام .. فعادت اليه غاضبة :
- هل أكلت الكلب ؟!!
فردّ العنكبوت قائلاً : طعامك لم يعد يكفيني

وكادت تسقط مغمياً عليها من هول الصدمة ! لكنه أسندها بذراعه قائلاً :
- لا اعلم ما تضعينه في طعامي , لكني تحوّلت لمسخ بسببك!!
جاكلين وهي ترتجف رعباً : كيف تعلّمت لغتنا ؟! 
العنكبوت : الم تلاحظي ان جسدي يُشبه الرجال ؟ رغم انني مازلت أملك اذرع واعين كثيرة .. 
- اعدك ان لا أدسّ الدواء في طعامك بعد اليوم , لكن عُدّ كما انت
- هذا صعب .. وعقاباً لك , اريد تذوّق طعم الإنسان
جاكلين بخوف : هل ستقتلني ؟!
العنكبوت : لست غبياً لهذه الدرجة , فأنا محتاجٌ اليك .. 
- وانا مستحيل ان اساعدك بقتل انسانٍ بريء 

فرمى لها قائمة طعام لمطعمٍ ما , وهو يقول :
- اذاً أطلبي لي البيتزا 
جاكلين بارتياح : نعم !! البيتزا لذيذة , وأطيب بكثير من لحم البشر .. وسأطلب ثلاثة بالحجم العائلي , بشرط ان لا تفكّر بالقتل ثانية
- هيا اتصلي , ماذا تنتظرين ؟
وأسرعت بطلب البيتزا .. 
***

بعد مرور نصف ساعة .. وقبل وصول الطلبية , قال لها العنكبوت:
- برأيّ ادخلي الحمام الآن 
جاكلين باستغراب : لماذا ؟!
- لأني قرّرت العيش في الحمام الكبير , لتعودي الى غرفتك 
- حسناً انتظرني قليلاً لأزيل اغراضي من هناك

وما ان دخلت هناك , حتى قام بجرّ خزانة الكتب لإغلاق بابها من الخارج..
جاكلين وهي تطرق الباب بعصبية : ماذا فعلت ؟!! إفتح الباب حالاً 
العنكبوت بخبث : اخيراً وصلت البيتزا  

وهنا سمعت جاكلين صوت شاب التوصيلات يقول بصوتٍ عالي :
- هل يوجد احدٌ هنا ؟!! هل طلبتم البيتزا ؟!! بابكم مفتوح ..سأضع البيتزا في المطبخ , لكن اريد ثمنها
فصرخت جاكلين من الحمام بعلوّ صوتها :
- أهرب بسرعة !!!

فارتعب الشاب .. وقبل خروجه من المطبخ , تفاجأ بالمسخ العملاق يرمي شباكه عليه .. ثم أسرع بلفّه بخيوطه !

وحين تمكّنت جاكلين من إزاحة الخزانة قليلاً عن الباب , وجدت اشلاء الشاب حول العنكبوت الملطّخ بالدماء الذي قال لها :
- تعالي وتناولي البيتزا !! فلحم البشر اطيب بكثير 
فانهارت بالبكاء بعد خروج الأمور عن السيطرة ! 
***

في الصباح الباكر .. حاولت جاكلين الهروب من المنزل للإبلاغ عن العنكبوت القاتل , لكنها وجدت الباب الخارجيّ مُقفل بشباكه السميكة !

وهنا سمعته يقول من خلفها :
- سيرمونك في مستشفى المجانين ان أخبرتهم عني 
جاكلين باكية : ارجوك دعني أرحل من هنا , وأعدك ان لا يعرف أحد بوجودك 
- احتاجك لإحضار طعامي , وانت تعرفين ماهو طبقي المفضّل 
جاكلين صارخة بهستيريا : انا لست قاتلة !!
- اليس لديك اعداء ؟
- ماذا تقصد ؟! 
- شخص تكرهينه وتريدين الإنتقام منه , يصلح ان يكون طعاماً لي

وهنا تذكّرت زوج امها .. فقالت مبتسمة :
- نعم لديّ وجبة دسمة لك , فهو بدين كالخنزير
- جيد !! بدأنا نتفق اخيراً

فاتصلت به لتخبره : إنها وجدت خزانة حديدية في بيت صديقها , وتريده ان يفتحها (لأنه حدّاد)

فأسرع زوج امها الى هناك , وهو ينوي سرقة الخزنة .. لكنه تفاجأ بالمسخ العملاق ينتظره في الغرفة ! 
ولأول مرة , استمتعت جاكلين برؤية العنكبوت يلتهمه ببطأ 
***

وتتابعت الأحداث سريعاً .. حيث صارت جاكلين تستدرج الى بيتها كل من تنمّر عليها في حياتها , لينقضّ عليهم العنكبوت كوجبة طعامٍ لذيذة 

وحين احضرت زميلتها الماكرة , تفاجأت بالعنكبوت ينظر اليها بشرود دون ان يأكلها (بعد ان لفّها بخيوطه)
جاكلين : ماذا تنتظر ؟!
العنكبوت بذهول : انها جميلة جداً
- ماذا تقصد ؟!
- اريدها عروسٌ لي
- ماذا !
العنكبوت : نعم انا كبرت واريد الزواج والإنجاب  
جاكلين بعصبية : ولم تخترّ سوى هذه ! لن اقبل بذلك !! 
ورمت السكينة على قلب زميلتها , وقتلتها ..

العنكبوت بدهشة وفخر : فاجأتي يا جاكلين ! هل أصبحتي قاتلة مثلي ؟
فانهارت جاكلين على الأرض مذهولة : يا الهي ! ماذا فعلت ؟!
فاقترب منها العنكبوت مبتسماً : اظنك قتلتها لأنك تغارين عليّ
- أغار عليك !
- نعم لا تنكري .. لهذا قرّرت الزواج بك 
- لا مستحيل !! إيّاك ان تقترب مني 

لكنه رمى شباكه عليها .. وبعد ان لفّها جيداً بخيوطه , أخذ ينظر اليها بعيونه الكثيرة وهو يتمّتم بكلامٍ غير مفهوم وكأنه ينوّمها مغناطيسياً , الى ان غفت فجأة !
***

حين استيقظت جاكلين في صباح اليوم التالي , وجدت نفسها نائمة بجانبه فوق شبكته الضخمة !
فحاولت الهرب قبل استيقاظه , لكنها صرخت بعلوّ صوتها بعد إحساسها بألمٍ فظيع في جسدها ..

فاقترب منها وهو يقول :
- لا تخافي , أنت تتحوّلين الآن 
- أتحوّل الى ماذا ؟
- ستعلمين بعد قليل , فأنا أحسّست بهذا الألم قبلك 
***

بعد ساعة من الألم الفظيع .. حملها العنكبوت وهي تتأوّه من التعب ووضعها قرب مرآة , وهو يقول لها :
- أنظري كم اصبحتي جميلة

وكاد قلبها يقف من الفزع ! حين شاهدت أياديها الأربعة وارجلها الستة وعيونها الكثيرة التي ملأت وجهها , التي جعلت الرؤية مُكبّرة عشرات المرات .. وأكثر ما اخافها هو بطنها المنتفخ , وشعورها بحركاتٍ غريبة داخله ! 

فقال لها : لا تخافي , انت حامل بأطفالنا
- حامل ! أبهذه السرعة ؟
- نعم وستلدين هذا المساء
- عليّ الذهاب من هنا فوراً
- الى اين ؟ ان رآك احد بهذا المنظر , سيقتلك على الفور .. فأنت أصبحتي مسخاً مثلي

فصرخت بهستيريا : ماذا فعلت يا مجنون ؟!! من سيطعمنا الآن ؟
- اولادنا سيتدبّرون امرنا .. والى ان تنجبيهم , سنتقاسم جثة صديقتك في الثلاجة 
فقالت بعصبية : انا لست آكلة بشر , الا تفهم ؟!!
- حسناً اهدأي , سأبحث في القبو عن فأر او حشرة تأكلينها .. انتظريني هنا

وأقفل باب الغرفة بشباكه كيّ لا تهرب , تاركاً جاكلين منهارة بالبكاء وهي نادمة لعدم إنهائها التجربة الغريبة التي قلبت حياتها رأساً على عقب ! 
***  

في المساء .. إنفجر بطنها ليخرج آلاف العناكب الصغيرة التي ملأت الغرفة , ليقوم والدهم بفتح الباب ليسرحوا في ارجاء المنزل .. بينما كانت جاكلين تحتضر بعد خروج مصرانها من جسدها !

وحين انتبه العنكبوت على سوء وضعها ! حاول إعادة احشائها لجسمها , وتضميد جرحها ببصاقه .. لكنها ماتت بعد نزيفٍ حاد
فحملها ووضعها قرب اولاده وهو يقول :
- إكراماً لأمكم , سأدعها لكم 

فتجمّع فوق جثتها آلاف العناكب الصغيرة ليأكلونها بنهمّ , ووالدهم يراقبهم من بعيد وهو حزين على وفاتها 
***

بعد ايام .. انتهى الطعام من المنزل , فاتخذ والدهم قراراً جريئاً : وفتح الباب الخارجي مساءً , وهو يقول لهم :
- إنتشروا في اماكن مختلفة , وكلوا من بيوت الجيران.. ولا تنسوا إحضار الطعام لوالدكم .. فأنا لا استطيع الخروج بهذا المنظر , والا سيقتلونني على الفور .. هيا اذهبوا , سأنتظركم هنا

ولم تمضي ساعة , حتى علت صرخات الجيران الواحد تلوّ الآخر!
***

في الصباح الباكر ..وصلت شاحنات مخصّصة لقتل الحشرات , وبدأت برشّ الحيّ بأكمله بالمبيدات .. 

فشاهد العنكبوت الأب من نافذة غرفته : ابنائه العناكب ميتين في الطرقات بعد هروبهم من المنازل , مما اغضبه جداً .. 
فخرج من المنزل مُهاجماً عمّال المبيدات , وسط صدمة الجميع الذين هربوا في جميع الإتجاهات !

وسرعان ما انتشر الخبر بوسائل الاعلام بعد تصوير الشهود للحدث بجوالاتهم .. فأرسلت الحكومة جيشها لقتل العنكبوت العملاق , والذين قضوا عليه اخيراً بعد استخدام رشّاشاتهم الثقيلة .. ونقلوا جثته الى مختبراتهم لدراستها ..
***

لاحقاً قامت الشرطة بتفتيش المنزل الذي خرج منه العنكبوت (بشهادة الجيران) ليجدوا الفيديوهات المصوّرة لجاكلين التي أظهرت كيفية نموه السريع والمدهش !

فأرسلوا التسجيلات الى المخابرات العسكرية الذين استفادوا من تجربتها لصنع جيش من العناكب العملاقة لمحاربة دولة العدو المجاورة , والتي اعلنت استسلامها بعد موت اكثرية مواطنيها !
***

وقبل يوم من احتفال الدولة بانتصارها , تفاجؤا ببعض العناكب العملاقة تعود الى شواطئهم بعد اختبائها داخل سفنٍ تجارية , والتي قامت بالتزواج بينها لإنجاب ملايين العناكب التي انتقلت عبر السفن الى كل دول العالم للدغ كل من صادفها من البشر ! حيث لم ينجو من السكّان الا من هرب لإعالي الجبال الباردة .. لتؤدي تجربة جاكلين المتهّورة الى فوز جيش العناكب الذي قضى على البشرّية بأكملها ! 
**** 

ملاحظة :
النوم وقت العصر يجعلك تحلم بكوابيس غريبة وعجيبة ! وهذه إحداها , أردّت مشاركتها معكم.. 

هناك 3 تعليقات:

  1. تصلح فيلما سنيمائيا
    لكن ألا يوجد غير العنكبوت
    أصحاب رهاب العناكب لا تعجبهم القصة هههههههه

    ردحذف
  2. قصة رائعة كالعادة استاذة امل لكن النهاية مفتوحة نوعا ما اظن عليك كتابة جزء ثاني للقصة

    ردحذف
  3. احسنت حبيبتي good Job

    ردحذف

لكم دينكم وليَ دين

 كتابة : امل شانوحة دفاعاً عن الحبيب المصطفى    في الصباح الباكر .. جلست ريمي المحجبة داخل القطار مُحاولةً تجاهل نظرات الغضب والإشمئزاز من ا...