الجمعة، 10 أبريل 2020

سيرة حياة عزرائيل

كتابة : امل شانوحة


ملك الموت , كما ذُكر في الكتاب والسنّة

في الجنة .. وبعد عودة عزرائيل من زيارة البيت المعمور في السماء السابعة , وجد اجتماعاً مهمّاً داخل المجلس المخصّص لكبار الملائكة..فسألهم :
- ماذا هناك ؟!

فردّ ميكائيل : بعثني الله لآتيه بطينٍ من الدنيا , لكن الأرض استعاذت بالله ان أنقصها , فلم أفعل .. وهذا ما حصل مع جبريل ايضاً 
عزرائيل بثقة : بإمكاني تنفيذ الأمر 
جبريل : اذاً أهبط الآن .. فالله يريد تحويلها الى صلصال لخلق جنسٍ جديد 
***

وعند وصوله الأرض , حصل الشيء ذاته .. فردّ عليها قائلاً :
- وأنا أعوذ بالله أن أرجع , ولم أفي بوعدي 
فأخذ من تربة الأرض قبضاتٍ متعدّدة الألوان , ومن اماكن مختلفة .. وعرج الى السماء بما حمله , لتسليمها لله ..
***

بعد قليل .. عاد الى مجلس الملائكة الذين سألوه باهتمام :
- ماذا حصل ؟
عزرائيل : منحني الله اسماً جديداً بعد نجاحي بالمهمّة 
- وماهو ؟ 
- ملك الموت 
- الموت ! هل سيوكّلك بقبض ارواح الجن ؟
عزرائيل : بل البشر 
- البشر ؟!
- نعم هو يخلق الآن رجلاً سمّاه آدم , ولاحقاً سيخلق زوجته من ضلعه .. وهما سينجبان بشراً تستوطن الأرض .. وستكون مهمّتي قبض ارواحهم عند انتهاء أجلهم 
- كان الله في عونك , فهي مهمّة شاقة 

عزرائيل : في البداية خفت ان يكرهني الناس , لكن الله طمأنني انهم سينسبون الموت لأشياء اخرى : كالأمراض والمعارك والحوادث .. كما انني سأظهر للمؤمن كشابٍ جميل بملابس بيضاء ورائحة ذكية .. وللكافر بشكلٍ مخيف اسود , وبحجمي الطبيعي 
- أكيد سيموتون فزعاً حين يروا قدميك في الأرض ورأسك في السماء !
عزرائيل : انا لن أشفق على من قضى حياته في معصية الله  .. وانتم !! ماهي مهمّاتكم ؟

ميكائيل : أوكلني الله بالمطر والنبات
وقال ملاكٌ آخر : وانا وظيفتي النفخ في الأرحام , وتحديد المولود ذكراً ام انثى , شقياً ام سعيداً .. وكلّه بأمر الله
- اما انا فملك الجبال 
وقال مالك : وانا خازن جهنم , بمساعدة الزبانية
رضوان : وانا خازن الجنة والحمد الله .. ولي اعوان سيخدمون المؤمنين بعد اجتيازهم الحساب يوم القيامة

جبريل : اثناء مهمّتك على الأرض يا عزرائيل , وزّع الله المهام على عددٍ كبير من الملائكة .. وأعطى ثمانية منّا مسؤولية حمل عرشه الكريم .. وأوكل الكرام الكاتبين بكتابة النيّات والأقوال والأعمال : بحيث لكل إنسان ملكان : صاحب اليمين يكتب الحسنات ، وصاحب الشمال يكتب السيئات... بالإضافة لملكين آخرين يحفظان الإنسان ويحرسانه : واحد من أمامه ، وواحد من خلفه.. وخصّص بعض الملائكة لتثبيت المؤمنين عند الحروب .. وأبقى على 70 الف منّا لزيارة البيت المعمور كل يوم .. ووظّف السيّاحين لحضور حلقات الذكر على الأرض .. اما منكر ونكير فهما مسؤولان عن سؤال الميت في القبر.. وهذه اهم الوظائف التي وزّعت علينا  

عزرائيل : وماذا عنك يا جبريل ؟
فأجابه : انا وكّلت بتبليغ الوحيّ والكتب والتشريعات , وتوصيل اوامر الله للأنبياء والرسل
عزرائيل مُستفسراً : انبياء ورسل ! يعني سيضلّ البشر كما فعل الجن , وليسوا منزّهين عن الخطأ مثلنا ؟!
جبريل : هم جنسٌ جديد فيهم الطيب والشرير.. وسيبدأ عملنا فور خلق الله لآدم .. (وهنا رأى ابليس يدخل المجلس).. هآقد أتى المتغطرس ..لا تنطقوا بشيء امامه , فأنتم تعرفون غيرته وحقده

ابليس بصوتٍ جهوريّ :
- كيف حالكم يا اصدقاء ؟ !! اراكم مجتمعين هنا , هل وزّع الله المهام علينا ام بعد ؟
- ننتظر إنتهاء خلقه لآدم 
ابليس : آه آدم .. مررّت به قبل قليل .. لم يُنفخ فيه الروح بعد .. يبدو كتحفةٍ فنية من الصلصال , مُجوّفٌ من الداخل لدرجة انه يصدر صوتاً ان طرقت عليه .. من الواضح انه سيكون جنساً ضعيفاً , وأظن قومي الجن باستطاعتهم التغلّب عليه وعلى نسله بسهولةٍ ويسر

فسكت الجميع بامتعاض .. وأكمل قائلاً :
ابليس : آه قبل ان أنسى , هل سمعتم بالإشاعة المخيفة ؟
- ماهي ؟!
- يُقال ان أحدنا سيُطرد من الجنة , بعد فشله بإمتحان الله 
- وما نوع الامتحان ؟!
ابليس : لا ادري 
فقال أحد الملائكة بقلق : أخاف ان اكون انا
ملاك آخر بخوف : او انا !
ابليس بغرور : لا تقلقوا , سأدعو الله ان ينجيكم من العقاب 
جبريل بضيق : وماذا عنك ؟

فردّ ابليس بعصبية : كيف تجرأ على هذا السؤال ؟ انا أعبد الجن !! ولا توجد بقعة في الأرض لم أسجد فيها لله .. وانتقلت الى هنا بجدارة واستحقاق , وسأبقى في الجنة ما حييت !! .. والآن اعذروني , عليّ الذهاب لإكمال حديثي مع الحوريات الفاتنات ..
ثم خرج من المجلس ..

ميكائيل بعصبية : ياله من مغرور متغطرس !
عزرائيل بغضب : ليت الله يأمرني بقبض روحه اولاً 
جبريل : لا اظن مهمّته انتهت بعد .. المهم إن كانت الإشاعة صحيحة , فعلينا الإكثار من الدعاء للنجاح بالإمتحان القادم 
***

ومرّت الأيام .. الى ان دعى الله الملائكة لرؤية آدم , الذي أدهشهم خلقته الجديدة ! فهيئته تختلف عنهم وعن الجن .. 
وأمرهم بالسجود , فرضخوا للأمر وخرّوا لآدم سجّداً .. ليتفاجؤا بصوت ابليس من الخلف يقول مُعترضاً :
- لن اسجد له !! فأنا خيرٌ منه , خلقتني من نار وخلقته من طين 

ثم تتابعت الأحداث سريعاً , الى ان أخرج الله آدم وزوجته وابليس من الجنة .. ومن ذلك اليوم , بدأ عمل الملائكة مع ذريّة آدم ..  
***

بعد سنواتٍ عديدة .. كان عزرائيل يتسامر مع الملائكة في المجلس حين ناداه جبريل : 
- يا عزرائيل !! إنزل الأرض لتنفيذ مهمّتك الأولى
فأجابه بدهشة : أبهذه السرعة ! فلا يعيش هناك سوى ابناء آدم , وهم في ذرّوة شبابهم .. ام انني سأقبض روح والدهم ؟!
جبريل : إن ذهبت الآن ستعرف بنفسك
***

فنزل عزرائيل بسرعة الضوء , الى ان وصل الى الصحراء التي يعيش فيه آدم وعائلته الصغيرة .. حيث كان هو وزوجته وابنتاه يشويان اللحم في كهفهم للغداء .. 

فبحث عزرائيل عن ولديه , ليجدهما فوق الجبل يقدّمان القرابين لله .. ومن حديثهما فهم انهما تشاجرا حول الفتاة التي سيتزوجانها , ووالدهما أقترح ان يحكم الله بينهما .. 

وشاهد عزرائيل من بعيد كيف نزلت الصاعقة من السماء لاختيار كبش هابيل , بدل السنابل السيئة للمزارع قابيل الذي استشاط غضباً لدرجة انه هدّد اخاه بالقتل ! لكنه نصحه بقبول امر الله , مُنذراً إيّاه بعقاب الآخرة.. ومضت تلك الليلة على خير .. 
***

في اليوم التالي .. تأخّر هابيل بالعودة الى اهله .. فأرسل آدم قابيل للبحث عنه , فوجده نائماً بين خرافه 
وفجأة ! ظهر ابليس خلف قابيل (دون ان يراه) وبدأ يوسّوس في اذنه .. 
فإذّ به يحمل صخرة كبيرة ويرميها على رأس اخيه الذي بدأ ينتفض بقوة 

وهنا اقترب ابليس من عزرائيل قائلاً :
- إذهب لأخذ روح ضحيتك الأولى
عزرائيل : الن تتوب يا ابليس ؟
- الم تسمع حكم ربك ؟!! .. انا لا توبة لي .. لهذا سأنفّذ ما وعدته به , وأظلّ أوسّوس حتى آخر نفسٍ لهم .. يبدو اننا سنتلاقي كثيراً في هذه الدنيا , يا صديقي القديم 

واختفى ابليس .. ليتوجه عزرائيل نحو جسد هابيل , ويمدّ له يده ..
هابيل بألمٍ وفزع : من انت ؟!
- انا ملك الموت , وقد حان الوقت لآخذك معي الى الجنة 
- الجنة ! المكان الذي خُلق فيه والدايّ ؟
- نعم , ستجد فيها كل ما تتمناه
- وماذا عن اهلي ؟
- يوماً ما سيلحقوا بك
هابيل : واخي ايضاً ؟
عزرائيل : لا , سيتعذّب في الجحيم الى ما شاء الله
- الجحيم ! لماذا ؟ 
- لأنه قتلك
هابيل بدهشة : هل مُتّ ؟! 
عزرائيل : الآن ستخرج روحك , هات يدك 

وما ان وضع يده بيد عزرائيل , حتى طفى معه في الهواء.. لكنه استوقفه قائلاً :
- لحظة ارجوك , لا تأخذني الآن .. اريد ان ارى ماذا سيفعله أخي بجثماني 
عزرائيل : ربما يطول الوقت قبل إيجاده الحلّ .. (ثم فكّر قليلاً) .. حسناً ليس ورائي عملٌ آخر , سننتظره قليلاً

وشاهدا سوياً إنهيار قابيل بالبكاء خوفاً من والده , وحيرته بما سيفعله بجثة اخيه ! 
وبقيّ على هذه الحال لفترة من الزمن , الى ان ارسل الله غراباً يعلّمه الطريقة .. فقام بتقليده , ودفن الجثة تحت التراب .. 
ثم تاه في الصحراء بعد قراره العيش وحيداً بعيداً عن اهله 

وهنا قال عزرائيل لهابيل :
- هل ارتحت الآن ؟
هابيل : وهل عرف والدي بما حصل لي ؟
- نعم , جبريل أطلعه بكل شيء .. وأخبره ان أخاك سيكون له نصيباً من ذنب كل شخصٍ يقتل غيره عدواناً , لأنه اول من سنّ جريمة القتل على الأرض ... والآن دعني آخذك الى السماء

وانطلقا نحو الجنة بسرعة الضوء .. وبهذا أتمّ عزرائيل مهمّته الأولى في الدنيا
***

من بعدها توالت المهام بشكلٍ بسيط , حيث طال عمر الإنسان آلاف السنين .. الى ان عمّ الفساد بينهم في زمن النبي نوح ..
وهنا وُكّل عزرائيل بمهمّة ضخمة : وهي قتل جميع البشر غرقاً , فيما عدا ركّاب سفينة نوح .. 

وهبط هو وجبريل وميكائيل سويّاً لتنفيذ المهمّة .. 
حيث لازم جبريل نوح لإعطائه الإرشادات في بناء السفينة , ومن هم ركّابها من البشر والحيوانات , عدا عن توجيهات رحلته البحريّة .. 

فيما قام ميكائيل واعوانه بإنزال المطر وتفجير الأنهار , الى ان ارتفع منسوب المياه في الكرة الأرضية بأكملها ! 

في الوقت الذي كان فيه عزرائيل يقبض ارواح الكافرين .. الى ان وصل لآخرهم : وهو ابن نوح الذي ظلّ متمسكاً بقمّة الجبل وهو يرى سفينة والده تبتعد خلف الأمواج , صارخاً بندمٍ وخوف :
- سامحني يا ابي !! كان عليّ الذهاب معك !! ارجوك عدّ وخذني معك !!
عزرائيل وهو يحلّق فوقه : لا توبة لك الآن
فسأله بفزع : من انت ؟!

فقام عزرائيل بإبعاد يديّ الشاب عن الجبل بالقوة , وغطّس رأسه تحت الماء , الى ان توقف عن الحراك .. ثم ترك جسده يغرق كبقيّة البشر !

وهنا ناداه ميكائيل من بعيد :
- هل أنهيت مهمّتك ؟!!
عزرائيل : نعم !! وانت ؟ 
- لا !! مازال امامي إعادة المياه الى جوف الأرض , وإيقاف المطر بعد وصول سفينة نوح الى جبل الجودي في تركيا .. إسبقنا انت !! وسألحقك انا وجبريل بعد قليل 
وانطلق عزرائيل الى السماء بعد انتهاء مهمّته بنجاح..
*** 

ثم توالى الأنبياء والرسل , الى ان جاء عصر سيدنا موسى .. 
وانتظر عزرائيل جيش فرعون في منتصف البحر المشقوق الى نصفين , بعد ان تجاوز موسى وقومه الضفّة الثانية.. 
وما ان رأته الأحصنة , حتى ارتعبت ورمت من فوقها الجنود ... 
وهنا التقت عينا فرعون بعزرائيل (الذي لم يره احدٌ سواه) قائلاً له:
- سيجعلك الله عبرة للعالم أجمع !!

ثم رفع عزرائيل جناحه مُشيراً للميكائيل بإعادة البحر الى هيئته السابقة .. ليغرق جنود فرعون دفعةً واحدة .. 
ثم قام اعوان عزرائيل بحمل ارواح الجنود الى السماء , بينما تكفّل عزرائيل بحمل روح فرعون الذي حلّق معه فوق البحر وهو يقول له :
- أترى الجثة الطافية هناك ؟ هذا جسدك الذي سيبقى محفوظاً في المتاحف الى ما شاء الله , فالأرض رفضت ان تُدفن فيها بعد إدعائك الألوهيّة .. (ثم قال بسخرية) .. إبشر يا فرعون !! فجبروتك ضمنت لك الدرك الأسفل من جهنم التي سأريك إيّاها الآن .. هيا بنا 

ورفعه الى السماء , وروح فرعون ترتجف رعباً بين جناحيّ ملاك الموت
***

ثم حلّ زمن سيدنا عيسى .. 
وفي الوقت الذي أُعطيت الأوامر لعزرائيل بنزول الأرض , تفاجأ بجبريل يصعد الى السماء برفقة سيدنا عيسى وهو على هيئته البشريّة !
فسأله عزرائيل باستغراب : انا لم أقبض روحه بعد !
جبريل : نعم سيبقى معنا في الجنة , الى ان أُعيده الى الدنيا بأمرٍ من الله ليحكم بين الناس بالعدل  
- اذاً سأنزل لأخذ روح شبيهه المُقيد على الصليب

وبعد نزول عزرائيل .. قال النبي عيسى لجبريل بقلق : 
- أخاف ان يُضلّ الناس من بعدي
جبريل : لا تقلق , سيأتي نبيٌ آخر لتوضيح ما حصل .. وأتباعك أحرار بتصديقه ام لا , فالهداية بيد الله وحده .. والآن دعني أوصلك الى الجنة , فالجميع في انتظارك
***

وفي زمن سيدنا محمد .. دخل عزرائيل بيته , ليجده يتصبّب عرقاً من سكرات الموت وهو في حجرة السيدة عائشة.. فقال له بحزن :
- السلام عليك يا رسول الله 
فسأله الرسول بتعب : الرفيق الأعلى ؟
- نعم هو أرسلني اليك .. وجميع الملائكة مُشتاقة لرؤيتك الشريفة بينهم .. اما عن اهل بيتك : فإبنتك فاطمة ستكون اول من تلحق بك .. ولن يطول الزمن قبل إحضاري صديقك ابو بكر اليك

فابتسم الرسول بإرهاق , ثم أغمض عينيه ومالت يده  .. لينتقل مع عزرائيل الى الجنة , ويعمّ الحزن على اهل المدينة وسائر المسلمين
*** 

وتتابعت العصور : من خلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين
ثم اندلعت الحربين العالميتين , بما تضمّنتها من مجاعات وامراضٍ فتّاكة جعلت عزرائيل وجنوده في عملٍ دائم لقبض ارواح الملايين في انحاء العالم
بعدها هدأ الوضع قليلاً , بحروب متفرقة في بعض الدويلات الصغيرة 
***

في إحدى الليالي .. سأل عزرائيل أحد جنوده الجدّد :
- لما تجلس وحدك هنا ؟
الملاك الشاب : تأثّرت حين رأيتك تأخذ روح طفلٍ صغير , ولم أتحمّل بكاء امه
- هو طير من طيور الجنة .. ستتعوّد لاحقاً , فهذه مهمّتنا
- هل يمكن ان اسألك عن نوعيّة مهمّاتنا ؟ 

عزرائيل : تختلف على حسب طريقة الوفاة : فالأكثرية يموتون لكبر سنهم او لأمراضهم المستعصية او بحوادث المواصلات والكوارث الطبيعية : من زلازل وبراكين وخسف اراضي وتسونامي وصواعق واعصارات وانهيارات الجليد , وصولاً للحشرات وهجوم الحيوانات المفترسة .. لكن حينما نقبض ارواحاً هائلة من البشر , فهي عادةً بسبب الحروب .. اما أصعبها : الموت جوعاً في معتقلات التعذيب والقتل .. وأغباها على الإطلاق هو الإنتحار  
- وليس هناك عمراً محدّداً , اليس كذلك ؟
- لا الموت يطال الجميع : اطفال وشباب وعجائز وعلّية القوم وأحقرهم .. كلهم سيموتون , حتى انا
الملاك بدهشة : حتى انت ؟!

عزرائيل : نعم في نهاية الدنيا , حين يموت سكّان الأرض والسماء .. وينادي الله ويقول , كما ذكر في القرآن .. 
فأكمل الملاك الآية : ((لمن الملك اليوم , لله الواحد القهّار))
- صدق الله العظيم .. والآن استجمع قواك , فلديّ مهمة ستُسعدك
- ماهي ؟ 
عزرائيل : حاكمٌ دكتاتوريّ , أذى شعبه لسنواتٍ طويلة .. والآن وصلني خبر إنتهاء اجله 
الملاك بحماس : نعم !! أحب مشاهدتك وانت تأخذ ارواح الفسقة والمجرمين  
- امّا عن نفسي , فأحب قبض الروح المؤمنة اثناء تأديتها فرائض العبادة من صومٍ وحج , فهي أجمل موتة وأسهلها  
- صحيح 
- اذاً هيا بنا , فعملنا لا ينتهي ابداً

وانطلقا الى دولة الحاكم , لقبض روحه وإراحة شعبه من ظلمه
*** 

وفي عصرنا الحالي .. بدأ عزرائيل واعوانه بقبض ارواح مرضى الكورونا الذي تفشّى في انحاء العالم ..
الملاك : هذا اول وباء يجتاح الكرة الأرضية بأكملها !
عزرائيل : نعم , لكنه ليس اول وباءٍ فتّاك .. فهناك الكثير قبلها مثل : الطاعون والجدري والإنفلونزا الإسبانية والإيدز والتيفوئيد والجذام غيرها .. وهو تحذير من الله يحصل كل مئة عام لإعادة العباد الى دينهم , وكما قال الرسول محمد عليه السلام :(كفى بالموت واعظاً) .. وبرأيّ هذه المرة إستحقوا العقاب بعد انتشار الفساد في البلاد العربية , وأخاف ان لم يتوبوا ان يستبدلهم الله بعبادٍ آخرين يحملون راية الإسلام 
- الأمر خطيرٌ اذاً 
- نعم واعتقد قريباً ستنتهي علامات القيامة الصغرى , لتبدأ بعدها العلامات الكبرى التي ستكون مرعبة بحقّ !
***

ومرّت السنواتٍ , الى ان ظهر جبل الذهب في العراق ..
وهناك شاهد عزرائيل وجنوده مشاجرات الناس الجشعة حول نصيب كل فردٍ من الذهب , وسرعان ما تحوّلت لقتلٍ وإبادة .. 
حتى الذي تمكّن من الهرب مع حفنة بسيطة من الذهب , قُتل في الطريق قبل وصوله الى بيته .. هكذا الى أن إنفنوا جميعاً !

وهنا قال عزرائيل لأعوانه : هآقد أنهيت مهمّتي اخيراً .. الآن أنقلوا ارواحهم التي قبضتها الى السماء .. ودعوا القتلة ينظرون الى مكانتهم في جهنم , التي يصْلوْنها يوم القيامة ..

وهنا لمح عزرائيل ابليس فوق الجبل يتفقّد اعداد الجثث , فحلّق فوقه وهو يقول : 
- كنت متأكداً انني سأراك هنا 
ابليس : رغم سعادتي بالكمّ الهائل من الضحايا , لكني متفاجأ أن الجبل بقيّ على حاله !
عزرائيل : طبعاً , فمالا تعلمه ان الله أعطى الأوامر للأرض لإخراج كنوزها .. وقريباً سيصبح الذهب كأيّ حجرٍ عادي لا قيمة له
- خسارة ! كنت فتنت به الكثيرين , ولعقودٍ طويلة .. لكني حتماً سأجد مغرياً آخر يبعدهم عن الصراط المستقيم 
- كم أتوق لأخذ روحك يا ابليس
ابليس بلؤم : لا تستطيع !! فالله وعدني ان أبقى حيّاً الى يوم القيامة  
عزرائيل : اذاً موعدنا في ارض المحشر

ثم اختفى الشيطان , بينما انتقل عزرائيل الى السماء في انتظار مهمّته التالية
***  

ولم تمضي سنوات , حتى جاء عصر الدجّال الذي سرعان ما أحاط به الناس لرؤية جنته وناره , كما أوهمهم بها اعوانه من الجن والشياطين 

وكل من آمن به , ودخل جنته : تفاجأ بعزرائيل ينتظره هناك , لقبض روحه وإرسالها للجحيم بعد كفره بالله 
وقد راح ضحيّة أكاذيب الدجّال الكثيرون ممن خسروا دينهم !
***

ثم جاءت أصعب مهامّ عزرائيل في عصر يأجوج ومأجوج بعد خروجهم من السدّ , حيث قتلوا كل من صادفوه امامهم من حيواناتٍ وبشر .. 

وعمل عزرائيل وجنوده ليل نهار لنقل الأرواح تِباعاً الى السماء , حتى فرغت الأرض منهم !
وهنا قال ملاك من جنود عزرائيل : 
- مازال هناك قلّة من الناس مُختبئة فوق جبل الطور !
عزرائيل : هم بقيادة عيسى , والله سيحفظهم من شِرار اولئك الهمج

واثناء وجود عزرائيل مع جنده في السماء , تفاجؤا بأسهمٍ تنطلق نحوهم ! وهنا لمح جبريل ينزل اليهم , فسأله عزرائيل بقلق :
- ماهذه الأسهم يا جبريل ؟
- يريدون قتلنا في السماء
عزرائيل بدهشة : ماذا ! أوصلت وقاحتهم وغطرستهم لهذه الدرجة 

جبريل : نعم ..وأمرنا الله ان نصبغ نصالها باللون الأحمر ونعيدها اليهم , ليتوهموا بنجاح خطتهم 
- وماذا سيحصل بعدها ؟
جبريل مبتسماً : ليكن الله في عونك يا عزرائيل , لأن عليك أخذ ارواحهم جميعاً
عزرائيل باستغراب : دفعةٌ واحدة ! وكيف سيموتون ؟
جبريل : سترى معجزة الله بنفسك الليلة
*** 

وسهر عزرائيل مع جنده طوال الليل لمراقبة يأجوج ومأجوج اثناء نومهم , ليتفاجأوا بدخول دودٍ صغير الى انوفهم جعلتهم يتلوّون بألمٍ شديد , بعد أكلها أدمغتهم ! 

وقبيل الفجر .. وصلت اوامر الله بقبض ارواحهم جميعاً .. 
فأسرع عزرائيل وجنوده بنقل ارواحهم الى السماء , والتي صفّوها قرب جهنم لرؤية ما ينتظرهم يوم القيامة ..

وبعد انتهاء مهمّته الشاقة .. سأل عزرائيل :
- ماذا عن جثثهم ؟ ان تحلّلت , ستفسد الأرض برائحتهم العفنة
فأجابه جبريل : النبي عيسى يدعو ربه الآن لحلّ هذه الأزمة .. وقريباً سترى شيئاً يدهشك 

وخلال ساعاتٍ قليلة .. ظهرت اسراب من طيورٍ عملاقة غطّت نور الشمس , حملت جثثهم العفنة ورمتها في البحر .. 

ثم شاهدت الملائكة : عيسى ومن معه يسجدون شكراً لله بعد انتهاء محنتهم , وعودتهم سالمين الى بيوتهم لإعمار الأرض من جديد والتي أثمرت بشكلٍ خياليّ لبضع سنوات , كمكافأة من الله على صبرهم على البلاء العظيم 

فقال أحد اعوان عزرائيل : وأخيراً عمّ السلام على سكّان الأرض
عزرائيل : ليس طويلاً , فالقيامة لن تقوم الا على شِرار القوم
***

ومرّت القرون .. الى ان ظهر الحبشي ذوّ السويقتين الذي أمر بهدم الكعبة , ليقوم جنوده برميّ أحجارها في البحر .. 
فبكت الملائكة حزناً على بيت الله الذي بناه ابراهيم واسماعيل ..

فقال لهم جبريل :
- لا تحزنوا , فالأجيال القادمة لا تستحق رؤية الكعبة الشريفة 
عزرائيل : سمعت انه لا توبة لهم بعد شروق الشمس من مغربها
جبريل : صحيح .. وسيتفوقون بفسادهم كل الأمم التي سبقتهم ! لدرجة انكم ستتمنّون قيام الساعة 
***

وبعد سنوات من الفسوق والإجرام اللا إنسانيّ .. أمر الله إسرافيل بالنفخ في الصور , وهلاك الأرض بمن فيها.. 
ليقوم عزرائيل وجنوده بقبض ارواح كل البشر ..

من بعدها أمر الله عزرائيل بقبض ارواح الملائكة .. فابتدأ بجنوده اولاً , وصولاً لكبار الملائكة .. 
وحين وصل الى جبريل قال له :
- خذّ روحي يا عزرائيل , ودعنا ننتقل ليوم الحساب 
عزرائيل : اذاَ هات يدك يا صديقي 

وما ان أمسكها , حتى ضمّ جبريل أجنحته 600 حول جسمه , وابيضت عيناه..

ثم وضع الملائكة الثمانية عرش الله فوق الغيوم , واقتربوا نحوه وهم يقولون : 
- الآن دورنا
فنفخ عزرائيل في وجوههم , ليختفوا من الوجود !

ثم سجد عزرائيل امام عرش الله وهو يقول : 
- إلهي أنهيت مهمّتي , وجاء دوري الآن .. أقبض روحي يا الله 

وفجأة ! إسوّدت الدنيا في عينيّ عزرائيل .. 
وحين فتحهما مجدداً : رأى نفسه بين صفوف الملائكة بأرض المحشر ..والناس تخرج من تحت التراب كالجراد المنتشر .. ليصطفّوا في طابورين : الأخيار والأشرار .. 

ثم نزلت الجنة من السماء .. وأُخرجت جهنم من باطن الأرض .. 
وظهر الصراط المستقيم جليّاً للعيان , وكذلك ميزان الأعمال الضخم .. 

ووقف الرسول محمد بجانب الحوض الذي فيه ماء الكوثر .. وقومه ينتظرون شفاعته , وهم متشوقون لشرب جرعة ماء من يده الشريفة تقيهم حرّ الشمس التي تسطع فوق رؤوسهم ! 
ثم تطايرت الصحف فوق العباد : القلّة منهم أمسكوها باليمين .. والأغلبية بيدهم اليسار ..

وفجأة ! عمّ السكوت المهيب بعد نزول عرش الرحمن اليهم , لتبكي الناس من هول الموقف !  
فتنهد عزرائيل بارتياح , قائلاً في نفسه :((هآقد بدأت يوم القيامة)) 

وفتح رضوان باب الجنة لاستقبال المؤمنين .. وفتح مالك باب جهنم لرميّ الكفار بداخلها ..

وبعد ساعاتٍ طويلة على بدء الحساب , قال جبريل لعزرائيل : 
- دعنا نسبق الفائزين الى الجنة .. وزبانية مالك سيتكفّلون بالباقي
وحلّقا الى هناك , لاستقبال المؤمنين بالسلام والتبريكات .. 

وظلّ الوضع على هذه الحال , الى ان أمر الله بإغلاق بوّابات الجنة والنار الى أبد الآبدين !  

هناك 3 تعليقات:

  1. أستاذة أمل
    جزئية في القصة ليست صحيحة وهي قبض ملك الموت التراب من نواحي الأرض والصحيح هو ما يأتي :
    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال:" إنّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسّهل والحزن وبين ذلك "، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وصحّحه الألباني.
    فخلق آدم عليه السلام بقبضة الله سبحانه وتعالى وليس من قبضة ملك الموت.
    مع التحفظ على اسم عزرائيل لأنه لم يثبت في الكتاب والسنة، بل الثابت فيهما اسم ( ملك الموت ).

    ردحذف
  2. ورد فى البيهقى ما يفيد ان ملك الموت هو من قبض القبضة من جميع الأرض كما ذكرت أستاذة أمل ..وإذا أعتبر الحديث صحيحا ...لست من أهل العلم .. فلا تناقض حيث تنسب بعض أفعال العباد إلى الله إذا كان هو الآمر بها كقتل الكافرين فى المعركة قال الله ..فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ...ومثل قبض الارواح نفسها قال الله ..الله يتوفى الأنفس ... وقال ...إنما يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم... وقال ..حتى إذا جاء أمرنا توفته رسلنا وهم لا يفرطون ...
    أما تسمية ملك الموت بعزرائيل فلا تصح والله أعلم
    عمرو البيلى

    ردحذف
  3. جميل

    ردحذف

لكم دينكم وليَ دين

 كتابة : امل شانوحة دفاعاً عن الحبيب المصطفى    في الصباح الباكر .. جلست ريمي المحجبة داخل القطار مُحاولةً تجاهل نظرات الغضب والإشمئزاز من ا...