الاثنين، 14 نوفمبر 2022

المعركة الحاسمة

كتابة : امل شانوحة 

 

المُعسكر الإجباريّ


كان ظهور جزيرة مُسطّحة في المحيط الهادىء علامة لإبليس لحربٍ مُدمّرة ، تُخلّصه من اكبر عددٍ من اعدائه البشريين .. لهذا أمر قادة الماسون في كل دول العالم بإرسال جيشٍ برّي بأسلحته البدائيّة الى تلك الجزيرة .. ومن يفوز منهم ، يحكم العالم بعملته النقديّة وسياسيته الخارجيّة.. وأعطى ابليس مُهلة عشرين سنة لبدء المعركة الدمويّة .. وألزم جميع دول العالم بالمشاركة ، بما فيها الدول المُسالمة التي منها سويسرا ، والتي شعر رئيسها بالإرباك بعد رفض جيشه البرّي الإنضمام للمعركة القادمة ! وهذا يعني إن عليه تجنيد شباب جدّد ، وتدريبهم على الوسائل البدائيّة : كالسيف والرمح والسهام ! والأسوء إن شعبه القرويّ رفض التجنيد الإجباريّ لأبنائهم .. 


فاجتمع الرئيس السويسريّ مع وزرائه لطلب الحلّ ، فهو لا يستطيع رفض طلب الماسون التي بإمكانها قتله او استبداله برئيسٍ آخر .. 


فاقترح وزيره : طالما لديهم مُهلة عشرين سنة لبدء المعركة ، فالأفضل تجنيد الأيتام .. لكن اقتراحه لم ينفع ، لأن عددهم لا يتجاوز المئتين .. فمعظم السكّان يعيشون حياةً ريفيّة مُحافظة ، بينما جيلهم الجديد يُفضّل حياة العزوبيّة !  

(مع العلم إن إبليس أجبر كل دولة بإرسال ألف جندي فقط للجزيرة .. ولهذا تحاول الدُول تجنيد أفضل عساكرها للمعركة الحاسمة) 


فاقترح وزيره الآخر :  

- لما لا نصنع جيشاً وحشيّاً ، نُشرف عليه منذ البداية ؟ 

وذلك بإنجاب بذورٍ شيطانيّة ، يتمّ عزلها عن العالم الخارجيّ في معسكراتٍ سرّية .. ويتمّ تدريبهم على ذبح الحيوانات وأكل لحمها نيئاً ، ومشاهدة افلام الرعب الدموية والجرائم الحقيقية منذ صغرهم لإنتاج جيشٍ بلا رحمة يفوز بالمعركة الدمويّة ، لتتحكّم سويسرا بالعالم أجمع !


وأيّد اقتراحه وزير الصحّة (الذي عمل بالمختبرات الطبّية سابقاً) وأطلعهم على تجربته السرّية على الحيوانات ، التي نتجَ عنها مخلوقات لا تملك قلباً في جسدها ! وفي حال طبّقها على الأجنّة البشريّة ، سينتجون جيشاً لا يملك عواطف او تأنيب الضمير ، والذين سيحسمون المعركة لصالح دولتهم


وتمّ الإتفاق سرّاً بينهم : على أخذ العيّنات من أخطر مجرميهم .. وحقنها في أسوء المُعقّدات نفسيّاً من نساء مستشفى المجانين .. ثم سحب البوّيضات المُلقّحة ، لوضعها بأرحامٍ صناعيّة .. لحين ولادة الأطفال داخل معسكراتٍ صارمة ، بعيدة عن الإعلام العالمي 

***


بعد عشر سنوات .. فقدت الحكومة السويسريّة السيطرة على الف جندي صغير من البنات والأولاد الهمجيين الذين رفضوا الإستحمام والإلتزام بالقوانين .. فمعظمهم يفهم لغة الضبّاط لكنهم لا ينطقون ، بل يصدرون اصواتاً تشبه الصراخ والصفير كلغة الحيوانات ..ويأكلون بأيدهم ويتضاربون رغم وفرة الطعام ، كأنهم يطبّقون قانون الغاب : الغلبة للأقوى !


وبعد تعرّض احدهم للكسور بسبب التدافع ، لرفضهم النوم بوقتٍ معين .. إجتمع القادة لمناقشة المشكلة : وعرفوا إن احتجاز الأولاد لسنواتٍ طويلة داخل المعسكر ، أشعرهم بالإختناق والكئآبة .. 

فقرّروا ربطهم بسلاسل وإخراجهم مرة بنهاية الشهر للجبال ، لتنشّق الهواء في نزهةٍ قصيرة.. 


ولكيّ لا يفزع السكّان وحيواناتهم الأليفة ، حدّدوا وقت النزهة من العاشرة ليلاً ، وإعادتهم للمعسكر قبل شروق الشمس.. 

ولكونهم جنوداً مشاغبين ، تمكّن بعضهم الإفلات من رقابة الضبّاط ، وفكّ سلسلته التي تربطه برفاقه ، للإنطلاق بحرّية بجميع الجهات! 

مما أدّى لغضب القرويّن بعد هجومهم على المواشي والدواجن ، وأكل محاصيل مزروعاتهم كأنهم حيواناتٍ شريدة !

 

فأمرت الدولة شعبها بالبقاء في منازلهم طوال الليل ، دون مراقبتهم من النوافذ ، لأن نظراتهم تُغضب الجنود الصغار ، مع قفل زرائبهم جيداً.. وستقوم الحكومة بمدّ اسلاكٍ كهربائية حول المزارع والمراكز المهمّة بالبلد ، لحمايتها من هجمات المجنّدين الصغار ! 

وفي حال دمّروا مرافقاً في الشوارع والحدائق العامة ، فسيتم إصلاحه على كلفة الدولة بأقرب وقتٍ ممكن .. وسيحدث هذا الإستنفار مرة بنهاية كل شهر


فالتزم الجميع بالأوامر ، حيث باتوا ليلتهم مع اولادهم في قبو منازلهم .. فبالنهاية اولئك الجنود سيمثّلّون بلادهم في الحرب العالميّة القادمة ، رغم إستحقار الشعب لهم لكونهم اولاد شياطين (آباء مجرمين ، وأمهات مجانين)

***


في اواخر الربيع .. إستطاعت مُجنّدة في 12 من عمرها ، الإفلات من رقابة الضّباط .. والإنطلاق نحو كوخٍ في أعلى الجبل ، بعد ملاحظتها نوراً مضاءً فيه ! بعكس جميع المنازل الذين التزموا بقانون إطفاء نورهم طوال تلك الليلة ..


واستطاعت القفز من النافذة الى داخل الكوخ ، لتجد رجلاً عجوزاً يُعدّ العشاء بالمطبخ .. 

فنزلت الأدراج بهدوء نحو القبو المُضاء بالشموع .. لتجد صبيّاً في ١3 من عمره يقرأ قصة فوق فراشه الصوفيّ ، والذي كاد يصرخ بعد رؤيته ثيابها العسكريّة وهي حافيّة القدمين..

فأشارت الى سوارها الإلكترونيّ ، والخوف واضح في عينيها الزرقاوتين!


فعلم الصبيّ (بيتر) انها خائفة من ملاحقة الضّباط لها .. فأخرج من صندوق العدة كمّاشة ، كسر بها السوّار .. 

فحضنته بسعادة لتحرّرها اخيراً من المعسكر الإلزاميّ ، لكن فرحتها لم تدوم بعد رميّ العجوز الشبكة من خلفها ، صارخاً بحفيده لفتح باب المخزن..

الحفيد : جدي ! هي فتاةٌ مُسالمة 

الجد بحزم : قلت !! إفتح الباب


وفتح الغرفة مُجبراُ .. ليرمي العجوز الفتاة هناك ، ثم قفل عليها بإحكام ..

فأخذت تصرخ غاضبة ، وهي تطرق الباب بيديها وقدميها..


بيتر : رجاءً جدي ، أخرجها من الغرفة المظلمة

الجد : الا تعلم القوانين ؟ سأتصل فوراً بالخدمة السريعة للحكومة ، للقبض عليها


ليُفاجأ بحفيده يسحب الجوال من يده ، ويحطّمه بقّوة على الأرض ! مما جعل الجدّ يصفعه غاضباً :

- هل جننت يا ولد ؟!!

فأراه بيتر بقايا السوّار الإلكترونيّ ، قائلاً بعصبية :

- كسرته بنفسي ، ولن اسمح لهم بأخذها !! 

الجد : هل عشقت المتوحشة خلال دقائق ؟ هي ابنة الشيطان ، الا تفهم ؟ يعني والدها مُجرمٌ خطير وأمها مُجنونة .. وتربّت بوحشيّة في المعسكر السرّي ، وتعوّدت مع رفاقها على قتل الأسرى بأيديهم وأسنانهم .. الغرض الوحيد منهم : هو ضمان فوزنا بالمعركة العالميّة القادمة .. يعني هي وحشٌ صغير ، وليست طبيعيّة مثلنا 


بيتر : لوّ عاملناها بلطف ، ستتغيّر.. انا متأكّد من ذلك

- الم تقرأ خطاب الحكومة جيداً ؟ .. وزير الصحّة حقنهم بهرمونات مُحرّمة دولياً منذ إن كانوا أجنّة.. هذه المخلوقات وُلدت دون قلب او عواطف او ضمير.. يعني ممكن أن تقتلنا نحن الأثنين دون رحمة .. علينا إعادتها للمعسكر قبيل الفجر

- رجاءً إبقها معنا يا جدي ، ولنحاول معاً تغيّرها .. لما انت خائف ؟ الست نقيباً متقاعداً ؟ الم تتعامل مع اسوء الأعداء ؟ ..إعتبرها اسيرة ، ودعنا نعاملها بإنسانية ولوّ مرة بحياتها


ففكّر جده مطوّلاً ، قبل أن يقول : 

- اذاً سأقيّدها بالسلاسل .. ولتبقى معنا بضعة ايام .. فقط !! لأثبت بأن نظريتك مستحيلة ..فهي مخلوق مُستحدث بالمعامل المخبريّة ، وليست بشريّة 

- حسناً ، لنبقها عاماً هنا 

الجد : مستحيل .. الدولة تعرف عددهم وارقامهم التسلسليّة ، وستبحث عنها في كل مكان .. ولا اظننا سننجح بإخفائها اكثر من عدة ايام

بيتر : اذاً لنأخذها الى مكانك السرّي

الجد بصدمة : كيف علمت بأمر سردابي الجبليّ ؟!

- قرأت مذكراتك اثناء نومك

- سأعقابك لاحقاً ايها المشاغب


وهنا سمعا صوت شاحنة عسكريّة تقترب من جبلهم ! 

فنظر الجد من شقّ الستارة السميكة ، بعد اطفائه النور المخالف للقوانين .. ليجد مجموعة من الجنود ينتشرون في المنطقة بحثاً عن الفتاة المفقودة ، فأمامهم اربع ساعات قبل بزوغ الفجر .. وأجهزتهم لا تلتقط إشارة التعقّب بسوّارها ، مما استوجب إستنفارهم العسكريّ!

الجد : حسناً ، سنأخذها للسرداب من الباب الخلفيّ قبل وصولهم الينا


ووضع منوّماً سائلاً فوق قطعةٍ قماشيّة .. وفتح باب المخزن بحذر ، لتهجم الفتاة عليه بغضبٍ شديد .. 

لكن بيتر استطاع تهدأتها بصعوبة ، كيّ لا تأذي جده بأسنانها وأظافرها الطويلة الوسخة ! 


وبعد هدوئها .. التفّ الجد خلفها ، واضعاً القماشة على انفها .. ولم يتركها ، حتى أغميّ عليها ..

ثم حمل يديها وحفيده قدميها ، وخرجا في الظلام لأعلى الجبل الذي حفر فيه الجد قديماً مقرّه السرّي ، خلف الشجرة الضخمة.. 


ومشيا في سردابٍ طويل ، الى أن وصلوا للغرفة المجهزة بالأغراض الضروريّة للحياة بعيداً عن المدينة .. 

ثم حمل الجد المُجنّدة الصغيرة ، ووضعها خلف زنزانة صغيرة (خصّصها  لمن يجرأ على اقتحام مقرّه)  


وكان في زاوية الغرفة : صناديق مليئة بالمعلّبات ، ومياه الشرب

بيتر وهو يقرأ تاريخ الصلاحيّة على علب الفاصولياء والسردين : 

- غريب ! المُعلّبات مازالت صالحة للإستخدام .. وأنا قرأت بمذكراتك انك حفرت السرداب قبل ثلاثين سنة ..

الجد : كنت أغيّر الطعام كل عام ، هي إحدى عاداتي الغريبة ..حتى جدتك لم تعلم بهذا المكان


وهنا ! إستيقظت الفتاة لتجد نفسها في زنزانةٍ ضيّقة ، فأخذت تضرب القضبان غاضبة ..

الجد بحزم : لن نخرجك من هنا ، حتى تصبحي فتاةً مطيعة !!


واقترب بيتر منها :

- لا تخافي .. أعرف انك تفهمين كلامي .. ماهو اسمك ؟ 

فأشارت الى الرقم الموجود على قميصها.. 

بيتر : هل كانوا ينادونك (277) ؟

فأومأت برأسها إيجاباً ..

بيتر : إذاً سأسمّيك (جانيت) ، هل يعجبك الإسم ؟

فابتسمت له ..


بيتر : وانا اسمي بيتر .. إعتبريني صديقك منذ اليوم ، وسأحاول تعليمك القراءة والكتابة.. وسألاعبك بألعاب الحاسوب الذي سأحضره غداً الى هنا.. وسنُشاهد عليه الرسوم المتحرّكة ، والأفلام الجميلة .. ومن وقتٍ لآخر سأشتري لك الحلوى اللذيذة ، فسويسرا مشهورة بالشوكولا .. فأنت من حقّك أن تعيشي كأيّ ولدٍ بمثل عمرك


واقترب الجد من الزنزانة ، قائلاً لها بحزم : 

- اما انا !! فسأعلّمك التصرّف كآنسة مُهذّبة ..وكيف تأكلين بالشوكة والسكين .. وكيف تطلبين الإذن ممّن يكبرك سناً .. وانت عليك وحدك تعلّم الإستحمام ، فرائحتك كريهة .. وسأجلب لك ملابس جديدة 


فهمس بيتر لجده بقلق : هل تظنها بالغة ؟ أقصد ..هل علينا إحضار مستلزمات النساء ؟

الجد : لا .. فحسب تقرير الحكومة ، ازالوا رحمهنّ منذ الطفولة

بيتر بقهر : هذا إجرام !

الجد : هم يريدونهنّ جنوداً ، لا أن يتزوجنّ وينجبنّ الأطفال .. وكذلك عقّموا الجنود الذكور ، لهذا ليس لديهم عواطف .. فلا تنجذب لها من هذه الناحية ، فهي جسد دون قلب .. وسنعاملها كرهينة 

بيتر بجدّية : بل سأعاملها كصديقتي !!

الجد : كما تشاء .. كلاً منا يعاملها على طريقته .. بالنهاية سنرى من اسلوبه ينجح بتغيّر طباع هذه المخلوقة .. أأسلوبي الحازم الذي تعوّدت عليه بالمعسكر ، ام لطفك وتفاهة الصغار ؟

***


بعد مرور أشهر على إحتجاز الفتاة بالمكان السرّي ، بدأت جانيت تتحدّث قليلاً .. ونجح الجد بتعليمها آداب التحدّث والجلوس والطعام ، وتلقّي الأوامر بطواعيّة واحترام .. 


بينما استطاع بيتر تعليمها الكتابة والقراءة ، بكتب طلّاب اول وثاني ابتدائي ..وبدورها استمتعت بمشاركته العاب الكمبيوتر والحلوى من خلف القضبان .. 

واستطاع بيتر بعد الكثير من الإلحاح ، إقناع جده بإخراجها من زنزانتها الضيّقة ، بعد تقيّد قدمها بالسلاسل كيّ لا تهرب من الكهف

***


بعد أن تمكّنت جانيت من تكوين جملٍ مفيدة .. أخبرتهما عن التعذيب وقساوة المعسكر : حيث يرمون لهم الطعام وسط القاعة كالكلاب..والأقوى بينهم يحصل على النصيب الأوفر .. بينما الضعيف يحصل على الفتات الذي بالكاد يُشبعه ! 

كما إن رائحة العنابر لا تُطاق ، بسبب رفض أكثريتهم الإستحمام .. حتى إن القادة يدخلون عليهم ، وهم يلبسون الكمّامات .. ويجبرونهم طوال النهار على التدرّب المبارزة فيما بينهم : بخشبٍ منحوتٍ كالسيوف (كيّ لا يقتلوا بعضهم) وإطلاق السهام لاصطياد الحيوانات البرّية ، وصولاً لقتلهم بوحشيّة أسرى الحرب والمجرمين المحكوم عليهم بالإعدام ! وربما قتلوا آبائهم دون علمهم ..وأعربت عن رفضها العودة لمعسكر الجحيم ، حسب وصفها ! 

***


بهذه الأثناء .. كان العساكر مازالوا يمشّطون الطرقات والمنازل ومراقبة كاميرات الطرق ، بحثاً عن المجنّدة المفقودة .. 

ليلاحظوا بالكاميرا القريبة من الجبل : العجوز وهو يحمل الأغراض ، متوجّهاً ليلاً لأعلى الجبل ! 

فعلموا انه يُخفي شيئاً .. وارسلوا جنوداً لمراقبته خلف الأشجار ، ليروه وهو يفتح باباً سرّياً بالكهف ! 

فهجموا عليه وأوسعوه ضرباً ، حتى اعترف بمكانها ..


فاقتحموا الغرفة السرّية.. ليقوم بيتر بمقاومتهم ببسالة ، الى أن أفقدوه وعيّه بصعقه كهربائياً ! وقيّدوا الفتاة التي انهارت باكية ، لعدم رغبتها العودة لمعسكرهم المخيف 

***


بعد ذهابهم ، استيقظ بيتر .. ليجنّ جنونه بعد اختفاء صديقته جانيت! 

ونزل الجبل .. ليجد الناس مُتجمّعين حول جثة جده الذي مات بسكتةٍ قلبية ، بعد ضربه بقساوة من العساكر لخطفه المجنّدة (277) ! 

***


فور رجوع جانيت للمعسكر ، تمّ استجوابها عمّا فعلته بالشهور الماضية .. ليلاحظوا هدوئها ، وإجابتها الأسئلة بوضوح ! 

فتذكّروا أن الصبيّ بيتر (قبل فقدانه الوعيّ) أخبرهم أنه تمكّن مع جده من تغيّرها للأفضل .. 

لكن عليهم مراقبتها اولاً ، للتأكّد من ادّعائه الغير منطقيّ ! 

***


بعد ايام من مراقبتها داخل المعسكر وطريقة تعاملها مع رفاقها ، شعروا باختلاف عاداتها ! حيث أكلت وجبتها باحترام ، بعكس همجيّة زملائها .. كما أجابت بأدب على اوامر الضّباط .. وهي الوحيدة بين الأولاد التي تحسّن نطقها بشكلٍ ملحوظ ! 


فاستدعوا بيتر (الذي عاش عند عمه بعد وفاة جده ، فهو يتيم الأبويّن) الذي أخبرهم بكل ما حصل في الكهف ..

قائد الجيش : هذا مستحيل ! فهم مُخلوقين دون قلب 


وطلب من طبيب المعسكر تصوير جانيت بالأشعة ، ليلاحظوا نموّ قلبٍ صغير الحجم ، مع تحسّن إشارات دماغها (عن فحصها الأخير قبل هروبها) .. 

فقال لهم بيتر معاتباً : 

- انتم تعاملونهم كوحوش او آلاتٍ حربيّة منذ صغرهم ، فكيف سيتعلّمون التصرّف كبشر بعد أن لقبّتموهم ببذور الشياطين ، وحرمتموهم الحنان والعطف ؟! لوّ عاملتموهم كأولاد طبيعيّن ، لحصلتم على جنود مطيعيّن لأوامركم ، بدل جيشٍ همجيّ لا يمكنه تنفيذ مخطّطاتكم العسكريّة بالمعركة القادمة ، التي سنخسرها حتماً


ووصل نقده لرئيس الدولة الذي أصدر بياناً للشعب عن رغبته بمتطوّعين لتربية الجيش الفاسد براتبٍ مغري .. 

فتقدّم للوظيفة : آباء عقيمين حنونين ، واساتذة صارمين ، وقادة متقاعدين ، ومعلمي الّلباقة الإجتماعيّة ، وعلماء نفس .. ليبدأوا جميعاً بتدريب الجنود الصغار على امورٍ لم يعتادوها من قبل : مثل الإستحمام ، والردّ باحترام ، والأكل بهدوء ، والقراءة والكتابة ، وروح التعاون اثناء ممارستهم الرياضة الجماعيّة .. 


وكل هذه الأمور أهملها الضّباط السابقين ، لعلمهم بأن هذا الجيش المُستحدث : ذاهبٌ لمعركةٍ دمويّة دون رجعة .. ككبش فداء ، تنفيذاً لأوامر الماسون فقط  

***


بعد سنوات .. نجحت الدولة السويسريّة بتنظيم جيشٍ من الشباب المُتفانين لحماية بلدهم ، بعد تعلّمهم حبّ الوطن والتضحيّة لأجله .. ليصبحوا جنوداً اكثر تعقّلاً ونضجاً ، بعد تعلّمهم الكثير من القواعد والقوانين من قبل المتطوّعين المحترفين 

***


وفي اليوم المنشود الذي حدّده ابليس.. تجمّع ألف جندي من (206) دولة في العالم بمختلف الجنسيّات ، فوق الجزيرة النائية لبدء الحرب العالميّة !

 

الفرق أن جميع الدول أرسلوا جيشاً نظاميّ من ابناء شعبهم ، بعكس الجيش السويسريّ المكوّن من مجموعة ايتام لا يُعرف نسبهم ، والذي بقيّ امرهم سرّاً عن الإعلام العالميّ .. والذين تربّوا بأصعب الظروف ، ليصبحوا جيشاً لا يعرف الرحمة والشفقة ، هدفهم الوحيد هو تحقيق الفوز لبلدهم .. بعد ان أخبرهم قائدهم : أنهم لن يروا سويسرا ثانية ، لأنهم امام نتيجتين فقط : إمّا الفوز واحتلال العالم ، او موت آخر جنديٍّ فيهم !


واصطفّ جنود البلاد في فريقين مُتعارضين .. 

وقبل إطلاق صافرة البداية من رئيس الماسون لبدء المعركة الدمويّة الحاسمة ، تفاجأت جانيت بشابٍ مُجنّد يقترب منها ويمسك يدها بحنان ..


وحين التفتت اليه ، عرفته على الفور .. فهو صديقها بيتر الذي افترقت عنه لسنوات ، والذي تطوّع بالجيش (ليعتبر الوحيد من خارج المعسكر السرّي) قائلاً لها :

- إمّا أن نعيش معاً ، او نموت معاً

جانيت بابتسامةٍ حنونة : 

- لن نموت ، فنحن الجيش الهمجيّ الوحيد بينهم .. بذور الشيطان ، أنسيت ؟ .. سنربح عليهم ، لجعل سويسرا حاكمة العالم

بيتر : ستحتلّين العالم كما احتللتِ قلبي ، حبيبتي

جانيت : بحنانك نمى قلبي من جديد ، ولأجلك سأقاوم حتى آخر نفس


وهنا ! سمعا من مكبّر الصوت (المُثبّت في طرف الجزيرة) رئيس الماسون (المُوكّل من ابليس الذي يراقبهم من بعيد) يقول بصوتٍ جهوريّ: 

- هل انتم مستعدّون ؟!!

فأجاب كل فريق بلغته : نعم !!

الرئيس : جيد !! ستبدأ المعركة ، والرابح سيحكم العالم .. إقتربوا من وسط الجزيرة ، واشهروا سيوفكم .. سأبدأ العدّ التنازليّ الآن : ٣ ٢ ١ ..إنطلقوا !!


وهجم الجنود على بعضهم وهو يصرخون بعلوّ صوتهم .. ومن بينهم بيتر وحبيبته جانيت ، لخوض حربٍ عالميّة مجهولة النتائج والمصير !


السبت، 12 نوفمبر 2022

تسجيل صوتي لقصتي السابقة : نهاية أغنى رجلٍ بالعالم


 قام الأخ أحمد محمد سنان بالإخراج الصوتي لقصتي السابقة : ((نهاية أغنى رجلٍ بالعالم)) بمساعدة من اصدقائه .. فلهم جزيل الشكر والثناء 

الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=tiKPZQEvaqE




الجمعة، 11 نوفمبر 2022

سائق الأوبر

كتابة : امل شانوحة 

 

الليلة الماطرة


وصل سائق الأوبر (العجوز إريك) الى المكان المحدّد على جواله ، وسط غابةٍ مظلمة في يومٍ ماطر ! 

فظن انه التقت إشارة المكان خطأً ، وأوشك على المضيّ في طريقه .. قبل أن يُفتح بابه الخلفيّ ، ويدخل رجلٌ ملثّم بمعطفه المبللّ وهو يقول :

- تأخّرت يا رجل !

إريك : ابطأت حين وصلت لبداية الغابة ، ظنّاً بأني أخطأت المكان 

- سيارتي تعطّلت قبل خروجي من الغابة الموحشة  


فالتفت إريك يميناً ويساراً .. ورغم غزارة المطر بالخارج ، إلاّ انه لم يرى سيارة متوقفة بأيّ مكانٍ قريب منهما ! 

فقال الراكب بضيق :

- ماذا تنتظر ؟ أوصلني لأول محطّة موجودة على الشارع العام


فتابع إريك سيره ، وهو يسأله :

- طالما طلبت أوبر ، فدعني أوصلك الى منزلك .. فربما لن تجد سيارةً أخرى في هذا الجوّ العاصف

الرجل : أوصلني الى هناك ، ولا تُكثر الأسئلة

- كما تشاء 


وأكمل إريك طريقه ، لحين خروجه من الغابة .. ثم نظر من مرآته العلويّة ، ليجد الراكب مشغولاً بجواله ..

إريك : هناك سؤالاً يشغل بالي

الرجل : ماذا تريد ؟

- ماذا كنت تفعل بالغابة بهذا الوقت المتأخر ؟ 

- تمشيّت قليلاً ، قبل أن يُفاجئني المطر 

إريك : الم تقل انك كنت تقود سيارتك قبل تعطّلها ؟!


فنظر الراكب الى المرآة العلويّة للسائق بنظرةٍ حادّة مخيفة .. فغيّر إريك السؤال :

- أعني .. هل كنت تُمارس رياضة المشيّ ، ام كنت تُريح عقلك من مشاغل العمل ؟

الرجل وهو يتابع رسائل جواله : شيءٌ من هذا القبيل 


فقال إريك بنفسه :

((ياله من رجلٍ غامض ! وتصرّفاته تُشعرني بعدم الإطمئنان !)) 

ثم عاد لسؤاله : هل يُزعجك أن ادير المذياع ؟

الراكب : نعم

إريك : آه ! آسف .. قائلاً بنفسه بضيق : ((ياله من راكبٍ مزعج))


وعمّ السكوت الثقيل بينهما .. قبل ملاحظة إريك شيئاً داكناً على ركبة الرجل :

- أتلك دماء ؟!

الرجل : ماذا قلت ؟

إريك : هل أذيت ركبتك ؟


فنظر الرجل للدم على ركبته التي ظهرت من شقّ بنطاله ، قائلاً بارتباك :

- تعثّرت بحفرة ، ولم انتبه انني جرحتها

إريك : المناديل خلفك 

- شكراً لك 


وبعد مسح الراكب الدماء ، ظهرت ركبته سليمة !

ففهم إريك انها لم تكن دمائه ! لكنه خاف أن يسأله لمن تعود ؟ فلا توجد حيوانات شريدة بهذا الجزء من الغابة ، فمعظمها موجود في المحميّة التابعة لجمعيّة المحافظة على الحياة البرّية .. فهل هي لإنسانٍ ما ؟!

 

وثارت الشكوك في ذهن السائق العجوز ، وهو يتخيّل بأن الراكب قتل احدهم ودفنه بالغابة ، وتمزّق بنطاله بعد عراكٍ بينهما ! لكنه لم يرغب بإظهار خوفه له .. فالمحطّة على بعد كليومترين ، سيوصله الى هناك ويُكمل طريقه ..


قبل أن يقطع افكاره ، سؤال الراكب :

- مابك صامتٌ هكذا ؟ 

إريك : ظننت ان اسئلتي تضايقك

- لا ، أنهيت عملي على الجوال 

- جيد

الرجل : هل انت متزوج يا عمّ ؟

- ارمل

- وهل لديك ابناء ؟

- ابنٌ واحد ، في العشرين من عمره

الرجل : وماذا يعمل ؟

- عامل توصيلات لمحل بيتزا

الرجل بدهشة : أحقاً !

- نعم 

- وفي أيّ محل بيتزا يعمل ابنك ؟

فخاف العجوز أن يخبره بإسم المحل ، لشكّوكه نحوه .. فأجابه :

- محلٌ قريب من هنا

الرجل : أتقصد بيتزا هات ؟ 


فلم يجبه العجوز ، بعد أن ضايقه معرفته لإسم المحل !

فتابع الرجل اسئلته : هو يعمل بالمحل القريب من الغابة ، اليس كذلك ؟

إريك بقلق : ماذا تقصد ؟!

- طعامهم لذيذ ، لكن عمّالهم فضوليّن زيادة عن اللزوم 

إريك بخوف : هل طلبت بيتزا قبل قليل ؟

- نعم ، قبل ساعة من اتصالي بك

- الم تقل إن سيارتك تعطّلت ؟

الرجل بمكر : كذبت ، كنت في كوخي بالغابة .. سؤالٌ آخر يا عمّ .. هل يُطيل ابنك شاربه ، ولديه أثر جرحٍ قديم في جبهته ؟


فأوقف إريك سيارته ، والتفت اليه مرتعباً :

- ماذا فعلت بإبني ؟!

الرجل : ابنك وصل بالوقت الغير مناسب .. كنت حينها ألاحق صديقي بعد هروبه من كوخي 

ثم رفع مسدسه ، ووضعه في رأس السائق الخائف .. مُكملاً كلامه :

- لاحقته بسكين المطبخ .. كان بإمكاني استخدام المسدس ، لكني استمتع اكثر بالطعن .. اما ابنك الجبان ، فتجمّد مكانه وهو يراني أطعن صديقي خمس طعناتٍ في قلبه.. وبعد أن أجهزت عليه .. تفرّغت للّحاق بإبنك 


إريك صارخاً : ماذا فعلت به ، يا لعين ؟!!

- كان عليّ قتل الشاهد الذي قاومني ببسالة .. لكني تمكّنت منه ، بعد عراكٍ شديدٍ بيننا .. والدماء التي طلبت مني مسحها على بنطالي ، هي دماء ابنك

فصرخ إريك بصدمة : يا ملعون !!!

الرجل : اهدأ ايها العجوز  .. فأنا طلبتك بعد تعطّل سيارتي ، عقب دفني الجثتين .. وعليك توصيلي الى وجهتي .. فهناك رجلٌ سيعطيني المال مقابل قتل صديقي 

- هل انت شيطان ؟!


الرجل : لماذا تقول ذلك ؟ الأنني قتلت صديق عمري الذي عملت معه عشرين سنة ، كقاتلين مأجورين ؟ .. ربما اكون ابليس نفسه..  فالزبون طلب مني قتله ، بعد فشله بقتل زوجته الخائنة .. وبصراحة كان المبلغ مغرياً للتخلّص من صديقي .. وفي البداية فكّرت بوضع السمّ في البيتزا ..لهذا طلبت من المحل ، توصيل الطلبيّة لكوخ الغابة .. لكن صديقي علم بالكمين ، وحاول الهرب .. وابنك شهد الجريمة ، فكان عليّ قتله.. ولسخرية القدر ، طلبت سيارة اوبر يقودها والده الذي عليّ التخلّص منه ايضاً بعد معرفته بجرائمي.. لكن ليس قبل وصولنا للمحطّة ..والآن إكمل طريقك !!


ورغم إن المسدس موجّهاً على رأس العجوز من الخلف ، الذي أكمل القيادة وهو يكتم دموعه بصعوبة .. إلاّ انه استطاع سحب العتلة الحديديّة بقدمة من اسفل مقعده ، والإمساك بها ..  

ليُفاجأ القاتل بإيقافه السيارة ولفّ جسمه بسرعة ، وضربه بقوّة بالحديدة على رأسه ، مما أفقده الوعيّ .. 


ثم خرج العجوز من السيارة ، ورمى الراكب تحت المطر .. وعاد لسيارته التي قادها ، هارباً من المكان ..


وكان ينوي الإتصال بالشرطة للقبض على القاتل الغائب عن الوعيّ ، واستخراج الجثتين المدفونتيّن بجانب كوخه .. 

لكن جميع ذكرياته مع ابنه الوحيد عادت اليه بتلك اللحظة ، منذ طفولته ومراهقته حتى شبابه ..وحلمه بتزويجه ورؤية احفاده ..فنظر بحقد للقاتل المرمي بالشارع العام الخالي من السيارات في ذلك الوقت المتأخر.. 


مما جعله يوقف سيارته ويعود للخلف مسرعاً ، ليقوم بدهسه ذهاباً وإيّاباً بغضبٍ شديد .. حتى سوّى عظامه بالإسفلت ، تاركاً قطع لحمه المتناثرة تسبح في بركة دمائه .. 

وعاد للغابة ، للمكان ذاته الذي ركب فيه السفّاح ..

***


وحين وصل هناك .. نزل من سيارته ، مُضيئاً نور جوّاله ..وأخذ يبحث كالمجنون وهو منهار بالبكاء عن كوخ القاتل ، الى ان وجده بأعماق الغابة

ثم بحث في الأرض القريبة من الكوخ ، عن تربةٍ نُبشت حديثاً ..وهو يدعو ربه أن لا يكون المطر مسح أثر قبر ابنه .. 

ليجد واحداً خلف الكوخ .. فنبشه بكلتا يديه ، ليعثر على القاتل المأجور الآخر ... فأعاد طمّه .. 


ثم أكمل بحثه عن قبر ابنه .. ليجد القبعة الحمراء الخاصة بعمل ابنه قرب الشجرة .. فنبش حولها الى ان وجده مشوّهاً تماماً ، كأنه ضُرب بشيءٍ حادّ على وجهه ! 

فحضنه باكياً بقهرٍ شديد .. وظلّ يبكي ، حتى توقف المطر .. فقلق أن يراه احد ، ويظنه قاتل ابنه .. 

فحمل جثته ، ومشى مسافة الى أن وضعه بسيارته .. وخرج من الغابة باتجاه المقابر .. 

***


وقبل شروق الشمس ، دفن ابنه داخل قبر زوجته.. وخرج من هناك قبل استيقاظ حارس المقبرة ..عائدا الى منزله ، وهو يحاول النوم بصعوبة على سرير ابنه الذي قُتل غدراً

***


في الصباح .. أبلغ بائع الحليب الشرطة بعد رؤيته من النافذة ، السائق العجوز مشنوقاً بالصالة ! 

ليجدوا في جيبه رسالة الإنتحار وهو يُطالب بدفنه في قبر زوجته وابنه ، بعد شرحه ما حصل في ليلته المشؤومة !


الأربعاء، 9 نوفمبر 2022

اشباح المُنتزه

تأليف : امل شانوحة 

 

المعركة المستمرّة


تجمّع الزوّار لحضور إفتتاح منتزه بضواحي المدينة ، يمتدّ من الوادي حتى التلّ المُطلّ عليه .. الشيء المميّز فيه : هو وجود مكانٍ في الوادي قرب ملعب الجولف ، يبدو كزجاجٍ عازل محصورٌ داخله مجموعة من الظلال السوداء ، بشيءٍ يُشبه تقنيّة الهولوغرام لمعركةٍ بين جنودٍ وقادة يمتطون الأحصنة بزمنٍ من القرن الماضي! 

وظنّ الناس أن مسؤوليّ المنتزه يستخدمون تصويراً سينمائيّاً ، لتذكيرهم بأن المنتزه كان ساحة معارك قديمة.. 


ولم يعرف السرّ سوى شاب قرأ عن الموضوع في كتابٍ تاريخيّ بالمكتبة العامة ، قائلاً لصديقيه فوق التلّ :

- أتدرون لما لم تُستغلّ الأرض منذ خمسين سنة ؟ 

- أعتقد بسبب الإشاعة القديمة بأن ارواحٍ غاضبة تسيطر على المكان

الشاب : وهذا صحيح .. فهذه الأرض كانت سهلاً ، قبل تحوّلها لوادي وتلّ مُرتفع بسبب زلزالٍ كبير ضرب المكان اثناء معركةٍ ضاريّة ، أدّى لانشقاق الأرض ودفن الجنود احياءً .. ولم يبقى من السهل سوى الشجرة الضخمة فوق التلّ ! وقبل سنوات ، حفرت الدولة الوادي دون اكتراثها لقبور الجنود .. ليظهر هذا السجن الزجاجيّ المليء بالدخان الأسود ، وفي داخله ارواح الخصمين وهما يتقاتلان بوحشيّة .. لهذا يبدون كظلالٍ سوداء شفّافة ، لا تظهر ملامح وجههم جيداً 

- أتعني انه ليس تصويراً هولوغراميّ ؟!


الشاب : لا ، هم ارواحٌ غاضبة .. ولا ادري كيف افتتحت الحكومة المنتزه ، مُعرّضةً حياة الجميع للخطر ؟!

- نزلت الى هناك قبل قليل .. ولم أجد زجاجاً عازلاً للظلال ، بل مجرّد دخانٍ ساخن !

الشاب : وهذا الدخان هو ما يمنعهم من الوصول لعالمنا 

- هل تظنهم يروننا ، ام مشغولين بمعركتهم ؟

الشاب : مصيبة ان استطاعوا رؤيتنا ونحن نحتفل ، بينما هم يصارعون الموت .. سيظنون اننا نسخر من معاناتهم ! 


وفجأة ! تجمّعت الغيوم في يومٍ صيفيّ حارّ .. وبرقت السماء دون أثرٍ للإمطار .. وحلّ الظلام ! 

فنظر الناس للسماء ظناً بكسوف الشمس ، ليروها مُحجبة بالغيوم السوداء التي نزل منها برقاً قوياً باتجاه الجدار الشفّاف الخاصّ بالظلال الأشباح !


والتي جعلت جدارهم العازل يمتدّ طولاً ، لينطلق الجنود بأحصنتهم .. ويحيطون بشكلٍ دائريّ المنتزه .. وهم يلتفّون في حلقةٍ موسّعة ، حاصرين الناس في الوادي الضيّق !


فصرخ العجوزٌ فزعاً : مُحال أن يكون هذا تصويراً سينمائيّ ، تلك الأرواح تُحاصرنا بالفعل !!  

وصرخ الناس برعب .. قائلاً احدهم :

- الجنود ينظرون الينا بحقدٍ وغضب ! 


وهنا ! بدأ الدخان الأسود يخفّ داخل العازل الزجاحيّ ، لتظهر وجوه المتحاربين الجريحة بوضوح ، مما يدلّ أن الفاصل بين العالمين على وشك الزوال ! 


فقام أحد الأولاد برميّ لعبته الصوفيّة باتجاه الجدار الفاصل .. لتعلق بالسكينة الموجودة في مقدّمة بندقية القائد الشبح !

فشهقت الناس بخوف ، لعلمها بانفتاح البوّابة بينهما ..

 

وإذّ بمراهقٍ احمق يتجرّأ على اختراق الجدار الشفّاف ، رافعاً يده للسلام على القائد الشبح الذي سارع بقطع رأسه بالسيف على مرأى الناس ! 

ثم نزل عن حصانه ..وأعاد رأس المراهق مكانه ، ليتحوّل فوراً الى زومبي مخيف .. وأشار القائد للجموع .. ليخترق المراهق الجدار الشفّاف عائداً للزوّار ، وهو يعضّهم بهمجيّة ! وكل من عضّه ، تحوّل ايضاً الى زومبي !


فحصل هرجٌ ومرج بين المصطافين الذين حاولوا صعود التلّ للهرب من المنتزه المسكون .. إلاّ ان جيش الأشباح أحاط بهم من كل جانب !


فقال الشاب لصديقيه : 

- إمسكوا السكاكين (التي احضرها سابقاً لتقشير الفاكهة) واقتلوا الجميع : الأشباح ، والزومبي .. إحموا انفسكم جيداً !!


وكانوا يقفون فوق التلّ وهم يرون الناس مُحاصرين في الوادي ، وهم يتحوّلون تباعاً لزومبي التي تحاول تسلّق التلّ للوصول للشباب الثلاثة الذين بدأوا بطعن كل من يقترب منهم .. 


الى ان اهتزّت الأرض بزلزالٍ عنيف ، أدّى لحفرةٍ عميقة بين الوادي والتلّ ..سقط فيه الجميع ، بينما سارع الصديقين لتسلّق الشجرة الضخمة.. 

وحين رأيا رفيقهم يركض هارباً من زومبي ..أسرعا بمدّ ايديهما وحمله الى فوق .. ليسقط الزومبي بالحفرة الضخمة.. 


من بعدها ، هدأ كل شي ! وعاد الجدار الشفّاف للتقلّص من جديد 

فنزل الشباب الثلاثة من الشجرة بحذر .. واقتربوا من حافّة التلّ .. ليجدوا أن الجدار الشفّاف حُصر مجدداً بالوادي ، بعد زيادة عدد الأرواح المحتجزة داخله ! لتستمرّ المعركة الدائرة هناك بين اشباح الجنود والزومبي الجدّد !

***


وبسبب ما حصل ، أُغلق المنتزه نهائياً .. ونُشر بالإعلام عن موت مئتيّ زائر بسبب الزلزال الضخم .. بينما أُجبر الأصدقاء الثلاثة من قبل الحكومة على كتابة تعهّد بالتزام الصمت للحادثة المريبة ، تحت تهديد السجن والغرامة !

***


وفي كل عام من ذكرى حدوث الكارثة الغامضة .. يجتمع الشباب الثلاثة سرّا هناك ، لتسلّق السور المغلق للمنتزه .. لمراقبة الحرب الدائرة بين اشباح الماضي والحاضر ، بمعركةٍ لا نهاية لها ! 


الاثنين، 7 نوفمبر 2022

أَحِبَّني كما أنا

تأليف : امل شانوحة 

 

مُفترق الطرق


جلست ريم بعيداً عن المعازيم ، لشعورها في الفترة الأخيرة بالنفور من الناس على غير عادتها !  


فشخصيّتها تغيّرت بشكلٍ جذري منذ تعلّقها بكريم ، رئيس شركتها التي عملت لديه قبل سنتين ، والذي برأيها يُبادرها المشاعر .. فهو رغم انشغاله بالعمل إلاّ أنه يُخصّص وقتاً لنصحها بتغيّر طباعها ، لتُشابه نساء الطبقة المُخمليّة ..وذلك من خلال شرائه أفخم الملابس لها ، وتوكيله إخصائيّة تجميل لتغيّر لون شعرها وزينتها .. وتعيّنه استاذة لتعليمها اسلوب التحدّث الّلبق والجلوس وتناول الطعام بطريقةٍ صحيحة ، لمرافقته بالحفلات المهمّة التي يجتمع فيها مع رؤساء شركاتٍ اخرى


كل هذا أشعرها انه يريدها أن تُحسّن التصرّف ، لتصبح زوجته المستقبليّة ..فجميع الموظفات يطمحنّ للحصول على اهتمامه ، خاصة انها فتاةٌ ريفيّة بسيطة تركت عائلتها وانتقلت للمدينة ، لتصبح قريبة من عملها الجديد .. والتي داومت على إرسال مالٍ شهريّ لأهلها ، لمساعدتهم بحلّ مشاكلهم الماديّة

***


لم تشكّ ريم يوماً بأن مديرها الشاب يحاول تحطيم شخصيّتها القديمة ، بتحويلها لأمرأةٍ تُخالف ما تربّت عليه ، إلاّ بعد لقائها صدفة بزميلتها الجامعيّة في إحدى المطاعم .. 


في البداية لم تصدّق زميلتها حجم التغيّر في شكلها وتصرّفاتها ! 

وبعد ساعة من حديثهما معاً ، قالت لها :

- لقد تغيّرت كثيراً يا ريم !

ريم بحماس : للأفضل ، اليس كذلك ؟

- بالحقيقة لا !

- ماذا تقصدين ؟!

صديقتها بشفقة : ريم التي أعرفها تقول رأيها بصراحة دون تردّد ..ودائماً تقوم بالصواب ، ولوّ أغضب الآخرين .. ولم يكن يهمّها كلام الناس.. 

ريم مقاطعة : وهذه قلّة لباقة

- لطالما كنت مُحترمة بردود فعلك .. بالعكس !! صراحتك وروحك المرحة هي التي جذبت الناس اليك ، كما البساطة بتعاملك مع الآخرين .. والآن أصبحت مُصطنعة للغاية ! تفكّرين بالكلمة قبل نطقها ، وتلتفتين كثيراً خوفاً من نظرات الناس ! تبدين غير واثقة من تصرّفاتك .. وكلما سألتك عن شيء ، تخبريني انك بحاجة لأخذ رأيّ مديرك بالأمر .. فهل تزوجتما سرّاً ؟!

- بالطبع لا !!

صديقتها : اذاً لما كل هذا الإهتمام برأيه ؟!

فسكتت ريم بامتعاض ..


صديقتها : هل تظنين رجلاً غنياً مثله ، معروفاً بكثرة علاقاته النسائيّة سيختارك من بين النساء ، لتصبحي زوجته وام اولاده ؟

- ولما لا ؟

- هو يتسلّى بك ، او يريد إثبات وجهة نظره لأحد رفاقه

ريم بغضب : كفى !! انت تغارين مني

- اريدك فقط أن تنتبهي على تصرّفاته .. وهل يحاول تعريف مجتمعه عليك ، ام يُخفيك عن الأضواء امام اهله واصدقائه المقرّبين ؟ فهذه الخطوة تبيّن إن كان ينوي خطبتك ام لا 


وودّعتها وهي تدعو لها بالتوفيق ، تاركةً ريم  تفكّر بالأمر جدّياً 

***


في نهاية الشهر ..لبست ريم الثوب الأحمر الذي ارسله كريم الى شقتها ..وقدمت الحفل بكامل زينتها ، وهي تنوي التعرّف على أصدقائه المقرّبين بثقةٍ وحماس


ليحدث مالم تكن تتوقعه ! فكلما حاولت التحدّث عن نفسها ، أكمل الكلام عنها او قاطعها ، او سخر منها ضاحكاً .. مُحاولاً منعها تعريفهم بعلاقتهما  ، مما نبّهها على وجود مشكلة بينهما !  


وانزوت بأبعد طاولة ، مُنتظرة نهاية الحفل .. وهي تراقب عدم إكتراثه لاختفائها ، حتى انه لم يبحث عنها او يطمئن عليها !


بعد ذهاب رفاقه ، قدم الى طاولتها قائلاً :

- هل غفوت هنا ؟

ريم بحزم : إجلس !!

- لا ، تأخر الوقت .. دعيني اوصلك الى منزلك

- قلت اجلس !! ولا تجعلني ارفع صوتي امام النُدُل

فجلس مستغرباً !

ريم : ماذا تريد مني يا كريم ؟

- ماذا تقصدين ؟

- لا تتحامق !! انت تعرف ما اقصده .. ماذا أعني بالنسبة لك ؟

- صديقتي

ريم : ومن قال انني اريد صديقاً ؟

- الا تدرين كم انت محظوظة لتكوني صاحبتي ..

ريم مقاطعة بعصبية : كفى غروراً ، وأجبني !! لما اهتممّت بي الفترة الماضية ؟ هل كنت تغيّر شخصيّتي لكيّ أصبح زوجتك ؟

فقهقه كريم ساخراً ، وهو يقول :

- أهذا ما ظنته 

ريم بصدمة : يعني لا !


كريم : بصراحة عزيزتي ، أشفقتِ عليك .. فحين توظّفتي بشركتي ، بدوتِ كسمكةٍ صغيرة في حوض اسماك القرش ..فأردّت تدمير شخصيّتك المُرهفة لتصبحي اكثر قوة

ريم : ومن قال انني لا احب شخصيّتي الواضحة الصريحة

- والمستفزّة

ريم غاضبة : لا شأن لك بذلك !! انت تراها مُستفزّة ، غيرك يعشقها

- لا احد يُحب الفتاة الساذجة

- ولا احد يُحب المتغطرس مثلك

كريم بحزم : إلتزمي حدودك !! وإلاّ ..

ريم مقاطعة : وإلاّ ماذا ؟ انا مُستقيلة بجميع الأحوال

- وماذا عن اهلك ؟ انهم يعتمدون عليك مالياً

- سأبحث عن وظيفةٍ اخرى


كريم مهدّداً : اصدقائي يملكون شركات المدينة ، وسأحاربك اينما ذهبت ..وسأمنعهم توظيفك في أيّ مكانٍ تختارينه

- اكيد لديك اعداء ، وسأتوظّف عند احدهم 

كريم بلؤم : حينها أُنهيك تماماً .. أسمعت !! أدمّر سمعتك ، ويمكنني فعل ذلك بسهولة 


فسكتت قليلاً ، قبل أن تقول :  

- أتدري يا كريم .. أُشفق على حياتك البائسة  

فردّ بسخرية : أحقاً 

- نعم .. يبدو ان اهلك كانوا صارمين عليك منذ البداية .. وأظنهم الزموك بالثياب الرسمية منذ الطفولة ، اليس كذلك ؟ 

- انت تبالغين

ريم : متى ضحكت من قلبك آخر مرة ؟ ومتى عشقت امرأة بجنون ؟ متى لعبت الكرة مع اصدقائك ؟ ومتى تبلّلت تحت المطر ؟ لا اظن اهلك سمحوا لك بهذه السخافات ، فأنت ابنهم الوحيد وعليك ادارة ثرواتهم المستقبليّة .. لهذا حوّلوك لرجلٍ آليّ دون مشاعرٍ او عواطف .. قتلوا كل شيءٍ جميل ، خلقه الله داخلك 


كريم بحزم : أصمتي !!

- اذا كان لديك فيديوهات وانت صغير .. برأيّ شاهدها ، وتذكّر كيف كنت قبل أن يدمّرك من حولك .. فالله يخلقنا بأجمل صورة .. وربما لوّ تركوك على حرّيتك ، لأصبحت اروع شابٍ بالمدينة

كريم : حاولت تغيّركِ لأجلكِ ، كيّ تجدين من يحبك

- ما لا تعلمه ، أن الشخص يحب دون شروط .. ويعشق عيوب حبيبه ونواقصه وعاداته السيئة .. يحبه كما هو ، دون رغبته بتغيّر أيّ شيءٍ فيه .. لكنك لن تفهم هذا.. وستظلّ تبحث عن الكمال الذي لن تجده مُطلقاً .. إلاّ في حال نجحت إحدى الشياطين بإيهامك بذلك ، لغرض القضاء عليك لاحقاً .. مسكين يا كريم ، أشفق عليك حقاً.. لا تنتظرني غداً بالشركة ، فأنا أستقيل !!


وخرجت من الحفلة ، مباشرةً الى شقتها .. ولمّلمت ثيابها التي قدمت بها الى المدينة ، تاركةً بخزانتها كل الملابس الفخمة التي اهداها لها في عدّة مناسباتٍ اجتماعية .. 


وانتظرت الصباح للتوجّه لمحطة القطار ، عائدةً الى قريتها .. ورغم أن قلبها مكسور ، الا أنها شكرت الله على إنقاذ ما تبقى من شخصيّتها ، قبل أن يدمّرها كريم بتحكّمه المسيّطر النرجسيّ

***


في المقابل ، عاد كريم الى قصره وهو مازال يفكّر بكلامها الذي منعه من النوم تلك الليلة .. فصعد للعلّية للبحث بأغراضه القديمة ، وأخرج شريط فيديو ، شاهده بغرفته : 

((حيث صوّرته امه وهو يلعب مع اصدقائه كرة القدم بعمر السابعة ، قبل أن يناديه والده غاضباً)) ..وانتهى الفيلم ! 


فتذكّر كيف منعه ذلك اليوم من لقاء اصدقائه الفاشلين مجدداً ، وانه خلق لهدفٍ اسمى : ليُصبح اهم رجل اعمال بالبلد .. 

ومن يومها رمى والده كل العابه وثيابه العصريّة.. واشترى له بدلات رسميّة ، وسجّله بمدرسةٍ خاصة داخليّة .. حيث قضى عطلاته الصيفية بالنوادي الرياضية وتعلّم المحاسبة والأمور البنكيّة رغم صغر سنه .. 

وكأنه حوّله بالفعل لرجلٍ آلي ، كما اخبرته ريم !

حتى زميلته بالجامعة التي احبها بجنون ، ورغم انها من عائلةٍ ثريّة الا ان والده رفضها لأن ابيها مُنافسٌ له بالعمل ، ليكسر قلبيهما معاً .. ومن يومها لم يعدّ يصدّق بالحب !


وظلّ حتى الصباح يفكّر بريم وإعجابه بشخصيّتها البسيطة ..وتساءل لما اراد تغيّرها رغم روعتها ، فبراءتها هي التي اثارت اهتمامه منذ البداية !

***


بعد شهرين .. لم يعد باستطاعته تحمّل فراقها ، فتوجّه الى قريتها للسؤال عنها ..ليُفاجأ بخطبتها لإبن عمها بعد توظّفها في مدرسة اطفال ، رغم براعتها بمحاسبة الشركات والمعاملات البنكية !


فانتظر خروجها من المدرسة ، ليسألها جانباً :

- لما تؤذين نفسك هكذا ؟ تتركين عملاً يجلب لك آلاف الدولارت لعملٍ بالكاد تصرفين منه .. وتقبلين خطبة رجلٍ لم يُنهي تعليمه

ريم : لكنه يُحبني كما انا

- أيّ شخص سيحبك كما انت

- لم يكن هذا كلامك ، وأنت تحاول تغيّر كل مبادئي وأفكاري  

كريم : كنت مخطئاً .. ارجوك اتركي عالمك الرديء ، وعودي إليّ

- ارأيت !! مازلت تستهزأ من البيئة التي عشت فيها.. انا ابنة قرية وانت من المدينة ، تربيّتنا وأفكارنا واسلوبنا مُختلف .. ولا شيء يمكننا فعله بهذا الشأن


كريم : ماذا لوّ قلت لك انني سأتغيّر لأجلك

- مستحيل ، فعملك سيلزمك مجدداً لاتباع التقاليد والعادات التي تربّيت عليها .. وقد حاولت جاهدة التغيّر لأجلك ، مما أرهقني جسديّاً ونفسيّاً .. وكأنك تطلب من عصفور الزواج بسمكة ..لا انا استطيع الطيران معك ، ولا انت تستطيع التنفّس تحت الماء .. برأيّ ليتزوج كلاً من مجتمعه

- أهذا قرارك النهائيّ ؟

ريم : نعم .. كل ما اريده منك في حال وجدّت السيدة المناسبة ، أن تحبها كما هي ..لا تحاول تغيرها .. ولا أن تتغيّر لأجلها .. فقط حاولا الإلتقاء في منتصف الطريق ، لتكملا الحياة معاً .. هذه نصيحة من اختك الصغرى

كريم بقهر : اختي !

ريم : نعم اختك التي كدّت تقتلها بسيطرتك وانتقاداتك المدمّرة ..لكني أحمد الله انني عدّت لصوابي ولعالمي الذي استطيع التصرّف فيه على طبيعتي .. وانت ايضاً عدّ لعالمك ، وجدّ الفتاة التي تناسبك .. بالتوفيق لك


وصافحته ببرود ، مُتوجهةً لحافلة الطلّاب للعودة الى منزلها .. 

بينما استقل سيارته الفارهة عائداً للمدينة بعد فشله مع الفتاة الوحيدة التي غيّرت تفكيره ، مُطالبةً باسترداد روحه المغصوبة بعيداً عن تحكّم الآخرين ! 


الجمعة، 4 نوفمبر 2022

التوازن الإجتماعي

تأليف : امل شانوحة 

قائد الثورة


في مدينة ساوّ باولو البرازيليّة.. عاش انطونيو شاباً فقيراً طوال ثلاثين سنة من عمره في منطقة المُعدمين التي تفصلهم عن قصور وأبنية الأثرياء جدارٌ إسمنتيّ عملاق ، مُحاط بالأسلاكٍ شائكة مُكهربة !


ومنذ صغره وهو يتأمّل المباني الضخمة الظاهرة من خلف الجدار ، ويتساءل كيف هي حياة الأثرياء ؟ وما شعورهم وهم يطلّون على الفقراء ؟ الم تشفق قلوبهم المُتحجّرة لمساعدتهم وتحسين حياتهم الإجتماعية ؟ فهم يعيشون اسوء الظروف ويفتقرون لأبسط الأمور الحياتيّة .. فلا طرقات مُسفّلتة تحميهم من الأمطار ، ولا مرافق عامة وصحيّة .. 


اما الباب الرئيسي الذي يفصل بين الطبقتين الإجتماعيّة لدولةٍ واحدة ، يُفتح مرة كل شهر لرمي نفايات الأثرياء في مكبٍّ ضخم موجود فوق تلٍ خلف الأكواخ الشعبيّة ، غير مكترثين من ضررها على الأطفال الصغار للعائلات المُعدمة ، والذين يتجمّعون فوق جبال النفايات للبحث عن بقايا طعام المطاعم ، وملابس والعاب لم يعدّ اطفالهم المدلّلين بحاجةٍ اليها !


وكان انطونيو واحداً من هؤلاء الأطفال المُشّردين بعد موت والده من ادمانه المخدرات ، وتورّط امه بالدعارة .. اما اخوته الصغار فتمّ تبنّيهم مُتفرّقين من بعض الجيران (ولم يعدّ يعرف عنهم شيئاً ، بعد تلقيبهم بأسماء عائلاتهم الجديدة).. 

ولأنه كبيرهم ، فقد انخرط مع اولاد الشوارع بعمر العاشرة .. وكان يأكل مما يجده في الطرقات ، او ما يستعطف به الناس عليه .. 


الفرق الوحيد بينه وبين بقيّة الأطفال انه تعلّم حتى الصف الثالث قبل إدمان والده وخراب عائلته ، لهذا يُتقن القراءة والكتابة .. 

وكانت هوايته جمع الجرائد المرمية في مزبلتهم بتواريخ جديدة ، لقراءتها بمنزل عائلته القديم المتهالك على ضوء الشمع ..

***


حين بلغ سن الثلاثين ، تورّط مع عصابة الشوارع .. وتعلّم منهم التصويب بالسلاح وفنون القتال والدفاع عن النفس .. 

واعتمد رئيس العصابة عليه لتمتّعه بصفات القيادة ، وقدرته على التحكّم بأفراد العصابة .. لكن هذا لم يكن حلمه بتاتاً ، فهو يطمح دائماً لرؤية عالم الأثرياء منذ أن كان صغيراً ، ويقف عند اعلى تلّ مكبّ النفايات لرؤية المسبح الموجود في إحدى طوابق العمارة الشاهقة ، مما يثير دهشته ! 

فهو لم يرى البحر بحياته .. فالشاطىء الوحيد بدولتهم ، إستحوذ عليه قسم الأغنياء وبنوا حوله الفنادق السياحيّة .. ولم يرى شاطئهم المشهور إلاّ من خلال صور الجرائد والمجلاّت المرمية في منطقتهم ..

***


في اوائل الخريف ، قرأ خبراً بالجريدة اثار اهتمامه : عن موت ابن رجلٍ ثري إنتحاراً .. والغريب في الموضوع إن اسمه الثلاثيّ يُشابه اسم انطونيو وعائلته ، حتى عمره ! 

وسبب الإنتحار : هو رفضه الإنخراط بالجيش الإجباريّ الذي فرضه الحاكم على شباب الأغنياء فقط ، لعدم تحمّلهم المسؤولية بسبب دلالهم الزائد .. 

ورغم أن التجنيد لسنةٍ واحدة إلاّ أن الشاب قرّر انهاء حياته ، بدل أن يصبح رجلاً قوياً !


فخطرت ببال انطونيو فكرةً جهنميّة ، وطلب من صديقه بالعصابة تحويل شكله ، ليُشابه صورة المنتحر ! 

فصبغ شعره بالأحمر ، وحلق شاربه ولحيته .. ووضع له حلقاً بإذنه وفمه .. وألبسه ثياباً من البالة ، تُشبه ثياب الشاب بالصورة (وهي ثياب مُقلّدة لماركاتٍ عالميّة) .. 


وطلب انطونيو من صديقه عدم إخبار احد بالتغيّرات التي أجراها على شكله الخارجيّ .. مُتحجّجاً بأن رئيس عصابته أوكله بمهمّةٍ سرّية ، وسيُقتل إن باح بها ! فوافق صديقه على كتمان السرّ ..

***


في تلك الليلة .. سهر انطونيو قرب البوّابة الفاصلة بين المجتمعين ، لعلمه بأن شاحنات النفايات ستأتي قبيل الفجر لتفريغ حمولتها بالمكبّ الذي لديهم ، كما تفعل بنهاية كل شهر  


وما أن دخلت الشاحنات الثلاثة ، حتى استطاع المرور سريعاً للجهة المقابلة ..

واول ما انتبه اليه : هو الخطّ السريع المُسفلت ، والطرقات الجافة من مطر البارحة ، بعكس طرقاتهم الموحلة والمليئة بالقاذورات !


ومشى سريعاً ، الى ان اوقف سيارة اجرة .. فشكله لا يثير الذعر ، لتشابهه مع شبابهم العصريّ ..

وبعد ركوبه السيارة ، سأله السائق :

- مالذي اتى بك لهذه المنطقة ، فهي بعيدة عن المساكن ؟

- كنت مكتئباً قليلاً ، بسبب التجنيد العسكري الإجباريّ 

السائق : جميع شبابنا مُتضايق من القرار المفاجىء لحاكمنا .. يبدو ان الأباء ضغطوا عليه بعد فساد اولادهم

- أتدري .. بعد تفكيرٍ مطوّل بالموضوع ، قرّرت الإنضمام للجيش .. بالنهاية هو عامٌ واحد ، وسيمضي بجميع الأحوال 

- احسنت !!


انطونيو : لكن اين التقديم ، هل تعلم ؟

- بالطبع !! فإبني ذاهبٌ للجيش غداً

- أهو غداً ؟!

السائق : نعم ، في السابعة صباحاً

فنظر انطونيو لساعته :

- يعني بقيّ ثلاث ساعات ! 

السائق : لا عليك ، يمكننا الوصول الى هناك بالوقت المناسب .. لكن اين ملابسك ؟

- الن يعطونا زيّاً عسكرياً ؟


السائق : بلى ، لكني قصدّت حقيبتك التي فيها ادوات الحلاقة ، ومشط.. 

انطونيو مقاطعاً : وما الداعي إن كانوا سيحلقون شعرنا بالكامل ، ويعطونا غيارات من عندهم ؟

- صحيح ، هم سيتكفّلون بكل شيء .. وقد أكّد حاكمنا توفيره كل ما تحتاجونه .. حتى انه عيّن أفضل الطبّاخين لوجباتكم اليوميّة

انطونيو : جيد .. اذاً لنسرع الى هناك ، قبل تغيّر رأيّ

- والدك سيكون فخوراً بك

***


حاول انطونيو التماسك وهو يقف بالطابور الطويل للشباب الذين يبدون من وقفتهم وطريقة كلامهم كأنهم شواذّ او عبّاد شياطين او إنمي في مجلاّت المانجا التي رآها في مكبّ النفايات ، فهم لا يبدون حقيقيّن بل مزيّفون للغاية !


وحين وصل دوره ، أعطى هويّته بيدٍ مُرتجفة.. فنظر الضابط اليه بتمعّن ثم نظر للائحة التي امامه ، ليجد اسمه الثلاثيّ موجود ضمن قائمة المنتسبين الجدّد .. 

فأشار اليه للدخول الى غرفة الكشف الطبّي .. فتنفّس انطونيو الصعداء لأن تزويره لشخصيّة المُنتحر مرّ بسلام ، ويبدو ان اهل الفقيد لم يخبروهم بموته !


وبعد انتهائه من الفحص الطبّي ، حلقوا شعره بالكامل .. ثم أُعطي زيّه العسكريّ .. ونُقل مع رفاقه الى المهجع الذي يحوي مئة سرير .. فاختار السرير العلويّ ، بينما اختار عسكريّ بدين السرير السفليّ .. 


وبعد لبسهم الزيّ العسكري الموحّد ، أخذهم الضابط الى الساحة لسماع خطبة عن أهمية الوطن والفداء والقوّة الشبابية ، وكلامٌ تشجيعيّ الذي أشعر معظمهم بالملّل .. بعكس انطونيو الذي كان متحمّساً لتنفيذ خطته التي لطالما حلم بها .. لكن عليه اولاً الوصول لأعلى رتبة بالجيش ، وبوقتٍ قياسيّ ! 


ولم يكن ذلك صعباً مع مجموعة الشباب المدلّلين ، حيث فاز عليهم بجميع التحدّيات التي تعتمد على القوّة البدنية والذكاء والصبر والتحمّل..

***


لم تمضي ثلاثة شهور ، حتى أصبح عريفاً عليهم .. وكان يتهرّب دائماً من اسئلة زملائه عن حياته العائلية واختصاصه الجامعيّ وطفولته ، بحجّة انه اعلى رتبة منهم ، ولا يريد مصادقتهم .. فاعتبروه مغروراً ، بينما يحاول جاهداً عدم انكشاف شخصيّته المزوّرة التي ستؤدي به للسجن

***


إستطاع انطونيو بوقتٍ قصير حصوله على تقدير واحترام قائديه لسرعة بديهته وذكائه فهو يبدو كرجلٍ ذوّ عزيمة وإباء ، بعكس زملائه الذين يشتكون دائماً من رداءة الطعام وقلّة نومهم ، كأنهم اطفال عديمي المسؤولية ! 

***


بعد عامٍ ، وبحفلة التخرّج .. حصل انطونيو على وسام الجشاعة مع تصفيق رفقائه ، ليعيّن ضابطاً رسميّاً بعد قراره ببقائه في الجيش .. بينما عاد البقيّة لأهلهم ، وهم يشتكون قساوة العام الفائت ! 

***


بغضون عشر سنوات .. إرتفعت رتبة انطونيو سريعاً ، حتى وصل لنائب قائد الجيش بعمر الأربعين .. وهو رقمٌ قياسيّ بالجيش ، لكنه الأجدر بينهم ويستحق ما وصل اليه .. دون علم احد بما يخطّط له ، خاصة انه كل ليلة يصعد لأعلى تلٍّ بالمعسكر لرؤية عالم الفقراء الذي يحنّ اليه ، وهو يطمح بتغيّر حياتهم للأفضل .. فالجميع برأيه يستحق فرصة للحياة الكريمة ..

***


عند بلوغه سن الخمسين ، توفيّ قائد الجيش بأزمةٍ قلبّية .. وعيَّنَ بوصيته انطونيو مكانه ، وهو طموحه منذ البداية للوصول لأعلى مراتب الجيش 

وبعد تكوينه مجموعة من افراد الجيش يطيعونه طاعةً عمياء ، صار الوقت لانقلابٍ عسكريّ على حاكم البلاد الذي عُرف بفساده وإدمانه المخدرات والنساء ، عدا عن عنصريّته الواضحة ضدّ فقراء شعبه ! 

***


في ليلةٍ مُقمرة ، هجم انطونيو وجيشه على القصر الجمهوريّ .. وقتلوا الحاكم وحاشيته .. ليستفيق الشعب نهاراً على خبر استلام انطونيو للدولة بطبقتيها الإجتماعية : الأغنياء والفقراء .. ويعدهم ببثٍ مباشر : بتغيرات مفاجئة بالأيام القادمة ، مما ارعب الأثرياء .. بينما الفقراء لم يعلموا بشأن الإنقلاب ، لانعدام وسائل التواصل الإجتماعي عندهم !

*** 


وكان قرار انطونيو الصادم هو : تبديل المجتمعين ! 

فعلى الأغنياء الإنتقال الجبري الى منطقة الفقراء المُعدمين .. بينما الفقراء يعيشون بقصور الأغنياء ، حسب اسمائهم بالقرعة !


فجنّ جنون التجّار والمثقفين بقراره المتهوّر ! ليصدمهم اكثر بقطعه الإنترنت عن كل دولته.. 

ليس هذا فحسب ، بل اوقف الطيران والسفر البحريّ والبريّ للدول المجاورة .. وأغلق السفارات الأجنبية ، بعد طرد سفرائها والمراسين الإعلامين والسيّاح الأجانب الى دولهم .. وحاصر جيشه جميع مداخل ومخارج الدولة ، لمنع الغرباء من الوصول اليهم !


كما منع الأثرياء من سحب نقودهم من البنوك بعد إغلاقها جبرياً ، وحرمانهم حتى من اخذ اشيائهم الثمينة من قصورهم ! حيث سُمح لكل شخص بحمل حقيبة يدٍ واحدة لثيابه ، والتي تُفتّش جيداً من الجيش قبل دخوله عالم الفقراء ! 


وكانت الصدمة كبيرة على الفقراء بعد علمهم بانتقالهم اخيراً الى الجانب الآخر من دولتهم ! واصطفّوا لوضع اسمائهم بالقرعة .. فمنهم من حصل على غرفة بفندقٍ فاخر ..ومنهم من كان محظوظاً بحصوله هو واقاربه على قصرٍ فخم .. ومنهم من تسلّم شقةً سكنيّة ، تُعتبر قصراً بالنسبة لكوخهم القديم


بينما كان على الأثرياء اختيار انظف كوخٍ في المناطق الشعبيّة القذرة المليئة برائحة النفايات وفضلات المواشي ، للسكن فيها !


اما عصابات المنطقة الفقيرة ، فتفاجأوا باقتيادهم الى زنزانات سجن الأثرياء ، لأن انطونيو لا يريدهم أن يثيروا الفساد في العالم النظيف .. وكان منهم عصابته القديمة الذين لم يتعرّفوا عليه بعد تغيّر شكله بكبر سنه!


وأخبر انطونيو شعبه بخطبةٍ مُباشرة من داخل قصر الحاكم : بأن التبديل سيستمرّ لعامٍ كامل ! من بعدها سيبدأ الإعمار والإصلاح بعالم الفقراء ، وإزالة الجدار الفاصل بين الطبقتين الإجتماعيّة .. 

الى ذلك الحين على الأغنياء تحمّل الشقاء بزراعة اراضي الفقراء والعمل في مصانعهم الردئية .. بينما للفقراء الحرّية بتناول الطعام اللذيذ الذي لم يتذوقوه بحياتهم ، وتجربة الملاهي والمولات والأماكن الترفيهيّة التي شاهدوها ببعض التلفازات القليلة التي ملكها أفضل الفقراء حالاً 

*** 


بسبب الإنتقال التعسّفي ، حاول الشباب المدلّلين رشوى بعض جنود الجدار الفاصل للسماح لهم بعبور البوّابة باتجاه البحر الموجود بقسم الأثرياء ، للهرب لدولةٍ قريبة .. وبسبب ذلك ، مات عدداً منهم غرقاً بسفن التهريب الغير شرعيّة .. 


مما جعل انطونيو يشدّد الرقابة على طول الشاطىء .. وإفهام الآباء (الأثرياء) بأن عليهم توعيّة ابنائهم بأن حالتهم البائسة ستستمّر سنةً واحدة فقط ، وستنتهي بجميع الأحوال .. ستكون تجربة قاسية ، لتقوية شخصيّتهم المُرهفة التي شاهدها اثناء وجوده في الجيش .. فبدأ الأهل بتصبير ابنائهم لتحمّل الشقاء ، مما قلّل عمليات التهريب والإنتحار بينهم ! 

***


بعد شهور .. تحوّل بعض الفقراء الى متغطّرسين ، خاصة ممّن سكن القصور المُترفة التي أفسدت اخلاقهم مع ابنائهم الذين غيّروا اسلوب ملابسهم لما يُشابهه زيّ الشواذّ وعبّاد شياطين ، تماماً كما حصل سابقاً مع ابناء الأغنياء ! حتى انهم تنمّروا على من عاش في شققٍ عادية ، كأنهم ولدوا اغنياء منذ البداية !


في المقابل .. بدأت شخصيّة شباب الأثرياء تتغيّر نحو الأفضل ، بعد تعوّدهم على حياة المزراعين والرعاة وعمّال المصانع ..وأصبحوا يتحمّلون المسؤولية ، ويصرفون على آبائهم العجائز الذي فرحوا بهذا التغير الإيجابي بشخصيّة اولادهم ، المدلّلين سابقاً! 


بينما هناك نوعاً آخر من الفقراء حاول تمرير مساعدات للجهة المقابلة ، لعلمه بصعوبة عيش الثريّ حياتهم القاسية .. 

ووصل الأمر لأنطونيو الذي سمح بتلك المساعدات التي ستقلّل التوتّر بينهما ، كما تنبّه الأغنياء على طيبة قلب الفقراء وسخائهم الفطريّ .. 

***


بعد مرور عام ، وقبل عودة كل شيء مكانه .. وصل الخبر للدول العظمى التي استطاعت بطريقةٍ ما ، خطف انطونيو من قصره الجمهوريّ وترحيله للخارج ! 

ليفاجأ شعبه بعودة الإنترنت اليهم ! وسماعهم خبر إعتقاله .. وفتح حدودهم الجويّة والبريّة والبحريّة بعد عامٍ من وجودهم بالحصار الجبريّ .. 


واستطاع ابن الحاكم القديم الذي كان يعيش بالغربة (لحظة الإنقلاب العسكري على والده) من العودة لبلاده .. وإعادة كل شيء مكانه ، بعد إجباره الفقراء على الرجوع لعالمهم ، والذين تفاجأوا بأن ابناء الأثرياء قاموا بتحسين منازلهم وطرقاتهم وتوصيل الكهرباء والإنترنت لهم .. حتى مكبّ النفايات بنوا مصنعاً فيه للفرز والحرق ! حيث عمل كل شاب حسب خبرته العلميّة ، فجميعهم خرّيجي اهم الجامعات ولديهم فكرٌ واعيّ ومبدع 


في المقابل تضايق كبار الأثرياء بعد عودتهم لقصورهم التي امتلاءت بالقاذورات والتي ستحتاج الى الكثير من الترميمات والتنظيفات لإعادتها كما كانت ، فالفقراء حوّلوها لما يُشبه عالمهم القذر الذين تعوّدا عليه ! خاصة إن قرار تركهم القصور جاء مفاجئاً وجبريّاً .. حيث عادوا بملابسهم التي عليهم الى منطقتهم الشعبيّة ، بعد قرار منعهم من أخذ أيّ شيء من القصور ، حتى لوّ كانت تعود لهم ! 

وذلك بعد فتح البنوك من جديد ، ليصطفّ الأغنياء لسحب بعض اموالهم المُجمّدة ، لشراء ملابس جديدة بدل التي استخدموها الفقراء ، والتي سيتمّ رميها لاحقاً في مكبّ النفايات التابع لمنطقتهم الفقيرة  

***


المفارقة : انه حين تمّ الحكم على انطونيو بالخارج بالإعدام ، إعترض شعبه بكلا المجتمعين ، مما فاجأ الحاكم الجديد ! 

حيث أعرب الفقراء عن شكرهم وامتنانهم له ، للسماح لهم بتجربة حياة الأغنياء التي لطالما حلموا بها ..وأعطاهم فرصة الشعور بالعدالة والتوازن الإجتماعي .. 

بينما عبّر عجائزهم بالإعلام : بأن حياة الأثرياء لم تكن جميلة كما تصوّروها ، بعد فساد احفادهم الذين قضوا عامهم بالسهرات الليليّة والبارات .. 


اما الشباب والمراهقين الفقراء فأعربوا عن ضيقهم لعودتهم الى العمل الشاقّ بالمصانع والمزارع بعد تعوّدهم على حياة الترف .. حيث قال احدهم للصحافة : 

- لم نكن نشعر بقساوة الفقر لأنه ما تعوّدنا عليه طوال حياتنا .. لكن عودتنا الى هناك أصبحت صعبة الآن ، بعد تذوّقنا طعم النعيم الذي ربما نُحرم منه للأبد !


وهذا يعاكس رأيّ اهالي الأثرياء الذين فرحوا بتحمّل اولادهم المسؤولية وتغيّر شخصياتهم للأفضل بعد معرفتهم بقيمة المال الذي كانوا يعطونه لهم سابقاً بسخاءٍ وبذخ.. كما فخرهم باقتراح شبابهم لفتح مصانع جديدة للعمّال الفقراء ، بدل تجميد اموالهم بالبنوك .. خاصة بعد تمكّنهم العيش دون ثروتهم لعامٍ كامل 

***


وبالفعل وافق كبار الأثرياء على بناء مصانع جديدة ، لكن بشرط !! عودة انطونيو لهم ! والذي تجمّع شعبه بجميع طبقاته الإجتماعية على جانبيّ الطريق منذ وصوله المطار ، لتحيّته بعد عودته من المنفى 


بينما طالب الحاكم الجديد بانتقال انطونيو فوراً الى منطقته الشعبيّة (فهو مازال متضايقٌ منه لقتله والده .. رغم عدم توافقه مع ابيه سابقاً ، ولذلك فضّل العيش بالغربة لإيقاف الخصام بينهما) .. 

لكن انطونيو أصرّ اولاً على هدم الجدار الفاصل بين المجتمعين ، خاصة بعد تسريح المساجين (الفقراء والأغنياء) الذي تأهّلوا من جديد داخل السجن ، وعوّلجوا من إدمانهم خلال العام الفائت ، وأصبحوا قوّة عاملة ومُنتجة في المجتمع ..


فاقترح الحاكم عرض رأيه على تصويت الجماهير ، ليتفق أغلبيّة الأصوات بموافقة الأغنياء والفقراء على هدم الجدار الفاصل بينهما! 

***


وبالفعل ! وقف انطونيو بين شعبه وهو يراقب شباب العالمين يكسرون الجدار بالمطارق ، الى ان هدموه تماماً ..وسط تصفيقهم وهتافاتهم الحماسيّة ، وبتصوير الإعلام الداخلي والعالمي الذي رافق الحدث المهم 

ليحتضن الشباب بعضهم دون غرورٍ او غطرسة ، كأنهم اصبحوا شعباً موحداً بعد أن قلّ حقد الفقراء على الأغنياء ، وتعاطف الأثرياء على الحياة القاسية للفقراء ..  


ممّا فاجأ الحاكم الجديد (الذي كان قرار بناء الجدار الفاصل من والده الظالم) الذي قرّر توظيف انطونيو كوزير للإعمار والإصلاح ، لخبرته بكلا المجتمعين .. ليحصل لاحقاً على تأيّد شعبه بقراره الحكيم .. 


وبدوره وعد انطونيو بإصلاح الدولة بالكامل ، بحيث يخفّف الفروقات قدر الإمكان بين الطبقتين الإجتماعية .. وأعطاه الحاكم كامل الصلاحية لإتمام وعده للشعب ! 

***


وخلال عشر سنوات .. إندمج الشعبين ببعضهما ، وأصبحوا اثرياء وطبقة وسطى فقط .. بعد أن جعل انطونيو التعليم إجباري بموافقة الحاكم ..وطلب من كل مثقّف تعليم عشر اطفال أميّن ، مقابل خدمات ترفيهية مجانية .. مما ادى لاحقاً للقضاء على الفقر والجهل .. وازداد اقتصاد البلد بتوظيف الأيدي العاملة ، بعد بناء العديد من المصانع والمزارع الجديدة التي استشمرها الأغنياء في دولتهم ، بدل تجميد اموالهم في البنوك ..

 

كما استمرّ التجنيد الإجباريّ الذي عدّل شخصيّة الشباب المدللّين ، كما  حمّل الفقراء المسؤولية على حدٍ سواء .. واللذيّن قويّت الصداقة بينهما ، ليصبحا جيلاً اكثر تفاهماً ومحبّة

***


وبيوم وفاة انطونيو بعمر السبعين .. إحتشد الجموع بجميع طبقاته الإجتماعية لتوديع بطلهم الثوريّ الذي غيّر شكل دولتهم للأفضل ، بعد إقامته العدل والتوازن الإجتماعي طوال خدمته وإخلاصه لوزارته حتى وفاته ..

وأصبحت تُدرّس سيرته الذاتيّة ومسيرته الإنقلابيّة بالمدراس والجامعات ليكون قدوّة لأفراد شعبه ، كبطلٍ ثوريّ عادل ! 


الأربعاء، 2 نوفمبر 2022

عروس النّحس

تأليف : امل شانوحة 

 

الإشاعة الظالمة


ما أن سمعت العجوز صوت الطبل والزمر بساحة قريتها ، حتى اتكأت على عكّازها لدخول غرفة عرسها بسريره الكبير الذي ظلّ مُغلقاً منذ سنوات .. وفتحت الخزانة ، للبس فستان عرسها المُلطّخ بدماءٍ تحوّلت لبقعٍ صفراء .. 


ثم صعدت بصعوبة الى السطح التي لم تنرّ إضاءَته .. وجلست على الكرسي الموجود هناك ، وهي تلتقط انفاسها لمشاهدة عرسٍ يُقام قرب منزلها العربي القديم


وعدّلت نظّارتها لرؤية العرسان بوضوح .. وهي تتأمّل العروس وهي ترقص بسعادة برفقة زوجها ، وسط تصفيق المعازيم


وهنا شردت بأفكارها للماضي ، ليوم عرسها ..وهي تتذكّر فرحتها بعد أن خطبها ابن عمها التي تعشقه منذ الصغر ، فهما تربيا معاً بمنزل جدهما الذي تكفّل بهما : كونها يتيمة الأبوين ، وهو الإبن العاشر والأصغر لعائلته الفقيرة ، والذي يكبرها بعام .. وكل ذكريات طفولتهما معاً .. 


وعند بلوغهما سن المراهقة .. اراد والده إعادته الى المنزل ، لحرمة بقائه معها بعد زيادة فتّنتها وأنوثتها .. 


لكن المواهق رفض بقوة مغادرة منزل جده الذي ربّاه ، وفاجأ اعمامه بطلبه الزواج منها رغم عدم تجاوزه 16 عاماً .. 

فضحك الجد الذي وافق على طلبه ، لكن بعد خمس سنوات.. 


والى ذلك الحين ، عاد لمنزل والده مُرغماً بعد قراءة فاتحتهما ، لتصبح خطيبته امام الجميع .. 

وكان يزورها بأيام العطل ، ويعدها بأيامٍ رائعة بعد الزواج ..


لكن كل هذا تغيّر بعد اربع سنوات ، عندما قام اخوه الأكبر بقتل ابن أغنى تاجرٍ ببلدتهم الريفيّة ، بعد تخاصمهما على ثمن بضاعةٍ بينهما ! ثم هرب لجهةٍ مجهولة ، تاركاً عائلته تواجه التارّ وحدها !


وبصعوبة استطاع كبار القرية تهدئة والد القتيل الذي كتم غيظه بصعوبة وهو يدفن ابنه الوحيد .. لكن الجميع يُدرك أنه لن يسكت عن حقه لوقتٍ طويل !


في السنة التالية .. أصرّ العريس على إتمام زواجه بإبنة عمه ، كما وعده جده المرحوم الذي كتب منزله الريفيّ بإسم حفيدته اليتيمة التي بلغت العشرين


ورغم رفض والده إقامة العرس ، مُراعاةً للقتيل الذي لم يمضي سنة على وفاته .. لكنه أصرّ على إسعاد عروسته بزفةٍ تقليديّة بساحة القرية ..


وهنا عادت العجوز للواقع ، وهي تتابع العرس الذي أقيم بذات المكان الذي تمّ فيه عرسها .. 


لترجع مرةً ثانية للماضي وهي تتذكّر خالاتها وهنّ يجهّزنها ، ويزفوّنها للكوشة .. والعريس الشاب بقمّة فرحه ، وهو لا يصدّق متى يعيشان معاً في بيت جدهما الذي تربيا فيه ..


وقبل وضع صواني الطعام للمعازيم ، صُعق الجميع بطلقةٍ ناريّة أصابت قلب العريس !


فالتقت الجميع للقاتل .. ليجدوا التاجر الثريّ الذي حضر العرس مُلثّماً بوشاحه ، والذي نادى بصوتٍ جهوريّ :

- هآ انا أخذت بتار ابني !! 

ثم نظر بلؤم للعروس التي كانت تولّول بفزعٍ شديد :

- مبروك يا عروس !!


وغادر العرس دون أن يجرأ احد على إيقافه ! حتى اهل العريس المقتول لم يتصلوا بالشرطة ، لأنهم يعلمون سابقاً بأن عليهم تارّ بسبب ابنهم الهارب ..وهاهو اخوهم الأصغر يُعاقب بدلاً عنه ..


وانفضّ المعازيم عائدين الى بيوتهم .. بينما استطاع الإخوة الثمانية بصعوبة إبعاد العروس عن صدر عريسها الميت ، بعد تلطّخ ثوبها الأبيض بدمائه .. 


ثم حملوه ، لدفنه كما هو .. قبل وصول الخبر للشرطة ، بناءً على طلب والدهم الذي حاول التماسك بصعوبة !


بينما عادت العروس مُنهارة الى بيت جدها ، وهي تبكي فوق سريرها المُغطّى بالساتان الأبيض والورود الحمراء ، لليلة عمرها التي انتهت بكارثةٍ مأساويّة !


والأسوء إن نساء عائلة العريس المقتول نشروا إشاعة بكل القرية : بأنها عروسٌ نّحس : فوالداها ماتا منذ صغرها ، وهاهو ابنهم الصغير يُصاب بلعنتها المشؤومة ! رغم أنها لا دخل لها بالتارّ الذي اقترفه اخوه الأكبر.. 


وبسبب الإشاعة الظالمة ، إمتنع الأهالي عن خطبتها خوفاً على ابنائهم .. الى أن أصبحت بالسبعين من عمرها .. عانسٌ عجوز تُشاهد الأعراس التي تقام شهرياً في قريتها ، من فوق سطح منزل جدها (التي ورثته) دون ان يراها احدٌ في الظلام ، كيّ لا يظنوا بفقدان عقلها بسبب لبسها ثوب عرسها القديم .. وهي تصفّق بهدوء مع صوت الأغاني ، وتدعو بالتوفيق للعريسين الجددّ .. وكلها أمل ورجاء أن يجمعها الله مع حبّها الوحيد ، كزوجين عاشقين في الجنة!


الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة  التردّد المنخفض في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم ...