الأحد، 24 يوليو 2016

رحلة الى الصحراء

تأليف : امل شانوحة 

رعب, صحراء,ضياع, جن, مقبرة
من بنى هذا المنزل وسط الصحراء

قام بعض اصدقائي بدعوتي لقضاء ليلةٍ في البرّ , كهديةٌ منهم على خطبتي لقريبتي .. و رغم انني لا احب المبيت في الصحراء , لكني لم استطع الرفض بعد الحاحهم عليّ .. و باليوم المحددّ .. ارسلوا لي التوجيهات على جوالي : حيث كان عليّ ان اتوغّل في الصحراء , بعد مسافةٍ معينة من الشارع الرئيسي ..و رغم قلقي من الضياع هناك (خاصّة بأنها المرّة الأولى) الاّ انهم وعدوني بأنهم سيجدونني , لكيّ نكمل سوياً نحو المكان الذي نُصِبت فيه الخيمة.. 

و بالفعل !! تعمّقت داخل الصحراء , حتى بدأت انوار الشارع خلفي بالإختفاء ... ثم صار الطريق مظلماً , لا يُرى الاّ انوار سيارتي .. فأحسسّت وقتها بأنني اضعت الطريق .. فتوقفت   و خرجت من السيارة محاولاً ايجاد شبكة ارسال  لجوالي , لكن دون فائدة ! و بعد ان فقدت الأمل , عدت اليها .. و قد صمّمت على  العودة الى منزلي , و الإعتذار لاحقاً من اصحابي .. 

لكن كانت هناك مصيبةٌ اخرى في انتظاري .. فالسيارة انغرزت في الرمال ..و لم تفلح محاولاتي لإخراجها من هناك , حتى بعد ان وضعت بعض الأحجار تحت الدواليب .. و بعد ساعة من المحاولات اليائسة .. اطفأت السيارة و اغلقت نوافذها , خوفاً من ان تتسللّ اليّ : حية  او عقرب .. و لم يبقى امامي الاّ الدعاء الى الله , بأن يجدني اصحابي .. ثم استلقيت على الكراسي الخلفية لأنام قليلاً , الاّ ان الحرّ (داخل السيارة) منعني من ذلك.. و كان الزمن قد قارب منتصف الليل .. 

و بينما انا اتقلّب يميناً و يساراً , سمعت طرقاً على نافذتي الخلفية .. فقمت فزعاً لأرى رجلاً عجوزاً , لديه هيئة البدو (ذا لحيةٍ بيضاء و ثيابٍ رثّة , يحمل بيده عصاه الخشبية).. و كان يسألني : مالذي احضرك الى هنا ؟! .. فخرجت من السيارة و سلّمت عليه , ثم اخبرته قصتي بإختصار ... فأقترح عليّ ان اذهب معه الى منزله .. فنظرت الى حيث اشار , فرأيت منزلاً حجرياً (صغير الحجم) .. فتفاجأت لأني لم اره من قبل , رغم انه يبعد عن سيارتي بضعة امتارٍ فقط ! و قبل ان استفسر منه , تركني و ذهب بإتجاه منزله ..فما كان عليّ , الاّ ان اغلقت نوافذ سيارتي و اقفلتها , ثم اسرعت بالّلحاق به .. 

و بعد ان دخلنا الى بيته (الذي هو عبارة عن غرفة و صالة) .. وقفت امام تلك الغرفة , فلم اجد فيها سوى فِراشٍ قديم على الأرض ,  و بجانبه ابريق ماء ..امّا الصالة : فقد فُرشت ببساطٍ مُهترىء , و في احدى الزوايا يوجد صوفِ خروف .. و قد سمح لي العجوز ان انام في غرفته .. ثم سألني ان كنت جائعاً , و قد كنت بالفعل .. لكني بصراحة , خفت ان يُحضر لي ثعباناً   او ضبّاً مشوي , فهو يعيش منعزلاً عن العالم ! فشكرته ثم دخلت الغرفة , و اغلقت بابها .. و بعد ان وضعت غترتي فوق الوسادة القديمة , استلقيت على فِراشه .. و صرت افكّر بهذا العجوز .. 

كيف يعيش وحده بالصحراء ؟! و من استطاع بناء هذا المنزل في بقعةٍ معزولة كهذه ؟! الم يكن اسهل عليه لو عاش في خيمة ؟! ثم صرت افكر بأصحابي : هل تراهم يبحثون عني , ام ظنوا بأنني لم البّي دعوتهم ؟! و بعد وقتٍ من التفكير , غلبني النعاس ...فنمت . 
لكني استيقظت بعدها (و الظلام مازال حالكاً) و انا لا ادري كم نمت , لأني نسيت جوالي داخل السيارة .. و كنت مُجبراً للعودة الى النوم , عسى بذلك ينتهي هذا الليل الطويل .. لكني سمعت شيئاً ..... نعم !! انه نفس الصوت الذي ايقظني قبل قليل ..انه صوت يُشبه القرمشة , قادمٌ من خارج المنزل ! ..ففتحت النافذة .. 

و شعرت على الفور بتغير الجوّ , حيث صار يحمل معه نسماتٍ باردة ..و لأنني مازلت اعاني من نزلة برد , أخذت غترتي (من فوق الوسادة) و لففتها حول وجهي ..ثم اخرجت رأسي من النافذة , لأرى على اقصى يساري .. الرجل البدوي , و هو مُنحني داخل حفرة بالأرض .. لا يظهر منه سوى حدبة ظهره , و يبدو انه مشغول بإخراج شيءٍ من هناك ! ... هآقد قد سحبه (بعنف).. لكن ما هو يا ترى ؟! ... آه يا الهي !!! انها عظام يدٍ بشرية !.. ماذا سيفعل بها ؟! ...    ماذا ! انه يأكلها !! و من هول الصدمة , صرخت بعلوِ صوتي : جني !!!!!! ..  

فسمع صراخي .. فالتفت اليّ , و كم افزعتني نظرته .. فقفزت على الفور من النافذة , و ركضت كالمجنون بإتجاه سيارتي .. لكني سقطت فجأة ! ..اللعنة !! ليس الآن ..فنظرت الى قدمي , فوجدت يداً زرقاء تمسك بها من داخل الأرض .. يا للهول ! جنيٌ آخر..     

و هنا سمعت صراخ العجوز (من بعيد) و هو ينادي : لا تدعوه يهرب !!!!! و اذا بالجن (بألوانها المختلفة و اشكالها المرعبة) تخرج من كل مكان , من تحت تربة المقبرة (التي لم ارها من قبل) ! و بعد ان افلّتُ قدمي (بصعوبة) من بين يديّ تلك الجنية .. 

عدت و ركضت بكل ما اتيت من قوة , بإتجاه سيارتي ..ثم دخلت اليها .. و صفقتُ بابها (بقوّة) , و اذّ بي اسمع , صراخاً مخيفاً يصمّ الآذان ! و يبدو ان اصابع ذلك الجني (الذي كان يزحف خلفي مباشرةً) قد علِقت ببابي ..لكنه بعد ان صرخ بألم , اختفى فجأة ! 

اما عن باقي تلك المخلوقات المريبة : فكان بعضها يطير  و يحطّ فوق سطح سيارتي , اما الآخرون فكانوا يهزّون السيارة (بعنف)  و هم يطرقون بأيديهم على زجاجها ..اما احدى الجنيات : فقد اكتفت بالتحديق اليّ (بعينيها البيضاوين) من نافذتي الأمامية ! فأغمضت عينايّ ,  و صرت ادعو الله , و انا احاول جاهداً تحريك هذه السيارة الملعونة !!   

و اذا بي اسمع صوت تكسّر زجاجي الخلفي , لأجد مارداً ضخماً (رمادي اللون) يحاول ادخال رأسه من تلك الفتحة .. و بهذه اللحظة !! اغميّ عليّ من اثر الرعب..
.. امّا ما حصل بعدها .. فقد استيقظت (و انا مازلت داخل سيارتي)   و الوقت لا يزال ليلاً .. 

اما عن تلك المخلوقات المخيفة و كذلك المنزل و المقبرة , فقد اختفوا جميعاً ! فأدرتُ وجهي (بسرعة) الى الخلف , لأجد ان زجاج سيارتي الخلفي سليماً تماماً ! فهل كنت احلم ؟!  هل معقول ان حرارة السيارة اثّرت عليّ , و جعلتني اهلّوس .. حقاً لا ادري ! لكن كلّ ما اردّته في تلك اللحظة : هو ان ابتعد عن تلك المنطقة الملعونة قدر الإمكان .. فحاولت للمرّة الألف , ان ادير سيارتي .. فإذا بها تتحرّك , و بسهولة ايضاً ! فهلّلتُ فَرِحاً , ثم اسرعت للعودة الى منزلي .. 

و في طريقي نحو الشارع العام , انتبهت الى نورٍ بعيد من جهة يميني .. و خيّل اليّ : بأنها ناراً اشعلها اصدقائي بالقرب من خيمتهم ..فانحرفت بسيارتي بإتجاه ذلك الضوء الأحمر (البعيد) .. و انا ادعو ربي : ان لا تكون لقبيلة اخرى من الجن ! و ما ان صرت على بعد امتارٍ منها , حتى اتضح ان ظني كان بمحله .. و فور ترجّلي من السيارة , هجم عليّ اصحابي و هم يحمدون الله على سلامتي .. فقد كانوا على وشك الإتصال بالشرطة , بعد ان يئيسوا من ايجادي .. ثم جلسنا حول النار ..و اسرع احدهم بتسخين طعامي من جديد .. 

اما انا ..فقد كنت اجلس بهدوء , و انا شارد التفكير ..و مرّت الدقائق ..لم استوعب حديث ايّاً منهم , فقد كان عقلي يحاول تذكّر كل ما حصل .. لكن فجأة ! انتبهت على ضحكاتهم ,    و هم يشيرون الى شعري (بعد ان نزعتُ غترتي) .. و قال احدهم ساخراً : من الحلاّق الغبي , الذي صبغ رأسك بالصِباغ الأبيض ؟ فقلت : ماذا ؟! عن ايّ شيءٍ تتحدثون ؟! فالتقط احدهم صورة لي (من جواله) ثم اراني اياها , و قد ارتعبت من منظري الشايب ! لكني لم اردّ اخافتهم , لذلك وافقتهم بأنها غلطة حلاّق .. و رغم انني شاركت ضحكاتهم , الاّ ان قلبي كان يرتجفّ بشدة في تلك اللحظة : لأني ايقنت ان ما حصل معي قبل قليل , كان حقيقياً ! .. 

و بعد دقائق .. اعطاني صديقي الصحن , الذي فيه قطعة من الخروف (بعد ان سخّنه على النار) .. اما اصدقائي الإثنين , فقد اعتذروا لعدم اكمال السهرة معي , و دخلا الى الخيمة ليناما ....   و جلس صديقي الثالث بجانبي , يُقشّر التفاحة ..

و بعد لحظات , عمّ الهدوء .. فجلست آكل قطعة اللحم , و انا افكّر بقبيلة الجن ... لكن قطع تفكيري صديقي , بعد ان امسك بيدي (بقوّة) ..و آثار الدهشة و الخوف بادية على وجهه ! ...فسألته : ما بك ؟! .. فقال بصوتٍ يرتجف : لما تأكل العظام بدل اللحم ؟! ..و قبل ان اعيّ لما يقوله , لاحظت على الفور , الدماء التي كانت تخرج من اصبعه (بعد ان جرح نفسه بالسكين) ..    

و هنا شعرت بشعورٍ غريب , و صرت احدّق بإمعان في تلك الدماء !...امّا ماذا حصل بعدها ؟ ... فمازلت الى اليوم , احاول التذكّر ! فقبيل الفجر بلحظات .. وعيتُ لنفسي داخل الخيمة , و انا غارقٌ بين بركة من الدماء و اشلاء صديقايّ .. فقفزت فزعاً من مكاني , و اسرعت للخارج .. لأرى صديقي الثالث , و هو مطعون بسكينٍ في قلبه .. و ترقد جثته الهامدة , بالقرب من النار التي انطفأت !     

و هنا !! سمعت ضحكات رجلٌ يقف ورائي , فالتفت اليه .. لأجد ذلك العجوز و من خلفه , افراد قبيلته من الجن : كباراً و صغاراً , رجالاً و نسوة (بألوانهم و اشكالهم المختلفة) ! .. ثم قال لي (بفخر) : احسنت !! لقد نجحت بالإمتحان .. و اهلاً و سهلاً بك بيننا .. لأنك منذ اليوم , لم تعدّ بشريّاً !!!.. ثم هللّ الجميع (الجن) فرحاً ..

و هآ انا احفر قصتي هذه , داخل هذا الكهف ..عسى ان يقرأها احدكم , و يساعدني على الهرب من عالمهم المخيف !    

العين الحسودة

تأليف : امل شانوحة معاناة من ابتُليّ بهذه الموهبة المؤذية  لم يعلم سمير بقدراته المدمّرة الا في السن التاسعة .. وكانت اول تجاربه مع ...