الجمعة، 30 مارس 2018

كواليس دمويّة

تأليف : امل شانوحة


أرعب فيلم بتاريخ الهوليوود

امتلأت صالة مسرح كوداك في مدينة لوس انجلوس بكالفورنيا والمخصّصة لتوزيع جوائز الأوسكار بالعديد من المشاهير في حفلها السنويّ الضخم , حيث صفّق الممثلين والمخرجين والمنتجين بحرارة للشاب المخرج العبقري (انتونيو ولتر , 33 عاماً) الأمريكي من اصولٍ اسبانية , وصاحب الفيلم المميز : (لا للهجرة الغير شرعية) ..

وفي خُضمّ فرحته باستلامه جائزة تكريمية عن اول فيلم يصوّره في حياته , تفاجأ الحضور والصحفيين باقتحام المخابرات الأمريكية المكان والقبض عليه , وسط ذهول الجميع !
حيث ضجّ المسرح بصرخات الإستنكار وهم يشاهدون الشرطة وهي تصفّد يدا المخرج الذي اكتفى بابتسامةٍ غامضة وهدوءٍ مريب , وكأنه كان يتوقّع ما سيحصل !

وقد اضّطر القائمون على الحفل بتوقيفه مؤقتاً لمعرفة اسباب ما جرى , بينما انشغل الصحفيون بتصوير المخرج في لحظات اعتقاله المهينة 
***

وفي اليوم التالي .. تناقلت الصحف الأحداث المتوتّرة التي صاحبت حفل الأوسكار الشهير , بينما ظلّ سبب اعتقال المخرج غامضاً ! 
وزاد الأمر غرابةً : أيقاف السلطات عرض الفيلم بكافة دور السينما , ممّا أدى لتهافت الناس على رؤيته من بعض قنوات اليوتيوب التي استطاعت تهريب اجزاءٍ منه ..

حيث يبدأ المشهد الأول من فيلمه : بتصوير رجالٍ بلباسهم الأسود وعضلاتهم المفتولة وهم ينتظرون على الشاطىء وصول بعض المهاجرين الغير شرعين من العرب (في شمال افريقيا) الى اسبانيا على متن قاربٍ قديم , ليقوموا باستقبالهم .. ومن ثم اقتيادهم الى قصرٍ تاريخي قديم مُخبّأ في أحضان غابةٍ مُهملة .. حيث ادخلوهم اولاً الى صالةٍ بها طاولة ضخمة عليها جميع اصناف المأكولات اللذيذة ليهجم المهاجرون بهمجيّة على الطعام ويتناولوه بنهمّ , فهم لم يأكلوا سوى بعض المعلّبات لعدّة ايام اثناء خوضهم غمار البحر 

وبعد انتهائهم من الطعام , ساقوهم الحرس الى سردابٍ به العديد من الغرف المغلقة على طول جانبيه .. لكنهم شعروا بالقلق حين أُقفل الباب الرئيسي خلفهم , ليعلقوا داخل الممرّ الطويل ذو الأنوار الخافتة ! 

ومن بعدها .. أضيء لهم شاشة كبيرة , عُرض عليها المطلوب منهم بلغةٍ يفهمونها .. وكانت الإرشادات تطلب منهم ان يختار كل واحداً منهم رقم غرفةٍ مغايرة دون ان يعرف ما بداخلها .. فاقترب كل واحدٍ من الثلاثين رجلاً لاختيار بطاقة من داخل صندوقٍ يحمله رجلٌ مقنّع !

وبعد وقوف كل واحداً منهم امام غرفته .. انفتحت الأبواب امامهم لتنطلق بعدها صرخات الرعب والإستغاثة , بعد رؤيتهم لأدوات التعذيب في الداخل والتي تراوحت شدّتها بين المؤذية بشكلٍ خطير والقاتلة .. 
وعلى الفور !! عمّت الفوضى أرجاء السرداب , حيث ركض المهاجرون الى الباب الكبير الذي دخلوا منه , لكنه كان مقفلاً بإحكام .. 

وهنا خرج رجالٌ مقنّعين بعضلاتهم المفتولة من تلك الغرف وهم يحملون الهراوات والسيوف والعصيّ الكهربائية , حيث كانت كل غرفة تحوي ثلاثة رجال اقوياء مختصّين في مجال التعذيب (وجميعهم يعملون لدى شابٍ غني , كان يتابع بحماس مع بعض اصدقائه الأثرياء مجريات الأحداث عبر شاشاتٍ في مكتبه المتواجد بعلّية القصر .. حيث تراهن كل واحد على خمسة مهاجرين : بحيث من يبقى منهم حيّاً لأطول مدة تعذيب , يفوز المراهن عليه بسيارة ليموزين فاخرة !) 

اما المشهد الثاني من الفيلم فكان أكثر غرابة ! حيث دخل كل مهاجر من تلقاء نفسه الى غرفة التعذيب دون أدنى مقاومة , وكأنهم ينساقون كالخراف للمذبحة ! 

ثم بدأ عرض أصعب المشاهد في هذا الفيلم المرعب : حيث تفنّن الحرس بتعذيب المهاجرين هزيلي الأجساد بأدوات تعذيبٍ قديمة وتاريخية .. 
وكان من أنواع التعذيب : سحق العظام بآلاتٍ ضاغطة , وحرقهم بأسياخٍ محميّة على النار، كما وضعهم على الخوازيق , والكرسي المغطّى بالمسامير, والجلوس على حمارٍ خشبي مدببّ لتمزيق الأحشاء , وغيرها من الأدوات الوحشيّة الغير إنسانية ! 

ولهذا إضّطر المخرج لتعتيم وتغبيش بعض الصور مراعاةً لمشاعر المشاهد .. الاّ ان الصراخ والأنين والألم والدماء التي ظهرت في الفيلم كانت حقيقية بشكلٍ لا يصدّق !
وانتهت احداث الفيلم بمقتل جميع المهاجرين.. 

حيث صُوّر المشهد الأخير منه : بوقوف الشاب الغني (الذي كان نفسه المخرج انتونيو ولتر , حيث قام بدور البطولة) في مقدّمة سفينته برفقة بقيّة المراهنين الأثرياء , وهم يشاهدون عمليةّ التخلّص من أشلاء المهاجرين برميها في البحر .. 

ثم اقترب منه صديقه قائلاً : 
- أحسنت يا انتونيو , فهذا سيعلّم جميع المهاجرون الغير شرعيون بأن لا يقتربوا مجدّداً من بلادنا العظيمة 
وهنا قال المخرج كلمته الختامية في الفيلم : 
- بالتأكيد !! فنحن لن نسمح للتاريخ ان يُعيد نفسه من جديد .. 
ثم رفع كأس الشمبانيا لأصدقائه قائلاً : 
- لتحيا اسبانيا !! ولتسقط الأندلس من جديد
فهلّل اصدقائه فرحاً
...(((النهاية)))...
*** 

وهنا اطفأ المحقّق الفيلم , وهو يشعر بالإشمئزاز ممّا شاهده ! 
- كيف لهذا الفيلم المقزّز ان يحصل على جائزة الأوسكار ؟! بل الأسوء ان الجمهور يُطالب بأجزاءٍ اخرى للفيلم !
الشرطي : هذا لأن مشاهد التعذيب فيه حقيقية 
المحقق : الناس لا تعرف هذا بعد .. (ثم فكّر قليلاً) ..أتدري .. كانت هناك مقاطع إستغربتها في الفيلم !
- ماهي سيدي ؟
- جملة المخرج الأخيرة تؤكّد ظنوني بأن ادوات التعذيب التي استخدمها في فيلمه هي نفسها ادوات تعذيب الأندلسيين , فأنا مازلت أذكرها من زيارتي للمتحف الإسباني ايام شبابي
الشرطي : ربما صنعوا مثلها للفيلم
- لا اظن .. ولهذا اريدك ان تتحرّى عن المسؤول عن ادوات تعذيب في المتحف الوطني بإسبانيا  
- اتظن انه متورّطٌ معهم ؟

المحقّق : نعم .. كما هناك شيئاً آخراً استوقفني في الفيلم ..وهو دخول المهاجرين الى غرف التعذيب بإرادتهم ! 
الشرطي : ربما أيقنوا بأنه لا مجال للهرب من مصيرهم 
المحقق : لا , اعتقد ان هناك مشاهداً محذوفة في الفيلم ! فقد لاحظت بأن أعدادهم قلّت عن المشهد الذي سبقه .. أعدّ شريط الفيلم كيّ نعدّهم من جديد

فعاد وشاهدا المقطع الذي ركض فيه المهاجرين المذعورين نحو الباب الرئيسي في محاولتهم للهرب .. ثم المقطع الذي تلاه : وهو دخولهم بإذعان لغرف التعذيب .. 
وكان شكّ المحقق في مكانه : حيث اختفى ثمانية من المهاجرين لم يظهروا في بقيّة الفيلم ! 

الشرطي : ماذا تظن حصل لهؤلاء الثمانية , سيدي ؟
المحقق : أعتقد انهم قتلوهم بشكلٍ وحشيّ امام الجميع , لهذا استسلموا البقيّة لقدرهم ..كما لاحظت ان ملابس بعضهم كانت مقلوبة , وظهرت بعض الدماء في بنطال احدهم قبل دخوله للغرفة  
الشرطي : أتظنّ انهم تعرّضوا لتحرّشات ؟! 
المحقق : ربما , لكن لا يمكننا التأكّد الاّ اذا اعترف المخرج اللعين بذلك 
الشرطي : لكنه يرفض الكلام منذ ان قبضنا عليه 
المحقّق : مرّ شهران , اليس كذلك ؟ 
الشرطي : نعم , والمشكلة اننا لا نملك دليلاً على إدانته , سوى شهادة قريب أحد الضحايا الذي شاهده بالصدفة داخل الفيلم 
المحقّق : اذاً لنواجه المخرج بذلك الشاهد 
***

وبعد اسبوع .. بدأ التحقيق مجدّداً مع المخرج الشاب , بحضور محاميه .. 
المحقق : إمحي ابتسامتك المستفزّة , وأجبني ..كيف عرفت بموعد قدوم هؤلاء المهاجرين ؟
فنظر الشاب لمحاميه الذي أشار له ان يجيب ..
المخرج : من موقع في الإنترنت المظلم
- إشرح اكثر
- هناك موقع يعرض فيه كاميرات منارات الشواطىء التي تراقب السفن بجميع انواعها , ومنها قوارب المهاجرين الغير شرعين ..وانا كنت أتابعه باستمرار
المحقق بدهشة : لكن هذا برنامجٌ خاص بالحكومة لمراقبة أمن البحار ؟!
المخرج : الم تسمعني حين قلت ..انني اتابعه من الإنترنت المظلم ؟

فخرج المحققّ من غرفة التحقيق وطلب من موظفيه دخول الإنترنت المظلم والبحث عن موقع الهكر الذي اخترق حواسيب مركز الشرطة الساحلية التابعة لدولة اسبانيا , وتبليغ السلطات هناك بأمره لأخذ الحيطة والحذر..

ثم عاد لغرفة التحقيق , وسأله من جديد :
المحقق : ولما قمت باختطاف هؤلاء المهاجرين ؟ 
المخرج بغرور : أردّت تصوير فيلمٍ مرعب بجودةٍ عالية
المحقق يضرب الطاولة بقبضته غاضباً : ايّ فيلم ايها اللعين !!
المحامي : اساساً موكلي لا يعرف حتى الآن لما قبضتم عليه , فالأفلام المرعبة تملأ دور السينما حول العالم ؟! 
المحقق بعصبية : هذا لأنه لم يكن فيلماً بالأساس .. (ثم قال بصوتٍ عالي للحرّاس) : ادخلوا الشاهد !!

فدخل رجلٌ افريقي أخذ بخناق المخرج حين رآه , وصار يصرخ عليه بغضب : 
- اين اخي ايها اللعين ؟!!! 
المخرج محاولاً فكّ نفسه من بيت يديه : عن ايّ أخ تتكلّم ؟!
واستطاع الشرطيان ابعاد الشاهد بصعوبة عن رقبة المخرج , لكنه اكمل قائلاً بعصبية : 
- لقد شاهدت الفيلم , وتفاجأت بأن أخي كان من ضمن المهاجرين الذين ماتوا بالتعذيب حرقاً ! 
فقال المخرج بابتسامةٍ مستفزّة : آه تذكّرته الآن , كان اخوك ممثلاً بارعاً

الشاهد وهو يمسح دموعه بغضب : لم يكن تمثيلاً !! فأهلي أكّدوا لي بأنه سافر عن طريق البحر للعمل في اسبانيا , لكن اخباره انقطعت فجأة .. حتى ان سلطات المهاجرين لا تعرف اين اختفى ذلك القارب , وما مصير المهاجرون الثلاثون الذي قتلتهم انت واصدقائك الملاعيين !!! 
وهنا قال المحقق للشرطين : إخرجوا الشاهد ..

وبعد خروج الشاهد من غرفة التحقيق وهو مازال يشتم المخرج ويلعنه ..همس المحامي للمخرج مستفسراً :
- هل ما قاله الشاهد صحيحاً يا انتونيو ؟!
لكنه لم يجيبه .. فاقترب المحقق الغاضب من وجه المخرج , وقال مهدّداً :
- ابدأ بالتكلّم حالاً !! والا ستواجه قريباً نفس مصير هؤلاء المهاجرين

فتنهّد المخرج بأنفاسٍ طويلة , ثم قال : الجمهور بالعادة يعشقون الأفلام المخيفة , فكيف لوّ كانت واقعية 
المحقق : اذاً انت تعترف الآن بتعذيبك لهؤلاء المهاجرين ؟ 
المحامي مُحذّراً : سيد انتونيو , انتبه على كلامك كيّ لا يؤخذوه ضدّك
المخرج بلا مبالاة : لا يهمّني ما سيحصل , طالما ان فيلمي حقّق غايته المنشودة 
المحقق : ماذا تقصد ؟

المخرج بثقة : لقد ساهم قبضكم عليّ في حفلٍ الأوسكار الى ضجّةٍ اعلامية شهرت فيلمي أكثر مما توقعت .. كما أحدث الفيلم رعباً في نفوس ابناء الدول النامية والذي أدّى لاحقاً لانخفاض اعداد المهاجرين الغير شرعين , خاصة المتجهين لبلدي اسبانيا , وهذا كان الهدف منذ البداية .. كما انني حصلت على الشهرة وجائزة الأوسكار عن أول فيلم أخرجه في حياتي .. 
المحامي : لكني اخبرتك بأن النقّاد سحبوا منك الجائزة , ومنعوا فيلمك من عرضه بكافة دور السينما
المخرج بغرور : بعد ماذا , فقد شاهده الجميع وانتهى الأمر .. كما سيبقى فيلمي أقوى الأفلام المرعبة التي تمّ تصويرها في عالم السينما , ولا أحد يستطيع إنكار ذلك

المحقق وهو يحاول كبت غضبه بصعوبة , كيّ لا يلكم وجه هذا المتغطرس الساديّ : 
- ولما اخترت ادوات التعذيب الأندلسية ؟ فقد قبضنا على مسؤول المتحف الذي اعترف بقيامه بتأجيركم تلك الأدوات المخيفة لفترةٍ محدودة
المخرج : إخترتها لأنّي مُغرم بتاريخ اسبانيا العريق , كما لأنني اكره العرب , فالأندلس تعتبر وصمة عار في تاريخ بلادي .. لهذا ارتأيت انه لا بأس من تكرار ما فعلوه رهباننا بأولئك المسلمين في زمن الماضي  

المحقق : واين موقع القصر الذي تمّ فيه تصوير الفيلم الشائن ؟
بابتسامةٍ مستفزّة : في غابةٍ ما بإسبانيا
فأمسك المحقق بياقة الشاب , قائلاً بعصبية : تكلّم يا رجل !! من هم شركائك , ومن هؤلاء الرجال المقنّعين الذي قاموا بعمليات التعذيب ؟
فقال الشاب بعد ان أفلت ثيابه من قبضة المحقق الغاضب : هذا سرّ سأدفنه معي للأبد 
المحقق بنبرة تهديد : وهذا سيكون قريباً , أعدك بذلك
***

وبدأت محاكمة المخرج الشاب بشكلٍ علني امام الجمهور الغاضب ..ورغم ان انتونيو لم يقتل أحد بيديه , لكنه قام بدفع مبلغٍ كبير (من المال الذي ورثه عن والده) لاستئجار ادوات التعذيب , كما القتلة المأجورين من موقع مختصّ في الإنترنت المظلم .. والذي أدى بالنهاية لوفاة 29 مهاجراً , ماعدا الشخص الوحيد الذي رموا بجثته في البحر ظانين بوفاته .. لكنه استعاد وعيه قبل لحظات من غرقه , ليسبح بجروحه البليغة الى الشاطىء , حيث رآه رجلان هناك قاما بنقله فوراً الى المستشفى .. 

وبعد ان استعاد وعيه , أخبر الصحفيين والشرطة بالأهوال التي حصلت داخل ذلك القصر المجهول ! كما قال : بأن خنوعهم لدخول الغرف كان بعد تعرّضهم لاعتداءاتٍ أخرى مُهينة للشرف والكرامة , لهذا لم يتمّ تصويرها .. واكتفى بالقول : كانت كواليسٌ دمويّة !
وبسبب شهادته الرئيسية بهذه القضية تمّ اصدار الحكم على المخرج المتغطرس بالسجن المؤبّد مع الأعمال الشاقة , دون حصوله على فرصة الإفراج المشروط  
***

لكن المخرج الثريّ استطاع بعد ثلاثة شهور دفع مال لعصابةٍ داخل السجن استطاعت تهريبه بمساعدة من شرطيين فاسدين ..مما أدّى لمظاهراتٍ غاضبة من العرب المتواجدين في اميركا ودول اوروبا مطالبين بالقبض مجدّداً على هذا السفّاح العنصريّ 
***

الا انّ المخرج إختفى تماماً من الوجود ! حيث وصلت انباءٌ للشرطة بأنه حصل على هويّةٍ مزوّرة سافر بها الى بريطانيا , بعد ان أجرى العديد من عمليات التجميل السرّية لتغير هيئته 
***

وبعد عدّة سنوات , وفي أمسةٍ باردة .. تلاقى عربيان يعيشان في انكلترا بالصدفة برجلٍ سكّير في الشارع , فأقلّاه بعد ان أخبرهما بتعطّل سيارته 

وفي الطريق .. بدأ يهلوس بكلماتٍ غير مفهومة ! ثم بدأ يتباهى بكلامٍ فاجأ العربيان , حين قال بعد ان أنهى قارورة الخمر :  
- كم استمتعت برؤيتهم يتعذّبون .. فأنا المخرج الوحيد الذي حصل على الأوسكار من فيلمه الأول , ولا أحد يمكنه حرماني من ذلك .. فأنا من أعدّت أمجاد الصليبيين .. (ثم يصرخ قائلاً بفخر) : لتحيا اسبانيا العظيمة !! وليموتّ كل الأندلسيين !! 
***

إستفاق بعدها انتونيو وهو يقف على كرسي مهترىء , معلّقاً برقبته حبل المشنقة في بيتٍ مهجور في الغابة .. وكان يقف امامه الشابان العربيان الغاضبان ..

فقال لهم المخرج بعد ان استفاق من سكرته , بخوفٍ شديد : 
- ماذا ستفعلان بي ؟! 
- من سوء حظّك ان القدر ساقك الى عربيين شاهدا فيلمك القذر العنصريّ 
- ارجوكما لا تقتلاني ! فأنا كنت حينها شاباً طائشاً , وانا نادمٌ الآن 
أحد الشابين بغضب : كاذب !! فقبل قليل كنت تتفاخر بقتلك للعرب! 
- كنت سكراناً ولا أعيّ ما اقول ! ارجوكما دعوني اذهب , وسأدفع لكما ما تشاءان
فقال له الشاب الآخر : ومن قال لك ان العرب يبيعون شرفهم .. هيا إمسك هذه !! 

واعطاه قارورة فيها نوع من الخمر الثقيل ..
المخرج بخوف : ماذا تريدني ان افعل ؟!
الشاب الآخر : إشربها كلّها !!
المخرج : هذه نوعيتها قويّة , وسأسكر على الفور ان شربتها !
العربي : نعم وهذا هو المطلوب .. فأنت ستشنق نفسك بعد ان تترنّح لتسقط من فوق الكرسي , ليبدو وكأنه انتحاراً 
العربي الآخر بغضب : مع انني أرغب كثيراً في تعذيبك , كما فعلت مع اولئك المهاجرين المساكين , لكننا لا نريد المشاكل مع السلطات

وبعد ان أرغمانه على شرب الخمر .. أجبراه على الإعتذار من العالم بواسطة كاميرا جواله التي وضعاها في الجهة المقابلة له , بعد ان اوصلاها بالإنترنت لتبثّ كلامه مباشرةً لكل متابعيه ..
فقال انتونيو وهو يبكي , محاولاً توازن نفسه (كيّ لا يقع من فوق الكرسي ويشنق نفسه) :

- انا انتونيو ولتر .. مخرج ذلك الفيلم المهين عن المهاجرين .. ربما لن تعرفونني , لأنّي قمت بعمليات تجميل لتغير هيئتي .. لكني أردّت قبل ان انتحر ان اعتذر من العرب والأفارقة وكلّ الأقليّات العرقية في العالم عمّا فعلته , لأنه لا يحقّ لأحد إفناء الآخر بسبب الفروقات العقائدية والطائفية , فجميعنا شركاء على هذه الأرض .. ولهذا أعتذر منكم جميعاً 

وهنا اوقفا الكاميرا ..
فقال المخرج السكران : لقد فعلت ما أمرتماني به .. فاطلقا سراحي قبل ان أقع واموت , فأنا لا ارى بوضوح امامي
فقال أحدهما بلؤم : وهذا هو المطلوب بالفعل

ثم خرج مع صديقه الى خارج الكوخ , تاركان المخرج يصرخ ويتوسّل لهما .. 
وقبل ان يُدير العربي محرّك سيارته , سمعا صوت سقوط الكرسي من داخل الكوخ ..

فقال صديقه : وهاهي روحه الآن ستُلاقي ارواح المهاجرين لينتقموا منه 
فقال له الآخر : لا طبعاً .. فأرواح اولئك المساكين في الجنة , بينما روحه  ستُحرق حتماً في الجحيم !!

وابتعدا عن المكان , تاركان جثته تتحلّل وحدها في ذلك الكوخ المهجور المتواجد في غابةٍ مُهملة بأطراف قريةٍ بريطانية !  

تجارب أداءٍ مُريبة !

تأليف : امل شانوحة ليتني لم أمتلك صوتاً جميلاً ! بعد انتهاء القدّاس .. إقترب رجل بطقمه الرسمي من الشاب جوزيف قائد الجوقة الموسيقية ف...