الخميس، 19 أبريل 2018

خاتم سليمان

تأليف : امل شانوحة

وجدت الخاتم الذي يبحث عنه الجميع !

سكن هشام في حيٍّ يُعرف بمنطقة المشعوذين القريب من جبل شمهروش بالمغرب , حيث اشتهر بسوقه المليء بأغراض الشعوذة من جلود تماسيح ومناقير غربان وأظافر سباع وأدمغة ضفادع وكافة انواع البخور المستخدمة بالسحر الأسود .. ولسوء حظّه كانت خالته من اشهر المشعوذات هناك , اما امه فقد ماتت منذ ان كان صغيراً ليربيه اهل والده البعيدون عن هذه الأعمال المشبوهة .. الا ان هشام وجد نفسه مضّطراً للعودة الى منزل والدته بعد ان بلغ رشده , ليعمل مرشداً للسوّاح الأجانب القادمون لرؤية جبل الشيطان (شمهروش) الذي وصل صيته لبلاد الغرب 

ورغم ان هشام لم يؤمن يوماً بهذه الخرافات التي يصدّقها بقوة اهل والدته بما فيهم خاله الذي يعمل بتجارة بخور السحر , الا انه لم يتجرّأ على معارضتهم او مجادلتهم بهذا الموضوع .. وان كان احياناً يذهب الى شيخ القرية المجاورة ليشاهد طريقة إخراجه للجن من المسحورين ..

ومع الأيام .. ازداد اهتمام هشام بفكّ الأسحار , وطلب من الشيخ تعليمه طرق إبطالها ..فأخبره الشيخ بأن بعضها يُفكّ بصبّ الماء المقرأ عليه آياتٍ معينة من القرآن , والبعض الآخر يجب حرقه او دفنه .. لكن الأهم من هذا ان لا يفكّ أيّ عقدة لحبالٍ او خيوطٍ معقّدة (يجدها داخل الأعمال السحريّة) الاّ بعد قراءة المعوّذات , وذلك بعد تحصين نفسه جيداً ..
***

في احد الأيام .. طلبت سائحة أجنبية من هشام ان يأخذها بجولة الى جبل الشيطان , فأخبرها بأن الأمر سيكلّفها مئة دولار , فوافقت 

وفي طريق صعودهما الى هناك , سألها : 
- لماذا تريدين زيارة هذا الجبل المخيف ؟
فأجابته كريستينا : امي وابي كانا قوطيّن اثناء دراستهما الجامعية , ثم تحوّلا لاحقاً الى عبدة شيطان ..وحين قبضت الشرطة عليهما بعد ان شاركا بطقوس حرق قربانٍ لطفلٍ بشريّ , أرسلتني جمعية الشؤون الإجتماعية الى دار الأيتام ..ولهذا أردّت معرفة أكثر عن معتقداتهما  
هشام : برأيّ ان لا تفعلي فهو طريقٌ شائك , وإن دخلتي في متاهات الشيطان فلن تخرجي منها بسهولة , وقد يأذونك كثيراً
السائحة باهتمام : وكيف يأذونني ؟!
- ان أردّتِ .. بدلاً من ذهابنا الى فوق , دعيني آخذك الى شيخٍ أعرفه , وعنده ستشاهدين حالة المسحورين المزريّة
- سأفعل , لكن بعد ان أرى الكهف من الداخل 

هشام : اذاً سأوصلك الى هناك , لكني لن أدخل معك 
السائحة بسخرية : انت شابٌ قويّ ومع هذا تخاف الدخول الى كهفٍ مظلم
هشام بجديّة : هو ليس كأيّ كهف , بل هو مكان مسكون من أحد ابناء ابليس الملاعيين ..وعادة يأتي السحرة الى هنا ليتقاضوا عنده ..وشمهروش هو من يفصل النزاع بينهم ..ولا تسأليني كيف يفعل ذلك فأنا لست بساحر , ولا يهمني معرفة هذه الأمور 
- كما تشاء ..
هشام : وهآقد وصلنا ..خذي كشّاف النور معك ..وانا سأنتظرك بالخارج ..لكن إسرعي , فأنا اريد العودة الى بيتي قبل غروب الشمس

ودخلت السائحة لوحدها الى هناك .. 
وبعد نصف ساعة .. سمع هشام صرختها المفزعة من الداخل , فاضّطر الدخول الى هناك ليجدها تنتفض على الأرض , وسائلٌ اسود يخرج من فمها ! فأسرع بحملها ليضعها في سيارته المتوقفة اسفل الجبل , ويأخذها الى شيخ القرية المجاورة ..
***

وبعد ان أخبر الشيخ بما حصل , حاول كثيراً إخراج الجني الذي رفض تماماً الخروج منها , حتى ان هشام سمع بنفسه صوت الجني وهو يقول :
- لقد حاولت هذه اللعينة سرقة الذهب الموجود في جرّة سيدي , لهذا سأعاقبها الآن 
الشيخ مُستفسراً من الجني : 
- أتقصد المال الذي يضعه السحرة لشمهروش ؟
الجني بصوتٍ أجشّ : نعم !! ومن يتجرّأ على سرقة سيدي , عقابه الموت

وفجأة ! ارتفع جسد كريستينا عالياً حتى وصلت الى سقف بيت الشيخ .. ثم أنقلب جسدها بحيث أصبح رأسها في الأسفل , لتسقط بقوّة على الأرض وينكسر رقبتها , وتنتفض عدّة مرات قبل ان تلفظ انفاسها الأخيرة , وسط رعب هشام وخوف الشيخ الذي لم يرى مثل حالتها من قبل !
***

وضجّت المغرب بموت السائحة بهذه الطريقة البشعة , وحاولت سفارتها القيام بالكثير من التحقيقات بأمر وفاتها , وكاد الشيخ وهشام ان يُزجّا في السجن بتهمة قتلها .. 

لكن بعد شهرين ظهرت براءتهما , وتمّ اغلاق القضية بموتها في ظروفٍ غامضة ! ومنعت الحكومة المغربية الصحافة من التحدّث بهذه القضية خوفاً على سمعة الدولة , كما لقلقها من تأثير الحادثة على أعداد السوّاح الأجانب الوافدين للبلاد
***

وهذه الحادثة أثّرت كثيراً على نفسيّة هشام الذي بات يشاهد السائحة المتوفية في منامه كل ليلة وهي تطالبه بالإنتقام لها .. 
وبعد ان تعب من هذه الكوابيس المتكررّة , قرّر أخذ إجازة والذهاب الى البحر في المحيط الأطلسي ليمارس هوايته في الغطس , فربما رؤية أعماق البحار تُنسيه الجن والشياطين وأساليب الدجل والشعوذة 
*** 

وفي يومٍ ما , قبيل غروب الشمس ..وبينما كان يغطس كعادته , شاهد وهو اسفل البحر (القريب من الشاطئ) قارورة زجاجية تسقط عليه من فوق , وكأن أحداً رماها قبل قليل في البحر .. فأخذ القارورة وصعد الى السطح , ليشاهد من بعيد امرأة تلبس عباءة سوداء وتضع عقداً من الأحجار الملونة حول رقبتها , وكانت تشير لخادمها برمي الخاروف الصغير المذبوح في البحر .. فعرف انها مشعوذة تعطي قرباناً لإبليس الذي يسكن البحار , بعد ان رمت له السحر داخل القارورة .. 
فانتظر ابتعادهما عن الشاطئ , ليفتح القنينة .. 

وفي داخلها وجد صورة صبيّة صغيرة في حدود 13 من عمرها , مع قماشة بها دمّ وترابٌ اصفر , وشعرة ماعز مربوطة ثلاثة عقد!  
فقال في نفسه بغضب :
((الملعونة !! ماذا تريد من فتاةٍ صغيرة ؟ ..أكيد تريد حرمانها من الزواج طوال حياتها , فهذا غرض الحقودات من النساء !.. حسناً !! والله سأفكّ السحر وأنقذ الصبيّة من شرّها))

وبالفعل !! قام بفكّه بالطريقة التي تعلّمها من الشيخ , وقرأ المعوذات قبل فكّ كل عقدة ..ثم حرق الشعرة ورمى التراب الأصفر بالماء , وطمر قماشة الدم بالتراب , فكل نوع له طريقة معينة لفكّه .. 
وبعدها قال للفتاة التي بالصورة :
- إنطلقي يا صغيرتي , فأنت حرّة 
ورمى بصورتها في البحر , وهو يعلم بأنه أنقذها من بؤسٍ كان سيطال كل جوانب حياتها ..
***

في اليوم التالي ..قرّر إنهاء إجازته , لكنه أراد توديع البحر قبل عودته الى المناطق الجبلية التي يعيش فيها .. 
لكنه عاد وشاهد مشعوذة اخرى تفعل الشيء ذاته التي فعلته المشعوذة البارحة ..
وبينما وقف مذهولاً مما رآه ! إقترب منه رجلٌ عجوز وهو يقول :
- لا تستغرب يا بنيّ , فهذا المكان من الشاطئ يُعرف بملتقى السحرة , واظن لو نزل احدهم الى عمقٍ قريب من الشاطىء سيجد عشرات القارورات التي بها ارواح بشرٍ محتجزين , ينتظرون الفرج منذ سنواتٍ طويلة .. لكن ماذا نفعل ؟ قدرنا في هذه البلاد امّا ان نكون سحرة او مسحورين .. ليعيننا الله

وبعد ان ابتعد العجوز , فكّر هشام مطولاً وهو يتذكّر ما حصل لكريستينا (السائحة الأجنبية) ..
وهنا قرّر أن ينتقم لها ولجميع المسحورين , قائلاً في نفسه :
((انتظروني ايها السحرة الملاعيين !! والله لأكون كابوسكم الذي يُفشل كل مخطّطاتكم الشيطانية))
***

ومن بعدها .. استأجر هشام بيتاً قرب الشاطىء لمراقبة المشعوذين من بعيد .. 
وكان عند كل مساء , يلبس بدلته الغطس وينزل الى الأعماق ليستخرج القارورات الذي يظلّ طوال الليل يقرأ القرآن وهو يفكّ العقد المربوطة لينقذ بذلك عشرات المسحورين في ارجاء البلاد والذين لا يعرفون بعمله البطولي , حيث كان هشام دائماً ما يُصاب بأمراض وأعراض مسٍّ وارتفاع حرارة وهلوسات , عدا عن الكثير من الكوابيس من الجن وهم يهدّدونه بالإنتقام .. لكن ايمانه ظلّ قويّاً , حيث داوم على قراءة القرآن وتحصين نفسه من شرورهم 
***

وذات مساء .. وهو يستخرج كعادته الأعمال السحرية , وجد صندوقاً خشبياً صغيراً مغروزاً في الرمال بأعماق البحر .. وحين أخذه الى بيته , كسر قفلة ليجد بداخله خاتماً من الفضة محفوراً عليه نجمة تشبه نجمة اسرائيل ! كما نُقشت بعض الرموز على جوانبه , ولم يفهم ما تعنيه الا في اليوم التالي بعد شرائه لكتاب من إحدى المكتبات عن تفسير معاني النقوش الأثريّة ..وكانت المفاجأة حين رأى رسماً مشابهاً للخاتم الذي وجده , وهو خاتم النبي سليمان الذي كان يسيطر به على الجن ! 

هشام وهو يقرأ عن الخاتم في الكتاب , قال بدهشة :
((يا الهي ! هل وجدت الخاتم الذي يبحث عنه الجميع ؟! لكن كيف وصل من القدس الى هنا ؟! هل مشى مع تيار الماء ؟ وكيف يعمل ؟ كيف يمكنني ان اطلب بواسطته خدمات من الجن ؟)) 
وحاول دعكه , وطلب بعض الأوامر بصوتٍ عالي : 
- يا ايها الجني حارس خاتم سليمان , اخرج حالاً لتطيع اوامر سيدك هشام 

لكنه لم يحدث شيء !
وبعد عدّة محاولاتٍ فاشلة ! وضعه في سلسلة من الفضة حول رقبته , وأخفاه داخل قميصه .. ليتابع عمله اليومي بفكّ الأسحار 

لكن شيئاً ما تغير بنوعيّة مناماته ..فهو لم يعدّ يشاهد الكوابيس وتهديدات الجن (خدم الأسحار المفكوكة) له , بل بالعكس ! كان يشاهد نفسه وكأنه قائد للجن , وجميعهم ينحنون برؤوسهم له ! 
***

وبعد مدة من الزمن .. صار يشعر هشام برغبةٍ قوية للذهاب الى الخليج العربي , دون ان يعرف السبب .. فهو ليس لديه اقارباً هناك , ولا وظيفة عمل , فلما يذهب الى بلادٍ لا يعرفها !
لكنه لم يجد نفسه الا وهو يدفع تذكرة ذهاب الى الكويت ..وعندما وصل الى هناك برحلةٍ سياحية , شيءٌ ما دفعه لاستئجار قارب .. 
***

وفي صباح اليوم التالي .. لم ينتظر قبطان السفينة , بل قادها بنفسه مسرعاً نحو الشرق , وهو يكاد لا يسيطر على يديه التي تقودانها الى هناك ..
فقال في نفسه بخوف : 
((أصبحت في منتصف الخليج , وان أكملت على هذه الوتيرة سأصل قريباً الى الحدود الإيرانية ! فلما لا استطيع التحكّم بنفسي وإيقاف هذا القارب اللعين ؟!!))

وفجأة ! انتهى وقود السفينة مع غروب الشمس لتتوقف وسط البحر 
هشام بقلقٍ شديد : 
((لما اتيت الى هنا ؟ وكيف سأعيش الآن وليس معي سوى قارورة صغيرة من الماء وسندويش واحد من الجبن .. ومن سيجدني في عرض البحر , فأنا لم أخبر خفر السواحل برحلتي ؟ .. يا الهي ! يبدو انني سأموت وحدي هنا , أهذا هو انتقام الجن منّي ؟!))

ونام ذلك المساء باكيّاً وهو يستعرض ذكريات حياته القصيرة , بعد ان كان أكل السندويش وشرب آخر قطرة ماء في القارورة 
***

في منامه : شاهد خاتم سليمان (الذي يضعه حول رقبته) يضيء فجأة ! ثم سمع صوت جني يقول له : 
- لن تموت قبل ان تُنهي مهمّتك

واستيقظ في الصباح .. ليتفاجأ بأن سندويشة الجبن وقارورة الماء مازالا كما هما !
هشام بخوف : الم أنهيهما البارحة ؟!
وهنا تذكّر حلمه .. 
هشام : هذا جيد , يعني لن أموت جوعاً وعطشاً , لكن ماهي مهمّتي بالضبط ؟
وصرخ بصوتٍ عالي : لما أحضرتموني الى هنا ؟!! ماذا تريدون مني ايها الجن الملاعيين ؟!!

وفجأة تغير الجوّ ! وهبّت رياحٌ قويّة , جعلت هشام يُسرع بفتح شراع السفينة لتقتادها الرياح الى جهةٍ مجهولة 
وظلّت السفينة تمشي بسرعة بفعل الرياح , الى ان حلّ المساء .. وكان وقتها هشام أنهى السندويش وقارورة الماء للمرة الثانية ..
***

في الصباح .. استيقظ بعد ان شعر بسفينته تحطّ فوق الرمال !
وحين رفع رأسه شاهدها راسية على الشاطئ , فخرج من السفينة وهو يصرخ فرحاً بعد ان انتهى هذا الكابوس ..
وبعد ان هدأت فرحته , نظر الى الشاطىء جيداً فوجده أشبه بجزيرةٍ صغيرة , بها جبلٌ صغير في الوسط بداخله كهف , وشجرتان صغيرتان بالجوار .. هذا كان كل شيء موجود على هذه الجزيرة الغامضة ! 

فاقترب بخوف ناحية الكهف , وهو يقول مرتعباً :
- ماذا يوجد داخل الكهف ؟ هل معقول نمرٌ او دبّ ؟ لا , لا أظن ..اصلاً كيف سيعيشان هنا دون وجود شيءٍ يأكلانه .. لكني اسمع حركة بالداخل , هل معقول افاعي وعقارب ؟.. لابد ان ادخل لأرى
***

حين دخل الكهف , شاهد شيئاً مرعباً للغاية ! حيث وجد رجلاً قصيراً مقيدّاً بالسلاسل من يديه ورجليه , وعينه مطموسة بالجلد وكأنه خُلقَ بعينٍ واحدة , وكان شكله المخيف أشبه بالمسخ الذي ما ان شاهد الخاتم يتدلّى من رقبة هشام , حتى صرخ بسعادة وبصوتٍ جهوريّ مخيف :
- وأخيراً !! خاتم سليمان

وما ان قال المسخ ذلك , حتى سخن الخاتم الذي يحمله هشام كثيراً , بحيث أصبح كجمرة نار ..فأسرع بإزالته من رقبته , قبل ان يحترق به .. 
وما ان رماه هشام على الأرض , حتى انفكّت أغلال المسخ .. 
وأدّى تحريره المفاجىء لتجمّد الدم في عروق هشام , حيث سقط مغشيّاً عليه من أثر الرعبة ! 
***

بعد ساعة .. حاول هشام فتح عينيه بصعوبة , ليتناهى الى سمعه صوت امرأة تودّع رجلاً خارج الكهف , وهي تقول له : 
- أستتركني لوحدي هنا يا مسيح الدجال ؟ 
فأجابها وهو يبدو كأنه يركب قارب هشام مبتعداً : 
- عليّ الذهاب وحدي اولاً لأدّعي الإيمان والصلاح , ومن ثم أدّعي النبوة , وسيساعدني في مهمّتي خدم سليمان من الجن الأقوياء .. وبعد ان يصبح لديّ أتباع ومناصرين سأدّعي الألوهية , ومن بعدها آتي الى هنا لأخذك معي ..هذا وعدٌ مني  ..والى ذلك الحين , أتركك مع ذلك العريس الوسيم 

وهنا انتبه هشام بأنه مقيّد اليدين والرجلين بالسلاسل في نفس المكان داخل الكهف , الذي كان محتجزاً فيه الدجّال قبل لحظات ! 
وقبل ان يعيّ ما يحصل معه , دخلت عليه تلك المرأة التي كانت أشبه بالدابّة المُشعرَّة ! 
فصرخ هشام بخوف , وهو يحاول التحرّر من قيوده :
- من انتِ يا هذه ؟!!

فأجابت بابتسامة مغرية , تكاد لا ترى من كثاقة شعر وجهها : 
- انا الجسّاسة , الم تسمع بي ؟ ..لا يهم .. تعال اليّ حبيبي , فأنا لي قرون بعيدة عن الرجال 
هشام يصرخ بخوفٍ شديد : لا ابتعدي عني ..لا تلمسيني ..لااااااا !!!!

واختفى صوته داخل كهف الجزيرة الغامضة , بعد ان أدرك بأنه إرتكب خطأً شنيعاً بتسليمه خاتم سليمان السحريّ (الذي فيه أقوى الجن والغيلان) الى الدجّال اللعين الذي هو الآن في طريقه الى مدينة أصفهان الإيرانية ليخرج من هناك بغرض فتنة البشر , ليكون أصعب علامة من علامات الساعة الكبرى !
*****

ملاحظة :
أقدّم اعتذاري لأهل المغرب , فأنا لم أقصد إتهام شعبكم بالسحر , لكني قصدّت فئة قليلة منكم تستغلّ خرافة جبل شمهروش للقيام بأعمال السحر والشعوذة , حماكم الله جميعاً من أذيتهم .. 
وتحياتي للشعب المغربي العريق .

الخميس، 12 أبريل 2018

ليس عندي بنات !!

كتابة : امل شانوحة

 
لن يعرف أحد بوجودها 

أحبّها من اول نظرة .. خجلها .. إرتباكها .. هندامها البسيط .. عيناها الحزينتان .. قلقها الغير مبرّر .. شيءٌ ما شدّه اليها حين رآها هذا اليوم بعد ان قدِمَ مع والدته , بنيّة الخطوبة .. لا لم تكن نفس الفتاة , بل كان قاصداً جارتها في الطابق العلوي .. لكن الصدفة قادته الى شقتها حينما وقف مع والدته بثيابهما الرسمية امام بابها , وفي نفس الموعد المحدّد من قِبل أهل العروس .. 

وحينها فتحت الصبيّة البريئة الباب , ثم أغلقته على الفور بفزعٍ واضح ! 
فسألتها امه من خلف الباب : اليس هذا منزل العائلة الفلانية ؟
فقالت بصوتٍ مرتجف ومنخفض للغاية (من الداخل) : 
- أظنهم جيراننا , اسألوا حارس العمارة عن شقتهم
ثم اختفى صوتها ! 
***

فصعد الشاب وامه الى الطابق الذي فوقه , ليجدا اهل العروس في انتظارهما .. 
وفي الداخل , وبعد مرور ساعة .. لم تعجب ابنتهم الشاب كثيراً ..فقد بدت مغرورة ومدلّلة , كما ان ملابسها ومكياجها كان مبالغاً فيه .. وحتى تصرّفاتها لم تكن لائقة , فقد جلست امامهما واضعةً رجلها فوق الأخرى بتنوّرتها القصيرة دون حياءٍ او خجل , وكأنها ليست المرة الأولى التي تكلّم فيها شاباً .. ممّا أقلق العريس فهو من عائلةٍ محافظة.. 

وبعد انشغال العائلة بتحضير القهوة , همس لإمه قائلاً :
- لقد أعجبتني الصبيّة الثانية في الطابق السفلي
الأم بصوتٍ منخفض : وانا ايضاً 
- اذاً لننهي هذه المقابلة وننزل سويّاً الى هناك

وتفاجأ اهل العروس باستعجال الشاب وامه بالذهاب , بحجّة ان جدته ليست بخير وعلى امه زيارتها في الحال 
وخرجا من هناك , ليتنفّس الشاب الصعداء بعد ان ضاقت روحه من هذه الجلسة الكئيبة ..
***

وبحماس ضغط الشاب جرس الشقة في الطابق السفلي , لكن هذه المرة فتح لهما والد الفتاة ..
فقالت له الأم بابتسامة : أتينا لخطبة ابنتك 
وعلى الفور !! تغيّرت ملامح وجهه , حيث بدى واضحاً بأن طلبهما أزعجه للغاية !
فردّ الرجل بعبوسٍ وتجهّم : 
- ليس لديّ بنات !!
وصفق الباب في وجههما بغضب ..

وقد شلّ موقفه الغريب حركتهما , حيث تجمّدا امام الباب مدهوشين ممّا حصل ! 
وفي هذه اللحظات , سمعا صراخه على ابنته :
- هل فتحتي الباب لأحد يا غبيّة ؟!!
وأجابته بصوتٍ بالكاد يُسمع من خارج المنزل , لكن كان واضحاً انها تبكي بخوف : 
- سامحني يا ابي , فأنا ظننت امي عادت من السوق 
- امك لديها مفتاحها يا لعينة !! 

(ثم وجّه كلامه لزوجته) : وانتِ !! كم مرة طلبت منك ان تقفلي الباب عليها , حين خروجك من المنزل ؟!!
وكان صوت زوجته لا يقلّ خوفاً من ابنتها : 
- سامحني ابو سعيد .. لقد نسيت هذه المرة ! 
الأب صارخاً : سأربّيكما من جديد !!

وهنا سمع العريس وامه صوت حِزام الأب وهو يجلد به ابنته , وقد عرفا ذلك من صرختها المؤلمة !
فلم يتمالك الشاب نفسه وصار يطرق الباب بقوّة , رغم محاولة امه لإيقافه
ففتح الأب الباب بعصبية : أمازلتما هنا ؟!! 
الشاب : عمي ..  
الرجل مقاطعاً : انا لست عمّ أحد يا ولد !!
الشاب : ارجوك دعني أدخل لأخبرك بشيءٍ هام .. ورجاءً إترك الحزام من يدك , فأنت تخيف امي !
فأدخلهما مُرغماً..
*** 

في الداخل .. إنتبه الشاب على عفش بيتهم المتواضع , فقال للوالد بعد ان هدأ غضبه قليلاً :
- دعني أعرّفك بنفسي .. إسمي احمد العليّ .. تاجر استيراد وتصدير ولديّ مكتباً تجاريّاً.. وأملك فيلا , أنهيت بنائها منذ شهرين .. وأثّثتها بما يلزم من ادواتٍ كهربائية و ..  
الأب مقاطعاً بعصبية : وما دخلي انا بقصرك ؟ ..هل تعايرني بفقري ؟!
- لا ابداً .. أردّت ان اقول بأنني مستعد لأن أكتب فيلتي بإسم ابنتك في حال قبلت زواجي منها

وتفاجأت ام العريس بعرض ابنها الغير متوقع :
-       ابني , ماذا تقول ؟!
- امي رجاءً , دعيني أتحدّث مع الرجل 
فقال الأب : وماذا أستفيد انا من كل الموضوع ؟
الشاب بتهكّم : ترتاح من همّ ابنتك التي تمنعها حتى من فتح باب بيتك !
الأب بحزم : لم تجيبني على سؤالي .. ماذا أستفيد انا من زواجكما؟ 

ففهم الشاب بأن الأب مادّي , وهذا شيءٌ جيد لأنه من السهل التحكّم به
فأجابه الشاب بعد تفكير : راتبٌ شهريٌ , لك ولزوجتك 
الأب : كم يعني ؟
الشاب : سأجيبك بعد ان تخبرني بنوعيّة عملك ؟
- انا سائق أجرة

ثم أخبره الرجل بما يحصل عليه في الشهر بأفضل الأحوال .. 
فعرض الشاب عليه ضعف ذلك المبلغ , كراتبٍ شهريّ .. ممّا جعل الأب يفكّر جدّياً في طلبه  

الأب : على فكرة .. إبنتي غير متعلمة , فأنا لم اسمح لها بالخروج من البيت طوال حياتها
ام العريس بدهشة : الم تعلّمها على الأقل الحروف الأبجدية ؟
الأب بعصبية : قلت لك انها لم تخرج يوماً من البيت , حتى وقوفها على الشرفة ممنوع !! 
ام العريس بدهشة : يا الهي ! ما هذا الظلم يا رجل ؟! 
ابنها محاولاً تهدأتها , فهو لا يريد إغضاب الرجل : 
- امي .. إهدئي رجاءً 

لكن الأم إستمرّت بأسئلتها للعمّ : 
- وماذا عن أعمامها وأخوالها , الم يكلّموك بأن ترحم ابنتك قليلاً ؟!
فأجاب الأب بقسوة : لقد أخبرت الجميع بأنها توفيت عند ولادتها ..ثم ما دخلك انتِ بالموضوع ؟ هذه ابنتي وانا حرٌّ بها 
الأم : وهل هي ابنتك الوحيدة ؟
الأب : نعم , بلاءٌ واحد يكفيني ..لكن عندي خمسة شباب
الأم : واين هم الآن ؟
الأب : تزوجوا جميعهم , ويعيشون بعيداً من هنا 
الأم : اذاً هي الوحيدة التي تخدمك من بينهم
الأب بلؤم : انا لا اريد لأحد ان يخدمني 

العريس محاولاً تهدئة الوضع المتوتّر بينهما : 
- عمي , دعنا لا نبتعد كثيراً عن موضوعنا .. فكما قلت لك : مهرها هو فيلتي .. كما لك راتبٌ شهري طوال حياتك انت وحماتي .. فماذا قلت ؟ 
فيفكّر الأب قليلاً , ثم يقول مُحتاراً : 
- وكيف سأخبر الناس بالموضوع , فهم لا يعرفون اصلاً بأن لديّ ابنة ؟! 
الشاب : لا داعي ان يعرفوا لأننا سنتزوج بحفلٍ صغير , يعني عائلتك وعائلتي فقط

امه مُعترضة : لكني أريد ان أفرح بك , فأنت إبني الوحيد !
- سعادتي لن تكون الا معها , يا امي
الأم : لكنك لم ترها سوى للحظة ! 
العريس : والآن سأراها ايضاً
الأب بدهشة : ماذا قلت ؟!
العريس : الم نتفق الآن , ام انك لا ترغب بالراتب الشهريّ ؟ 
فيفكّر الأب قليلاً , ثم يقول بضيق : حسناً , كما تشاء 
وينادي على زوجته كيّ تحضر الفتاة..
***

ودخلت العروس الى الصالة بثيابٍ فضفاضة وبمقاسٍ لا يناسبها , لكن يبدو ان امها ألبستها من ثيابها لأنها لم تجد شيئاً آخر تلبسه إيّاها بهذه المناسبة الغير متوقعة !
وحين جلست قرب العريس كانت ترتجف بشدّة..

فطلب الشاب من حماته ان تأخذ امه لتجلسا في المطبخ .. كما طلب من عمّه ان يتركهما لوحدهما .. 
فقبل ابوها على مضضّ , لكن بشرط : ان يجلس في الشرفة ليراقب الوضع من خلال الزجاج الفاصل بينهم .. 
العريس : عمّي لو سمحت ..إغلق باب الشرفة بإحكام
فأغلقه الأب بغضب , فهو ليس معتاداً أن يرى ابنته تكلّم شاباً ..

وبعد ان تركوهما أخيراً لوحدهما .. إقترب الشاب منها قائلاً بصوتٍ منخفض كيّ لا يسمعهما احد ..
- كيف حالكِ ؟
لكنها ظلّت صامتة , وهي تفرك يديها بتوتر وارتباك ..
العريس : أعرف ان حياتك كانت صعبة وانكِ.. 
مقاطعة : انا بخير
- لا لست بخير 
- هم يطعمونني جيداً
- الأهل ليس واجبهم فقط إطعام اولادهم , بل تعليمهم ايضاً وإحضار الملابس الجميلة التي تليق بهم 
فحاولت الصبيّة ترتيب تنوّرتها التي كانت فضفاضة على جسمها النحيل  

العريس : ما اسمك ؟
- سميرة
- سميرة .. أعدك ان تعيشين معي حياةً جميلة للغاية , سأنسيك فيها كل ما عانيته هنا .. فأنا لا اريدك ان تعملي ايّ شيء في بيتنا , لأنني سأحضر لك خادمة وطبّاخة ..وستعيشين معي في قصرٍ جميل.. وسنسافر للخارج بين فترةٍ وأخرى لأريك العالم
الصبيّة بحماس : وهل ستأخذني الى البحر ؟ لأني رأيته بالتلفاز ويبدو مريحاً وجميلاً
بابتسامة شفقة أجابها : نعم .. البحر والجبل , والنجوم ان أردّتِ ..كما سأحضر لك معلمة لتعليمك كل ما فاتك من دروس 

سميرة بدهشة وفرح : أحقاً ! فأنا أحب التعليم كثيراً .. حيث كنت أستمع من داخل غرفتي على صوت المدرّس وهو يعلّم اخواني .. وأذكر عندما كنت صغيرة , كنت أردّد خلفه الأحرف العربية والأجنبية ايضاً , لكني لا أعرف كيف أكتبهم !
- ستتعلمين كل شيء , الى ان تحصلي على شهادتك الجامعية
- الجامعة ! هذه كانت إحدى أحلامي المستحيلة  

وسكتت قليلاً , ثم قالت : استاذ
- ناديني احمد
- سيد احمد 
بابتسامة : أحمد فقط يا سميرة
فقالت بارتباك :
- احمد ..لما اخترتني انا ؟ فأنت شابٌ جميل ..أقصد ..غنيّ ومتعلّم , ويمكنك إيجاد أفضل منّي ؟!
- إخترتك لأنك مميزة يا سميرة
- بماذا ؟!
- ببراءتكِ ..الا تدرين كم هي صفة نادرة هذه الأيام ؟! 
- أحقاً !
- نعم ..فالبنات أصبحنّ جريئات بشكلٍ مقزّز ..وانا أحب الفتاة الطبيعية التي أربّيها على يديّ ..وانت طلبي يا سميرة , وأحتاجك في حياتي 

- لكني خائفة 
- ممّا ؟!
فقالت بتردّد : من الزواج .. فأنا لا اعرف شيئاً عنه , ومع هذا أشعر انه شيءٌ كبير لا أستطيع تحمّله !
- سنتقدّم معاً خطوة بخطوة , فأنا لستُ مستعجلاً على شيء ..إطمئني , فأنا لن أرغمك على شيء لا تريدينه
سميرة بقلق : احمد ... هل سيأتي يوم وتضربني كوالدي ؟
أحمد : مستحيل .. فخدودك الحمراء لا تستحق سوى القبلات

وقد أفزعها سماع أول كلمات غزل في حياتها , ممّا جعلها ترتبك وتركض مُسرعة الى غرفتها .. وحين رآى والدها ردّة فعلها (من خلف الزجاج) دخل الى الصالة كالمجنون , وهو يصرخ على العريس مُعاتباً : 
- ماذا قلت لها ؟!! 
وخرجت الوالدتان من المطبخ بعد ان أفزعهما صراخه !

لكن العريس تجاهل إتهامه , قائلاً بثقة : 
- ما رأيك ان نجعل الجمعة القادمة هو يوم كتب الكتاب ؟ 
فقال العمّ بلؤم : لقد أعدّت التفكير بالموضوع واريد سيارة جديدة لي , والاّ لن أكتب الكتاب 
زوجته : لكن يا ابا سعيد..
يصرخ عليها : إسكتي انت !! انا احتاج لسيارة أجرة جديدة بدل سيارتي المهترئة
العريس : ولك ذلك
امه بقلق : بنيّ !
ابنها بثقة : لا تقلقي امي , فالهة سيرزقني بإحساني اليها  

ثم قال لعمه : الجمعة سآتي انا وامي والمأذون الى هنا , وسنقوم ..
والد العروس مُقاطعاً : لا تنسى ان تخبر المأذون ان يأتي بملابس عادية , فأنا لا اريد ان يشعر الجيران بشيء
العريس : حسناً لا تقلق , سأخبره بظروفنا 
ام الشاب بعصبية : ان كنت تخجل كثيراً بإبنتك , فاخبرني كيف سنخرجها من بيتك ؟
ابنها : امي .. سألبسها عباءة ونقاب , وعكاز ايضاً لتبدو وكأنها جدتي 

الأب : فكرة جيدة .. المهم ان لا يروك جيراننا في الطابق العلوي ..الم تخبرني قبل قليل بأنك كنت قادماً لخطبة ابنتهم ؟
العريس بثقة : انا لا يهمّني رأيّ أحد , وسأتزوج ممّن أشاء
ابو العروس مبتسماً وبفخر : يالك من رجل ! أعجبتني يا صهر
ام العروس بدهشة : صهر ! أيعني انك وافقت اخيراً ؟
زوجها : نعم , لكن إيّاك ان تزغردي 
زوجته بفرح : لا إطمئن , لن أفعل 
الشاب بسعادة : اذاً , على بركة الله
***

وبالفعل تمّ الزواج بسرّيةٍ تامة .. وعاشت سميرة مع زوجها بسعادة في قصرهم الجميل , وأنجبا ثلاثة أبناء ..
والغريب في الموضوع ان والدها بعد سنوات من زواجها أصبح يفتخر بها وبصهره وبأحفاده , غير مبالي بنقد الناس له لاستنكاره لابنته طوال عشرين سنة !  

لهذا إحسنوا الى بناتكنّ فربما يكون الخير فيهنّ !
*******

ملاحظة :
هذه قصة حقيقية حصلت في لبنان في زمن السبعينيات ..اما اليوم فقد أصبحت هذه الفتاة مُعيلة أهلها , بعد استلامها لأحد فروع شركة زوجها بعد تخرّجها الجامعي , قسم ادارة اعمال .. 

فسبحان من هيّأ لها تلك الفرصة لتخرج من سجنها وتصبح امرأة ناجحة يفتخر بها جميع أفراد عائلتها , بما فيهم والدها الذي طلب منها السماح قبل ايام من وفاته .. فسبحان مغيّر الأحوال !

الأحد، 8 أبريل 2018

جيشٌ مُنوّم مغناطيسيّاً

تأليف : امل شانوحة

انا أتحكّم جيداً بجنودي 

عانى المراهق آدم كما بقيّة اصدقائه من الأرق في فترة امتحانات الثانوية لمدرسته الحكومية بإحدى المناطق الريفية في ولاية تكساس الأمريكية.. 
وبينما كان يفرك عينيه من التعب قبل صعودهم لقاعة الإمتحان , اقترب منه الطالب الجديد القادم من ولاية أوكلاهوما
اندرو : اراك متعباً , الم تنمّ البارحة ؟ 

فاستغرب آدم من اهتمام اندرو الذي ازداد بفترة الإمتحانات , حيث بدأ يهتمّ بكل زملاء فصله , رغم انه كان غير اجتماعي منذ التحاقه بصفّهم قبل شهرين !
آدم بارتباك : ماذا ! آه نعم , من الطبيعي ان لا ننام جيداً هذه الفترة .. لكن مازال امامنا إمتحان أخير ونتخرّج من الثانوية ونرتاح من كل هذا التعب والإرهاق 
اندرو : هذا خطأي ..كان عليّ إعطاء الفيديو للجميع , ويبدو انني نسيتك ! 
آدم باستغراب : عن ايّ فيديو تتحدّث ؟!
- فيدو يساعدك على النوم المريح بعد المذاكرة .. سأعطيك رابطه الآن

واعطاه ورقة بها رابط فيديو موجود على قناته الخاصة باليوتيوب : عن التنويم المغناطيسي .. وأخبره ان خاله (الطبيب النفسي) هو من قام بعمل الفيديو بنفسه .. 
وبعد الحاحٍ منه , وعده آدم بسماع الفيديو قريباً !
***

وبحلول منتصف المساء .. انتهى آدم أخيراً من مراجعة آخر إمتحان لديه .. لكنه لم يستطع النوم بعد ان أصابه الأرق من جديد , وحينها تذكّر فيديو صاحبه.. 
وبعد كتابة رابطه على إنترنت جواله , ظهر الفيديو بأعداد مشاهدة قليلة : لا تتعدّى المئتي شخص ! 

ومع هذا ..وضع السمّاعات , وأخذ يستمع الى صوت الرجل الهادىء في الفيديو .. وفي خلال خمس دقائقٍ فقط , غرق آدم في نومٍ عميق ! 
***

في اليوم التالي ..وفي ساحة المدرسة 
آدم : شكراً اندرو على الفيديو , لقد ساعدني فعلاً على النوم ! ليتك أخبرتني به منذ بداية الإمتحانات  
فقال له اندرو مُبتسماً : اذاً إستمع للفيديو الثاني الذي سأضعه اليوم في قناتي , فهو عكس السابق ..حيث سيُشعرك بالنشاط في اليوم التالي , لتقضي ايام العطلة بحيويّة لا مثيل لها ..
آدم : حسناً , سأراه بأقرب وقت .. وهل خالك الطبيب هو من قام بتسجيله ؟ فصوته مريحٌ للغاية
- نعم , وأرسله لي البارحة ...وقمت بإبلاغ اصدقائنا بأمره ..لكن عدّني ان تستمع اليه
- سأفعل , لا تقلق

وبعد ابتعاد اندرو وانشغاله بالترويج عن الفيديو لبقيّة الطلاب , تقدّم جاك من صديق طفولته آدم 
- هل ألحّ عليك ايضاً بشأن ذلك الفيديو ؟
آدم : نعم , وانت ..الم تستمع للفيديو الأول ؟ 
- لا , فنومي سهل ولا أعاني عادةً من الأرق 
- يالك من محظوظ .. لكن ماذا عن فيديو النشاط , الن تسمعه؟ 
جاك : لا , فأنا اخاف من نوعيّة الفيديوهات التي تؤثر على المخّ ..كما يبدو انني سأقضي العطلة كلها في النوم
- الن ترسل طلبات الإلتحاق بالجامعة ؟
- لا اظن , فوالدي يريدني ان التحق بسلك الشرطة 

آدم : طبعاً فوالدك هو المسؤول الأمني الوحيد في قريتنا .. آه صحيح لم اسألك بعد .. كم عدد المجرمين داخل السجن الذي يحرسه والدك ؟
جاك : فقط سجينٌ واحد .. اصلاً من اللصّ الغبي الذي سيأتي الى منطقتنا الفقيرة ليسرقنا ؟  
- هذا صحيح , اذاً من ذاك السجين ؟
جاك : والد اندرو 
آدم بصدمة : ماذا ! هل والده مجرم ؟!
- هو حاول بالبداية إسقاط رئيس البلدية بالإنتخابات التي جرت قبل اعوام .. لكن حين لم تنفع معه الطرق الشرعية , قام بإطلاق النار على قدمه

آدم متفاجئاً : أتقصد انه هو من تسبّب في إصابة رئيس بلديتنا بالعرج ؟!  
- نعم , وقد حكم عليه قاضي الولاية بثلاث سنوات سجن .. قضى منها عشر سنوات حتى الآن 
- لم افهم !
جاك : كلما كان ابي (الشرطي) يُطلق سراحه , يقوم والد اندرو بعملٍ أحمقٍ آخر .. فهو من حرق مركز البلدية قبل سنوات .. الم تخبرك عائلتك بأمره ؟!
آدم : لكن 7 سنوات في السجن بتهمة الحرق , اليست مدّة مبالغٌ فيها ؟!
- هذا لأن القاضي عدّهُ مجنوناً خطر .. وبما اننا لا نملك مستشفى للمجانين في قريتنا الصغيرة , زَجّ به في السجن تحت حراسة والدي

آدم : وهل يقوم اندرو بزيارته ؟
- كل يوم تقريباً منذ عودته الى تكساس .. فوالدته طلقّت اباه بعد خسارته بالإنتخابات , وانتقلت مع ابنها الى اوكلاهوما ..لكن بعد وفاتها , عاد الى هنا .. ليعيش في منزل والديه القديم لوحده  
آدم : هذا محزنٌ بالفعل !
جاك : لهذا لم أستمع للفيديوهاته النفسيّة , فكل عائلته مجانين .. وأنصحك بأن لا تفعل ايضاً
***

وبعد اسبوع من بداية العطلة المدرسية .. لاحظ والد جاك (الشرطي) بأن شباب القرية في نشاطٍ غريب ! حيث انتشرت إشاعة بأنهم يحتفلون كل ليلة في أعلى الجبل .. فصوت المفرقعات وان كان يظهر خافتاً الاّ ان صداه يصل لسكّان القرية , ممّا أقلق أهاليهم عمّا يفعلونه هناك !

وهنا تذكّر جاك موضوع الفيديو .. ودخل الى قناة اندرو باليوتيوب ليجد الفيديو الثاني للنشاط , لكنه خاف ان يستمع اليه مباشرةً كيّ لا يتأثّر به ..
فبحث بالإنترنت مطوّلاً , حتى وجد تقنية تزيل الموسيقى وجميع الموجات الدماغية بأنواعها (دلتا , ثيتا , الفا , بيتا , جاما) من داخل الفيديو .. 
فجاك رغب في سماع كلام خال اندرو دون ان يتأثّر عقله بالمؤثرات الصوتية الموجودة في الفيديو .. 

وبعد ان ازال كل شيء .. إستمع لكلام الطبيب النفسي الذي إكتفى فقط بعدّ الخراف ! .. نعم كما سمعتم .. كان يعدّ الخراف , قائلاً بصوتٍ هادىء :
((هاهو الخاروف الأول يقفز من فوق السور ..وهاهو الخاروف الثاني يقفز من فوق السور ..وهاهو الخاروف الثالث ..))
وظلّ يستمع للفيدو , حتى وصل أعداد الخراف للرقم مئة ..
جاك بضيق : ماهذا الفيديو التافه ؟! لا أصدّق ان اصدقائي تأثّروا به ! يبدو ان خال اندرو مجنون كوالده

وقبل ان يُطفأ الفيديو , تغيّر صوت الرجل فجأة قائلاً : 
((والآن بعد ان إستغرقت في النوم , عزيزي السامع .. ستُنفّذ كل ما اقوله لك .. بعد قليل ستشعر بنشاطٍ غريب يسري في كل جسدك , وسترغب بعدها بالإستيقاظ في منتصف الليل .. ومن ثم التسلّل من منزلك بهدوء دون ان يشعر اهلك بذلك ..لتذهب مباشرةً الى منتصف الغابة , عند الشجرة الضخمة .. وهناك سنذهب جميعنا الى الجبل , حيث يوجد مخيّم التدريب .. وايّاك ان تتأخّر على دروس القنصّ .. والآن ستستيقظ بعد الرقم ثلاثة ...1..2..3...استيقظ !!))

فتفاجأ جاك ممّا سمعه : 
- ماذا يعني دروس القنصّ في أعلى الجبل ؟! عليّ إخبار والدي بالأمر .. لا لحظة .. لديّ خطةٌ أفضل 
***

في اليوم التالي .. لاحظ جاك التعب على صديقه آدم الذي أخبره انه يستيقظ كل يوم عصراً وهو يشعر بألم في مفاصل يديه وكتفه .. كما ان اهله متضايقون من نومه طوال النهار , لأن عليه البحث عن جامعة يلتحق بها قبل نهاية العطلة
فطلب جاك منه ان يبيت الليلة عنده .. 
***

وفي المساء ..وضع آدم سمّاعات جواله بإذنه , وهو يقول لصديقه: 
- تصبح على خير , مع انني لا اشعر بالنعاس 
جاك : ومالذي تسمعه الآن ؟
آدم : فيديو اندرو للنشاط , فهو ينوّمني بسرعة ويوقظني وانا في قمّة النشاط
- الم تقل انك تستيقظ عصراً وانت مرهقٌ تماماً ؟
آدم بارتباك : ماذا ! لا انا لم أقل شيئاً .. تصبح على خير يا صديقي

وقام جاك بمراقبته طوال الليل .. وقبل ان يغفى هو ايضاً , شعر بآدم يستيقظ فجأة , ليقفز من نافذة البيت الأرضي لجاك الذي قام بملاحقته من بعيد , فهو يعرف بأن صديقه منوّم مغناطيسيّاً وفي طريقه الى الغابة  
***

وبعد ان وصلا لوسط الغابة.. إندهش جاك برؤيته معظم تلاميذ مدرسته الثانوية البالغ عددهم اربعين مراهقاً مجتمعون هناك , وهم يقفون قرب الشجرة الضخمة بجمودٍ وثبات ! وظلّوا كذلك لساعةٍ اخرى , قبل ان تقترب منهم حافلة قديمة , خرج منها اندرو ليقول لهم بصوتٍ جهوري : 
- جيد انكم أتيتم في موعدكم المحدّد , كما كلّ مرة .. هيا اركبوا الحافلة !!

ودخل الجميع اليها طواعيةً , ومن لم يجد له مقعداً إكتفى بالوقوف في الوسط , فالحافلة صغيرة بالنسبة لعددهم ..
اما جاك فقد تمسّك في آخر لحظة بالسلّم الخارجي للحافلة الموصول بسقفها الذي امتلأ بالأكياس السوداء !
***

ووصلوا بعد ساعة الى اعلى الجبل , حيث نُصبت الخيام داخل مخيّمهم السرّي ! 
فاختبأ جاك بين الأشجار ليراقبهم من بعيد .. بينما نزل كل شاب من الحافلة , ليسحب كيساً من سطحها 
وكانت صدمة جاك كبيرة حين رآهم يخرجون اسلحةً حربية من تلك الأكياس ! 
ومن بعدها ..إصطفّ الشباب بخطٍ مستقيم لتمرّن على اطلاق النار على الزجاج والألواح الخشبية الموضوعة امامهم.. 
جاك وهو يكلّم نفسه بدهشة : 
((اذاً هذه هي اصوات المفرقعات التي كنّا نسمعها كل مساء !)) 

بينما كان اندرو يراقب تمرين السلاح للشباب من فوق التلّ , وكأنه قائدهم الحربي ! صارخاً بصوتٍ عالي :
- أحسنت يا آدم !! .. جيد يا جيم !! .. إصابة موفقة يا اريك !! .. حاول مجدداً يا سام !!

وبعد انتهاء حصّة السلاح .. بدأ اندرو يمرّنهم بأكثر من تمرين عسكري .. قبل ان يُعيدهم بحافلته الى الغابة قبيل الفجر بقليل , ليعود كل شاب من حيث أتى .. 
اما آدم فقد عاد مباشرةً الى منزله , مُتناسياً بأنه كان نائماً في منزل جاك البارحة , وكأن عقله مبرمجٌ سابقاً !
***

في صباح اليوم التالي .. إجتمع جاك مع صديقه آدم للفطور في مطعمٍ قريب من مدرستهم القديمة .. وهناك أخبره بما رآه ليلة الأمس .. 
آدم بدهشة : لا ! انا لا أصدّق ذلك
جاك بجدّية : أحلف لك !! فأنا تتبّعتك , ورأيت كل ما حصل امام عينيّ .. الم تقل لي قبل ايام إن كتفك مصاب برضوض ولا تعرف كيف أصبت بها ؟ .. والآن أخبرك بأنها كانت بسبب إرتدادات البندقية وانت تتدرّب على الرماية  
آدم بتهكّم : يبدو انك متأثر بفيلم أكشن .. فأندرو صديقي ولا يمكنه إيذائي , وأظنك تغار منه لأن الجميع يحبه

ثم خرج مُتضايقاً من المطعم , غير آبهٍ بنداءات جاك لإكمال المحادثة.. 
وبعده بقليل , عاد جاك مهموماً الى بيته .. 
وفور خروجه من المطعم , إتصل النادل بإندرو وأخبره بكل ما سمعه من حوار الصديقين (فهو يعمل جاسوساً لديه) 
***

وقبيل غروب الشمس من نفس النهار .. تفاجأ جاك بأندرو يطلب منه صعود سيارته لإجراء حديثٍ مهم بينهما .. وبعد الحاحٍ منه , ركب جاك معه رغم قلقه منه ! 
اندرو : سمعت ان لديك بعض الشكوك تجاهي , فسألني بما تريد معرفته وانا أجيبك
فسكت جاك قليلاً , قبل ان يقول بتردّد : 
- انا أعرف كل شيء عن جيشك المشبوه يا اندرو
اندرو وهو يحاول إخفاء إرتباكه : عن أيّ جيش تتكلّم ؟! لا افهم ما تقوله !

جاك بجدّية : سنتكلّم عن هذا لاحقاً , إخبرني اولاً .. من قام بعمل الفيديوهين في قناتك ؟
- قلت لك سابقاً : بأن خالي الطبيب النفسي الذي يعيش في ولاية أوكلاهوما هو من أرسلهما لي , فهو بارعٌ في ..
جاك مقاطعاً بعصبية : كاذب !! انت ليس لديك أخوال .. فقد سألت والدي عن عائلتك , وأخبرني بأن امك ايضاً من قريتنا وهي وحيدة والديها .. فهل انت من قمت بتسجيل الفيديو بعد تغير صوتك بتقنيةٍ ما ؟

وعلى الفور .. قام اندرو بوضع سمّاعات جوّاله , بحجّة انه يريد القيام بإتصالٍ مهم , لكنه بالحقيقة أراد إغلاق أذنيه  
جاك بغضب : قبل ان تتصلّ بأحد , أجبني على سؤالي ؟!! 
آدم بتحدّي : نعم انا !! فقد درست كل شيء عن علم النفس , وأجيد السيطرة على الجميع من خلال نبرة صوتي 
جاك بقلق : أوقف السيارة حالاً يا اندرو !! 
اندرو بابتسامةٍ مخيفة : كما تشاء يا صديقي 

وأوقف سيارته .. لكن جاك لم يستطع النزول منها , لأن بابها مقفل 
وفجأة ! أضاء اندرو شريط التنويم المغناطيسي في سيارته (بعد ان كان وضع أغنية بصوتٍ عالي في جواله , كيّ لا يتأثّر هو بالموجات الدماغية المُدمجة مع موسيقى الشريط) ممّا أدى لسيطرته تماماً على جاك .. 
وبعد ان شلّ حركته , همس اندرو في أذن جاك بعدّة أوامر جبريّة لينفّذها بالقريب العاجل ..
***

وفي منتصف تلك الليلة .. استيقظ جاك فجأة , بعد ان قفز كلبه على وجهه ! ليجد نفسه في غرفته , يستمع طواعيةً لفيديو اندرو الثاني (النشاط والحيوية)
جاك مرتعباً : لا !! لا اريد سماع هذا الفيديو اللعين !  

وعلى الفور !! اطفأ فيديو اليوتيوب من جواله ..لكنه ظلّ يسمع تعليمات اندرو في أذنيه ! .. فأزال السمّاعات بفزع , لكن الصوت لم يتوقف ! فأزال بطارية جواله , لكنه لم يتغيّر شيء ! ..فسدّ جاك إذنيه وهو يقول بخوف : 
- إخرج من رأسي يا اندرو !!
وهنا سمع صوت اندرو يهمس له : مستحيل , فقد أصبحت بداخلك وستنفذ جميع أوامري

فأعاد جاك بطارية جواله , ثم دخل الى الفيديو من جديد بغرض التعليق عليه لتحذير الناس من سماعه .. لكن كانت التعليقات على الفيديو مُعطّلة !
- اللعين !! كنت متأكداً بأنه لن يسمح لأحد بالتعليق على هذا الفيديو الخطير .. (ثم يفكّر قليلاً) .. صار لابد ان أخبر والدي بأمر اندرو وجماعته , ليأخذ حذره منه عند زيارته لوالده في السجن
***

في اليوم التالي .. ذهب جاك لمكتب والده الشرطي المقابل للزنزانة .. لكنه تفاجأ بوالده نائماً , وباب السجن مفتوح ولا احد بداخله !
ولم يستيقظ والده , الاّ بعد ان رمى الماء على وجهه ..
ثم أخبره ابنه : بأن اندرو قام بتنويمه مغناطيسياً لتهريب والده , بعد ان كان واجهه البارحة بأمر جيشه السرّي 
الأب بقلق : واين يمكن ان يكون اندرو ووالده الآن ؟
جاك : امّا في الغابة او أعلى الجبل
- اذاً لنذهب الى هناك في مساء , ونمسكهما بالجرم المشهود
***

في المساء .. ذهبا للعنوانين , لكنهما لم يجدا احداً هناك !
جاك بغيظ : أظن ان اللعين اندرو غيّر مكان اجتماعه بالشباب !
والده بقلق : وهذا يدلّ انه خائفٌ منك , لهذا إحذر جيداً كيّ لا يؤذيك
فيفكّر جاك قليلاً , قبل ان يقول : 
- ليس هناك سوى حلٌ واحد يا ابي للقبض عليهما 
***

وتكمن خطة جاك : بإيهام اندرو بأنه تعلّق كثيراً بفيديو التنويم , بحيث إعتاد سماعه دائماً.. ولكيّ يؤكّد ذلك , صار يذهب (جاك) كل مساء الى الغابة مُتظاهراً بأنه منوّمٌ مغناطيسياً , ليقف هناك لوحده ولساعاتٍ طويلة بجمودٍ تام 

وبعد عدة ايام من مراقبة اندرو له (من بعيد) .. قرّر إعطائه الفيديو الثالث الذي كان وزّعه قبل فترة لبقيّة الشباب (من موقعٍ آخر غير قناته على اليوتيوب) .. 
وقام جاك لاحقاً بسماع الفيديو الجديد مع والده (بعد ان أزال منه المؤثرات الصوتيّة والموجات الدماغيّة) وعرفا مكان الإجتماع السرّي الجديد : وهو حقل السنابل ..
***

فتوجّه جاك الى هناك في مساء اليوم التالي مُدّعياً نومه مغناطيسياً , لكن بعد ان وضع له والده الشرطي بقّاقاً في ثيابه لسماع كل ما يجري بذلك الإجتماع , كما وضع جاك سدّادات في إذنيه خوفاً من سيطرة اندرو عليه 
***

وهناك .. قام جاك بتقليد حركات الشباب الأشبه بالروبوتات , كيّ لا يثير شكوك اندرو ووالده (المجنون الهارب من السجن) الذي كان حاضراً الإجتماع , والذي استلم القيادة هذه المرة .. حيث ألقى عليهم خطاباً يهنّئهم على إنضمامهم لجيش الحرّية (كما سمّاهم) ..

وبعد خطابه الطويل .. أعطى أمراً للشباب , كان صادماً لجاك ووالده الشرطي الذي كان يتابع من مكتبه , مُجريات إجتماعهم المريب المُقام بالحقول المحيطة بالقرية !  
حيث طلب والد اندرو من جنوده : قتل أهاليهم وأقربائهم ..ثم القيام بإنقلابٍ دموي على رئيس البلدية واتباعه .. ومن ثم تقليده منصب الحاكم على المدينة !
***

وبعد سماع والد جاك لهذا التهديد المروّع ! أسرع ناحية البيوت , ليقوم بإيقاظ الأهالي وتحذيرهم من ابنائهم القادمون بعد قليل لقتلهم جميعاً .. 
لكن لا احد منهم صدّق كلام الشرطي , رغم قلقهم لعدم وجود ابنائهم المراهقين في فراشهم في هذا الوقت المتأخّر من الليل !
وقبل ان يُسمعهم خطاب المجنون المسجّل في مكتبه , تفاجأ المتواجدون في ساحة القرية بوابلٍ من النيران قادماً من الحقول (خلفهم) !

وفوراً عمّت الفوضى بينهم , حيث ركضوا في جميع الإتجاهات !!! 
الا ان ابنائهم الشباب (المنوّمين مغناطيسياً , والمدرّبين جيداً على القنصّ لأكثر من شهرين) استطاعوا قتلهم برصاصةٍ واحدة أصابت الرأس او القلب .. ومن إنجرح منهم , قاموا بالإجهاز عليه .. وأبادوا الجميع حتى الشيوخ والأطفال ! 

وكان من بين القتلى والدة جاك , لكن لم يكن هناك وقت للبكاء .. حيث أسرع بحمل والده المصاب ووضعه في السيارة , لإبعاده عن مكان المجزّرة.. 
الشرطي المُصاب بألم : جاك بنيّ ..أهرب بسرعة !! واتصل على رئيس البلدية , ونبّهه من قيام الثورة ضدّه .. هيا اذهب واتركني !!
جاك بفزع : وماهو رقم رئيس البلدية ؟ فأنا لا اعرفه

لكن في هذه اللحظات إنتبه اندرو على جاك الذي كان يحاول قيادة سيارة والده مُبتعداً عن المكان , فعرف انه ليس منوّماً مغناطيسياً كبقيّة جنده .. فصرخ للشباب بغضب : 
- اقتلوا جاك ووالده حالاً !!!

وفجأة ! وقبل ان يعطي الشرطي رقم رئيس البلدية لإبنه , أُصيب بطلقٍ ناريّ في رأسه ليموت على الفور .. بينما أصابت الرصاصة الثانية عجلة السيارة منعتها من الحركة ..

فلم يكن امام جاك المرتعب الا ان يخرج فوراً من السيارة , ويركض بأسرع ما يمكنه مُتوغلاً في الحقول , ومُبتعداً قدر المستطاع عن وابل الرصاص الذي كان خلفه مباشرةً ! 
***

وبعد نصف ساعة .. توقف صوت الرصاص في ساحة القرية تماماً , فعرف جاك انهم انتهوا من إبادة سكّان قريته بالكامل , ولم يعدّ عليهم سوى قتل الشاهد الأخير .. لهذا كان عليه الخروج بأسرع وقتٍ ممكن من قريته , لتحذير رئيس البلدية المتواجد في المدينة المجاورة

لكنه فجأة سمع صوت السيارات وهي تخترق حقول الذرة , غير مُكترثين بدهس المزروعات التي تعب اهاليهم بزراعتها لسنواتٍ طويلة !
كما سمع صوت اندرو من مكبر الصوت , وهو يلقي اوامره على جنوده قائلاً :
- جدوا اللعين جاك واقتلوه في الحال !! ومن ثم نتوجّه جميعنا الى المدينة , ليحكم والدي البلدة من جديد
فأجاب الشباب بصوتٍ واحد : حاضر سيدي !!!
***

((انا جاك فرانكو .. عالقٌ وسط أحراشٍ مليئة بالثعابين والحشرات , ومهدّدٌ بالقتل في أيّة لحظة من قبل مراهقين منوّمين مغناطيسيّاً قاموا بإبادة اهل قريتي تحت أمرة شاب يدعى اندرو جاكسون ووالده المجنون .. ولا ادري الآن الى اين أتوجّه .. وهل انتظر الصباح لأتحرّك ؟ ام أهرب الى المدينة لأحذّر رئيس البلدية من خطورتهم ؟ ..وفي حال فعلت , فهل سيصدّقني قبل فوات الأوان ؟ ام سأجده مقتولاً , وأعرّض نفسي لمواجهتم من جديد ! .. ماذا افعل ؟ رجاءً أخبروني .. اللعنة ما هذا ! .. لا ارجوك يا اندرو لا تقتلني ... لااااا !!!))

وكان هذا آخر ما سجّله جاك على جواله , قبل ان يظهر بالمقطع الصوتي صوت طلقةٍ ناريّة مدويّة .. ثم حشرجاتٍ لجريحٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة ! 

الثلاثاء، 3 أبريل 2018

رجلٌ ساديّ

تأليف : امل شانوحة


كم انا نادمٌ لتعذيب حبيبتي !

لم اكن أرغب ان اكون شخصاً ساديّاً كالرجل في الصورة اعلاه , لكني كنت أسوء منه !

أعرّفكم بنفسي .. اسمي كريم .. دكتور جامعي بقسم علم النفس في دولةٍ اوروبية.. مغترب منذ عشرين سنة .. تعرّفت قبل سنتين على فتاةٍ عانس بالإنترنت .. كانت ملّهمتي الأولى في انهاء القسم الأهم من كتابي الذي أقوم بتأليفه عن : كيفية السيطرة على الآخرين .. 
وكان الموضوع في بداية تعارفنا مُمتعاً ومشوّقاً بالنسبة لي , فهي لم تكن من نوعيّة الفتيات اللآتي تعوّدت على مواعدتهنّ , بالرغم من انني متزوجٌ من امرأةٍ اجنبية , ومع هذا لم أفوت أيّةِ فرصة لخيانتها (سرّاً) ..فالعلاقات العابرة تبقى مسموحاً بها في بلاد الغربة , أكثر من قوانين الزواج الصارمة في بلادي.. 

اما هذه فكانت مختلفة عن الأخريات ! .. إسمها ريمي .. فتاةٌ اربعينيّة , ايّ تقريباً في نفس عمري .. 
وقد استطعت مع الإيام خداعها : بأنني فارسها ومنقذها من فخّ العنوسة .. وكان الأمر صعباً في البداية , لأنها كانت منعزلة عن العالم الخارجي بشكلٍ مرضي ! لهذا كان عليّ الإقتراب منها بحذر لأجعلها تثقّ بي اولاً .. فبدأت أحاول إيجاد اشياء مشتركة بيننا , وإن كانت وهميّة .. حيث شاركتها طموحاتها واحلامها السطحيّة 

كما استخدمت حيلة الأغاني الرومنسيّة التي تُعبّر عن مشاعري الحقيقية اتجاهها (او هذا ما أوهمتها به) .. وكانت حيلة الأغاني تساعدني كلما غضبت مني , فثورة الإنفعالات هي صفة مشتركة بين العوانس ! لهذا كان عليّ تحمّلها عندما كانت تحذف صفحتها على الفيسبوك وتغيب لأسابيع واحياناً لشهور , قبل ان تعاود الإتصال بي ! طبعاً بعد ان أضع على صفحتي : أغنية حزينة تضرب الأوتار الحسّاسة في قلبها , حيث كنت متأكداً من أنها تراقب صفحتي من بعيد 

لذلك تحمّلت تصرّفاتها الطفولية المزعجة لأني أدرك تماماً بأن إخراجها من كهفها الذي إنعزلت فيه طويلاً لن يكون سهلاً , فكان من الطبيعي ان تقاومني بشراسة !  
***

وبعد شهورٍ عديدة .. بدأت أسيطر أخيراً على قلبها وتفكيرها .. كيف لا ؟ وانا الوحيد الذي أغدق عليها الكثير من المديح والإهتمام الذي لم تعهده في حياتها ..ليس لأني مهتمٌ بها .. لا على الإطلاق !! فحياتي مازالت كما هي ..أقضيها بين زوجتي وعشيقاتي وتلميذاتي الطموحات في الجامعة .. لكني بالطبع لم أخبرها بأسراري .. بل أوهمتها بأنني أعيش معها شعوراً لم أعرفه في حياتي كلّها , وبأنّي لا اطيق الإنتظار لكيّ تصبح زوجتي وام اولادي ! 

وكل هذا لأدرس ردّات فعلها التي تساعدني على إكمال كتابي , فهي كما أخبرتكم : ملّهمتي الأولى .. حيث كنت أستمتع بصدماتها العاطفيّة حين أغيّر طباعي معها بشكلٍ فجائي .. ففي يوم أحلّق بها للسماء السابعة بين الوعود والكلام الرومنسي .. ثم أنقلب في اليوم التالي 180 درجة وأعاملها بجفاءٍ شديد , لأشاهدها وهي تسقط من فوق السحاب الى سابع أرض , وأستمتع بسماع إنكسار قلبها الزجاجي الشفّاف الى مئة قطعة وقطعة .. 

ثم أتركها لأيام , قبل ان أعاود الّلحاق بها من جديد .. فتقاومني بتردّد بكيانها المنكسر , دون ان أخشى خسارتها بعد إحتلالي لقلبها الذي كان خالياً من قبلي .. لأعاود الرقص معها بين النجوم , ثم أختفي لشهورٍ طويلة من بعدها .. وانا أتابع انهيارها من بعيد عبر سماعي للأغاني الحزينة التي كانت تضعها على صفحتها بالفيسبوك , والتي تتكلّم عن آلام هجران الحبيب .. يعني باختصار : كانت كالدمية بين اصابعي , الآعبها حسب مزاجيّتي .. 
***

هذا ليس كل شيء .. بل كنت أحاول إبعادها عن أعزّ اصدقائها وكل من تحب , بالتشكيك بنواياهم اتجاهها .. وذلك لأن النعجة البعيدة عن القطيع سهلٌ اقتيادها .. ولوّ كانت قريبةٌ مني لحبستها داخل غرفة مقفلة .. لا ادري لماذا , لكن يبدو انني نرجسيٌ ايضاً ! فأنا اعتبرها ملكي وحدي , ولا احد له سلطة عليها سوايّ .. 

كما كنت أخبرها دائماً بموهبتي المذهلة بالتخاطر وقدرتي على السيطرة الذهنية عليها حتى في منامها , كيّ أضمن صدقها معي في كل كلمة تقولها (بعكسي طبعاً) .. وكأنني كنت أطبّق عليها جميع النظريات التي تعلمّتها في علم النفس , لتغدو فأر تجارب بالنسبة لي 
***

وهكذا أمضيت الشهور في تعذيبها بشتّى أنواع التعذيب النفسي , كذبت فيها الآف الكذبات حتى باتت لا تعرف مع من تتكلّم ! فكلّ مرة كنت أضع لها قناعاً مختلفاً على وجهي , لأدرس ردّات فعلها المختلفة ..
***

أعرف ما ستقولونه .. اين ضميرك ؟ 
للأسف ! كان لي ضميرٌ في الماضي قبل ان تدوسه أرجل حبيبتي الأولى التي تركتني لتتزوج من رجلٍ أغنى مني ! ربما لهذا تعلّقت بريمي , فهي تشبه براءتي التي خسرتها من غدر الأحباب .. وربما لهذا انتقمت منها بدلاً من تلك التي تسبّبت بالفعل في تحطيمي ! رغم معرفتي جيداً بأن المسكينة ليس لها أيّ ذنب في الأمر ..
لكن ما ذنبي انا ليتدمّر قلبي الحنون , الذي حوّلني من شابٍ بريء الى رجلٍ ساديّ يستمتع بتعذيب أحبّائه ؟!

ولربما لزوجتي الأجنبية يدٌ في ذلك ايضاً ! فهي أنانيّة من الدرجة الأولى ..ولا يهمّها سوى عملها وأصدقائها والإعتناء بجمالها .. فهي لم تهتم بي يوماً ..فأنا بالنسبة لها : البنك الذي يصرف على متطلّباتها , وأُعاتب بجفاء في حال تقصيري ! .. لهذا كلّه , أقفلت باب قلبي وضميري منذ سنواتٍ عدّة ..ولم يعدّ يهمّني سوى نجاحي في العمل , ولوّ دسّتُ بسببه قلوب عشرات الفتيات البريئات ! 
***

لكن الغريب في الموضوع .. انني مع كل مساء كنت أنتظر مكالمة ريمي على أحرّ من الجمر ! وكنت أقنع نفسي بأنني متشوّقٌ فقط لرؤيتها تتعذّب بحبّي .. لهذا لم أعترف لقلبي ولا لمرّة واحدة بأنني أحببتها بالفعل , لأنها تملك جميع مواصفات فتاة أحلامي .. بل منعت نفسي من التفكير بأمرها نهائياً , وكأنني حرّمتُ العشق على روحي للأبد !

وفي كل مرّة كان قلبي يطالبني بالإعتراف بحبها , كنت أقوم بالعكس تماماً , واستهزأ منها بكلماتٍ تجرحها وترغمها على الرحيل ! 
***

اما الجانب الجميل في الموضوع ..ان علاقتي بزوجتي تحسّنت بشكلٍ ملحوظ بسببها .. فهي كانت تحمّسني بكلامها الرقيق , لأسرع الى زوجتي وأفرّغ طاقة الحب عليها , وانا أتخيلها ريمي!   
وبسببها ايضاً أنهيت كتابي الذي لاقى الترحيب والثناء من دكاترة جامعتي , والذين قرّروا تدريسه كمنهجٍ جديد في قسم علم النفس .. 

فكل شيء كان يتحسّن في حياتي بسببها , بينما حياة ريمي تزداد بؤساً وحزناً كل يوم , وكأني أمتصّ طاقتها لازداد قوّة على حساب قلبها وكرامتها !
***

وقد نبّهتني سابقاً لأكثر من مرة بأنني على وشك خسارتها , لكني استهزأت بها قائلاً : 
- حتى لوّ فرضنا ان أحداً تزوجك رغم كبر سنك , فستبقين تكلّميني لآخر يومٍ في حياتك .. 
***

أتدرون مالذي حصل لريمي بعد سنتين من تعذيبي النفسي المدمّر لها ؟ 
لقد خسرتها ..نعم , لقد رحلت .. أخبرتني ذات يوم انه تقدّم لها عريس .. فسخرت منها بقساوة لأنني ظننتها إحدى حركات البنات السخيفة لإثارة الغيرة , لكني لم أكن اعلم انها تقول الحقيقية .. 
وهاهي تزوجت بالفعل من رجلٍ آخر ! .. 

علمت ذلك بعد شهر , حين رأيت صور زواجها على صفحتها في الفيسبوك ..وكانت تبتسم فيها بحزن , محاولةً منع ظهور دموعها في الصورة .. لكني شعرت بصرخات قلبها المنكسر .. كيف لا , وانا عايشت هذا الشعور من قبل ! 
***

وقد حاولت في البداية تجاهل مشاعر الغضب التي إنتابتني بعد رؤيتي لتلك الصور .. لكن الأمر أنفجر بعد اسبوع , حين غضبت من زوجتي بعد تجاهلها لرفضي بالخروج مع اصدقائها كما تفعل بنهاية كل اسبوع  ..وتطوّر الجدال بيننا سريعاً , الى ان ضربتها بقساوة ولأول مرة منذ زواجنا !

وكما تعلمون : ضرب النساء في بلاد الغربة يختلف كثيراً عن بلادنا .. حيث استيقظت في اليوم التالي والشرطة على بابي , بعد ان قامت زوجتي العزيزة بالتبليغ عني ! .. وسجنت بعدها لشهرين كاملين .. لأعلم بعد خروجي بقرار طردي من الجامعة .. هذا ليس كل شيء .. فقد وصلني إخطار من الحكومة بضرورة الخروج من البلاد خلال اسبوعين , بعد ان عدّوني رجلاً خطيراً .. ونحمد اه انه لم تصلّ الأمور لوصفي بالعربي الإرهابي !

وبعد فشل محاميّ بتسوية الأمر , عدّت الى بلادي مذلولاً بعد حصولها في المحكمة على حضانة ابني الوحيد ..
وهآ انا خسرت عملي وزوجتي وابني وسمعتي , وتمّ طردّي من هناك قبل ايامٍ قليلة من حصولي على الجنسية الأجنبية ! 
***

أتدرون مالمضحك في الأمر ؟ 
لطالما هدّدتني ريمي بأن دعائها مُستجاب .. وأظنها لم تفعل طوال السنتين , لكنها حتماً دعت عليّ بعد إضطرارها للزواج من ذلك الرجل الكبير في السن (ربما فقط لتنساني وترتاح !) 

ولا أظنها تدري بعد بأن الله استجاب لها , وأخذت بدعوتها حقّ جميع البنات اللآتي عذّبتهنّ في حياتي .. وكم إستحقيت ذلك !
***

الشيء الوحيد الجيد في الموضوع , ان زوجها كان رجلٌ كريم وطيب القلب , حيث سلّمها إدارة إحدى شركاته .. وعلمت لاحقاً بأنها استطاعت إدارتها ببراعة , حتى أصبحت بعد سنوات من بين نخبة سيدات الأعمال الناجحات في بلادها !

اما انا .. فقد أهملت نفسي كثيراً بعد تعوّدي على شرب الخمور , حتى ان اهلي اضّطروا لطردي من بيتهم ! 
فلم أجد حلاً سوى بالمحاولة الأخيرة مع ريمي التي أصبحت أرملة منذ شهور وورثت جميع شركات زوجها بفروعها العديدة.. 
فلربما تقبل ان أعمل لديها ولوّ بأدنى الأجور !
***

حين أدخلتني السكرتيرة الى مكتب ريمي .. لم تعرفني .. فأنا لم أعطها صورتي الحقيقية حين تعرّفت عليها ..وكذلك لم أخبرها بإسمي الكامل .. 

كنت أراها تجلس على كرسي المدير , كأمراة واثقة من نفسها .. وكم كنتُ فخوراً بها .. فهي طفلتي التي علّمتها دروس الحياة بقساوةٍ بالغة .. لكنها لم تسمح للدنيا بأن تكسرها , بل زادتها قوّة وتصميم على النجاح .. بعكسي تماماً ! 

وحين التفتتّ اليّ .. قلت لها والدموع في عينيّ :
- أحسنتي يا رورو .. (كان هذا اسم الدلع الذي لقّبتها به سابقاً)

فسقط القلم من يدها ! وهي تنظر الى ذاك الرجل البدين الأصلع الذي لطالما أخبرها عن وسامته ... وقد كنت بالفعل ! قبل ان أهمل نفسي
فابتسمت ابتسامةٍ حزينة : 
- كنت أعرف اننا سنلتقي في يومٍ ما ! 
- اشتقتُ اليكِ

فأجابتني ريمي بجفاء : بالتاكيد فعلت !! لكني لم أشتقّ اليك يا كريم
فقلت بندم : أعرف هذا .. فأنا اشتقت الى حنانك وقلبك الرقيق , لكني لم أعطك شيئاً تشتاقين اليه
فتنهّدت بضيق , ثم قالت : اتدري إنني كبرت على يديك
- أعرف هذا

- كنت طفلة بريئة , وبسببك أصبحت امرأة بلا قلب
- لا يا ريمي , لا تصبحي مثلي وتعاقبي الناس على أخطائي معك .. فقط عاقبيني انا  
ريمي وهي تكتم غيظها : لقد فعلت !! 
فتنهّدت بحسرة : نعم فعلتي ! 

وهنا لم أتدارك دمعتي التي نزلت على خدّي دون إرادتي , فبادرتُ لمسحها .. لكنها أوقفتني قائلة : 
- لا تمسحها يا كريم , فدمعتك هذه تدلّ على انك أخيراً أزلت قناع القسوّة عن وجهك البريء !
فسألتها باستغراب : أبعد كل الذي فعلته معك , تقولين عني بريء ؟!

فابتسمت قائلة : نعم ..لأني كنت أعرف منذ البداية انك تعاقب نفسك برفضك الوقوع في الحب , كيّ لا ينكسر قلبك من جديد 
فابتسمت بحزن : وانا الذي ظننت نفسي خبيراً في علم النفس ! 
- هذا لا يحتاج الى إختصاص يا كريم .. فحين نحب بإخلاص , نشعر بقلب الآخر دون الحاجة لرؤيته .. 
فقلت بقهر : لوّ كنتِ فعلاً تشعرين بي , لما تزوجتي برجلٍ آخر يا ريمي 
فأجابت بحزن : فعلت لأنني أردّت معاقبة نفسي قبل ان أعاقبك 

وهنا إنهرت بالبكاء : كم كنت أتمنى ان تكبري بين يديّ يا صغيرتي  
- وانا ايضاً .. لكن مازالت هناك سنواتٌ عديدة امامنا
فسألتها بدهشة : أهذا يعني انك تقبلين عودتي الى حياتك ؟!
- ليس قبل ان تثبت لي حسن نيّتك 
فقلت لها بحماس : وانا مستعد لأيّ شيء تطلبينه كيّ نعود كما كنّا في الماضي
- لا !! إنسى الماضي ولنفتح صفحةً جديدة وكأننا نتعارف الآن لأول مرّة .. لكني أحذّرك يا كريم : ممنوع منعاً باتاً ان تكذب عليّ مرةً أخرى !!
فأجبتها بجدّية : مُحال ان أفعل , عزيزتي  

فقالت : اذاً لنبدأ من جديد .. اسمي ريمي ..سيدة شركات الكوثر ...وانت؟ 
- اسمي كريم مصطفى .. دكتور سابق في علم نفس ..وأحتاج الى وظيفة في شركتك 
فتفكّر ريمي قليلاً , قبل ان تقول : 
- مارأيك ان تكون سكرتيري الخاص ؟
فابتسمت لها وعيوني تلمع ببريق الحب , قائلاً : 
- أقبل طبعاً , وأعدك ان أكون عند حسن ظنّك بي .. سيدتي 

فابتسمت لي بدورها , بعد ان احمرّت خدودها خجلاً ..
وكلانا يأمُل ببدايةٍ جديدة بعيدة عن أساليب الخداع والألم .. 
***

وانا أعاهدها امامكم .. بأنني سأحترمها وأقدّرها كزوجتي المستقبلية , ومحبوبتي طوال حياتي .. والله على ما أقول شهيد !! 

الجمعة، 30 مارس 2018

كواليس دمويّة

تأليف : امل شانوحة

أرعب فيلم بتاريخ الهوليوود

امتلأت صالة مسرح كوداك في مدينة لوس انجلوس بكالفورنيا والمخصّصة لتوزيع جوائز الأوسكار بالعديد من المشاهير في حفلها السنويّ الضخم , حيث صفّق الممثلين والمخرجين والمنتجين بحرارة للشاب المخرج العبقري (انتونيو ولتر , 33 عاماً) الأمريكي من اصولٍ اسبانية , وصاحب الفيلم المميز : (لا للهجرة الغير شرعية) ..

وفي خُضمّ فرحته باستلامه جائزة تكريمية عن اول فيلم يصوّره في حياته , تفاجأ الحضور والصحفيين باقتحام المخابرات الأمريكية المكان والقبض عليه , وسط ذهول الجميع !
حيث ضجّ المسرح بصرخات الإستنكار وهم يشاهدون الشرطة وهي تصفّد يدا المخرج الذي اكتفى بابتسامةٍ غامضة وهدوءٍ مريب , وكأنه كان يتوقّع ما سيحصل !

وقد اضّطر القائمون على الحفل بتوقيفه مؤقتاً لمعرفة اسباب ما جرى , بينما انشغل الصحفيون بتصوير المخرج في لحظات اعتقاله المهينة 
***

وفي اليوم التالي .. تناقلت الصحف الأحداث المتوتّرة التي صاحبت حفل الأوسكار الشهير , بينما ظلّ سبب اعتقال المخرج غامضاً ! 
وزاد الأمر غرابةً : أيقاف السلطات عرض الفيلم بكافة دور السينما , ممّا أدى لتهافت الناس على رؤيته من بعض قنوات اليوتيوب التي استطاعت تهريب اجزاءٍ منه ..

حيث يبدأ المشهد الأول من فيلمه : بتصوير رجالٍ بلباسهم الأسود وعضلاتهم المفتولة وهم ينتظرون على الشاطىء وصول بعض المهاجرين الغير شرعين من العرب (في شمال افريقيا) الى اسبانيا على متن قاربٍ قديم , ليقوموا باستقبالهم .. ومن ثم اقتيادهم الى قصرٍ تاريخي قديم مُخبّأ في أحضان غابةٍ مُهملة .. حيث ادخلوهم اولاً الى صالةٍ بها طاولة ضخمة عليها جميع اصناف المأكولات اللذيذة ليهجم المهاجرون بهمجيّة على الطعام ويتناولوه بنهمّ , فهم لم يأكلوا سوى بعض المعلّبات لعدّة ايام اثناء خوضهم غمار البحر 

وبعد انتهائهم من الطعام , ساقوهم الحرس الى سردابٍ به العديد من الغرف المغلقة على طول جانبيه .. لكنهم شعروا بالقلق حين أُقفل الباب الرئيسي خلفهم , ليعلقوا داخل الممرّ الطويل ذو الأنوار الخافتة ! 

ومن بعدها .. أضيء لهم شاشة كبيرة , عُرض عليها المطلوب منهم بلغةٍ يفهمونها .. وكانت الإرشادات تطلب منهم ان يختار كل واحداً منهم رقم غرفةٍ مغايرة دون ان يعرف ما بداخلها .. فاقترب كل واحدٍ من الثلاثين رجلاً لاختيار بطاقة من داخل صندوقٍ يحمله رجلٌ مقنّع !

وبعد وقوف كل واحداً منهم امام غرفته .. انفتحت الأبواب امامهم لتنطلق بعدها صرخات الرعب والإستغاثة , بعد رؤيتهم لأدوات التعذيب في الداخل والتي تراوحت شدّتها بين المؤذية بشكلٍ خطير والقاتلة .. 
وعلى الفور !! عمّت الفوضى أرجاء السرداب , حيث ركض المهاجرون الى الباب الكبير الذي دخلوا منه , لكنه كان مقفلاً بإحكام .. 

وهنا خرج رجالٌ مقنّعين بعضلاتهم المفتولة من تلك الغرف وهم يحملون الهراوات والسيوف والعصيّ الكهربائية , حيث كانت كل غرفة تحوي ثلاثة رجال اقوياء مختصّين في مجال التعذيب (وجميعهم يعملون لدى شابٍ غني , كان يتابع بحماس مع بعض اصدقائه الأثرياء مجريات الأحداث عبر شاشاتٍ في مكتبه المتواجد بعلّية القصر .. حيث تراهن كل واحد على خمسة مهاجرين : بحيث من يبقى منهم حيّاً لأطول مدة تعذيب , يفوز المراهن عليه بسيارة ليموزين فاخرة !) 

اما المشهد الثاني من الفيلم فكان أكثر غرابة ! حيث دخل كل مهاجر من تلقاء نفسه الى غرفة التعذيب دون أدنى مقاومة , وكأنهم ينساقون كالخراف للمذبحة ! 

ثم بدأ عرض أصعب المشاهد في هذا الفيلم المرعب : حيث تفنّن الحرس بتعذيب المهاجرين هزيلي الأجساد بأدوات تعذيبٍ قديمة وتاريخية .. 
وكان من أنواع التعذيب : سحق العظام بآلاتٍ ضاغطة , وحرقهم بأسياخٍ محميّة على النار، كما وضعهم على الخوازيق , والكرسي المغطّى بالمسامير, والجلوس على حمارٍ خشبي مدببّ لتمزيق الأحشاء , وغيرها من الأدوات الوحشيّة الغير إنسانية ! 

ولهذا إضّطر المخرج لتعتيم وتغبيش بعض الصور مراعاةً لمشاعر المشاهد .. الاّ ان الصراخ والأنين والألم والدماء التي ظهرت في الفيلم كانت حقيقية بشكلٍ لا يصدّق !
وانتهت احداث الفيلم بمقتل جميع المهاجرين.. 

حيث صُوّر المشهد الأخير منه : بوقوف الشاب الغني (الذي كان نفسه المخرج انتونيو ولتر , حيث قام بدور البطولة) في مقدّمة سفينته برفقة بقيّة المراهنين الأثرياء , وهم يشاهدون عمليةّ التخلّص من أشلاء المهاجرين برميها في البحر .. 

ثم اقترب منه صديقه قائلاً : 
- أحسنت يا انتونيو , فهذا سيعلّم جميع المهاجرون الغير شرعيون بأن لا يقتربوا مجدّداً من بلادنا العظيمة 
وهنا قال المخرج كلمته الختامية في الفيلم : 
- بالتأكيد !! فنحن لن نسمح للتاريخ ان يُعيد نفسه من جديد .. 
ثم رفع كأس الشمبانيا لأصدقائه قائلاً : 
- لتحيا اسبانيا !! ولتسقط الأندلس من جديد
فهلّل اصدقائه فرحاً
...(((النهاية)))...
*** 

وهنا اطفأ المحقّق الفيلم , وهو يشعر بالإشمئزاز ممّا شاهده ! 
- كيف لهذا الفيلم المقزّز ان يحصل على جائزة الأوسكار ؟! بل الأسوء ان الجمهور يُطالب بأجزاءٍ اخرى للفيلم !
الشرطي : هذا لأن مشاهد التعذيب فيه حقيقية 
المحقق : الناس لا تعرف هذا بعد .. (ثم فكّر قليلاً) ..أتدري .. كانت هناك مقاطع إستغربتها في الفيلم !
- ماهي سيدي ؟
- جملة المخرج الأخيرة تؤكّد ظنوني بأن ادوات التعذيب التي استخدمها في فيلمه هي نفسها ادوات تعذيب الأندلسيين , فأنا مازلت أذكرها من زيارتي للمتحف الإسباني ايام شبابي
الشرطي : ربما صنعوا مثلها للفيلم
- لا اظن .. ولهذا اريدك ان تتحرّى عن المسؤول عن ادوات تعذيب في المتحف الوطني بإسبانيا  
- اتظن انه متورّطٌ معهم ؟

المحقّق : نعم .. كما هناك شيئاً آخراً استوقفني في الفيلم ..وهو دخول المهاجرين الى غرف التعذيب بإرادتهم ! 
الشرطي : ربما أيقنوا بأنه لا مجال للهرب من مصيرهم 
المحقق : لا , اعتقد ان هناك مشاهداً محذوفة في الفيلم ! فقد لاحظت بأن أعدادهم قلّت عن المشهد الذي سبقه .. أعدّ شريط الفيلم كيّ نعدّهم من جديد

فعاد وشاهدا المقطع الذي ركض فيه المهاجرين المذعورين نحو الباب الرئيسي في محاولتهم للهرب .. ثم المقطع الذي تلاه : وهو دخولهم بإذعان لغرف التعذيب .. 
وكان شكّ المحقق في مكانه : حيث اختفى ثمانية من المهاجرين لم يظهروا في بقيّة الفيلم ! 

الشرطي : ماذا تظن حصل لهؤلاء الثمانية , سيدي ؟
المحقق : أعتقد انهم قتلوهم بشكلٍ وحشيّ امام الجميع , لهذا استسلموا البقيّة لقدرهم ..كما لاحظت ان ملابس بعضهم كانت مقلوبة , وظهرت بعض الدماء في بنطال احدهم قبل دخوله للغرفة  
الشرطي : أتظنّ انهم تعرّضوا لتحرّشات ؟! 
المحقق : ربما , لكن لا يمكننا التأكّد الاّ اذا اعترف المخرج اللعين بذلك 
الشرطي : لكنه يرفض الكلام منذ ان قبضنا عليه 
المحقّق : مرّ شهران , اليس كذلك ؟ 
الشرطي : نعم , والمشكلة اننا لا نملك دليلاً على إدانته , سوى شهادة قريب أحد الضحايا الذي شاهده بالصدفة داخل الفيلم 
المحقّق : اذاً لنواجه المخرج بذلك الشاهد 
***

وبعد اسبوع .. بدأ التحقيق مجدّداً مع المخرج الشاب , بحضور محاميه .. 
المحقق : إمحي ابتسامتك المستفزّة , وأجبني ..كيف عرفت بموعد قدوم هؤلاء المهاجرين ؟
فنظر الشاب لمحاميه الذي أشار له ان يجيب ..
المخرج : من موقع في الإنترنت المظلم
- إشرح اكثر
- هناك موقع يعرض فيه كاميرات منارات الشواطىء التي تراقب السفن بجميع انواعها , ومنها قوارب المهاجرين الغير شرعين ..وانا كنت أتابعه باستمرار
المحقق بدهشة : لكن هذا برنامجٌ خاص بالحكومة لمراقبة أمن البحار ؟!
المخرج : الم تسمعني حين قلت ..انني اتابعه من الإنترنت المظلم ؟

فخرج المحققّ من غرفة التحقيق وطلب من موظفيه دخول الإنترنت المظلم والبحث عن موقع الهكر الذي اخترق حواسيب مركز الشرطة الساحلية التابعة لدولة اسبانيا , وتبليغ السلطات هناك بأمره لأخذ الحيطة والحذر..

ثم عاد لغرفة التحقيق , وسأله من جديد :
المحقق : ولما قمت باختطاف هؤلاء المهاجرين ؟ 
المخرج بغرور : أردّت تصوير فيلمٍ مرعب بجودةٍ عالية
المحقق يضرب الطاولة بقبضته غاضباً : ايّ فيلم ايها اللعين !!
المحامي : اساساً موكلي لا يعرف حتى الآن لما قبضتم عليه , فالأفلام المرعبة تملأ دور السينما حول العالم ؟! 
المحقق بعصبية : هذا لأنه لم يكن فيلماً بالأساس .. (ثم قال بصوتٍ عالي للحرّاس) : ادخلوا الشاهد !!

فدخل رجلٌ افريقي أخذ بخناق المخرج حين رآه , وصار يصرخ عليه بغضب : 
- اين اخي ايها اللعين ؟!!! 
المخرج محاولاً فكّ نفسه من بيت يديه : عن ايّ أخ تتكلّم ؟!
واستطاع الشرطيان ابعاد الشاهد بصعوبة عن رقبة المخرج , لكنه اكمل قائلاً بعصبية : 
- لقد شاهدت الفيلم , وتفاجأت بأن أخي كان من ضمن المهاجرين الذين ماتوا بالتعذيب حرقاً ! 
فقال المخرج بابتسامةٍ مستفزّة : آه تذكّرته الآن , كان اخوك ممثلاً بارعاً

الشاهد وهو يمسح دموعه بغضب : لم يكن تمثيلاً !! فأهلي أكّدوا لي بأنه سافر عن طريق البحر للعمل في اسبانيا , لكن اخباره انقطعت فجأة .. حتى ان سلطات المهاجرين لا تعرف اين اختفى ذلك القارب , وما مصير المهاجرون الثلاثون الذي قتلتهم انت واصدقائك الملاعيين !!! 
وهنا قال المحقق للشرطين : إخرجوا الشاهد ..

وبعد خروج الشاهد من غرفة التحقيق وهو مازال يشتم المخرج ويلعنه ..همس المحامي للمخرج مستفسراً :
- هل ما قاله الشاهد صحيحاً يا انتونيو ؟!
لكنه لم يجيبه .. فاقترب المحقق الغاضب من وجه المخرج , وقال مهدّداً :
- ابدأ بالتكلّم حالاً !! والا ستواجه قريباً نفس مصير هؤلاء المهاجرين

فتنهّد المخرج بأنفاسٍ طويلة , ثم قال : الجمهور بالعادة يعشقون الأفلام المخيفة , فكيف لوّ كانت واقعية 
المحقق : اذاً انت تعترف الآن بتعذيبك لهؤلاء المهاجرين ؟ 
المحامي مُحذّراً : سيد انتونيو , انتبه على كلامك كيّ لا يؤخذوه ضدّك
المخرج بلا مبالاة : لا يهمّني ما سيحصل , طالما ان فيلمي حقّق غايته المنشودة 
المحقق : ماذا تقصد ؟

المخرج بثقة : لقد ساهم قبضكم عليّ في حفلٍ الأوسكار الى ضجّةٍ اعلامية شهرت فيلمي أكثر مما توقعت .. كما أحدث الفيلم رعباً في نفوس ابناء الدول النامية والذي أدّى لاحقاً لانخفاض اعداد المهاجرين الغير شرعين , خاصة المتجهين لبلدي اسبانيا , وهذا كان الهدف منذ البداية .. كما انني حصلت على الشهرة وجائزة الأوسكار عن أول فيلم أخرجه في حياتي .. 
المحامي : لكني اخبرتك بأن النقّاد سحبوا منك الجائزة , ومنعوا فيلمك من عرضه بكافة دور السينما
المخرج بغرور : بعد ماذا , فقد شاهده الجميع وانتهى الأمر .. كما سيبقى فيلمي أقوى الأفلام المرعبة التي تمّ تصويرها في عالم السينما , ولا أحد يستطيع إنكار ذلك

المحقق وهو يحاول كبت غضبه بصعوبة , كيّ لا يلكم وجه هذا المتغطرس الساديّ : 
- ولما اخترت ادوات التعذيب الأندلسية ؟ فقد قبضنا على مسؤول المتحف الذي اعترف بقيامه بتأجيركم تلك الأدوات المخيفة لفترةٍ محدودة
المخرج : إخترتها لأنّي مُغرم بتاريخ اسبانيا العريق , كما لأنني اكره العرب , فالأندلس تعتبر وصمة عار في تاريخ بلادي .. لهذا ارتأيت انه لا بأس من تكرار ما فعلوه رهباننا بأولئك المسلمين في زمن الماضي  

المحقق : واين موقع القصر الذي تمّ فيه تصوير الفيلم الشائن ؟
بابتسامةٍ مستفزّة : في غابةٍ ما بإسبانيا
فأمسك المحقق بياقة الشاب , قائلاً بعصبية : تكلّم يا رجل !! من هم شركائك , ومن هؤلاء الرجال المقنّعين الذي قاموا بعمليات التعذيب ؟
فقال الشاب بعد ان أفلت ثيابه من قبضة المحقق الغاضب : هذا سرّ سأدفنه معي للأبد 
المحقق بنبرة تهديد : وهذا سيكون قريباً , أعدك بذلك
***

وبدأت محاكمة المخرج الشاب بشكلٍ علني امام الجمهور الغاضب ..ورغم ان انتونيو لم يقتل أحد بيديه , لكنه قام بدفع مبلغٍ كبير (من المال الذي ورثه عن والده) لاستئجار ادوات التعذيب , كما القتلة المأجورين من موقع مختصّ في الإنترنت المظلم .. والذي أدى بالنهاية لوفاة 29 مهاجراً , ماعدا الشخص الوحيد الذي رموا بجثته في البحر ظانين بوفاته .. لكنه استعاد وعيه قبل لحظات من غرقه , ليسبح بجروحه البليغة الى الشاطىء , حيث رآه رجلان هناك قاما بنقله فوراً الى المستشفى .. 

وبعد ان استعاد وعيه , أخبر الصحفيين والشرطة بالأهوال التي حصلت داخل ذلك القصر المجهول ! كما قال : بأن خنوعهم لدخول الغرف كان بعد تعرّضهم لاعتداءاتٍ أخرى مُهينة للشرف والكرامة , لهذا لم يتمّ تصويرها .. واكتفى بالقول : كانت كواليسٌ دمويّة !
وبسبب شهادته الرئيسية بهذه القضية تمّ اصدار الحكم على المخرج المتغطرس بالسجن المؤبّد مع الأعمال الشاقة , دون حصوله على فرصة الإفراج المشروط  
***

لكن المخرج الثريّ استطاع بعد ثلاثة شهور دفع مال لعصابةٍ داخل السجن استطاعت تهريبه بمساعدة من شرطيين فاسدين ..مما أدّى لمظاهراتٍ غاضبة من العرب المتواجدين في اميركا ودول اوروبا مطالبين بالقبض مجدّداً على هذا السفّاح العنصريّ 
***

الا انّ المخرج إختفى تماماً من الوجود ! حيث وصلت انباءٌ للشرطة بأنه حصل على هويّةٍ مزوّرة سافر بها الى بريطانيا , بعد ان أجرى العديد من عمليات التجميل السرّية لتغير هيئته 
***

وبعد عدّة سنوات , وفي أمسةٍ باردة .. تلاقى عربيان يعيشان في انكلترا بالصدفة برجلٍ سكّير في الشارع , فأقلّاه بعد ان أخبرهما بتعطّل سيارته 

وفي الطريق .. بدأ يهلوس بكلماتٍ غير مفهومة ! ثم بدأ يتباهى بكلامٍ فاجأ العربيان , حين قال بعد ان أنهى قارورة الخمر :  
- كم استمتعت برؤيتهم يتعذّبون .. فأنا المخرج الوحيد الذي حصل على الأوسكار من فيلمه الأول , ولا أحد يمكنه حرماني من ذلك .. فأنا من أعدّت أمجاد الصليبيين .. (ثم يصرخ قائلاً بفخر) : لتحيا اسبانيا العظيمة !! وليموتّ كل الأندلسيين !! 
***

إستفاق بعدها انتونيو وهو يقف على كرسي مهترىء , معلّقاً برقبته حبل المشنقة في بيتٍ مهجور في الغابة .. وكان يقف امامه الشابان العربيان الغاضبان ..

فقال لهم المخرج بعد ان استفاق من سكرته , بخوفٍ شديد : 
- ماذا ستفعلان بي ؟! 
- من سوء حظّك ان القدر ساقك الى عربيين شاهدا فيلمك القذر العنصريّ 
- ارجوكما لا تقتلاني ! فأنا كنت حينها شاباً طائشاً , وانا نادمٌ الآن 
أحد الشابين بغضب : كاذب !! فقبل قليل كنت تتفاخر بقتلك للعرب! 
- كنت سكراناً ولا أعيّ ما اقول ! ارجوكما دعوني اذهب , وسأدفع لكما ما تشاءان
فقال له الشاب الآخر : ومن قال لك ان العرب يبيعون شرفهم .. هيا إمسك هذه !! 

واعطاه قارورة فيها نوع من الخمر الثقيل ..
المخرج بخوف : ماذا تريدني ان افعل ؟!
الشاب الآخر : إشربها كلّها !!
المخرج : هذه نوعيتها قويّة , وسأسكر على الفور ان شربتها !
العربي : نعم وهذا هو المطلوب .. فأنت ستشنق نفسك بعد ان تترنّح لتسقط من فوق الكرسي , ليبدو وكأنه انتحاراً 
العربي الآخر بغضب : مع انني أرغب كثيراً في تعذيبك , كما فعلت مع اولئك المهاجرين المساكين , لكننا لا نريد المشاكل مع السلطات

وبعد ان أرغمانه على شرب الخمر .. أجبراه على الإعتذار من العالم بواسطة كاميرا جواله التي وضعاها في الجهة المقابلة له , بعد ان اوصلاها بالإنترنت لتبثّ كلامه مباشرةً لكل متابعيه ..
فقال انتونيو وهو يبكي , محاولاً توازن نفسه (كيّ لا يقع من فوق الكرسي ويشنق نفسه) :

- انا انتونيو ولتر .. مخرج ذلك الفيلم المهين عن المهاجرين .. ربما لن تعرفونني , لأنّي قمت بعمليات تجميل لتغير هيئتي .. لكني أردّت قبل ان انتحر ان اعتذر من العرب والأفارقة وكلّ الأقليّات العرقية في العالم عمّا فعلته , لأنه لا يحقّ لأحد إفناء الآخر بسبب الفروقات العقائدية والطائفية , فجميعنا شركاء على هذه الأرض .. ولهذا أعتذر منكم جميعاً 

وهنا اوقفا الكاميرا ..
فقال المخرج السكران : لقد فعلت ما أمرتماني به .. فاطلقا سراحي قبل ان أقع واموت , فأنا لا ارى بوضوح امامي
فقال أحدهما بلؤم : وهذا هو المطلوب بالفعل

ثم خرج مع صديقه الى خارج الكوخ , تاركان المخرج يصرخ ويتوسّل لهما .. 
وقبل ان يُدير العربي محرّك سيارته , سمعا صوت سقوط الكرسي من داخل الكوخ ..

فقال صديقه : وهاهي روحه الآن ستُلاقي ارواح المهاجرين لينتقموا منه 
فقال له الآخر : لا طبعاً .. فأرواح اولئك المساكين في الجنة , بينما روحه  ستُحرق حتماً في الجحيم !!

وابتعدا عن المكان , تاركان جثته تتحلّل وحدها في ذلك الكوخ المهجور المتواجد في غابةٍ مُهملة بأطراف قريةٍ بريطانية !  

خاتم سليمان

تأليف : امل شانوحة وجدت الخاتم الذي يبحث عنه الجميع ! سكن هشام في حيٍّ يُعرف بمنطقة المشعوذين القريب من جبل شمهروش بالمغرب , حيث اش...