الأحد، 16 ديسمبر 2018

قروش الجنّ

تأليف : امل شانوحة


 
القرية الملعونة !

رفض البائع أخذ نقوده , قائلاً : من اين حصلت على هذه العُملة الغريبة ؟!
المشتري : انها نقود حسن , الم تسمع بها ؟!
وبالصدفة كان يمرّ الحارس بجانبهما , وسمع القصة .. فأخذ العملة النحاسية وذهب بها الى الوالي :
- سيدي , لقد أحضرت لك قروش الجنّ من السوق
الوالي باستغراب : الجنّ ؟! 

الحارس : سأخبرك بما سمعته بالضبط .. يُقال إن هناك مُجبّرٌ بالقرية اسمه حسن , قام بعلاج عجوزٍ كُسرت يده أثناء صعوده الجبل .. فأصرّ عليه ان يرافقه للأعلى رغم حلول المساء .. وهناك قرأ العجوز تعويذة إنشقّ لها الجبل ! ثم طلب من حسن الدخول الى المغارة لأخذ ثمن العلاج , بشرط ان لا ينطق بحرفٍ واحد .. وحين دخل الشاب وجد شعلات من النار تُضيء المكان ! وعقارباً سوداء تحرس ثلاثة جِرار من الفخّار , فاختار جرّة القروش النحاسية دون جرّتيّ الذهب والفضة ! وما ان أخرجها من الجبل , حتى قال بتعب : يا الهي ! كم هي ثقيلة .. وعلى الفور !! أُقفلت بوابة الجبل من خلفه .. فعاتبه العجوز لكلامه قبل إتمام المهمّة , قائلاً : الم تخترّ سوى النحاس ؟! يا لك من رجلٍ منحوس .. ثم تركه وذهب .. من بعدها صار حسن يشتري بهذه النقود بضائعاً من السوق : فرفضها الباعة لأنها ليست العملة المُتداول بها , لكن بعضهم قبلها بعد تأكّده بأنها نحاسٌ حقيقي , وأسموها : قروش حسن , وصاروا يتداولون بها في السوق منذ شهور .. ورغم ان معظم الناس لم تصدّق بخرافة كنز الجبل , الا ان الخبر انتشر بينهم كالنار في الهشيم !  
فطلب الوالي إحضار حسن اليه فوراً .. 
***

وبعد ساعتين .. أحضره الحارس مُكبّلاً الى الوالي 
فقال حسن بقلق : سيدي , مالذي فعلته لتقبضوا عليّ ؟!
الوالي : انت تزوّر عملتنا 
حسن : هي ليست عملتي , بل عملة..
الوالي مقاطعاً : الجنّ .. نعم سمعنا بكذبتك

لكنه أصرّ على كلامه .. فطلب الوالي من الحرّاس إحضار العجوز بعد ان أخبرهم حسن بعنوان كوخه الذي استأجره حديثاً , لأنه غريب عن قريته
*** 

وبعد قليل .. وصل العجوز الى القصر , وطالبه الوالي بإخباره عن جنّ الجبل ..فنظر بغضب الى الحسن الذي كان بحراسة الجندي الآخر , وقال معاتباً : 
- الم أطلب منك صهر العملات النحاسية الى سبيكة او حُليّ قبل استخدامها؟!!
حسن : كنت محتاجاً اليها كنقود .. آسف , لم أقصد فضح سرّك
الوالي بعصبية : كفاكما عتاباً !! وانت ايها العجوز , ستذهب معي الآن الى الجبل لتقول تعويذتك وتفتح لي البوابة السرّية , لأحصل على جرّتي الذهب والفضة .. فنحن أحقّ بها !!.. (بارتباك) ..أقصد خزينة قريتنا

العجوز بخوف : لا أستطيع فعل ذلك الا حينما يكون القمر بدراً 
الوالي : وانا لن انتظر اسبوعين آخرين .. سنذهب الآن ومعنا شعلات النار , ونجمع الناس لرؤية الحدث .. وسنُعطي ديناراً ذهبياً لكل عائلة , امّا بقيّة الكنز فسيكون لخزينتنا.. هل كلامي مفهوم ؟!!
العجوز بقلق : ان فعلت ذلك دون علم الجنّ , سيفتحون علينا ابواب جهنم , فهم يغضبون كثيراً حين ننتهك خصوصيتهم
الوالي بنبرة تهديد : إسمع يا هذا !! ان لم تقلّ تعويذتك هناك , فسأقوم بتفجير الجبل 
العجوز : والله تكون بذلك أحلّلت اللعنة على قريتك الى أبد الآبدين .. انا فقط أحذّرك من هذا التصرّف المتهوّر
الوالي بغضب : ومن انت لتحذّرني ؟!! ..ايها السيّاف !! إقطع رأس هذا المشعوذ الخرف ..

ولم يستطع العجوز القيام بشيء , وذهب طواعيّةً مع السيّاف بعد ان استسلم لقدره ! بينما كان حسن يرتجف رعباً من ان يلقى نفس المصير , الا ان الوالي كان منشغلاً مع حارسه : الذي أمره بإخراج المتفجّرات من المخزن تحضيراً لخطّة المساء  
***

وبعد ان دلّهم حسن على مكان الكنز , تجمّع اهالي القرية تحت الجبل وهم ينتظرون نصيبهم من العملات الذهبية كما أخبرهم حرس الوالي , بينما كان جنوده في هذه اللحظات يفخّخون الجبل بالديناميت 
ومن ثم عمّ السكوت في انتظار اوامر الوالي الذي قال بصوتٍ جهوريّ لقائد جيشه :
- عند الرقم الثلاثة تُفجّر الجبل .. واحد !! اثنان !!..

وإذّ بحسن يصرخ بعلوّ صوته : توقفوا !!!
الوالي بارتباك وقلق : ماذا هناك يا ولد ؟!
حسن : هناك قطة قرب مدخل الجبل , دعني أبعدها رجاءً
الوالي بغضب : لعنة الله عليك وعلى القطة السوداء !! أخفتني يا رجل , ظننتك رأيت جنّياً هناك ! 
حسن : ارجوك سيدي , دعني أُبعدها قبل التفجير
الوالي : إذهب وخذها , ولا تسمعني صوتك من جديد

فأسرع حسن نحو الجبل , وحاول حمل القطة وهو يقول لها :
- مالذي أحضرك الى هنا ؟ هل أضعتِ امك ؟ هيا تعالي .. لا تهربي مني , فأنا اريد إنقاذك ..
ورغم مقاومة القطة العنيدة له , الا انه استطاع ابعادها .. 

لتنطلق بعدها شرارة الإنفجار الضخم الذي صمّ دويّه الآذان ! 
وفجأة !! خرج بريقٌ ذهبيّ يخطف الأبصار من داخل المغارة السرّية التي ظهرت بعد إنقشاع غبار التفجير , ممّا أفقد الناس عقولها ! وصاروا يركضون كالمجانين باتجاه البوّابة , ولم يستطع حرس الوالي منعهم , فتبعوهم الى داخل الجبل .. ممّا أخاف الوالي على كنزه , فلحقهم وهو يتوعّهدهم بالعقاب لعدم إنتظاره 

بينما ظلّ حسن يراقبهم من الخارج , وهو يحمل قطته التي تكلمت معه قائلةً :
- لما فضحت سرّنا يا حسن ؟!
وما ان سمعها تتكلّم ! حتى رماها فزعاً على الأرض .. لتتحوّل الى ملكة الجنّ بجسمها الأزرق وتاجها الإلماسيّ .. ثم نظرت الى الأعلى , ليشاهد حسن قبيلة الجن برجالها ونسائها واطفالها جميعهم يقفون فوق الجبل .. 
وما ان أشارت لهم الملكة بيدها .. حتى تسارع الجن بحمل الأحجار وإغلاق المغارة , ليعلق أهل القرية بداخل الجبل 

ومرّت دقائق قبل ان يستوعب الناس الموقف ! من بعدها تعالت صيحاتهم من الداخل , وهم يحاولون إزاحة الأحجار الضخمة عن البوّابة .. 
فقالت الملكة لحسن : 
- عقاربنا وثعابيننا ستقوم بدورها في القضاء على اولئك الطمّاعين .. اما انت يا حسن !! فرغم غضبنا منك لفضحك مقرّنا , الا ان إنقاذك لي جعلني أغفر ذنبك .. والآن أخرج من قريتك , فقد أصبحت ملعونة الى أبد الآبدين 
***

كل الأحداث المرعبة التي ذُكرت سابقاً : شاهدها الصبي لؤي خلال ثوانيٍ بعد لمسه للعملة النحاسيّة الموجودة في المتحف , والمكتوب في بطاقتها التعريفيّة : قروش الجنّ .. 
ولم يعدّ لواقعه , الا بعد سماع استاذه بجانبه يعاتبه :  
- لؤي !! لا تلمس شيئاً في المتحف  

فأبعد لؤي يده , وهو يرتجفّ ممّا شاهده ! بينما كان حارس المتحف يُخبر أصدقائه عن هذه العملة (ضمن رحلتهم المدرسيّة) قائلاً لهم : 
- ولا أحد يعرف مصدر هذا القرش النحاسيّ الذي وُجد في جيب عجوزٍ اسمه حسن , مات في مصحٍّ نفسيّ قبل قرنٍ من الزمن ..كل ما قاله لهم : انها آخر ما تبقّى معه من قروش الجنّ
فرفع لؤي يده وهو يقول للحارس : انا أعرف قصّة حسن كاملةً

وقبل ان يُكمل كلامه , لمح لوحده قطةً سوداء أسفل طاولة الآثار تضع يدها على فمها وكأنها تأمره بالصمت ! ثم لمعت عيناها كلهيبٍ من النار , قبل ان تختفي .. 

ولم يستوعب لؤي ما رآه ! الا بعد سماعه لضحكات أصدقائه الساخرة بعد ان لوّث ملابسه بسبب الخوف 
فقال الأستاذ للحارس وهو يكتمّ ضحكته : يبدو ان سيرة الجن أرعبته

فركض لؤي باكياً الى الخارج , مُتجهاً الى بيته القريب من المتحف .. بينما أكمل اصدقائه جولتهم بين الآثار , بعد ان تناسوا قصّة قروش الجنّ التي لن ينساها لؤي طوال حياته !
*********

ملاحظة :
هذه القصّة مستوحاة من أحداثٍ قرأتها في قسم : تجارب ومواقف غريبة , من موقع كابوس .. بعنوان : حسن قروش.. ويُقال انها قصّة حقيقية ! 
الرابط :
https://www.kabbos.com/index.php?darck=1172

الخميس، 13 ديسمبر 2018

الميداليّة الملعونة

تأليف : امل شانوحة


لا تقفز للموت !!

- لقد قرّرت مواعدة من يفوز منكما في المسابقة السنويّة 

قالتها الصبيّة للشابين اليافعين اللذين يتنافسان على حبها منذ قدومها الى قريتهم .. 
واحتارا بالأمر ! فالصخرة عالية ولا يقفز منها الا أشجّع الرجال , في حفلةٍ تُقام كل صيف بحضور أهالي القرية الساحليّة .. فهل سيقبلان بشرطها التعجيزيّ ؟
***

في اليوم التالي .. تفاجأت الصبيّة بأن كلا المراهقين قرّرا المشاركة بالمسابقة , رغم إعتراض أهاليهم الذين لا يعلمون بأنهما يخاطران بحياتهما من أجل ليندا الفاتنة

وبدأت المسابقة بقفزاتٍ ناجحة لبعض رجال القرية المحترفين بالسباحة , بينما تراجع أكثرهم عن القيام بهذه المجازفة ..
ثم جاء دور المبتدئين الذين يقدّمون لأول مرة على هذه التجربة الخطيرة .. وقد خمّن الجميع النتيجة مُسبقاً , حيث عزَفَ 9 منهم على القفز بعد وقوفهم على الحافّة ورؤية العلوّ من فوق .. وكان منهم جاك الذي تراجع للخلف رغم عشقه الكبير لليندا , وكلّ أمله ان يفعل مايكل الشيء ذاته ..

لكنه فاجأ الجميع بقفزته الشجاعة نحو البحر ! حيث تنفّس أهله الصعداء بعد خروجه سالماً من هناك 
وصفّق الجميع له بفخر وهو يتقلّد ميدالية السبّاحين المبتدئين , بينما اشتعلت غيرة جاك وهو يرى ليندا تُبارك له , التي يبدو انها ستصبح صديقته بعد تنفيذه لشرطها الصعب .. وبهذا تكون فرّقته نهائياً عن صديق طفولته !
***  

ومرّت الأيام .. كان فيها جاك يُراقب الحبيبين من بعيد , ونار الحقد يغلي في صدره ..
ثم حصلت صدفةٌ غريبة أعادت الأمل الى قلبه ! بعد ان رأى الميدالية الذهبية في محل والده (صائغ المجوهرات) .. فسأله باستغراب :
جاك : اليست هذه ميدالية مايكل ؟!
- بلى بنيّ , فحلقتها إنقطعت وطلب منّي تصليحها 
ففكّر جاك قليلاً قبل ان يقول : ابي .. ما رأيك ان تذهب لشرب القهوة مع اصدقائك , وانا أنوب عنك في المحل ؟
الأب بدهشة : بالعادة أُجبرك على ذلك ! فكيف دبّ النشاط بك فجأة؟!
- لأنني أشعر بالملّل بهذه العطلة الطويلة ؟ 

فترك المحل في عهدته وذهب .. ليقوم جاك بالإتصال فوراً على إمرأة أجابته :
- البصّارة جاكلين .. من معي ؟
- انا الشاب الذي التقيت بك قبل ايام على الشاطىء وطلبت رقم جوالك , هل تذكرينني ؟
- نعم نعم .. كنت تريد إيذاء صديقك الذي سرق حبيبتك..
جاك مقاطعاً بغضب : هو ليس صديقي !!
- لا يهمّ .. كنت أخبرتك سابقاً ان تحضر شيئاً من ممتلكاته الشخصيّة 
- معي الآن ميداليته التي كسبها في المسابقة التي أخبرتك عنها , فهل تنفع لتسحرينه بها ؟
- بالطبع تنفع .. تعال اليّ وقت الغروب , ستجدني في كوخي الموجود بجانب الشاطىء , هل تعرفه ؟
جاك : نعم رأيته مراراً .. سأذهب اليك مساءً ومعي الميدالية 
- لكن اريد تحذيرك .. فالسحر سيكون أبديّ , ولا يمكن إزالته من الميدالية
جاك بنبرةٍ غاضبة : لا يهمّني حتى لو بقيّ اللعين مسحوراً طوال عمره !!
- إتفقنا اذاً
***

وبالفعل ذهب اليها مساءً , بعد سرقته للميدالية من المحل .. لتقوم البصّارة (التي كانت بالحقيقة أخطر مشعوذة بالمنطقة) بدهن الميدالية بسائلٍ لزجّ شفّاف مكوّن من عدّة خلطاتٍ سحرية .. بعد ان دفع لها جاك كل ما جمعه من اموال أعياد ميلاده السابقة التي كان ينوي استخدامها كمصروفه الجامعي , لكن حقده كان أقوى من تفكيره بالمستقبل !

وبعد ان أنهت عملها , سلّمته الميدالية وهي تقول :
- لن يبدأ مفعول السحر الا بعد يومين من لبسها في عنقه 
جاك باستغراب : ماذا ! وكيف سأجعله يلبسها من جديد ؟
- هذه مشكلتك , إذهب الآن الى بيتك قبل ان تتأخّر على أهلك
***

في صباح اليوم التالي .. مرّ جاك بمحل والده , ليجده يبحث في كل مكان 
..فرفع الميدالية قائلاً :
- أتبحث عن هذه يا ابي ؟
الأب بعصبية : ولما أخذتها من المحل يا ولد ؟!! فربما صاحبها يمرّ بي بعد قليل
- انها لصديقي , وسأذهب بنفسي لتسليمها له 
- إسمع بنيّ ..لقد كلّفتني حلقة السلسلة الجديدة , دولاراً واحد .. وبما انها لصديقك , فاعطه له بالمجّان .. 
فتمّتم جاك قائلاً بعد خروجه من المحل : لكنها كلّفتني الكثير !
*** 

وقبل ان يصل الى بيت مايكل , وجده يتمشّى في الشارع مع ليندا .. ممّا زاده تصميماً على التخلّص منه .. 
فناداه من بعيد وهو يلوّح بالميدالية :
- هاى مايكل !! ابي أصلح ميداليتك
مايكل : آه شكراً له .. كم كلّفني الأمر ؟
جاك : لا شيء , فهو استبدل الحلقة فقط
مايكل بإصرار : لا انا مصرّ على دفع المبلغ
فقال جاك في نفسه مُمّتعضاً : ((أتريد ان تظهر بمظهر الكريم امام حبيبتك , سأريك الآن))

وقال له : ان كنت مصرّ على ذلك , فيكفيني ان تلبس الميدالية امامي 
مايكل : ولماذا ؟
جاك بابتسامةٍ صفراء : لأنها تليق بك يا بطل 
فابتسم مايكل بغرور , ولبسها امام ليندا التي قالت : 
- انت أشجع شاب في منطقتنا يا مايكل
فكتم جاك غيظه قائلاً له : أراك لاحقاً يا صديقي

وذهب وهو يقول في نفسه : ((وهآقد جعلته يلبسها , أتمنى ان يبدأ مفعول السحر فوراً))
***  

بعد يومين .. أيقظه والده صباحاً , وهو يقول بحزن :
- جاك استيقظ .. علينا الذهاب للدفن
جاك بنعاس : دفن من ؟!
- صديقك مايكل .. لقد وجدوا جثته عائمة على البحر هذا الصباح
جاك بفزع : ماذا ! ..هل مات ؟! 
والده : نعم .. رآه أحد الصيادين قبيل الفجر وهو يترنّح كالسكران فوق الصخرة , قبل ان يسقط في البحر !
جاك وهو يرتجف مرتعباً : هذا مستحيل !! ما كان المفترض ان يموت !
- ماذا تقصد ؟!
جاك بارتباك : لا شيء .. سألبس ثيابي فوراً

لكنه لم يذهب الى الدفن , بل توجّه مباشرةً الى الشاطىء ..لكنه لم يجد المشعوذة في كوخها والتي يبدو انها رحلت نهائياً عن القرية !
جاك وهو يتمّتمّ غاضباً : اللعينة !! قلت لها انني اريد إبعاده عن حبيبتي , ولم أقصد قتله ! مالعمل الآن بعد ان غدرت بصديقي الوحيد ؟! 
***

ولاحقاً ذهب الى منزل مايكل وهو يشعر بتأنيب الضمير .. 
وهناك حضر رئيس البلدية لتقديم التعازي لوالد مايكل :
- جميعنا كنّا وما نزال فخورين بإبنك السبّاح الشجاع , رحمه الله 
فأخرج الوالد الميدالية من جيبه وهو يقول : اريد التبرّع بها لجمعية نشاطات الشباب في قريتنا
رئيس البلدية : الا تريد الإحتفاظ بها كذكرى من ابنك ؟
والد مايكل حزيناً : لا ..دعها هديةٍ رمزيّة للفائزين كل سنة , ولتبقى معهم لبعض الوقت قبل ان يعيدوها الى مكتبك

وراقب جاك بقلق الميدالية المسحورة وهي تنتقل الى رئيس البلدية الذي وضعها في جيبه .. فقال في نفسه بفزع : 
((أتمنى ان يكون مفعول السحر إنتهى بموت مايكل , والاّ ستنتقل اللعنة بين شباب قريتي .. (ثم فكّر قليلاً) ..أظن هكذا أفضل ! فربما الرئيس يحتفظ بها في لوحةٍ تذكارية تعلّق على جدار الجمعية , وبذلك يكون الشرّ خرج من منزل أهل مايكل)) 
***

بعد اسبوع من العزاء .. جلس جاك وحيداً فوق الصخرة العالية , وهو يبكي من ثقل إحساسه بالذنب وهو يستذكر ماضيه مع مايكل  
..وإذّ بليندا تجلس بجانبه !
- وأنت ايضاً تبكي هنا ؟
جاك بدهشة : ليندا !
وهي تمسح دموعها : لقد اشتقت اليه كثيراً 
واسندت رأسها على كتفه , ليشعر بالحب اتجاهها من جديد
- ليندا عزيزتي 
باستغراب : أقلت عزيزتي ؟!
جاك بغيظ : نعم فأنا أُغرمت بك منذ البداية , قبل ان يسرقك مايكل مني
- وانت ايضاً كنت تعجبني 

جاك بدهشة : أحقاً ! كنت أظن ان الوحمة الحمراء القبيحة التي في وجهي هي من أبعدتك عني 
فقالت ليندا بخجل :
- بل هي أجمل ما فيك , فهي تبدو كقبلة الملائكة 
- اذاً لماذا إخترتي مايكل ؟
- لأنه نفّذ شرطي
جاك : آسف لأنني لم استطع القفز
ليندا بحزن : اساساً وضعت ذلك الشرط لأني ظننتك أشجع منه .. لكن لا ينفع الندم الآن !

فأمسك يدها وهو يقول : ليندا , أصدقيني القول .. هل كنتما عاشقين ؟
- لا ابداً , مجرّد اصدقاء ..فهو كان شاباً خجولاً 
فقال في نفسه بارتياح : ((ممتاز !!!))
جاك : ما رأيك لوّ نزور قبره سويّاً ؟
ليندا باستغراب : الآن ؟!
- نعم , هيا بنا
(وبالحقيقة لم يكن يرغب بالذهاب الى المقبرة , لكنه اراد البقاء معها فترةً أطول)
***

ومع بداية السنة , انتقلت ليندا الى مدرسته الثانوية المختلطة 
ومع الوقت زاد تعلّقها بها وقلّ حديثها عن مايكل , بعد ان لاحظت تضايقه من ذلك , بحجّة إنه لا يريد تذكّر أوجاع الماضي !
***

وفي حفلة تخرّجهما .. شعرت بالحزن حين أخبرها بحصوله على منحةٍ جامعية 
جاك باستغراب : الستِ سعيدةً لأجلي ؟!
ليندا وهي تمسح دموعها : الجامعة في المدينة يا جاك , وهذا يعني انك ستتركني كما فعل مايكل
جاك بغضب : مايكل ثانيةَ يا ليندا !!
- آسفة ..لم أردّ نكأ الجراح , لكني خائفة ان تنساني بعد ان أصبحنا عاشقين
- لا تخافي , هي اربعة سنوات وأعود لأتزوجك
ليندا بقلق : أهذا وعد يا جاك ؟
جاك بابتسمةٍ حنونة : وعد حبيبتي
***

الا ان حياة المدينة أنسته حبيبته القرويّة التي بسببها إرتكب أكبر ذنوبه وأخرج حبها الوحش الذي بداخله 

ومرّت الأيام .. قضاها جاك في الحفلات والصداقات المتعدّدة والمغامرات المجنونة التي أدّت بالنهاية الى حادثٍ أليم أصابته بالعقم والعرج , وظنّ بأن الله عاقبه على ما فعله بصديقه .. لكنها كانت البداية !

فبعد بلوغه سن الأربعين , إضّطر للعودة الى القرية لحضور جنازة والده .. آملاً بأن تكون ليندا من بين المعزّيين , لكنها لم تحضر بعد انتقالها الى منزلٍ بعيد , على حسب ما قالته صديقتها التي حضرت العزاء
***

وبعد مرور اسبوع .. توجّه جاك الى البحر الذي فيه ذكريات طفولته , ليتفاجأ بأهالي القرية مجتمعين لحضور مسابقة القفز السنوية .. فسأل أحدهم : 
- كنت سمعت انكم ألغيتم هذه المسابقة قبل سنوات ؟
الرجل : هذا صحيح .. فقد طالبنا بإلغائها , بعد موت العديد من الفائزين الذين قفزوا من فوق الصخرة الملعونة
جاك باستغراب : الصخرة الملعونة ؟!
- نعم لكن رئيس بلديتنا الجديد لم يصدّق هذه الخرافة , ونظّم المسابقة من جديد , مُبقياً على المراسم القديمة بتسليم ميدالية المرحوم للفائز
جاك : أيّ مرحوم ؟
- مايكل .. فهو اول سبّاح مات في منطقتنا بسبب الصخرة الملعونة .. لهذا تراني أقف بعيداً عنها .. (تنهّد بقلق) ..أشفق من الآن على الفائز الذي أخاف ان يلحق بالسبعة الذين سبقوه

جاك مرتجفاً : يا الهي ! سبعة سبّاحين  
وسرَت قشعريرة في جسمه , بعد معرفته بتورّطه بمقتل أشجّع شباب قريته!  
فقال في نفسه بقلق :
((عليّ التخلّص من تلك الميدالية الملعونة حالاً !!))

والتي كانت موضوعة فوق طاولة رئيس البلدية الذي كان يتابع المسابقة عبر كاميرات التصوير... 
ففكّر جاك بسرقتها ورميها بالبحر حتى لوّ عُوقب على ذلك , قبل ان يدفع شابٌ آخر حياته ثمناً لخطئه القديم

لكن قبل توجّهه الى هناك , أوقفته امرأة قائلةً :  
- جاك ! أهذا انت ؟!
وحين تمعّن فيها , عرفها على الفور :
- ليندا !
- نعم انا .. عرفتك من وحمة وجهك , لقد كبرت كثيراً !
جاك بارتباك : وانتِ .. أقصد مازلتي جميلة !
- آسفة بشأن والدك 
- ليندا عزيزتي أكلّمك لاحقاً , لأن عليّ القيام بأمرٍ ضروري
ليندا : وانا لديّ شيءٌ مهم أقوله لك .. أترى ذلك الشاب الواقف عند حافّة الصخرة .. انه ابنك 
فقال بدهشة : ماذا ؟!

وللحظة شعر بارتياح لأنه لم يخسر بعد فرصة إحساسه بالأبوّة , لكن فرحته تحوّلت الى فزع بعد رؤيته لإبنه المراهق وهو يقفز ببراعة نحو البحر .. فصفّقت امه له بفخر , بينما أمسكها جاك بقوّة من ذراعيها وهو يعاتبها :
- لما لم تخبريني وقتها بأنك حامل ؟!!
- جاك ! انك تؤلمني
فأبعد يديه عنها , بينما أكملت غاضبةً :
- لأنني عرفت بحملي بعد شهر من سفرك !! وامك رفضت إعطائي عنوانك للذهاب اليك , لهذا إضّطررت الى تسجيله على اسم عائلتي 

فقال جاك غاضباً : 
- ولما جعلته يشارك في هذه المسابقة الخطيرة يا ليندا ؟!!
- لأنني أخبرته سابقاً عن شرطي القديم بينك وبين المرحوم مايكل .. ومنذ وقتها وهو يتدرّب في النادي ليشارك بهذه المسابقة .. (وبنبرةٍ مقهورة) ..لا تقلق عليه , فهو ليس جباناً كوالده ..وسيفوز حتماً لأنه سباحٌ ماهر
- وانا لا اريده ان يفوز يا ليندا !!!

وكان لا يزال هناك سباحين اثنين قبل إعلان النتيجة .. فأمل جاك ان يفوز أحدهما بدلاً من ابنه .. لكن هذا لم يحصل بعد انسحاب الأول , والقفزة السيئة للثاني .. ليصبح ابنه المرشّح الأقوى للفوز عن فئة الشباب المبتدئين 

وما ان أعلن رئيس البلدية فوزه , حتى انطلق جاك كالمجنون بين الحشود لمنعه من تقلّد الميدالية المسحورة
لكنه لم يصل بالوقت المناسب بسبب عرجته ! حيث شاهده من بعيد وهو يرفع يده منتصراً , فخوراً بالميدالية التي في رقبته 
لكن فجأة ! بدأ يترنّح كالسكران قرب حافّة الصخرة .. 
فصرخ والده من بعيد بفزع :
- إنتبه بنيّ !!!!

لتعلو الشهقات والصرخات بعد رؤيتهم للفائز وهو يتحطّم كالتمثال الزجاجيّ فوق الشعاب المرجانية , وسط بكاءٍ مرير لوالديه ! 

ثم إنتشلوا جثة المراهق الذي غرقت ميداليته المسحورة في أعماق البحر , بعد ان دفع روحه ثمناً لخطأ والده الذي انهار امام الجميع وهو يلعن نفسه , دون ان يدركوا تورّطه بقتل ابنه الوحيد مع سبعة آخرين من شباب القرية الذين قضوا نحبهم بسبب حقده الدفين ! 

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

حياةٌ بلا جريمة

تأليف : امل شانوحة


لا مجرمين بعد اليوم

في عام 2050 وفي اليابان تحديداً .. تمّ إختراع رقاقةٌ إلكترونية تُزرع تحت جلد الأطفال الرضّع , داخل كبسولة تتنقّل في مجرى الدم بالجسم , ولا يمكن إزالتها حتى بالتدخّل الطبّي .. ولاحقاً أُجبرت كافة الدول المتقدّمة على إستخدامها في مستشفيات التوليد , ضمن إتفاقيات دوليّة للحدّ من الجريمة

وفي خلال 50 سنة التالية .. قلّت نسبة الجرائم حول العالم بشكلٍ ملحوظ بعد تمكّن أجهزة الأمن من ترصّد المجرمين بواسطة كاميرات مدسوسة في كل مكان : داخل إشارات المرور ولوحات الإعلانات والبنوك والمدارس والشركات والمطاعم والمنتزهات , وصولاً الى صناديق البريد وحاويات الزبالة !  

حيث يمكن لتلك الأجهزة إلتقاط الرقم التسلّسلي المُسجّل على الرقاّقة المزروعة في جسم المواطنين , ليتمّ خلال 24 ساعة القبض على مرتكبيّ المخالفات .. ممّا أغضب كبار العصابات الذين حاولوا لسنواتٍ عديدة بمساعدة أطباء يعملون لديهم وبالإستعانة بأشعة السينية (( X ray لإزالة تلك الرقاقات التي لقبوها بالجاسوسة اللعينة .. لكن بعد تعرّض الكثيرين منهم لنزيفٍ حاد أثناء تتبّع الرقاقة التي تنتقل سريعاً بالدم , رضخوا للأمر الواقع ببقائهم مراقبين على الدوام من قبل حكوماتهم ! 

ومع الوقت , تخلّى الكثير منهم عن تفكيرهم الإجرامي واندمجوا مجدداً مع مجتمعاتهم 

وهذا ما لم يتقبّله قائد عصابة التنين العنيد (تشو) الذي يرى في سرقة البنوك مغامرةٍ لا يمكنه التغاضي عنها , ممّا جعله يقضي جلّ شبابه متنقلاً بين السجون , الذي سُرّح منها السنة الفائتة .. 
***

وفي أحد الأيام .. خطرت في بال تشو فكرةً جهنّمية بعد قراءته لمقال شامل عن تلك الرقاقة التي قضت على احلام المجرمين 
فحدّث نفسه قائلاً : ((كيف لم أفكّر بهذا من قبل ! الرقاقة زُرعت بداخلنا قبل خمسين عاماً , وهذا يعني ان من عمره في الستين وما فوق لم يخضع لهذا القانون الإجباريّ))
*** 

في صباح اليوم التالي ..أرسل تشو تابعيه الشابين (المتبقيان من عصابته) الى المكتبة للبحث بين السجلاّت القانونية القديمة (بحجّة انهما طلاّب حقوق , ببطاقات جامعية مزوّرة) لإحضار لقائدهم اسماء أخطر اللصوص الذي تتراوح أعمارهم ما بين 60-75 سنة 
ومن بعدها أمضى تشو عدّة ايام لدراسة تلك الملفّات المصوّرة : حيث اكتشف ان معظم هؤلاء المجرمين ماتوا في الحرب العالمية الثالثة التي انتهت منذ عقدين من الزمن .. 

لكنه وجد خمسة اسماء للصوص محترفين سابقين مازالوا على قيد الحياة: 
1- (أراتا) وهو أصغرهم (60 سنة) لكنه يتعالج حالياً من السرطان 
2- (تاكيشي) 65 سنة , أُودع جبراً في مصحٍّ نفسي بسبب نوبات غضبه المتكرّرة 
3- (سوني) 67 سنة .. الهارب من العدالة منذ سنواتٍ طويلة , دون وجود صورة له بسبب قناعه المخيف الذي اعتاد على لبسه أثناء سرقته للأواني الفضيّة من القصور كل مساء على مدى عشر سنواتٍ متتالية , أرعبت الأثرياء الذين لقبوه بالقناع الأسود !
4- (شينجو) سُرّح من السجن الشهر الفائت لكبر سنه , بعد بلوغه سن 70 عاماً
5- و(تسوتومو) دخل طواعيةً الى دار المسنين بعد خسارة منزله بسبب إدمانه على القمار , وهو أكبرهم سناً (73 عاماً) 
وجميعهم لا عائلة لهم بسبب صيتهم السيء !
***

وبعد حصول تشو على عناوينهم .. توجّه اولاً الى الريف لمقابلة سوني الذي تذكّر عنوانه من زميلٍ له في الزنزانة كان يبيع له المسروقات الفضيّة.. 
***

ووصل اليه تشو مع عضويّ عصابته في ظهر اليوم التالي .. وكان تماماً كما توقعه : عجوزاً سيء الطباع رفض استقبالهم , رغم انه عرّفه بنفسه كقائد عصابة التنين .. حيث قال لهم ساخراً :
- قائد عصابة وليس معك سوى مرافقين ؟! 
تشو ممّتعضاً : وماذا أفعل ان كان أفراد عصابتي المئة إعتزلوا الإجرام بعد انهائهم لمحكوميتهم الأولى ؟ .. الجبناء !
العجوز : وماذا تريد مني ؟
تشو : ان تشاركني في عملية سرقة بنك , وستكون أرباحنا بالملايين  
فلمعت عينا العجوز مع ابتسامةٍ شريرة , ودعاهم الى بيته ..
***

في الداخل .. وبعد ان شربوا الشايّ الأخضر 
العجوز سوني : تفكيرك صحيح يا تشو , فجسمي خالي من تلك الرقاقة اللعينة
تشو : ولهذا اريدك ان تسرق بنكاً معيناً أخطّط لسرقته منذ شهور , وستنفّذ العملية مع اصحابك 
سوني باستغراب : أصحابي !

فأعطاه تشو اربعة ملفات .. قام العجوز بعد تفحّصها , برمي إحداها على الطاولة وهو يقول : 
- طالما (أراتا) مريض , فهو لن ينفعنا .. لكن الثلاثة الآخرين أعرفهم جيداً , فهم من أبناء جيلي وكانوا منافسين لي ..ولا اعتقد اننا نطيق بعضنا , رغم اننا لم نتقابل من قبل
تشو : لكني أظن إنهم يشتاقون مثلك لعالم الجريمة 
وإذّ بالعجوز يتوجه للباب بعد لبس معطفه , وهو يقول :
- هيا ماذا تنتظرون ؟ لنذهب اولاً الى منزل (شينجو) ..طالما انه خرج حديثاً من سجنه , فسيكون الأكثر تعطّشاً للجريمة من الباقين 
***

وذهبوا اليه , وأخبروه بخطتهم..
فرفع ساعده , ليروا فيها قطبة جراحية بطول 1 سم .. وقال لهم بحزن : 
- للأسف , لم يعدّ باستطاعتي مساعدتكم 
سوني : هل أدخلوا بك تلك الرقاقة اللعينة ؟!! 
شينجو بيأس : نعم , كيّ يعفوا عن ما تبقّى من محكوميتي في سجنهم .. فأنا كما تعلمون حوُكمت بالمؤبد لقتلي إحدى الرهائن .. لكن بما انني لم أفتعل المشاكل طوال 22 سنة في السجن , لهذا قبلت بشرطهم الأخير للخروج من ذلك الجحيم 

فوقف سوني قائلاً له : اذاً لن تنفعنا في مهمّتنا بعد ان أصبحت مراقباً , لكن رجاءً لا تفشي خطتنا لأحد
شينجو : لا تقلق يا زميلي .. أساساً لا تدري كم أنا مقهور لأنني لن أشارككم في هذه المغامرة المثيرة , فأنا متشوّق لعالم الجريمة.. لكن ليس باليد حيلة !
***

في صباح اليوم التالي .. ذهبوا الى (تسوتومو) في دار العجزة , بعد ان سمحوا لهم بزيارته بحجّة انهم أقاربه.. ثم أخبروه بجزء من خطّتهم التي تحمّس لها جداً رغم كبر سنه , قائلاً :
- اذا دعونا نفعلها الآن !!
سوني : إهدأ قليلاً .. علينا اولاً إنهاء اوراق خروجك , وكتابة تعهّد للدار بالإهتمام بك 
تسوتومو : وهل ستقبل الإدارة ذلك دون وجود رابط عائلي بيننا ؟!
فقال القائد تشو : انا محترف بتزوير الأوراق الرسمية , وقد جعلت أحد الشابين اللذين يعملا لديّ , بأنه إبنك الذي أنجبته من حبيبتك السابقة .. (وأعطاه نسخة عن هويّة الأبن المزوّرة).. هآ ما رأيك بعد ان جعلتك أباً ؟ 

وهنا دخل الشاب عليهم وهو يقول : 
- لقد أنهيت جميع الأوراق , يمكننا إخراج تسوتومو من هنا
فقال العجوز ممازحاً : نادني ابي , ايها العاقّ !!
فضحكوا جميعاً .. ثم خرجوا وهم سعداء بضمّ فردٍ جديد الى عصابتهم
***

وبعد يومين زاروا (تاكيشي) في المصحّ النفسي .. وكانوا يسمعون صراخه من خلف غرفته , بينما الممرّضات في الداخل يحاولنّ تهدئته 
ثم خرجت إحداهن وهي تقول لهم : آسفة .. يبدو انكم لن تروه اليوم , لأن إنتابته نوبة غضبٍ جديدة 
فقال لها سوني : إخبريه فقط بأن صاحبه المقنّع الأسود يريد زيارته , وسيهدأ على الفور 
الممرّضة باستغراب : المقنّع الأسود ؟!
سوني مُبتسماً : هكذا كان يلقّبني سابقاً , فأنا صديقه القديم 

وبالفعل هدأ تاكيشي ما ان سمع الإسم ! 
ثم دخلوا اليه , بعد ان طلبوا من الممرّضات الخروج من الغرفة 
تاكيشي مُحتاراً : المقنّع الأسود هو لقب أشهر لصّ قصور في أيامي , وهو تقريباً في مثل عمري .. لذا اما ان تكون انت !! او انت !! 
وأشار الى سوني و العجوز تسوتومو..
فقال سوني : بل انا !! 
تاكيشي بحماس : لطالما تمنّيت رؤيتك , فأنت المجرم الوحيد الذي لم تقبض الحكومة عليه رغم جرائمك المتعددة .. ويبدو انهم لم يلاحقوك بسبب الأشياء البسيطة التي كنت تسرقها من القصور , قبل تقاعدك  

سوني مبتسماً : اولاً .. من قال ان الأواني الفضيّة اشياء بسيطة , فقد جمعت بسببها مليونيّ ين 
الجميع بدهشة : أحقاً ! 
سوني : نعم .. هي صحيح أقل ثمناً من الذهب , لكن الأغنياء بالعادة يحبون عرضها امام زوّارهم , بعكس الذهب الذي يخفونه بخزناتهم الحديدية .. لذلك إخترتها هدفاً سهلاً لسرقاتي 
تاكيشي : ايها الماكر ! .. لقد قلت اولاً , فما النقطة الثانية ؟ 
سوني بابتسامةٍ خبيثة : انني لم أتقاعد بعد 
فلمعت عينا تاكيشي .. وأخذ يستمع اليهم بحماسٍ شديد 

وبعد ان انتهوا من سرد بعض التفاصيل البسيطة عن خطتهم الشريرة (خوفاً من وجود كاميرات) قال لهم :
تاكيشي : لكن هناك مشكلة .. كيف ستخرجوني من هنا ؟!
فقال القائد تشو : أحد رجالي مُتنكّرٌ بهويّة طبيبٍ نفسي , وهو الآن يتكلّم مع مدير المصحّ لنقلك الى مستشفى آخر مُتخصّص بنوبات الغضب 
تاكيشي : وهل الموضوع سهلٌ لهذه الدرجة ؟!

وقبل ان يُكمل كلامه , دخلت ممرّضتان وهما تقولان له :
- علينا حزم أمتعتك يا تاكيشي , لأن سيارة اسعاف ستنقلك من هنا بعد قليل
وقالت الأخرى له بلؤم : سنرتاح أخيراً من صراخك المزعج
***  

وكان الأمر أشبه بالخيال بعد ان قام الشاب (عضو عصابة التنين) مع صديقه : المتنكران بهيئة طبيب وممرّض .. بنقل تاكيشي في سيارة إسعاف , بعد ان ربطا يديه داخل سترة مخصّصة للمجانين! 
حيث أوصلاه الى كوخ سوني الريفيّ بعد ان أخفوا السيارة في مرآبه .. وهناك أزالوا عنها المصابيح الملونة , واسم (الإسعاف) التي كانت عبارة عن لاصقٍ رخيص طبعوه من الحاسوب !

تاكيشي وهو يحتفل معهم بالكوخ : ولما لم تسرقوا بالفعل سيارة إسعاف ؟!
تسوتومو : لأن الأمر أصبح مستحيلاً مع وجود الكاميرات في كل شوارع البلدة .. لذلك اشترينا سيارةً مستعملة , مع أنوار سيارة اسعاف قديمة محطّمة من سوق الخردة ..
تاكيشي : تفكيرٌ جيد ..والآن أخبروني بتفاصيل خطّتكم لسرقة ذلك البنك ؟
سوني : يبدو انك متحمّس لجريمتك التالية ؟
تاكيشي مبتسماً إبتسامةٍ خبيثة : وماذا أفعل ان كانت الجريمة تمشي في عروقي !
تسوتومو بغيظ : جميعنا كنّا كذلك , قبل إختراع تلك الرقاقة اللعينة!! 

وهنا فتح تشو خريطة الطرق وهو يقول : أتركونا الآن من موضوع التكنولوجيا , وركّزوا معي على الخريطة .. ففي هذه المنطقة الصغيرة يوجد فرع لأحد البنوك ..
تاكيشي مقاطعاً : يبدو انه بنك لأهالي القرية الفقراء !
تشو : نعم لكنه الوحيد في هذه المنطقة , لذلك جميع أهالي القرى المجاورة يضعون أموالهم فيها 
سوني : حسناً , إكمل الخطة يا تشو 

تشو : وقد استطاع رجالي إقناع حارسهم الأمني بالذهاب معهما الى البار .. ومن ثم حرصا على جعله في حالة سكر .. وحينها أخبرهما بأنه سيتمّ إغلاق البنك قريباً , وبأنهم سينقلون المال الى فرعه الآخر في المدينة  
تسوتومو باهتمام : ولماذا ؟!
تشو : لأن مخزنهم أصابه العفن بسبب الأمطار الغزيرة , فهو مبنىً قديم .. ولخوف الإدارة على اوراقهم الرسمية من التلف , قرّروا إغلاقه نهائياً ..ومن خلال مراقبة رجالي لهم على مدى الشهور الماضية , وجدنا انهم دائماً يتخذون الطريق الفرعي لنقل أموالهم وملفّات عملائهم 
تاكيشي : أتقصد انهم يمرّون فوق جسر النهر الحديدي ؟

تشو : نعم , وبتلك اللحظة بالذات نقوم بتنفيذ المهمّة .. فعلى حسب معلوماتي لا يوجد رجال شرطة بتلك المنطقة , وأقرب مركزٍ لهم يحتاج الى ساعة للوصول اليهم 
فيكمل عنه تسوتومو : ونكون نحن بهذا الوقت هربنا بالمال 
تاكيشي بحماس : اذاً أنا من سيقود سيارة النقل بعد سرقتها , فأنا خبير بهذا الأمور
سوني ممازحاً : بالتأكيد انت !! فلطالما شيبت رؤوس الشرطة في محاولتهم اللحاق بك , ايها المتهوّر المجنون ! 
فضحك تاكيشي بفخر : كنت ولا أزال مجنوناً .. لكن علينا التخطيط جيداً للموضوع , فأنا لا أنوي إمضاء بقيّة عمري في السجن
سوني : وانا بالطبع لن أُنهي مسيرتي الإحترافية بالوقوع في الأسر 
تسوتومو : وانا مثلكم , فنحن كبرنا على تلك الحياة الذليلة

تشو : اذاً اسمعوني جيداً .. أنا والشابين للأسف لا نستطيع الإشتراك معكم , بسبب الرقاقة التي دسّوها بداخلنا منذ طفولتنا ..
سوني : نعرف هذا , لذلك اخترتنا للمهمّة.. فقلّ ما المطلوب منّا بالضبط ؟
فبدأ تشو يُخبرهم بتفاصيل السرقة , وهم يستمعون له بكل اهتمامٍ وتركيز
*** 

وفي اليوم المحدّد .. خرجت شاحنة النقل من البنك باتجاه فرعها الآخر , بعد ان وُضعت بداخلها كامل نقود الخزينة .. وذلك بعد تسريح موظفينها بعد أخذهم لرواتب تقاعدهم , الا ان بعضهم فضّل الإنتقال للعمل في فروع البنك الأخرى .. 
وكان المدير هو آخر من خرج من البنك (بعض إقفاله للأبد) مع الحارس الأمني , اللذان ركبا الحافلة المتوجهة للمدينة .. 

وكانا لا يشعران بالقلق , فالجريمة انعدمت في دولتهم منذ سنواتٍ طويلة بفضل الرقاقة السحريّة .. 
وامضيا الوقت بأكل الدونات وسماع الموسيقى , وهما يستمتعان بمناظر القرية لآخر مرة .. 

لكن إنتابهما الرعب , حين أوقفهما شرطي يركب درّاجةً ناريّة ! وقد لاحظا كبَرَ سنه , دون ان يعلما بأنه المجرم سوني المطلوب من العدالة ..والذي أخبرهم بأن هناك تهديداً وصل لمخفره باحتمال وجود متفجّرة داخل شاحنة النقل ..

واثناء مناقشته معهما , كان تسوتومو وتاكيشي قد خرجا من السيارة المتوقفة في الغابة القريبة .. ليُسرع تسوتومو (الذي رغم كبر سنه , الا انه يتمتع بلياقة بدنية جيدة بسبب إتقانه لرياضة اليوغا) بالنزول اسفل الشاحنة المتوقفة , ليضع فيها قنبلةً دخانية

بهذه الأثناء كان حارس البنك يرفض تفتيش الشرطي للشاحنة قائلاً: 
- يبدو انها إخباريةٍ كاذبة , فأنا قمت بتفتيش الشاحنة بدقّة قبل وضع المال فيها 

لكن فجأة ! صرخ الشرطي سوني بعلوّ صوته : 
- دخان !! انها ستنفجر , إقفزا الى النهر فوراً 
وما ان شاهدا الأدخنة تخرج بكثافة من تحت الشاحنة , حتى قفزا بهستيريا من فوق الجسر الى النهر 

ليُسرع تاكيشي بالصعود الى الشاحنة وينطلق بها كالمجنون , مُبتعداً عن المكان .. ويلحق به سوني بدرّاجته الناريّة , وتسوتومو من خلفهما بسيارته
وقبل ان يستوعب مدير البنك وحارسه ما حصل , كان المجرمون ابتعدوا بشاحنة المال الى مكانٍ مجهول !
***

وحين حضرت الشرطة .. قال المحقّق لمدير البنك :
- لا تكن شاحب الوجه هكذا , فسنقبض عليهم من خلال شرائحهم الإلكترونية قبل حلول المساء .. إطمئن يا رجل 
فقال حارس البنك : لكن الشرطي الذي أوقفنا كان كبيراً في السن
فانتاب المحقق القلق : أقلت عجوز ؟! هذه مشكلة
***

وبالفعل لم تلتقط الأجهزة الموضوعة على جنبات الجسر أيّةِ ارقامٍ تسلّسلية للرقاقات , فعلم المحقق ان منفذيّ الثلاثة للجريمة هم فوق سن الخمسين ! 

ورغم ان الكاميرا الوحيدة الموجودة في المكان إلتقطت جانباً من وجه الشرطي , حيث كانا الآخرين مقنّعان .. لكنهم لم يستطيعوا الإستفادة من هذه المعلومة , لأنه لم يظهر في ملفّات المجرمين تطابقاً مع هذه الصورة .. كما ان السيارة والدرّاجة الناريّة كلاهما أُزيلت لوحاتهما الرقمية أثناء العملية .. ممّا وضع صاحب البنك في أزمةٍ حقيقية امام العملاء الذين سُرقت اموالهم التي تحت عهدته !
***

من جهةٍ أخرى وفي الكوخ القرويّ .. كان رجال العصابة يحتفلون بانتصارهم , وهم يتقاسمون المال بينهم
فسأل أحد الشابين سوني : ألست خائفاً من القبض عليك ؟ فهم رأوا وجهك 
سوني بثقة : لا , لأنه ليس لديهم ملفّاً إجرامياً عني .. فهل تظنهم سيبحثون بين عجائز القرى المجاورة ؟
تشو : برأيّ عليك الهرب من هنا , فقد يشاهد أحد افراد قريتك صورتك بالإنترنت ويبلّغ عنك 
تسوتومو بقلق : صحيح , خاصة في حال وضعوا جائزةً مالية للقبض عليك

سوني : ومن قال انني لن أفعل .. فأنا بعد أخذ نصيبي , سأسافر بالقطار الى البلدة المجاورة .. ومن هناك سأسافر بطائرةٍ شراعية الى جزيرتي 
تاكيشي باستغراب : جزيرتك ؟!
سوني : نعم , فبهذا المال استطيع شراء جزيرةٍ صغيرة , في الفلبين او اندونيسيا مثلاً .. فلطالما حلمت بالعيش وحدي في جنّتي .. ماذا عنك ؟
فأجابه تسوتومو : ربما أتزوج 
فضحكوا عليه قائلين : أبهذا العمر ؟!
تسوتومو : ولما لا .. وقد أختارها صبيّة ايضاً , فبهذا المال لا شيء مستحيل 
فقال له أحد الشابين : لا استغرب ان فعلت , فمعظم النساء هذه الأيام لا يهمّهم سوى المال والثروة 

تاكيشي : اما انا , فسأفتح نادي ملاكمة .. 
سوني ساخراً : لا غرابة , فأنت عصبي وتعشق الألعاب الوحشيّة
تاكيشي مبتسماً : ولا تنسى انني مجنونٌ ايضاً 
وضحكوا جميعاً .. 
***

وفي تلك الليلة .. أمضوا سهرتهم الأخيرة الممتعة قبل ان يتفرّقوا للأبد , بعد ان أخذ كل واحدٍ منهم نصيبه من الثروة , غير آبهين بإعلان البنك لإفلاسه , الذي أحدث غضباً عارماً بين عملائه الذين أثاروا الشغب بالطرقات على مدى اسابيع .. في الوقت الذي كان فيه المجرمون الستة يسافرون حول العالم مستمتعين بثرواتهم التي لطالما حلموا بها , مُتحدّيين بذلك التكنولوجيا التي فشلت بالكشف عن جريمتهم , التي عُدّت آخر جريمة لم تحلّ لغزها في العالم الحديث !

الخميس، 6 ديسمبر 2018

حواري الصحفي الأول





أشكر الأستاذ (هشام بودرا) على حواره الصحفي معي 

رابط صفحة الحوار :

https://hibopress.blogspot.com/2018/12/blog-post_77.html?showComment=1544121762577#c2487995603608169382




اولاد الشوارع

تأليف : امل شانوحة


 
سنُغيّر مصيرنا بأيدينا !!

بين يومٍ وليلة أصبح جاكي (13 سنة) ابن شوارع .. فأمه توفيت منذ سنة بفقر الدم .. ووالده المُدمن باع كوخهم الصغير لشراء المخدرات , وعلم بالأمر بعد عودته من المدرسة ليتفاجأ بصاحب المنزل الجديد وقد رمى بأغراضه خارجاً ! فسأله بقلق عن والده ..فأجابه : بأنه ذهب الى الجحيم 

وظلّ جاكي يبحث عن والده لأيام , دون ان يجده .. فبعضهم أخبره : بأنه مات بجرعةٍ زائدة , والبلدية أزالت جثته من الشارع ..والبعض الآخر قال : بأنه شاهده يترنّح قرب النهر , وربما وقع فيه وجرفه التيّار الى البحر .. 

في جميع الأحوال بات جاكي بلا مأوى , يبيت في الشوارع بحثاً عن لقمة العيش .. وبعد تخلّيه عن حلم الدراسة , بحث عن العمل في الكثير من محلاّت قريته الفقيرة .. لكنهم رفضوه حين طلب السماح له بالمبيت في محلّهم ليلاً , خوفاً على بضائعهم من السرقة.. 
وظلّ على هذه الحالة لأسابيع , يأكل بقايا الطعام المرمية في حاويات الزبالة كالقطط والكلاب ! 

حتى أتت ليلةٌ باردة من فصل الشتاء بالهند , كان فيها جاكي يرتجف برداً بين الحاويات بحثاً عن شيءٍ يأكله .. وإذّ بحافلةٍ صغيرة بنوافذٍ سوداء تتوقف بجانبه , ليقول له السائق باشمئزاز :
- يا ولد !! كيف تأكل من الزبالة المُبلّلة بالمطر ؟!
- لأنني جائع ولا أملك المال
- واين اهلك ؟
فأجاب جاكي بحزنٍ وانكسار : أنا يتيم 

وجاءت ردّة فعل السائق مُفاجئة ! حين قال بنبرة المُنتصر , مُبتسماً ابتسامةٍ خبيثة : 
- ممتاز !! اذاً أصعد الى الحافلة 
الولد بخوف : هل انت من رجال الحكومة ؟!
- لا تخفّ , لن أسّجنك .. بل سآخذك الى قصرٍ فخم لتتناول أشهى المأكولات ..
الولد بتردّد : لكني ..
السائق بنبرةٍ آمرة : هيا إصعد وانضمّ لأصدقائك .. اساساً مالذي لديك لتخسره ؟

وتفاجأ جاكي حين رأى الحافلة مليئة بأطفال الشوارع ! بملابسهم الرثّة ووجوههم الشاحبة من أثر الجوع والمرض 

والصدمة الأكبر !! حين أوصلهم السائق الى قصرٍ متواجد بأطراف المدينة , بدى من حديقته المُهملة انه مهجور ! حيث نمَت الأعشاب البريّة في كل مكان , وكان مسبحها الصغير بحاجة الى ترميم .. وفي زاويته بئرٌ قديم مُغطّى بلوحٍ من القصدير الصدئ !
لكنه كان مقبولاً من الداخل , رغم ان صالته الكبيرة خلَت من الأثاث !

وهناك استقبلهم رجلٌ أربعيني قام بتفحّصهم بنظراته , بعد ان جعلهم السائق يصطفّون بجانب بعضهم في طابور .. 
من بعدها قال للسائق :
- 12طفل .. الدفعة الأولى لا بأس بها ! أحسنت !!
السائق بفخر : وجدتهم مُجتمعين كالذباب امام محلّ يقدّم الحلوى المجانية للمارّة بمناسبة افتتاحه ..اما هذا الولد فكان يأكل من حاوية الزبالة , وهو أكبرهم كما تلاحظ 
فاقترب منه الرجل وسأله :
- ما اسمك ؟
الولد بقلق : جاكي 
- وهل انت يتيم ام لقيط ؟
- لا يتيم , فوالدتي ماتت منذ فترة .. وابي لا أعرف اين هو ! لأنه مدمن مخدرات
- اذاً هو انسانٌ ميت بجميع الأحوال , فلا تفكّر به كثيراً 

ثم نادى شخصين آخرين لأخذ الأطفال الى غرفة تبديل الملابس , بعد إجبارهم على الإستحمام .. ثم قُدّم لهم طعامٌ لم يتذوقوا مثله من قبل , حتى ان بعضهم تعرّف على مذاق الدجاج لأول مرة في حياته !
ومن بعدها أُدخلوا الى غرفةٍ كبيرة بالطابق العلوي : بها عدّة أسرّة فوق بعضها البعض .. ليُسرع كل واحدٍ منهم باختيار سريره بحماسٍ وسعادة , حيث ان معظمهم تعوّد على النوم على أرصفة الشوارع الباردة .. وناموا على الفور من شدّة التعب الذي عانوه طوال النهار
***

قبيل فجر تلك الليلة .. شيئاً ما أيقظ جاكي من نومه , فنزل الى الأسفل ليقف قرب غرفة المكتب المُضاءة .. وهنلك سمع قائدهم وهو يخطّط مع شركائه على طريقة تقسيم الأولاد .. قائلاً :
- انت يا خان , ستُدرّب البنات الصغيرات على الرقص لكيّ..
خان مقاطعاً : دائماً تسلّمني هذه المهمّة , اريد شيئاً آخر
فقال صديقه ساخراً : انت شاذّ , والرقص سهلٌ عليك
خان بعصبية : وما ذنبي ان كان قائدنا القديم إختارني دميته بعد إختطافي من الشارع ؟!!

القائد بحزم : توقفا عن الشجار !! جميعنا تعرّضنا للقساوة في طفولتنا المُشرّدة , فلا تنكأوا جراح الماضي .. ودعوني أُكمل كلامي .. كما قلت سابقاً , خان سيُعلّم البنات الرقص لنستخدمهنّ بعد بلوغهنّ في بيوت الدعارة , فالرقص يجذّب الزبائن .. وانت يا كاران !! عليك ان تختار من الصبية من يملُك صوتاً عذباً فالغناء ينفع في الشحاذة , وكذلك من لديه إعاقةٍ جسديّة .. اما الأولاد الوسيمين , فأنتم تعرفون مصيرهم

فسكت خان الشاذّ بامتعاضٍ وقهر ..ثم أكمل القائد أوامره :
- اما الأولاد المتمرّدين والخبثاء بالفطرة , سنعلّمهم السرقة .. وسأوُكلّ راجّ بهذه المهمّة 
راجّ : لا تقلق ايها القائد , فأنا دائماً أخترع طرقاً جديدة للسرقة
القائد : ولا اريد توصيتك , في حال إعتقلت الشرطة أحدهم..
فيُكمل راجّ كلامه : نتخلّى عنه فوراً 
السائق : اساساً لا خوف من ان يفتنوا علينا لأنهم لم يروا الطريق الى القصر , بعد ان طلبت مني تجليد نوافذ حافلتي بالأسود 

القائد : ممتاز !! .. ماذا بقيّ لديّنا ؟ .. آه نعم .. بما ان الأولاد يحتاجون دائماً الى قائدٍ في مثل عمرهم يلتجأون اليه , فسأدعّ الولد جاكي قائد المجموعة .. (ثم تفحّص قائمة اسماء أطفال الشوارع المُسجلّة عنده) .. أظنّنا إنتهينا الآن !! يمكنكم الذهاب الى غرفكم 
السائق : وماذا عني ؟  
القائد : انت أحضرتَ لنا عدداً لا بأس به من الأولاد لنبتدأ بهم مشروعنا , لكنهم بالتأكيد لا يكفوننا 
السائق : فهمت !! أعدك ان أجمع المزيد من أطفال الشوارع , فهذا القصر المهجور الذي وجدّته انت , يسعّ للمئات منهم ..
كاران : ولا أظنك ستتعب في إيجادهم , ففقراء الهند بالملايين
القائد : جيد , اذاً إتفقنا على كل شيء ..ألقاكم غداً مساءً  

فأسرع جاكي الى غرفة النوم المُشتركة وهو يترجفّ رعباً , بعد معرفته بوقوعه في فخّ عصابةٍ تنوي إستغلاله هو واصدقائه الجدّد بأسوء الطرق !
وظلّ يبكي في سريره ويندب حظّه السيء , الى ان أشرقت الشمس
*** 

ومع بداية اليوم الجديد , ابتدأ العذاب الحقيقي للأطفال .. فالتشرّد واليُتم والجوع سابقاً لم يكن صعباً امام ما يطلبونه منهم افراد العصابة الخمسة .. حيث كان عليهم تعلّم طرق الشحاذة والسرقة .. اما الفتيات الأربعة فقد بدأنّ بحماس دروس الرقص (في علّية القصر) دون ان يعرفنّ ما ينتظرهنّ في المستقبل !

امّا جاكي فكان يشعر بثقل مسؤوليته تجاه الصغار والذي انحصر دوره في مراقبة الأطفال من بعيد , وإعادتهم بنهاية اليوم الى القصر , وأخذ الأموال التي جمعوها لتسليمها لقائد العصابة ..
*** 

وظلّ الأطفال على هذه الحالة لشهورٍ طويلة , تمّ القبض فيها على ثلاثة منهم بعد أن مسكتهم الشرطة بالجرم المشهود وهم يسرقون إحدى المحال التجارية , ليتمّ إيداعهم في سجن الأحداث .. وقد صبّ القائد غضبه على جاكي الذي كانت مهمّته مراقبة الشارع اثناء قيامهم بالسرقات..
وظلّ جاكي طوال الثلاثة ايام التي حُبس فيها بقبو القصر المُعتمّ يُفكّر بطريقة يُخلّصّ بها أصدقائه من هذا الكابوس المرعب
***  

ومرّت السنوات دون أيّ تغير في مصيرهم المجهول ! 
وفي ظهر إحدى الأيام .. عاد جاكي الى القصر بعد حصوله على رخصة القيادة , بعد بلوغه سن 18 .. ورغم سعادته بتسلّمه حافلة العصابة , الا ان أحلامه بالترفيه عن رفقائه تبدّدت , بعد توكيله بمهامّ السائق (الذي مات قبل شهر بجرعة مخدراتٍ زائدة) والذي بسببه تزايد أعداد الأولاد في القصر الى 50 طفلاً : ثلاثة منهم إختطفهم من ذويّهم اثناء خروجهم من المدرسة !
*** 

ونفّذ جاكي مهمّته الأولى بعد مروره مساءً بطفلين نائمين على الرصيف , فأغراهما بلوحيّ شوكولا لركوب حافلته
ورغم سهولة جمع المشرّدين الأطفال من شوارع الهند الفقيرة , الا ان جاكي كان يشعر بتأنيب الضمير وهو يُوصل الطفلين الى القصر الذي يعلم بأنهما سيعيشان فيه اسوء كابوسٍ في حياتهما , لإنضمامها لعصابةٍ تميّزت بقساوتها وعقاباتها المتكرّرة دون مراعاة سنّهم الصغيرة !

لكنه ايضاً لا ينكر فرحته بحصوله على اول مكافأة مالية في حياته بعد إتمام مهمّته الأولى , والتي كانت كافية لإحضار الحلوى لأصدقائه الذين يتطلّعون اليه كأخٍ حنون , بعكس بقيّة افراد العصابة 
***  

وبعد بلوغه سن العشرين , وفي إحدى الأيام .. شعر جاكي بحالة من الإرتباك والقلق تسري بين افراد العصابة الأربعة الكبار ! فتنصّت عليهم ليكتشف بأن هناك عصابةً أخرى (هي الأقدم في هذا المجال) تهدّدهم بالقضاء عليهم ان لم يسحبوا اطفالهم من الشارع الذي يسيطرون عليه منذ سنوات ! 

وقد سمع القائد (من خلف باب المكتب) وهو يقول لشركائه بقلق :
- أظنّ ان هذه الأسلحة والذخيرة تكفي لإبعادهم من هنا 
راجّ : وهل تظنهم سيقاتلوننا في القصر ؟
القائد : إحتمال وارد .. لذلك علينا التجهّز لكل شيء
خان : وماذا عن الأطفال ؟
القائد : أظنّ الملاعيين سيواجهونا صباحاً واولادنا في الشوارع .. لكن ان هاجمونا مساءً , فعليك ان تحبسهم في القبو لحين انتهاء الأزمة
فأومأ خان رأسه إيجاباً بقلقٍ شديد !
***

وكان يبدو الوضع في الأيام التالية كالهدوء الذي يسبق العاصفة ! 
وحصل ما كان يتوقعه القائد , حيث هاجمتهم العصابة الثانية صباحاً والقصر خاليٍ الا من رجاله الأربعة , بالإضافة الى جاكي الذي أسرع بالإختباء في حمام مكتب قائده الذي لم يلاحظ وجوده لانشغاله بتهريب النقود داخل حقيبته , تاركاً اصدقائه الثلاثة منهمكين بإطلاق النار على العصابة المتواجدة في حديقة القصر الذي فاق عددهم 12 رجلاً مسلحاً بأقوى الذخيرة ..

لكن قبل ان يهرب القائد بأمواله , أُصيب برصاصةٍ إخترقت زجاج مكتبه ليخرّ ميتاً على الفور , بينما كان جاكي يراقب (من فتحة قفل الحمام) كل ما يحصل بخوفٍ شديد !  
وفجأة !! توقف إطلاق النار .. وسمع جاكي صوت قائد العصابة الثانية , يقول من الخارج :
- أظنّنا قتلناهم جميعاً .. هيا اقتحموا القصر !! وآتوني بأموالهم 

وما ان سمع جاكي ذلك , حتى خرج مُسرعاً من الحمام لأخذ الحقيبة المليئة بالمال .. ثم إختبأ مجدّداً خلف ستار حوض الإستحمام 
وهناك سمعهم وهم يبحثون في المكتب وفي كل مكانٍ في القصر , لكنهم لم يجدوا مالاً او اطفالاً يضمّوهم الى عصابتهم 
وسمع قائدهم يقول لهم بغضب :
- وهل بحثتم في القبو والعليّة والحمامات !!
- نعم سيدي , في كل مكان .. آه لحظة ! لم نبحث في حمام المكتب

وارتجف جاكي من الخوف وهو يحتضن الحقيبة , مُدركاً بأنها نهايته ! 
لكن قبل ان يفتحوا باب الحمام , سمعوا صافرات سيارات الشرطة تقترب من المكان (بعد ان أبلغهم إحدى المارّة : بسماعه طلقات نار قرب القصر المهجور) ..فأسرع القائد مع عصابته بالهروب من القصر .. 

وسمع جاكي محرّكات سياراتهم تبتعد عن المكان .. والغريب ان رجال الشرطة لم تحضر للمكان رغم مرور ساعةٍ أخرى !
ومن بعدها استجمع قواه للخروج من الحمام , ليقف حائراً امام ما عليه فعله قبل عودة الأطفال الى القصر مساءً !
فترك حقيبة المال في حوض الإستحمام , بعد قفله لباب الحمام .. 

ثم قام بمجهودٍ كبير في حمل جثث رجال عصابته الأربعة ورميهم داخل البئر المهجور الذي أعاد إغلاقه بالغطاء القصديري , بعد ان غطّاه بأغصان الشجر اليابسة .. 

ومن بعدها قام بتنظيف الدماء عن أرضيّة الصالة والمكتب , وتكنيس زجاج النوافذ المُبعثرة كيّ لا يتأذّى الصغار .. 
وقد أتعبه ذلك كثيراً , لأن معظم النوافذ لم تسلم من الطلقات النارية العشوائية , فيما عدا الغرف الداخلية والمطبخ وغرفة نوم الأولاد في الطابق العلويّ ..  

وما ان تهالك على الكنبة ليرتاح من يومه العصيب , حتى وصل الأولاد الى القصر مع غروب الشمس , بعد ان جمعهم كبيرهم الذي بلغ قبل ايام عامه 13 .. والذي اقترب منه جاكي مُهنّئاً :
- أرى انك لم تنسى أحداً .. أحسنت !!
المراهق الصغير : نعم فمهمّتي تجميعهم , وكانت هذه مهمّتك قبل ان تصبح سائقنا
جاكي : لا لم أعد سائقكم , بل قائدكم الجديد
الجميع بدهشة : ماذا !

وأخبرهم بأن الرجال الأربعة سافروا بمهمّةٍ ضرورية الى الخارج , بعد ان أوكلوه بمهمّة الإنتباه عليهم.. 
أحدهم بسعادة : أتقصد ان القصر أصبح لنا وحدنا ؟! 
جاكي : نعم 
المراهق الصغير : أحقاً هذا ما حصل يا جاكي ! ام انه جرَت مشاجرة بينكم اثناء غيابنا ؟
جاكي وهو يُخفي قلقه : ولماذا تقول ذلك ؟ 
المراهق : لأني لاحظت بأن نوافذ الصالة بلا زجاج ! 
جاكي بارتياح : آه تقصد هذه .. لا ابداً .. لكن بعد ذهابكم حصلت هزّةً ارضيّة , أطاحت ببعضها 
المراهق : لكننا لم نشعر بشيء !
جاكي : هي هزّةٌ بسيطة حصلت حول هذه المنطقة فقط .. هذا ما قالته الإذاعة 
طفلة : وهل سيبقى قصرنا دون نوافذ ؟
جاكي : لا بأس , طالما الجوّ حارّ .. لكني أعدكم ان أصلحهم قريباً .. هيا لا تعبسوا هكذا , اساساً غرفة نومنا لم يُصيبها شيء والحمد الله

أحدهم : دعونا من هذا الكلام الآن , فأنا حقاً جائع 
جاكي : أظننا جميعاً جياع بعد هذا اليوم الطويل .. لكننا لن نتناول الخبز اليابس والحليب كما نفعل كل يوم , بل سأطلب من مطعم البيتزا ان يُوصل طلبية كبيرة الى هنا
فصرخ بعضهم بحماس : بيتزا !!!!
بينما تساءل أكثرهم : وما البيتزا ؟!
جاكي : انه طعامٌ لذيذ
المراهق الصغير بقلق : أخاف ان يعاقبك القائد حين يعلم بإسرافك في أمواله ؟
جاكي : لا تقلق , لن يعرف شيء

ونام الأطفال سعداء تلك الليلة بعد هذه الوجبة اللذيذة .. بينما ظلّ جاكي مستيقظاً في المكتب المُقفل لعدّ الأموال , وهو يُخطّط لمستقبل الأطفال الذين أصبحوا أمانةً في عنقه
*** 

وكان اول قرارٍ اتخذه في اليوم التالي : هو إخبار الإطفال بإيقافه للشحاذة وعمليات السرقة , لأنه سيُسجّلهم في المدارس الحكومية لإكمال دراستهم , مما آثار دهشتهم لتخلّيه عن مصدر عيشهم الرئيسي الذي أُجبروا على القيام به لسنواتٍ طويلة !  
فسأله أحدهم : وماذا نفعل اليوم ؟!
جاكي : إسمعوني جيداً .. أحتاج لبعض الوقت لتسجيل كل واحدٍ منكم في مدرسته الحكومية ..لكن عليّ اولاً القيام بمهمّةٍ مستعجلة  
***

وكانت مهمّته الأولى : إعادة الأولاد الثلاثة المختطفين الى مدارسهم , بعد نسيانهم لعناوين منازلهم خلال الأربعة سنوات التي قضوها في القصر.. 

ووصل جاكي الى المدرسة الأولى , قائلاً :
- جيد انكم مازلتم تحفظون اسماء مدارسكم .. والآن يا كابيل لنذهب الى مديرك .. أتمنى ان يكون مازال محتفظاً بسجلّك الذي فيه عنوان أهلك .. سنشتاق اليك يا صغيري 

فحضنه كابيل (12 سنة) وهو يبكي , وصديقاه يشعران بألم الفراق .. فقال لهم جاكي :
- هيا كفّكفّوا دموعكم !! وحاولوا ان تستفيدوا من تجربتكم القاسية لتطوير مستقبلكم .. وكما وعدتموني , لا تخبروا أحداً بشأن القصر كيّ لا تقبض الشرطة عليّ , ويرموا بأصدقائكم في دور الأيتام سيئة السمعة
فأومأ الأولاد الثلاثة رأسهم إيجاباً .. 
ونزل جاكي وكابيل من الحافلة متوجهان الى مدرسته ..

وقد أسرع مدراء المدارس الثلاثة بالإتصال بالأهالي الذين قدموا مُسرعين لاستلام اطفالهم الذين لم يروهم منذ سنوات ! 
بينما كان جاكي يراقب الوضع من بعيد , بعيونٍ دامعة ..وهو يقول:
- هنيئاً لكم .. على الأقل لديكم اهالي يشتاقون اليكم , بعكسنا نحن !
***

ومرّت الأيام .. تنقّل فيها جاكي بين المدارس الحكومية للبحث عن أماكنٍ شاغرة لإخوانه الصغار الذي كان عددهم 47 فتى وفتاة ! 
ولم يكن الأمر سهلاً .. لكنه استطاع بخلال شهرين تسجيلهم جميعاً , ليبدأوا التعلّم مع بداية السنة الدراسية , بعد ان اشترى لهم كل مستلزمات الدراسة ..وكانوا بنهاية النهار يعودون الى القصر ليذاكروا دروسهم .. وبعد العشاء ينامون وهم يحمدون الله على تسلّم جاكي القيادة .. دون ان يكتشفوا يوماً مكان الجثث , بعد ردمه للبئر وتسويته بالأرض .. 

كما قام جاكي في الأسابيع التالية بعدّة إصلاحاتٍ في القصر ليناسب اسلوب حياتهم الجديد 
***

وبعد مرور عدّة أشهر .. لاحظ جاكي بأن الأموال التي معه قلّت كثيراً , خاصة بعد توقف الأطفال عن العمل ..فكان لابد من إيجاد مصدر رزقٍ جديد ..
ومن حسن حظه ان وجد بقالةً صغيرة تُوفيّ صاحبها العجوز دون ان يترك ورثة .. وقد عُرضت بالمزاد العلني مع بضائعها , ليشتريها جاكي بما تبّقى معه من الثروة التي جمعتها العصابة من تعبهم طوال السنوات الماضية..
وقد أصرّ بعض الأولاد (الذين بلغوا سن المراهقة) على مساعدته في محلّه التجاري لعدم رغبتهم في إكمال الدراسة , والذين ساعدوه في ازدهار المحل .. 
***

وخلال السنوات العشر التالية , استطاع جاكي شراء المحلّات المجاورة لتتحوّل بقالته الى سوبر ماركت شاملة يتوافد عليها المتسوقون من سكّان القرى المجاورة ..ومع هذا المدخول الجيد إستطاع معظم الأطفال إكمال دراستهم الثانوية , وبعضهم تخرّج من الجامعات .. وأصبح منهم تجاراً وموظفيّ حكومة .. ورغم انتقال معظمهم الى منازلٍ أخرى : امّا بسبب زواجه او مكان عمله , الا ان جميعهم لم ينسوا فضل جاكي عليهم .. حيث اجتمعوا من جديد في حفل زفافه , الذي من بعدها إنتقل مع عروسته الى بيتهما جديد .. ليكون جاكي آخر من ترك القصر الذي فيه الكثير من ذكرياته السيئة 
***

بعد سنوات .. أمرت الحكومة بهدم القصر , دون ان يكتشفوا الجثث المدفونة هناك .. 
ووقف بعضاً من اولاد الشوارع (سابقاً) ليشاهدوا عملية الردم , وهم يستذكرون ما عاشوه في ذلك القصر من ايامٍ سيئة وأخرى جيدة .. وكلمات جاكي (الذي توفي منذ وقتٍ قصير بحادث سير) مازالت عالقة في رؤوسهم , حين قال لهم :
((لم يكن ذنبنا إن عِشنا طفولتنا كأولاد شوارع .. لكن بأيدينا تغير المستقبل للأفضل , بعد تسلّحنا بالعلم والعمل الشريف))

فهنيئاً لهم بأخيهم الكبير الذي أراهم الجانب المُشرق من الحياة الكئيبة التي عاشوها كأطفال شوارع !  

الأحد، 2 ديسمبر 2018

سوق السحرة

تأليف : امل شانوحة


 
سائحة تائهة في المكسيك

لطالما عُرفت جسيكا بالفتاة الأمريكية المُتمرّدة التي أتعبت عائلتها بأسفارها المتعددة حول العالم .. وهو ما كان سبب طلاقها بعد سنة واحدة من زواجها , لكن هذا لم يُثبط عزيمتها بل كان دافعاً للمزيد من مغامراتها المجنونة ! 

واختارت وجهتها التالية المكسيك , وحجزت في رحلةٍ سياحية الى هناك .. وكعادتها لم تتقيّد ببرنامج الرحلات المُخصّص للسوّاح , لأن ذلك يشعرها بالمللّ فهي تحب اكتشاف المجهول 

لذا غافلت قائد المجموعة واستقلّت وحدها التاكسي , محاولةً ببعض الكلمات المكسيكية التي استخرجتها من القاموس , ومُستعينةً بلغة الإشارة إفهامه رغبتها برؤية مكانٍ غريب يُثير حماسها .. 
ويبدو ان السائق فهم عليها ! بعد ان ابتسم لها ابتسامةٍ آثارت القلق في نفسها , قائلاً بلغته الإنجليزية الركيكة :
- سآخذك الى مكانٍ لن تنسيه ابداً 
***

وبعد ساعة من سيرهما في الطرقات المزدحمة , إنحرفت السيارة الى سوقٍ شعبي في اطراف المدينة , يختلف عن أي سوق زارته من قبل ! 

حتى ان اشكال المتسوقين تُثير الرعب , بعيونهم الصفراء وملابسهم الرثّة وسلاسلهم المزخرفة المتدلية من أعناقهم , عدا عن نظراتهم الحانقة اتجاه الأجنبية التي تطفّلت على عالمهم السرّي ! والتي تجوّلت بينهم , الى ان وصلت الى محل يبيع فيه ضفادع وعقارب محنّطة , ومعلقٌ على واجهته : جلود تماسيح وثعابين ومناقير غربان , وجماجم تبدو بشريّة ! كما الكثير من التماثيل الشيطانية المرعبة 

وهنا اقترب منها البائع ليسألها بالإنجليزية التي يتقنها :
- ماهو طلبك يا سيدة ؟ هل تريدين العودة الى حبيبك السابق ؟ ام تريدين جعل زوجك يطيعك طاعةً عمياء ؟ ام تريدين الإنتقام من أحدهم ؟
فاستغربت من أسئلته , وقالت بارتباك :
- لا , انا فقط اريد نسراً مُحنّطاً أضعه في صالة بيتي

فنظر البائع نظرةً سريعة في ارجاء السوق , قبل ان يسألها :
- وأين بقيّة اصحابك ؟ .. أقصد حافلة السوّاح ؟
فقالت ببراءة : لا , لقد قدمت وحدي  
فابتسم ابتسامةٍ خبيثة , قائلاً :
- اذاً تعالي الى الداخل , فعندي الكثير من الحيوانات المُحنّطة .. اختاري منها ما تشائين

وقد تفاجأت من كبر المحل ! بعد ان مرّت بعدّة حجرات : كل واحدة فيها اشياءً مبعثرة مخيفة : كعظام محترقة واسنانٌ بشريّة , وسوائل ملوّنة بروائحٍ عفنة .. الى ان وصلت الى غرفة لا يوجد فيها شيء , وهنا أحسّت برذاذٍ بارد يُرشّ على وجهها من السقف .. لتسقط بعدها مغشياً عليها !
*** 

وحين استيقظت , كانت في مكانٍ أشدّ رعباً ! 
داخل قبوٍ مظلم , لا يُضيئه سوى شعلات نارٍ على جانبيه 
وكانت مُقيدة بالسلاسل التي ثبّتتها بالحائط .. وفوق رأسها تدلّت ثلاثة أقفاص , حُبس فيها ثلاثة رجالٍ اجانب : رجلٌ أبهق بعينٍ واحدة , رجلٌ أصهب مبتور اليد , ورجلٌ عجوز مقطوعةً رجله ! وما ان رأوها تنظر اليهم بدهشة ورعب , حتى قال لها العجوز بلغته الفرنسية :
- ماذا تفعلين هنا يا غبية ؟!!
فقالت وهي تتلعثم : انا لا أعرف الفرنسية جيداً

فقال الأصهب : انا أسكتلندي وأعرف لغتك .. لما أتيت الى هذا المكان المخيف ؟
جسيكا برعب : واين انا أصلا ؟
فأجابها الأبهق الإلماني , بلغتها الإنجليزية : انت في سوق السحرة المكسيكي 
جسيكا : لقد شككّت بالأمر حين رأيت بضائعهم المخيفة
فقال العجوز بلغته الإنجليزية الركيكة : ولما لم تهربي فوراً ؟
جسيكا : ربما حبّ الإستكشاف او الفضول جعلني أدخل الى ذلك المحل اللعين .. (ثم سكتت قليلاً) ..آخر ما أتذكّره هو شيءٌ رُشّ على وجهي
العجوز : كان ذلك مخدّراً , تماماً كما حصل معنا 

جسيكا بخوف : وماذا يريد مني ذلك البائع ؟
فرفع الأصهب يده مقطوعة , قائلاً بحزن : هو يأخذ أعضاءنا ليستخدمها في السحر , والجنية تعطيه في المقابل ..
وقبل ان يُكمل عبارته , نزل البائع درجات القبو ومعه حقيبة , قائلاً لها :
- آه !! أخيراً استيقظتي , لقد حلّ المساء
ثم فتح حقيبته ليُخرج منها : منشاراً ومقصّاً وخنجراً ..

فانهارت جسيكا بالبكاء وترجّته : ارجوك !! سأعطيك كل مالي لتطلق سراحي
البائع المكسيكي : انا لا اريد بضعة دولارات , بل أكياساً من الذهب .. لكني سأسألك اولاً .. هل انت متزوجة ؟
- لا مطلقة
- للأسف لوّ كنت عذراء لبعت جسدك لمشعوذٍ آخر , يتلبّسه ملك الجان .. فليلةٍ واحدة معه تكفي ثمن حريتك .. لكنك الآن لا تنفعين الا كقطع غيار .. ومن حسن حظك ان الجنية التي أتعامل معها لم تطلب اليوم سوى أصبعين من يدك اليسار ..
فانتفضت جسيكا برعب , محاولةً الإفلات من قيودها .. 

فقال لها العجوز من فوق بحزن :
- لا فائدة من المقاومة يا ابنتي  
وقال الأصهب : كان الله في عونك
الأعور وهو يُغلق عينه السليمة : هاهو يقطع أصبعها الأول , لا استطيع رؤية ذلك

وعلا صراخها أرجاء القبو , دون ان يسمعها أحدٌ في الخارج .. 
وبعد كويه بالنار جرح أصبعيها , أُغمي عليها من شدّة الألم
***

في صباح اليوم التالي .. استيقظت جسيكا وبجانبها صحن حساء , فقرّبته منها بيدها اليسار الغير مُقيدة بالسلاسل , التي لُفّت بضمادة عليها آثار دماء , فتذكّرت عملية البارحة المؤلمة وانهارت بالبكاء .. وظلّ الأجانب الثلاثة يواسونها , الى ان هدأت واستسلمت لقدرها المجهول
***

في وقت الظهيرة .. عاد البائع المكسيكي اليها وهو يقول :
- جيد انك شربت الحساء , فقد خففّ قليلاً من شحوب وجهك 
فبصقت على وجهه بغضب .. فابتسم لها بلؤم :
- أتفهّم غضبك , فالبتر عادةً يُسبّب صدمةً قوية .. لكني مع هذا أشكرك على أصبعيك اللذين كافأتني عليهما الجنية بكيسٍ من الذهب .. ويبدو ان أعضاء جسمك ستجعلني ثريّاً 

فجأة !!! إنتفض جسمها بشكلٍ مرعب , وصارت تتلوّى بشكلٍ عنيف .. ممّا أخاف البائع الذي تراجع للخلف !
- ماذا يحدث لك يا امراة ؟!
بينما شاهدها الأجانب الثلاثة من فوق , بفزعٍ شديد !

وإذّ بها تتوقف عن الحركة , لتضحك بشكلٍ هستيري أدهش الجميع ! ثم تكلّمت بلغةٍ عبرية مع البائع , قائلةً :
- لقد غيّرت رأيّ .. لا اريد المزيد من أعضائها .. 
وما ان سمع البائع كلامها العبريّ , حتى خرّ ساجداً وهو يقول :
- مليكتي !! بماذا تأمرينني ؟
فظهر صوت جسيكا بنبرةٍ مغايرة : 
- لقد قرّرت التلبّس بجسدها ..فهيا فكّ قيودي لأخرج للدنيا , فقد أعجبتني روحها المُغامرة وأريد تجربة الحياة بهيئة بشريّة ..هيا تحرّك !! ماذا تنظر؟
البائع بارتباك : حاضر سيدتي

وأسرع بفكّ السلاسل ليأخذها معه الى فوق , تاركاً الأجانب الثلاثة ينظرون الى بعضهم باستغراب دون ان يفهموا ما حصل !
***

وخلال الأسابيع التالية .. لم يُفارق الباعة جسيكا , بعد ان عرفوا بأن الجنية اليهودية التي يهابها السحرة مُتلبّسة في جسدها .. وصاروا يلاحقونها في كل مكان ويقدّمون لها أشهى المأكولات وسط إحتفالاتٍ موسيقية , ضمن سهراتٍ متتالية .. وبدورها ألقت عليهم التعويذات المقويّة لموهبتهم السحريّة , تعبيراً عن رضاها عنهم
*** 

وفي إحدى الأيام .. نزل البائع وصديقه ومعهما اكياساً من الذهب لدفنها في نفس القبو المُحتجز به الرهائن الثلاثة , حيث كان أثنين منهما نائمين .. بينما كان الأمهق الأعور مستيقظاً , والذي ما ان شاهد الذهب حتى أصابه الطمع .. فتنصّت عليهما وهما يتحدثان بصوتٍ منخفض , فهو يتقن اللغة المكسيكية بعكس صاحبيه .. 

وسمع البائع يقول لصديقه بقلق :
- علينا إخفاء ذهبنا عن الآخرين .. فهم صرفوا كل ما يملكونه على حفلات الجنية التي لا تنتهي , وأخاف ان يأتي دورنا
صديقه بغيظ : نعم , والأسوء انها ترفض إخبارنا عن أماكن الكنوز المدفونة , كما كانت تفعل سابقاً !
فهمس الأعور لهما من فوق (بلغتهما) :
- أظن ان جسيكا خدعتكم جميعاً
البائع باهتمامٍ وقلق : ماذا تقصد ؟!

الأعور : لأنها سألتني سؤالاً محيّراً قبل ساعات من تحوّلها المزعوم الى جنّية , ممّا جعلني أشكّ فيها 
البائع باهتمام : وماذا سألتك ؟
- لا !! لن أقول الا بشرطين 
- وما هما ؟
الأعور : أطلق سراحي اولاً .. وبعد تنفيذك لشرطي الثاني , أخبرك بالسرّ الذي أخفيه عنك 

فأنزل البائع القفص الى الأسفل , وفتح له القفل .. ثم سأله : 
- وهآ انا حرّرتك , فما شرطك الثاني ؟  
الأعور بابتسامةٍ خبيثة : اريد بعضاً من هذا الذهب , ولوّ كيساً صغيراً .. ولنعتبره تعويضاً منك على أخذك عيني ..ماذا قلت ؟
فأعطاه كيساً صغيراً من الذهب , ليُسرع الأعور بعدّ دنانيره الذهبية بحماس .. فقاطعه البائع بعصبية : 
- عدّها لاحقاً يا رجل !! إخبرنا ماهو السرّ ؟

فقال الأعور للبائع : كانت جسيكا قد سألتني عنك سؤالاً غريباً ! 
البائع : وماذا سألتك ؟ 
الأعور : إن كنت تُجيد لغةً أخرى .. فأجبتها بأنني سمعتك مرة تتكلّم العبرية , لأنها ديانة الجنية التي تعبدها .. وأعتقد ان جسيكا ايضاً تتقن هذه اللغة , لذلك مثّلت عليك دور الجنية .. وانتم الأغبياء صدّقتموها 
البائع بحنق : أتقصد انها قامت بهذه الحيلة للهروب من هنا ؟
الأعور : نعم ..لكن يبدو انكم تلاحقونها في كل مكان , لذلك لم تستطع الهرب بعد .. وأظنها ستفعل في أقرب فرصة
البائع : جيد انك أخبرتنا 

وفجأة !! علا صراخ الأعور (الذي أيقظ صديقاه) بعد ان طعنه البائع بخنجره في قلبه , ليخرّ ميتاً .. ثم رفع نظره للأجنبين اللذين كانا يرتجفان برعب من أثر الصدمة ! قائلاً :
- قتلته لسببين : طمعه وخيانته , والخائن لا يحبه أحد.. هيا عودا للنوم , فموتكما لن يُفيدني بشيء بقدر أعضائكما الثمينة

ثم طلب من صديقه دفن الأعور , بينما يذهب هو للإنتقام من المخادعة جسيكا .. 
***

وبحلول المساء .. استيقظا الأجنبيان مجدّداً على صرخات جسيكا بعد ان أعادها البائع الى القبو .. 
فقالت له بلغةٍ عبرية غاضبة :
- كيف تجرأ على اعتقالي هكذا ؟!!
فصفعها بقوة قائلاً :
- صديقك الأعور فتن عليك وأخبرني بكل شيء ايتها اللعينة !! ..ولا أنكر بأن حيلتك الذكية إنطلت عليّ , لكن التمثلية انتهت الآن  وسأقتلك على الفور وأدفنك في هذا القبو , كيّ لا يعرف أصدقائي الباعة بأنك مجرّد خدعة ويطالبونني بأموالهم ..وربما يقتلونني ايضاً !

ثم أخرج خنجره , بينما كانت تنتفض بيأس محاولةً التحرّر من قيودها .. وسط ترقّبٍ صديقاها من الأعلى .. 
لكن قبل ان يغرزه في قلبها , إنصهر نصل الخنجر في يده ! ممّا جعله يتجمّد في مكانه , بعد رؤيته لعينيها تتحوّلان الى عينيّ قطة ..وخشِنَ صوتها لتقول له بالعبريّة , وبنبرةٍ غاضبة :
- كيف تجرأ على طعني ايها العبد الذليل !!!

فخرّ ساجداً بخوف : مليكتي انا آسف .. ظننتك السائحة الأجنبية !
- هي فعلاً خدعتكم لبضعة ايام , قبل ان أُعجب بالفكرة .. فحياتكم تبدو ممتعة وخالية من الضغوطات التي نعانيها نحن ..لذلك لم أرى مانعاً من التجربة  
البائع : كما ترغبين مليكتي .. هل تأمرينني بشيء لأكفّر عن ذنبي؟ 
فنظرت الى فوق وقالت : أقتل هاذين اللعينين !! فأنا لا اريد شهوداً عمّا حصل هنا  
- حاضر سيدتي .. حالاً

وأنزل الواحد تلوّ الآخر , ليطعنه برمحٍ (كان يضعه في زاوية القبو) بعدّة طعنات , ليموتا رغم محاولتهما اليائسة لمقاومته ! بينما كانت هي تضحك بسعادة على وحشيته بقتلهما.. 

وبعد ان انتهى منهما , اقترب منها بثيابه الملوثة بدمائهما : 
- وماذا الآن مليكتي ؟ 
فمدّت يدها اليه , وهي تقول : هات رمحك
البائع بخوف : ولماذا ؟!
فصرخت في وجهه بغضب : هاتها دون اعتراض !!!
فسلّمها الرمح بيديه المرتجفتين : تفضلي سيدتي

فأسرعت بغرزها في معدته , لترفعه عالياً .. بينما كان جسده ينتفض بألم ..  واستجمع قواه المتبقية ليسألها بصوته المُتحشرجّ : 
- لماذا ؟! 
فأجابته : لأنني كما قلت .. لا اريد شهوداً  

ثم رمته على الأرض , لينزف حتى الموت .. 
من بعدها خرجت من القبو , لتُكمل سهرتها مع السحرة الذين يهابونها.. ويُمنّون أنفسهم بالكنوز التي ستدلّهم عليها في المستقبل!  
***

الى ان جاء يوم إختفت فيه جسيكا (الملبوسة) من سوق السحرة , دون ان يعرفوا ان كانت عادت الى عالم الجن , ام انها ذهبت الى مدينةٍ أخرى في المكسيك للبحث عن ضحايا جدّد ؟! 

ومنذ اختفائها .. إنتشرت بين الناس أسطورة الجنّية الشريرة (بهيئة السائحة الأجنبية) والتي لقبوها : بذات الأصابع الثلاثة ! 

قروش الجنّ

تأليف : امل شانوحة   القرية الملعونة ! رفض البائع أخذ نقوده , قائلاً : من اين حصلت على هذه العُملة الغريبة ؟! المشتري : انها نقود ...