الخميس، 18 يناير 2018

إحتلال الجسد

تأليف : امل شانوحة

اختي إستحقّت الموت !

عمّ الحزن منزل دارسن في واشنطن بعد وفاة ابنتهم (10 سنوات) غرقاً أثناء قيام الخادمة الآسيوية بتحميمها .. 
وقد قامت الشرطة بالقبض على الخادمة التي كانت تبكي وتصرّ على انها لم ترتكب الجريمة .. ثم أتت الإسعاف لأخذ جثّة الصغيرة للمشرحة .. 

وقد ظهر بالتحقيقات : ان الأم في تلك الأثناء كانت تقوم بتنويم طفلتها البالغة من العمر (3 سنوات) .. والأب كان مشغولاً على حاسوبه في غرفة مكتبه .. امّا ابنهم جون (10 سنوات) فكان يقرأ قصة للأطفال في سريره إستعداداً للنوم , أثناء استحمام اخته التوأم  
لهذا لم يكن مشتبهاً في قضية إغراق الطفلة اليزابيث سوى الخادمة التي شاهدها جيران المنطقة وهي تصرخ وتقاوم الدخول الى سيارة الشرطة , رافضةً إعتقالها عن جرمٍ لم ترتكبه !
***

وفي اليوم التالي .. 
امتلأ منزل دارسن بالمعزّين والصحافة التي قدِمت لنقل الخبر ..لكن كلا الوالدين رفضا التكلّم عنما حصل لأبنتهم , وأكتفى الأب بالقول للصحفيّة : 
- رجاءً ..دعوا عائلتي وشأنها , فمصابنا كبير .. ونحتاج لبعض الوقت لكيّ نعيّ ما حصل لنا !

وتفهّمت الصحفية مقدار الألم الذي تعانيه العائلة , خاصة ان الأم حبست نفسها بالغرفة برفقة طفلتها , رافضةً حتى رؤية عائلتها التي أتت لتقديم التعازي .. امّا الأب فقد إنشغل بالمعزّين , وقد لاحظ الجميع وجهه الشاحب وعيناه المغروّرقة بالدموع , وكأنه يحاول كبت حزنه بصعوبة 

لكن شخصاً ما كان بعيداً عن أعين الجميع , وهو أخو القتيلة التوأم .. لهذا استغلّت الصحفية انشغال الناس بتقديم واجب العزاء , وتسلّلت نحو الطابق العلوي لوحدها دون فريق التصوير .. 
ودخلت الى غرفة الصبي لتجده يلعب بسياراته على الأرض .. ففتحت كاميرا جوالها , وأخفتها بيدها كيّ لا يلاحظها الصغير .. واقتربت منه لتسأله وهو منشغلٌ باللعب :
- مرحباً .. كيف حالك ؟ اسمك جون اليس كذلك ؟
فأومأ برأسه إيجاباً .. فعادت وسألته :
- أعرف انك حزين على اختك , وبأنك ..
فقاطعها قائلاً (دون ان ينظر اليها) :
- هي استحقّت الموت 

فصُعقت الصحفية من إجابته الغامضة ! وعرفت انها أمام قصّة مشوّقة .. فعادت وسألته :
- هل أغضبتك اختك البارحة ؟ أقصد قبل ان تأخذها الخادمة الى الإستحمام؟ 
فوقف الصبي غاضباً , وقال لها بنظرةٍ أرعبتها :
- اللعينة التي ماتت ليست اختي اليزابيث !!

وخرج سريعاً من غرفته , تاركاً الصحفية في صدمة ! والتي قامت لاحقاً بنشر هذا الفيديو الذي أشعل وسائل التواصل الإجتماعي والذين طالبوا ببراءة الخادمة , والتحقيق مع الأخ غريب الأطوار , دون مراعاة سنّه الصغيرة وصدمته من فقدان اخته التوأم , ممّا أغضب والديه كثيراً واللذين طالبا المحامي بأخذ الإذن من القضاء لإبعاد الصحافة عنهم لفترة من الزمن , ومنع نشر ايّ شيء يتعلّق بالقضية في وسائل التواصل الإجتماعي , تحت طائلة المسؤولية.. وقد وافق القاضي على طلبهم مراعاةً لمشاعرهم المحطّمة 
*** 

وبعد اسبوع , هدأت الضجّة الإعلامية أخيراً .. كما تقبّل كلاً من الأقارب والأصدقاء رغبة العائلة في الإنعزال عن العالم الخارجي , الى حين موعد انتهاء التحقيقات وسماح الشرطة لهم بدفن ابنتهم , لترقد روحها بسلام ..
*** 

وفي إحدى الليالي .. وبعد ان إطمأنّت الأم على نوم طفلتها وابنها , ذهبت الى غرفتها لتجد زوجها غارقاً في التفكير ..
- بماذا تفكّر ؟
زوجها بقلق : بما قاله جون للصحفيّة !
الأم بضيق : لا اريد التكلّم في هذا الموضوع يا مايكل
- ولا انا .. لكني لا أنكر ان كلامه أخافني , فهل معقول ان يكون هو من قام بإغراق ..
زوجته مقاطعة : توقف حالاً !! بالطبع ابني لم يقتل اخته التوأم , انت تعرف تماماً كم هما متعلّقان ببعضهما منذ الصغر , لكن يبدو ان موتها المفاجىء أصابه بصدمةٍ نفسية , هذا كل شيء 
- اذاً ماذا كان يقصد : بأنها استحقّت الموت ؟! 
لكن الأم تجاهلت كلامه , وأدارت ظهرها للناحية الأخرى من السرير قائلة : تصبح على خير , مايكل

وبعد دقائق .. غرقت الأم في النوم , بينما ظلّ الوالد مستيقظاً وهو يشاهد تكراراً ومراراً من جواله : نظرات ابنه الحادّة والمخيفة للصحفيّة , وذلك من خلال الفيديو الذي نُشر سابقاً بالإنترنت ..
فقال الأب في نفسه , بعد ان اتخذ قراره :
((سأفعل ذلك غداً , ليس امامي حلٌ آخر))
***

وبعد ايام وفي منتصف الليل.. وبعد ان نام الولدان .. طلب مايكل من زوجته ان تأتي الى غرفة مكتبه .. فدخلت وهي تترنّح من النعاس 
- ماذا تريد يا مايكل ؟ دعني أذهب للنوم ..
- اريد ان اريك شيئاً أقلقني للغاية
وهي تقترب من حاسوبه : خير , ماذا تشاهد ؟!
- انظري .. لقد وضعت كاميرا تصوير بغرفة ابننا
الأم بدهشة : ماذا ! هل تراقب جون ؟!
- نعم .. لي ثلاثة ايام أراقبه .. وقبل ان تعاتبني , شاهدي ما صوّرته الكاميرا ليلة البارحة 

فشاهدت باهتمام الكاميرا (التي بها إضاءة ليلية) وهي تصوّر جون بعدما استيقظ في الساعة الثالثة صباحاً .. ثم قام بإخراج لعبة اخته المفضلة (التي صار يحتفظ بها بين العابها بعد وفاتها) .. وجلس على الأرض , ومدّ يده ناحية اليمين , وكأنه يعطي اللعبة لأحد يجلس بجانبه ! 

ثم سمعه الوالدان , وهو يكلّم نفسه بصوتٍ مسموع :
جون : واللعبة اشتاقت اليك ايضاً .. جميعنا حزينون لرحيلك , فلما لا تعودين الينا بعد ان نفّذت طلبك ؟! .. لكن الشرطة ماتزال تحتفظ بها في الثلاجة , هكذا سمعت المحامي يقول لأبي .. يبدو ان رجوعك صعبٌ للغاية .... ماهو ؟ .. وكيف أفعل ذلك , أأدفنها بالتراب ؟ .. حسناً سأفعل .. (ثم وقف قائلاً).. حاولي ان تزوريني دائماً .. مع السلامة حبيبتي 

ثم شاهده الوالدان وهو يلوّح بيده , مودّعاً جدار غرفته ! ويعود للنوم في سريره وكأن شيئاً لم يحصل ! 

وبعد ان أغلق الأب حاسوبه , قال لزوجته :
- ما رأيك بالذي قاله جون ؟!
الأم وهي في حالة ذهول : ربما لديه صديقٌ خيالي , او صديقة تحلّ مكان غياب اخته ..فهو لم..
الأب مقاطعاً : لقد قال انه نفّذ ما طلبته منه ! فهل هو من أغرق اليزابيث تنفيذاً لرغبات هذا الشبح او الخيال الذي يكلّمه ؟!
فوقفت الأم بغضب : توقف يا مايكل !! انت تشكّ بولدٍ عمره 10 سنوات , فقط لكيّ تبعد التهمة عن الخادمة .. فماذا يوجد بينك وبينها لتفضّلها على ابنك ؟ 

فغضب من كلامها وقال صارخاً : يا غبيّة !! ما دخل الخادمة بالموضوع ؟! انا فقط خائف على كاثرين 
زوجته بخوف : ماذا ! أتقصد انه ممكن ان يؤذيها ايضاً ؟!
- ارأيتي !! انت ايضاً لديك شكوك بشأنه , الا تذكرين كيف تشاجر مع اليزابيث قبل يومين من وفاتها , وكلانا سمعه وهو يقول لها بغضب : إخرجي من حياتنا للأبد .. كما انه قال بالفيديو : انه سيقوم بدفنها بالتراب 
الأم وهي ترتجف بخوف : أكان يقصد طفلتنا كاثرين ؟!  

فأمسك زوجها ذراعيها محاولاً تهدأتها : 
- لا ادري .. لكني سأظلّ أراقبه بجميع الكاميرات , لأني أنوي وضع كاميرا في كل غرفة .. وأقترح ان تضعي سرير الطفلة في حجرتنا , وسنقوم بإقفال باب غرفتنا بإحكام أثناء نومنا 

فلم تجد الأم سوى موافقته على رأيه , بعد ان أُثيرت الشكوك في قلبها تجاه ابنها الذي كان يتصرّف بغرابة منذ وفاة اخته !
***

ومرّت الأيام .. والوالدان مازالا يراقبان تصرّفات ابنهما بحذر , وهو ايضاً لاحظ رفضهما اللعب بمفرده مع اخته الصغيرة .. 
وفي أحد الأيام .. عندما كانت الأم تحمّم طفلتها , شاهدت جون يراقبهما من امام باب الحمام بنظراتٍ مُقلقة , وعندما سألته :
- ماذا تريد يا جون ؟
ذهب الى غرفته دون ان ينطق بكلمة ! فأسرعت الأم بإخراج الطفلة من حوض الإستحمام , خوفاً من ان تُتكرّر الفاجعة من جديد  
***  

وفي إحدى الليالي .. استيقظ الأب في الساعة الثالثة صباحاً على صوت حفرٍ في حديقة منزله .. فخرج وهو يحمل العصا وكشّاف النور , ظنّاً منه ان كلباً شريداً يُخرّب مزروعاته  .. لكنه شاهد ابنه جون وهو يطمّ شيئاً بالتراب , فسأله قائلاً :
- جون ! ماذا تفعل خارج المنزل بهذا الوقت المتأخر ؟
فنفض جون يديه من التراب , وهو عائدٌ للمنزل : كان عليّ فعل ذلك قبل ايام , لكني نسيت 
الأب : نسيت ماذا ؟! وماذا كنت تدفن في الحديقة ؟!

جون بنبرةٍ غاضبة : لقد قمت بإرسال لعبتها اللعينة اليها , لترافقها في الجحيم !! 
الأب بقلق : هل تقصد اليزابيث ؟!
لكن جون لم يجيبه , بل ظلّ ينفث انفاسه بغضب .. فقال له ابوه : 
- جون حبيبي ..اختك الآن في الجنة .. وعليك تقبّل رحيلها ..
جون وهو يبعد يدا والده عنه بانفعال : لا !! التي ماتت ستكون حتماً في الجحيم !! اما اختي فهي لم تمت بعد .. لم تمت !!!!!

ثم دخل سريعاً الى المنزل وهو يمسح دموعه , تاركاً والده في صدمة ! والذي أسرع بحفر ذلك المكان , ليجد ان ابنه دفن لعبة اليزابيث المخيفة التي كانت اشترتها قبل ايامٍ قليلة من موتها (رغم رفض امها شراء هذه اللعبة المرعبة المخصّصة لأعياد الهالوين) .. لكن لماذا يتخلّص جون من اغراض اخته ؟!
*** 

وبعد ان تناقش الزوجان افعال ابنهما الغامضة ! قرّرا أخذه الى طبيبة نفسية ليتعالج من صدمة موت اخته  
لكن قبل يومين من ذهابهم لموعد الطبيبة , خطر في بال الوالد ان يشاهد الفيديو (الذي كان صوره لأبنه) من جديد , لكن هذه المرة بتقنية الأشعة تحت الحمراء (وذلك من تطبيق وجده بالإنترنت) 

وكانت المفاجأة ! حين رأى ابنه يكلّم طيفاً شفّافاً لفتاةٍ صغيرة كانت تجلس بجواره على الأرض .. حيث كلّمته لبعض الوقت , ثم اختفت بعد إختراقها لجدار الغرفة ! 

فأسرع مايكل بمناداة زوجته , والتي ما ان شاهدت خيال الطفلة بالفيديو حتى صرخت بصدمة : هذه اليزابيث !
- ماذا ؟!
- نعم مايكل , هذه شبح اليزابيث 
- أتقصدين ان جون يكلّم روحها ؟!
- نعم .. لكني لم افهم ما قالته , وكأنها لغةٌ اخرى ! .. (تفكّر قليلاً) ..أظن ان علينا إستشارة روحاني ما ! 
الزوج مُعترضاً : لا طبعاً !! لم يصل الأمر الى الإستعانة بمشعوذ! 
- لم أقل ذلك , بل قلت روحاني .. يعني رجل دين لديه خبرة بعالم الأرواح 
- اذاً لنؤجل الجلسات النفسية لجون , كيّ نحلّ هذا اللغز اولاً
فأومأت زوجته برأسها موافقةً على قراره
***

وبالفعل أحضرا الروحاني الذي ما ان شاهد فيديو جون حتى شهق قائلاً : 
- يا الهي !
الأم بقلق : ماذا هناك ؟ لقد أخفتنا يا رجل !
- ابنتكما لم تمت بعد !
الأب بصدمة : لكن جثة ابنتي في المشرحة , وقد أخبرنا المحقّق ان باستطاعتنا دفنها في مطلع الأسبوع القادم 
الروحاني مُبتسماً : مبروكٌ اذاً !! فإبنتكما ستعود اليكم بعد ايام
الأم بغضب : كفّ عن هذا !! انت تتلاعب بمشاعرنا
- العفو يا خانم , لم اقصد ذلك ..لكن عليّ اولاً التكلّم مع ابنكما على الإنفراد لأتأكّد من معلوماتي 
الأب : الن تخبرنا بما قالته الشبح ؟
الروحاني : هذه لم تكن شبحاً بل ابنتكم بالفعل , وسأخبركما بكل شيء بعد ان أرى جون  
فرضخا الوالدان لطلبه , وأدخلاه غرفة ابنهما ..
*** 

وبعد نصف ساعة .. خرج الروحاني وهو يقول لهما : تماماً كما توقعت !! لكن دعونا نتكلّم بعيداً عن غرفة الصبي

وذهبوا جميعاً الى غرفة المكتب .. وهناك سألهم الروحاني :
- هل تغيرت طباع ابنتكما قبل وفاتها ؟
الأم : أذكر انه قبل اسبوعين من وفاتها صارت تتصرّف بعدوانية وتتشاجر كثيراً مع اخيها , وبدأت تغار من اختها الصغرى على غير عادتها !
الأب : كما انها حطّمت بعضاً من العابها وأثارت الفوضى في ارجاء المنزل , رغم انها بالعادة فتاةٌ هادئة ورقيقة !
الروحاني : أعرف ان ما سأقوله يبدو غريباً .. لكن هذه المشاكسة لم تكن ابنتكم , بل جنّية إحتلّت جسدها
فوقع كلامه كالصاعقة عليهما : ماذا تقول ؟!

فأكمل الروحاني قائلاً : أظن ان ابنتكما أذت جنية بالغلط أثناء لعبها في وقتٍ متأخر من الليل , مما أغضب تلك الجنية الصغيرة التي قرّرت إستبدال الأماكن .. وقبل ان تسألاني , سأجيبكم .. لقد قامت بإرسال روح ابنتكما الى العالم الآخر , بينما إحتلّت هي جسد اليزابيث , ولهذا كانت تشاغب كثيراً في ايامها الأخيرة كيّ تنتقم منكما ايضاً.. لكن يبدو ان اليزابيث وجدت طريقة لتتواصل فيها مع اخيها التوأم الذي استطاع بشجاعة الإنتقام لأخته 
الأب بدهشة : أتقصد ان جون هو من أغرق اليزابيث ؟! 
الروحاني : هو أغرق جسد اليزابيث وليس روحها التي ماتزال عالقة بالجدار 
الأم بقلق ورعب : ايّ جدار ؟!

الروحاني : جدار بيتكم , ففي داخله بعدٌ زمانيّ آخر 
الأب : اذا كان ما تقوله صحيحاً , فلما لم تعد ابنتي بعد موت الجنّية ؟!
الروحاني : لأن جسدها المُحتلّ من قبل الجنيّة لم يدفن بعد .. ولهذا هنّأتكم سابقاً على عودتها القريبة اليكم 
الأب : لحظة لحظة .. مازلت لا أصدّق بهذه الخرافات !
الروحاني : اذاً دعنا نستمع مرة ثانية الى الفيديو , لكن هذه المرة سأطلب من مرافقي إسماعكم كلامها باللغة الإنجليزية لا بلغة الجنّ 
الأم وهي تتلفّت حولها بخوف : ايّ مرافق.. هل تخاوي جنياً ؟
فردّ عليها الروحاني بابتسامة : لا تقلقي , فأنتما لن تريانه .. (ثم قال للأب) .. هيا لنرى فيدو جون من جديد

لكن هذه المرّة استطاعوا سماع شبح ابنتهما وهي تتكلّم مع جون بلغةٍ مفهومة , قائلةً :
- هذه لعبتي !! كم اشتقت اليها .. هل حزنت امي لغيابي ؟ .. لا استطيع العودة يا جون قبل دفنكم لجسدها .. آه هذا يعني ان عودتي ستتأخّر لبعد انتهاء مراسم الدفن , لكن وقتها عليّ التسلّل بخفيّة لأن الجن تراقبني على الدوام ..نعم أخي صعبٌ جداً , والآن اريد منك شيئاً آخراً .. اريدك ان تتخلّص من لعبتها المخيفة .. نعم إدفنها عميقاً , كيّ لا يتتبّع اهل الجنّية رائحتها من خلال اللعبة ويصلون اليكم .. شكراً لك , عليّ الذهاب الآن .. نعم سأحاول كلما استطعت , سلّم لي على اختي وامي وابي , والى لقاءٍ قريب اخي العزيز

وبعد إطفاء الفيديو من الحاسوب , بكت الأم متأثرة لسماع صوت ابنتها الراحلة , بينما مايزال الأب مذهولاً ممّا سمعه ! والذي قال : لكن هناك مشكلة 
زوجته : ماهي ؟
الأب : ماذا عن الخادمة ؟ فقد أخبرني المحامي هذا الصباح ان سفارتها تُطالب بتسفيرها فوراً لتنال العقوبة في بلدها .. وهناك احتمال كبير ان يحكم عليها بالأعدام لقتلها طفلة مخدومتها ! 
الأم بغضب : لا تنسى انها ايضاً أخطأت عندما تركت اليزابيث وحدها في الحوض لتردّ على جوالها !!
زوجها بعصبية : لكن ابنك هو من أغرقها وليست هي !!
فسكتت الأم مُمتعضة !

الروحاني مُحذّراً : إسمعاني جيداً .. لا يجب ان يعرف احد بقصة استبدال الأرواح والاّ..
الأم مقاطعة : تعرّضنا للسخرية
الروحاني : ليس هذا فحسب .. فكما سمعتما بالفيديو ..أهل الجنّية يراقبون ابنتكم عن كثب , ولن يسمحوا لها بالعودة اليكم بعد معرفتهم بوفاة ابنتهم .. لهذا علينا العمل بسرّية تامة وبحذرٍ شديد , والاّ خسرتم اليزابيث للأبد !
***

وبعد ذهاب الروحاني .. تكلّم الوالدان مع جون وأخبراه بأنهما عرفا بسرِّه وانهما لن يعاقباه على ما فعل , بل شكراه على تنفيذه لخطته الجريئة في استعادة روح اخته المخطوفة .. 
فارتمى جون بحضن امه باكياً :
- وأخيراً عرفتما بالأمر , كان شعوري بالذنب يقتلني  
الأب وهو يربت على كتف ابنه : لا عليك بنيّ .. لكن المهم الآن ان نكتم هذا السرّ , وان نتكاتف سويّاً لحين عودة اليزابيث الينا بالسلامة 
جون وهو يمسح دموعه : ومتى سيدفنون تلك اللعينة ؟
الأب : بعد ثلاثة ايام
جون : جيد .. وحينها تعود الينا اختي الحبيبة .. آه كم اشتقت اليها
***

وفي المساء وبعد نوم الولدين .. قال مايكل لزوجته : 
- في حال صدق كلام الروحاني وعادت اليزابيث الينا , فعلينا إبعادها عن انظار الناس , لأن الجميع يعرف بوفاتها 
الأم : لا تقلق .. لتعدّ ابنتي اولاً , ومن ثم نجد حلاً لبقيّة المشاكل 
***

وفي يوم الدفن .. لاحظ الجميع ارتياح الوالدين , كما تناقلت الصحافة صورة جون وهو يبتسم امام قبر اخته ! 
وبدأ المعلّقون يتداولون بوسائل التواصل الإجتماعي : بأن هذه العائلة المريبة هي من قتلت الصغيرة لسببٍ مجهول , ومن ثم القوا التهمة على الخادمة المسكينة التي تم تسفيرها لتواجه خطر الإعدام في بلدها .. 
بل ان البعض توهّم بأن الصغيرة شاهدت علاقة والدها بالخادمة , ولذلك قام بقتل ابنته ! 
لكن معظم اصابع الإتهام توجّهت لأخيها التوأم غريب الطباع !
لكن كل هذه الإتهامات لم تهمّ عائلة اندرسون التي قرّرت إنهاء مراسم العزاء سريعاً !
***

وبحلول المساء , وبعد خروج المعزّين من بيتهم .. توجّه افراد عائلة اندرسون الى غرفة اليزابيث , وقاموا بافتراش الأرض بالوسادات منتظرين عودتها بفارغ الصبر (بعد دفنهم للجنّية هذا الصباح) 
فسألت الأم ابنها : متى أخبرتك اليزابيث انها ستعود الينا ؟
- قالت لي في منتصف الليل 
الأب وهو ينظر الى ساعته : يعني بقيت دقيقةٌ واحدة
وفجأة ! خرجت ابنتهما من الجدار , لكن بجسدها الحقيقي .. ولم تصدّق الأم ذلك الا بعد إحتضانها لها بقوّة ..

وانهار الجميع باكياً , وهم يحمدون الله على سلامة ابنتهم .. 
وظلّوا لساعاتٍ طويلة يستمعون اليها وهي تصفّ عالم الجن الذي لا يختلف كثيراً عن عالمهم , لكنه في بعد زماني آخر .. حتى ان اشكالهم تشبه البشر لكنهم يطفون بدل السير على اقدامهم , ووجوههم أشبه بالأقنعة البلاستيكية الخالية من المشاعر !
وبعد ان إحتفلوا جميعاً بعودتها , نام الأولاد تلك الليلة في حضن والديهم 
***

لكن في الأيام التي تلتها .. كان على الوالدين إخفاء ابنتهما في القبو كلما قدِم أحد لزيارتهم 
وبدأ الموضوع يضايق الأم خاصة مع بدأ المدارس , وبقاء ابنتهم حبيسة المنزل دون دراسة .. كما تزايدت مضايقات المتنمّرين في مدرسة إبنهم جون , بعد تلقيبه : بقاتل اخته ! 
*** 

وفي إحدى الليالي .. دخل الزوج حزيناً على غرفة نومه..
زوجته : ماذا أخبرك المحامي ؟
- قال لي بأن الخادمة أعدمت هذا الصباح
تتنهّد بضيق : وماذا نفعل , هذا مصيرها
الأب بعصبية : الا تشعرين بالأسى لنيلها عقاب على ذنبٍ لم ترتكبه ؟!
- وماذا عن ابنتك ؟ فهي سجينة البيت ايضاً بسبب هذه المشكلة 
ففكّر الأب قليلاً ثم قال : لا يوجد حلّ سوى بالإبتعاد عن هذا المكان
- هل نسافر للخارج ؟

- بل نختفي تماماً عن الوجود
الأم بقلق : ماذا تقصد ؟!
- أتدركين ماذا سيحصل ان عرف الناس بمقتل انسانة بريئة بسببنا .. بالتأكيد وقتها سيطالبون بمحاكمتنا ونيلنا أشدّ العقوبات !
الأم : بل قلّ انهم سيضعوننا في مستشفى الأمراض العقلية , لأنه من المستحيل ان يصدّق أحد بقصّة إستبدال الأرواح ! 
- معك حق , ولهذا وجدّت الحلّ
- وماهو ؟

وأخبرها بأنه تعرّف على شخص يستطيع تزوير الهويّات , لكنه يريد مبلغاً كبيراً ليوهم الناس بوفاتهم , ومن ثم ينقلهم الى المكسيك بشخصياتٍ جديدة
الأم : لكن هذا مبلغٌ كبير !
زوجها : هو شرطي مرور فاسد , ويمكنه تزوير موتنا بحادث سير , وأخبرني انه سيعرّض مهنته للخطر في حال عرف احد بالموضوع , لهذا علينا كتمان السرّ ..فإيّاك ان تخبري الأولاد بشيء .. امّا بشأن المبلغ , فسأعرض بيتنا للبيع
الأم : مع انني اشعر بالحزن على هذا القرار , لكن اختراق تلك الجنية لبيتنا جعلني اكره العيش فيه .. لذلك بعه سريعاً ودعنا نبتعد من هنا

- ليس فقط من هنا , بل علينا الإبتعاد عن الجميع .. ايّ اننا سنمتنع عن مكالمة اهلنا واصدقائنا طوال حياتنا 
- مدى الحياة ؟!
- طبعاً , لأننا سنوهمهم بموتنا .. أنسيتي ؟ 
زوجته وهي تتنهّد بضيق : كل هذا يهون من أجل ان تعيش اليزابيث حياةً طبيعية
***

وبعد شهرين .. صُدم الجميع بعد معرفتهم بأن الجثث المُتفحّمة في السيارة المصطدمة بعامود الكهرباء تعود لعائلة اندرسون ! 
وفي الوقت الذي كانت تقدّم فيه التعازي بمنزل الأقارب والأصدقاء .. كانت عائلة اندرسون في هذه الأثناء تقطع الحدود المكسيكية بهويّاتهم المزوّرة..
الأب بارتياح : وأخيراً تعدّينا الحدود 
الأم وهي تنظر لأولادها في المقاعد الخلفية : يا اولاد !! امامنا حياةٌ جديدة وسعيدة للغاية  

ففرح جون كثيراً , لكن اليزابيث ظلّت مُخفضةً رأسها.. 
الأم : هل نعست يا ابنتي ؟
الأب : دعيها تنام وترتاح قليلاً .. (ثم تنهّد) .. ليتها فقط تُدرك كم ضحيّنا من أجلها 
الأم بحزن : نعم .. بيتنا وحياتنا وعائلاتنا واصدقائنا , وكذلك أسماؤنا غيّرناها , لتحيا حياةً طبيعة

لكنهما فجأة ! سمعا صوت بكاء الطفلة بعد سحب جون للعبة من بين يديها بعد ان أخرجتها من حقيبتها الصغيرة .. 
الأم : ماذا يحصل في الخلف ؟!
جون وهو يلوّح باللعبة (المخيفة) غاضباً : ابي !! لما أخرجت اللعبة اللعينة من الأرض ؟!
الأب : أووه ! كنت أنوي دفنها من جديد , لكني نسيتها في غرفة مكتبي 
الأم : يبدو ان الطفلة رأتها هناك ووضعتها في حقيبتها
الأب بقلق : جون !! إرمها بسرعة من النافذة قبل ان يشتمّوا الجن رائحتها 

فقالت ابنتهم (ورأسها مايزال منخفضاً) بصوتٍ أجشّ : لقد تأخّرتم كثيراً 
الأم بدهشة : اليزابيث !
فقالت ابنتهم وشعرها مُنسدل على وجهها : اليزابيث لن تعود اليكم ثانيةً 

ثم أظهرت وجهها الحقيقي بعد ان تحوّلت الى امراة مخيفة زرقاء اللون , والتي صرخت فيهم بغضب :
- سأنتقم منكم جميعاً لقتلكم ابنتي !!!

وفجأة !! إنحرفت السيارة لتصطدم بسور الجسر بعنف , مما أدّى الى وفاتهم جميعاً .. لكن لا احد من اقاربهم عرفوا بوفاتهم على الحدود المكسيكية , لأنهم كانوا في هذه الأثناء يدفنون جثثاً أخرى مجهولة الهويّة  

اما اليزابيث فقد حكمت عليها الجن بأن تعيش كخادمة في منزل عائلة الجنية المقتولة , ولأجلٍ غير مسمّى ! 

الاثنين، 15 يناير 2018

كيف أهرب من هذا الجحيم ؟!

فكرة : محمد بيومي آل غلاب
كتابة : امل شانوحة


ركضت بأسرع ما يمكنني ..لكن الى اين ؟! 

- اين انا ؟! وماهذا المكان المظلم ؟!
وفجأة أُنير مصباحٌ فوق رأسي ! لأجد نفسي مُقيداً بالسلاسل في غرفةٍ صغيرة تُشبه غُرف التحقيق , لكن لا يبدو أننّي في قسم الشرطة , بسبب رائحة العفن التي تعبق بالمكان وكأنه مهجور منذ مدّة طويلة !
وقبل ان أعيّ اين انا ! فُتح الباب الحديدي الصدىء , ليدخل منه رجلٌ مقنّع , ضخم العضلات .. والذي جلس امامي , نافثاً في وجهي دخان سيجارته الكوبية , ممّا أرعبني للغاية .. 

ثم قال لي (باللغة المكسيكية) وبنبرة تهديد :
- ان كنت تريد العيش , فعليك إطاعة اوامرنا 
- أوامر من ؟!
(فأنا أتقن لغتهم) وقد أجبته برعبٍ شديد , والعرق يتصبّب من جبيني من شدّة الحرّ ..

فقال الرجل : أجبني اولاً .. لما أتيت الى المكسيك ؟
- انا تاجر خردة , وأتيت الى هنا في مهمّة عمل  
- ما أعرفه : هو ان الأمريكيين يهابون القدوم الينا , فنحن بالنسبة اليكم بلاداً خارجة عن القانون 
- انا تاجرٌ صغير , وقدمت الى هنا رغبةً في شراء بضائعكم الرخيصة.. هذا كل شيء ..أحلف لك

وهنا اقترب كثيراً من وجهي ممّا جمّد الدم في عروقي , حيث لم اكن اشاهد من وجهه سوى عينيه المحمّرتين خلف قناعه المخيف :
- إعترف يا هذا .. الم تأتي لتتاجر بالمخدرات كما يفعل معظم الأجانب القادمون الى بلادنا ؟
فانتفضت برعب : لا طبعاً !! ما دخلي انا بالمخدرات سيدي
وما ان قلت له (سيدي) حتى ارتجّ المكان بضحكاته الساخرة العالية ..

- أقلت سيدي ؟! هل تظنني من الشرطة ؟ .. لا يا عزيزي .. انا (ادواردو) .. وأعمل ضمن عصابة مخدرات تزدهر تجارتها كل يوم .. وقريباً سنصبح الأقوى في المكسيك .. لكن لنكون كذلك علينا تجنيد بعض الأشخاص العاديين الذين لا يثيرون الشكوك ويملكون سجلاّتٍ نظيفة لدى الشرطة لينقلوا لنا البضاعة الى عملائنا خارج المكسيك ... كأمريكا مثلاً
فقلت باعتراضٍ شديد : لا !! انا لا اريد العمل في المخدرات

وهنا أطبق يديه الخشنتين حول رقبتي حتى كُدّت اختنق , وقال لي مهدّداً : 
- وهل تظنني أستشيرك بالأمر ؟ انا آمرك يا ولد !!
ثم أخرج مسدسه من خصره ورفعه في وجهي .. فصرخت بخوف: 
- لحظة ارجوك !! لا تقتلني .. دعنا نتفاهم اولاً 
فابتسم بمكر , مُخفضاً سلاحه :
- نتفاهم .. نعم هذا بالضبط ما اريده .. احسنت يا جون
فسألته بدهشة : وعرفت اسمي ايضاً ؟!
- لا تصطنع الغباء يا جون .. فحقائبك واوراقك الرسمية أصبحت معنا , لأن سائق التاكسي الذي أحضرك من المطار..

فقاطعته قائلاً : لحظة ! أهو من اختطفني ؟ .. لكن كيف ؟!
- بواسطة مخدّر قام برشِّه عليك من انبوبٍ في المقاعد الخلفية لسيارته , وقد أحضرك الينا غائباً عن الوعيّ  
- اللعين ! .. واين انا الآن ؟
- انت تسأل كثيراً يا جون .. لكنّي سأريحك .. (ثم نفث سيجارته مجدّداً) .. انت في سجنٍ مهجور , تستخدمه عصابتنا لتدريب الأشخاص العاديين وبعض السوّاح الأجانب تعساء الحظ امثالك لتوظيفهم لاحقاً في مهمّاتٍ مدروسة من قِبَل رئيس عصابتنا .. ولا تقلق ابداً , فلك نسبة من الأرباح في حال نجَحت عملية التهريب التي ستقوم بها , فنحن لا نأكل حق أحد 

ولم استطع تمالك نفسي أكثر من ذلك , وصرت أبكي وأترجّاه : ارجوك دعني اذهب , فلديّ عائلة واطفال ..
فقاطعني بغضب : كاذب !! فخبرائنا بمجال الكمبيوتر قاموا ببحثٍ مطوّل عن حياتك , وأخبرونا انك مازلت أعزباً .. ولوّ لم نكن في حاجتك بالعملية القادمة , لقتلتك الآن !! لأن أكثر ما يغيظني هو الكذب 
- آسف .. لن أكذب ثانيةً .. لكن دعني اذهب ولن أخبر الشرطة عنكم .. فأنا انسانٌ بريء للغاية ولا املك المقوّمات اللازمة لأكون موزّع مخدرات

- وهذا بالضبط ما نريده !! فبسبب هيئتك البريئة لن تشكّ بك الشرطة أثناء نقلك بضاعتنا عبر الحدود
- ارجوك اسمعني .. المطارات الآن مجهزة بكل الوسائل الأمنية التي تفضح أقل كمية من المخدرات , وأصبح من الصعب تهريب ايّ شيء لداخل الطائرة , حتى حليب الأطفال منعوه ايضاً.. يعني الموضوع شبه مستحيل !
- ومن قال انك ستسافر بالجوّ .. فنحن الآن في مدينة (تاماوليباس) المكسيكية , يعني قرب البحر .. ولدينا ميناء تابعٌ لعصابتنا , ومنه تستقلّ قارباً صغيراً تعبُر به خليج المكسيك الى ان تصل لولاية تكساس الأمريكية 

فقلت بخوفٍ شديد : هذا أسوء من الجوّ .. الا تدري انهم في تكساس يعدمون تجّار المخدرات ؟!
- بالطبع اعرف , فقد خسرنا اكثر من موزّعٍ هناك .. لكن اظنك ستنجح .. على كل حال لا تقلق يا جون , فنحن لن نرسلك الآن .. بل بعد ثلاثة شهور
- ولما كل هذا الوقت ؟ّ
- لأننا سندرّبك اولاً داخل هذا المخيّم العسكري 
- مخيمٌ عسكري !
- نحن نسمّيه هكذا .. وسيتمّ تدريبك على أيديّ محترفين , يعلّمونك أفضل الطرق لتهرّب من قبضة الشرطة المتواجدين في نقاط التفتيش بين حدود الدولتين

فسألته بقلق : وفي حال لم انجح في امتحاناتكم ؟
فأجابني بلا مبالاة : نتخلّص منك 
بصدمة وخوف : ماذا ! الن تتركوني وشأني ؟
- يا سلام ! وندعك هكذا تعود الى حياتك الطبيعية بعد ان تعرّفت على جميع افراد عصابتنا .. هل تظن اننا نلعب معك ؟ (ثم قال بنبرةٍ غاضبة).. اسمع يا جون !! انت ليس لديك خيارٌ سوى النجاح في امتحاناتنا كيّ نرعاك جيداً .. وفي حال نجحت , فسنُهديك حياةً مُرفّهة لم تحلم بمثلها في حياتك .. ايّ راتباً خيالياً , كما النساء والخمور .. فماذا تريد اكثر من ذلك؟
- وماذا لو قبضت الشرطة عليّ ؟
- قلت لك .. سنتخلّى عنك ..لكن لا تقلق بشأن هذه الأمور , فهناك اموراً أهمّ تفكّر بها الآن  

- تقصد تدريباتكم ؟
- ممتاز !! هآقد بدأ عقلك يعمل أخيراً .. (ثم وقف قائلاً) .. التمارين ستبدأ في صباح الغد .. وعليك التركيز جيداً مع خبرائنا , فهم لديهم الإذن من رئيسنا بقتل كل شخصٍ يفشل لأكثر من مرة في امتحاناتهم العملية .. وعادةً يتمّ دفن الراسب في ساحة السجن 
فقلت بخوفٍ شديد : وهل قتلتم بالفعل ..
فقاطعني قائلاً : بصراحة لا أذكر كم دفنا هنا , فأنا توقفت عن العدّ بعد ان تجاوزوا المئتي رجلٍ وامرأة 
بصدمة : ماذا ! أأختطفتم النساء ايضاً ؟
- نعم , وعجائز ومراهقين .. يعني كل من رأينا انه في استطاعته تمرير بضاعتنا عبر الحدود .. فنحن كما أخبرتك سابقاً , نختارهم اشخاصاً عاديين جداً كيّ لا يثيروا شكوك الشرطة , تماماً كوجهك الملائكي .. 

ثم توجّه الرجل المقنّع نحو الباب , لكن قبل ان يخرج قال لي : 
- جون .. انظر فوقك 
فنظرت فوقي لأرى انبوباً حديدياً يتدلّى من السقف , وتواجه فوهته وجهي تماماً .. 

وبثوانيٍ !! خرج منه بخاخ , ذكّرتني رائحته بما شمّمته سابقاً في التاكسي .. نعم لقد كان نفس المخدّر , لأنني لم اعدّ أذكر ايّ شيءٍ بعدها ! 
*** 

استيقظت في اليوم التالي وانا في زنزانةٍ اخرى , مُستلقياً فوق سريرٍ حديدي صدىء وقذر ! وأمامي فطورٌ مكسيكي .. وهذه المرّة لم أكن مُقيد اليدين .. ولم أجد نفسي الاّ وانا آكل بنهمٍ شديد , فأنا لم اتناول شيئاً منذ البارحة .. 
وبعد ان أنهيت فطوري .. فُتح باب الزنزانة لتدخل منه صبيةٌ جميلة في العشرينات من عمرها , فتجمّدت في مكاني .. فقالت لي بابتسامة :
- جيد انك انهيت طعامك .. هيا معي لأعرّفك على اصدقائك الجددّ
- اصدقائي ؟!
- اقصد الأشخاص الذين إحتجزناهم قبلك , فجميعكم لديه نفس المهمّة .. هيا بنا يا جون
*** 

وأثناء مرورنا بعنابر السجن المهجورة لاحظت بأن رجال العصابة يغضّون البصر عند مرور الفتاة من امامهم , حتى انه لا يجرأ احدٌ منهم النظر اليها رغم ملابسها الفاضحة ! ولهذا أعتقد بإنها ابنة رئيس العصابة لذلك يهابها الجميع , لكنّي لم أتأكّد من هذه المعلومة بعد 
***

ووصلنا أخيراً الى ساحة السجن حيث السياج العالية المُكهربة .. كما برج المراقبة القديم الذي يقف عليه رجلٌ مقنّع بسلاح القنّاصة , وأظن ان مهمّته هي : قتل كل من يحاول منّا الهروب من هذا الجحيم 

امّا في الساحة .. فقد تجمّع فيه سبعة وعشرين رجلاً يلبسون نفس ملابسي البرتقالية , فعرفت انهم مساجين مثلي .. حتى ان معظمهم كان في مثل عمري , بين الثلاثين والأربعين سنة ! ويبدو انهم من جنسياتٍ متعدّدة , فبعضهم لديه ملامحٌ اوروبية , والآخر آسيوية , لكن الأغلبية تبدو من الطبقة الكادحة في المكسيك.. وكانوا جميعاً ينظرون اليّ بنظرات الشفقة لمعرفتهم بأنني الضحية الجديدة ..
*** 

ومن بعدها ذهبت الصبيّة ليحلّ محلها رجلٌ ضخم (غير الذي قابلته تلك المرة) وكان يحمل بيده العصا الكهربائية التي يستخدمها الحرّاس عادةً في تعذيب من يعصي اوامرهم , ويبدو انه المسؤول عن تعليمنا .. حيث وضع على الطاولة التي أمامه عدّة اصناف للمخدرات .. وأظن ان الدرس الأول سيكون تعريف المساجين (بمن ضمنهم انا) على انواع الأصناف التي يبيعونها بالسوق .. حيث قال لنا بصوتٍ جهوري :  
- هيا ايّها الحثالة , تجمّعوا حولي !!

فاقتربنا جميعنا بخوف لنقف قرب الطاولة .. وقد تضمّن الدرس إجبارنا على استنشاق المخدّر , كما تناول بعض حبوب الهلوسة لكن بكمياتٍ صغيرة , لغاية التميز بين الأنواع .. 
وقد قال لنا مُحذّراً :
- لن أجبركم على تناول كمياتٍ كبيرة , كيّ لا تُدمنوا عليها ..فنحن بالنهاية نريدكم بكامل وعيكم أثناء تهريبكم للبضاعة خارج البلاد ..  

وحين جاء دوري .. أعطاني الخبير حبةً حمراء اللون وطلب مني بلعها .. لكني وجدت نفسي أرفض بقوة ! فاقترب مني غاضباً بعد ان أضاء شحنة الكهرباء في العصا التي يحملها , وقال لي مهدّداً :
- من الأفضل ان تتناولها حالاً , والاّ سأبدأ في صعقك !!

فنظرت الى وجوه بقيّة المساجين الذين أشاروا اليّ بأعينهم الحزينة على أخذ الحبة دون مقاومة .. لكن لا ادري من اين أتتني كل هذه الجرأة ! ورميت الحبة على الأرض ودعستها بقدمي , صارخاً في وجه المعلّم :
- قلت لا !! انا لن اصبح مُدمناً , ولن أنقل بضائعكم القذرة !! وان كنتم تريدون قتلي , فالموت أهون من أن أصبح مجرماً 
لكن ردّة فعل الأستاذ أرعبتني حقاً ! حيث ابتسم في وجهي ابتسامةٍ صفراء ..وقال لي : نحن لا نقتل يا عزيزي .. بل نجعلك تتمنّى الموت الف مرّة 

ثم صفّر لرجلين من الحرس كانا يقفان امام بوّابة السجن .. 
وحينها لم ادري بنفسي الاّ وانا أُصعق وأُركل بإقدامهم بعنف ! 
وآخر ما اتذكّره هو نظرات الشفقة الواضحة على وجوه المساجين , وكأن لسان حالهم يقول :
- لما عاندتهم يا جون ؟!
***

استيقظت في اليوم التالي بزنزانتي وانا أعاني من المٍ ورضوض في كافة اجزاء جسدي.. وهنا دخلت عليّ الصبيّة وهي تصفّق لي :
- رائع يا جون .. كم احب الرجل القويّ العنيد 
فقلت لها بألمٍ وتعب : ماذا تريدين منّي ؟
- بالحقيقة عملنا يتطلّب القوّة والجرأة , لهذا رشّحتك لأبي لتقوم انت بالمهمّة الكبيرة
وعندما قالت ابي تأكّدت ظنوني بأنها ابنة رئيس العصابة (الذي لم يرى احد من المساجين وجهه الى اليوم) لكن ما أقلقني أكثر هو كلامها ..فسألتها مُستفسراً :
- ماذا تعني بالمهمّة الكبرى ؟
- أعني ان لدينا صنف جديد قمنا بتحضيره في معاملنا السرّية , وهو ذو مفعولٍ قويّ للغاية , لكنه يكلّفنا الكثير .. ولهذا سننقله معك انت فقط 
- شكراً لثقتك .. لكن الموت أهون من ..

فقاطعتني قائلة : هيا يا جون .. لا تعاندنا يا عزيزي ..فمقرّنا هذا يعتبر دولة بحدّ ذاته ..حتى ان الشرطة والحكومة المكسيكية لا تجرأ على الإقتراب منّا .. فمن الأفضل ان تتعلّم دروسك دون إثارة المشاكل مع اساتذتنا ..أفهمت ايها التلميذ الشقيّ ؟
ثم نادت حرسين ليأخذونني الى ساحة السجن كيّ أعيد الدرس الذي فاتني من جديد .. 
***

وفي الساحة .. وبعدما رأيت قنّاص برج المراقبة يوجّه سلاحه اتجاهي , اقترب مني الأستاذ قائلاً :
- هذه المرّة ان خالفت اوامري فسأطلب من القنّاص إصابتك في ذراعك , وان أصرّيت على معاندتي فسأطلب منه ان يصيبك في قدمك , وهكذا سأظلّ أعذّبك الى ان ترضخ للواقع .. لكنّي حتماً لن اقتلك لأريحك من هذا العذاب .. 
ثم مدّ لي يده وهو يحمل حبة هلوسة صغيرة قائلاً لي :
- والآن يا جون , ماذا سيكون قرارك ؟

فنظرت الى بقيّة المساجين (المتجمّعين حول طاولة التي بها اصناف المخدرات) الذين أومأوا برأسهم ايجاباً كيّ ابلع الحبة , تجنباً لتعرّض للتعذيب مجدّداً .. 
فأخذتها من يده وانا ارتجف بقوة , ودموعي تسيل على خدّي ..وبلعتها وكأنني أبلع جمراً 

فقال الأستاذ مبتسماً : ممتاز يا جون !! لقد فعلت الصواب .. والآن يا اصدقاء !! لنكمل الشرح عن بقيّة الأصناف , قبل قدوم الأستاذ (داني) ليعلّمكم عن انواع الأسلحة  
***

ومرّ الوقت طويلاً .. قمنا فيه ببلع واشتمام عدّة اصناف .. لكن مع الصنف ما قبل الأخير , أحسسّت بدوارٍ شديد ! 
وآخر ما أتذكّره هو ضحكة الأستاذ الساخرة بعد سقوطي على الأرض , وهو يقول لبقيّة المساجين :
- ارأيتم كيف انهار هذا الشاب الرقيق .. هيا ليحمله احدكم ويعيده الى زنزانته ..وغداً سيتعوّد مثلكم على مذاق المخدرات  
  ***

ولم استيقظ الاّ في نهار اليوم التالي .. وبعد ان تناولت فطوري في زنزانتي ..كنت ما ازال اشعر بصداعٍ قويّ .. 
وهنا دخلت عليّ الصبيّة لتراني أمسك رأسي مُتألّماً .. فقالت مبتسمة :
- كنت أتوقع ذلك 
ثم أخرجت قرصاً من جيبها وهي تقول :
- هذا ما يحصل دائماً مع اول تجربة لك مع المخدرات .. هيا تناول هذه , فهي ستخفّف صداعك
فصرخت عليها بغضب : لا اريد المزيد من المخدرات !!
- هذا دواء وليس مخدّر , فنحن بالنهاية ليس من صالحنا ان تُدمن هذه الأشياء .. هيا خذّ مني الدواء .. ثقّ بي يا جون 
وبعد ان بلعت الحبة , خفّ الألم بشكلٍ سريع !

فقالت مبتسمة : يبدو من تعابير وجهك ان صداعك اختفى 
فقلت مندهشاً : كيف هذا ؟! بالعادة دواء البندول يأخذ وقتاً طويلاً لكيّ ..
مقاطعة : هذا ليس بندولاً .. فنحن لدينا طبيباً ماهراً يعمل في مختبراتنا السرّية وهو من اكتشف هذا الدواء .. فوالدي كان يعاني من صداعٍ نصفي , وقد استطاع هذا العبقري علاجه 
- ولما لا تبيعون هذا الدواء السحري بدلاً من المخدرات ؟
- الا تدري ان اختصاص الأدوية حِكراً على اميركا وبعض الدول الأوروبية ؟ وحتى في حال حصلنا على براءة الإختراع فسيسرقون الوصفة منا .. ولا أظنهم سيطرحونه بالأسواق , لأنهم لا يريدون حلاً نهائي للأمراض لكيّ يبيعوا الأدوية للناس بشكلٍ دوري .. هل فهمت قصدي ؟ 

- يعني ستكملون في تجارة المخدرات ؟
- بيع المخدرات هو التجارة الرابحة في المكسيك ..الا تدري كم عائلة فقيرة تعيش من وراء هذا الرزق
- وماذا عن الشباب الذين تدّمرت حياتهم بسبب المخدرات ؟
فأجابتني بلا مبالاة : لم يغصبهم أحد على تناولها يا عزيزي .. المهم الآن .. لقد فاتتك حصة الأسلحة البارحة , وسنعوّضها لك لاحقاً .. اما بعد قليل فستبدأ المادة الثالثة وهي تعليمك الطريقة الصحيحة التي ستقف بها أثناء تفتيشك من قِبَل شرطة الحدود .. فوقفتك بثبات مُهمّةٌ جداً لعدم إثارة شكوكهم ..خاصة انك ستكون قادماً من المكسيك , يعني تفتيشهم لك سيكون مُكثفاً 
- كلامك يزيد الأمر سوءاً 
- لا تقلق , فأساتذتنا لديهم خبرة طويلة في هذا المجال ..وانا اشعر بأنك ذكيٌّ كفاية لتتفوّق على بقيّة زملائك .. فهيا بنا يا جون الى ساحة السجن
***

وقد مرّت الشهور الثلاثة عليّ ببطءٍ شديد , حيث تخرّج قبلي عدّة مساجين أُوكلت اليهم مهمّات خارج المكسيك .. بعضهم عاد الى مقرّنا وهو يتفاخر بنجاحه بعبور الحدود , ومدى سعادته بالمال الذي حصل عليه من العصابة كمكافأة على مجهوداته .. 
لكن هناك ثلاثة فشلوا في المهمّة : اثنان منهم تمّ القبض عليهم , وواحد مكسيكي فقير تمّ قتله اثناء هروبه من الشرطة .. 
اما انا فقد أخبروني بأن مهمّتي ستبدأ في مطلع الأسبوع القادم , ايّ بعد يومين .. وانا خائفٌ للغاية
***

وأتى اليوم المشؤوم .. وكنت أظنهم سيلبسونني حزاماً به المخدرات كما فعلوا مع الآخرين , لكنهم لم يأخذونني الى مخزن المخدرات الموجود في قبو السجن المهجور , بل الى غرفةٍ صغيرة تُشبه غُرف الجراحة ! وكان في داخلها طبيبٌ يُحضّر عدّة الجراحة , بالإضافة للحرسين المسلّحين اللذين رافقاني الى هناك !
فسألت المرافق بخوف : لما انا هنا ؟!
فأجابني الطبيب : أظنهم أخبروك سابقاً بأنك المرشّح الأنسب لتهريب صنفنا الجديد , وهو الأغلى بين انواع المخدرات التي نملكها 
- نعم أخبرتني الصبيّة بذلك , لكنك لم تجيبني بعد .. لما انا في غرفة الجراحة ؟!

الطبيب وهو يُعبّأ إبرة المخدّر : لأننا سنضعها داخل بطنك 
فصرخت بخوفٍ شديد : لا !! .. اقصد لا داعي لفتح جسمي , فأنا استطيع بلع كل الحبوب  
الطبيب : هذا النوع من المخدّر يتحلّل سريعاً بحمض المعدة حتى لوّ وُضع داخل اكياسٍ بلاستيكية , لهذا سنضعه فوق معدتك .. هيا تمدّد هنا , ولا تقلق ابداً .. فالمخدّر لن يُشعرك بشيء 
لكني قاومتهم وحاولت الهرب الاّ ان الحارسين ثبّتاني بقوة , بينما غرز الطبيب ابرة المخدّر في كتفي .. لأسقط فوق السرير مُخدّراً تماماً !
***

استيقظت بعدها بثلاث ساعات , وانا اشعر بألم الجراحة في بطني ! وكانت الرؤية ما تزال مشوّشة .. 
وهنا اقترب منّي الطبيب قائلاً :
- غداً صباحاً ستزول آلام العملية , ومن ثم ننقلك الى القارب الذي ستسافر به الى اميركا 
- غداً ! لا رجاءً , فلم تُشفى جروحي بعد .. إتركوني على الأقل اسبوعاً لأستردّ عافيتي

وهنا اقترب منّي رجلٌ لم اره من قبل ! ويبدو انه المساعد الأيمن لرئيس العصابة , والذي قال لي :
- خلال اسبوع تكون جميع الحبوب المخدّرة تحلّلت في دمائك , ممّا سيحوّلك الى وحشٍ كاسر .. فالصنف الذي تحمله هو مخدّرٌ مُستحدث , يقوم بتحويل الإنسان الى زومبي حقيقي 
وبخوفٍ سألتهم : يا الهي ! لقد سمعت عن هذا المخدّر الخطير , فكم حبة وضعتم بداخلي ؟!
الطبيب : ما يُقارب المئة حبة , داخل كيسٍ من الجيلاتين .. وسيقوم طبيبٌ آخر في اميركا يعمل لدينا , باستلامك من الحدود الأمريكية ليقوم بسحبهم من جسمك
- ماذا ! أيعني ذلك عمليةٌ اخرى ؟!
رجل العصابة بتهكّم : طبعاً يا ذكي !! فكيف اذاً نستخرجهم من داخلك ؟

فاستلقيت على الفراش ودموعي تسيل على خدّي بعد ان انهارت جميع آمالي بالهرب من هذا الجحيم , لأن جسمي بالتأكيد سيتأثّر بهذه السموم التي دُسّت بداخله !
فربت الطبيب على كتفي قائلاً : لا تقلق كثيراً يا جون .. وأظنّك ستقوم بالمهمّة على أتمم وجه
ثم قال لي رجل العصابة : كما اننا سنكافئك جيداً بعد عودتك الينا بثمن البضاعة
فقلت في نفسي بغضب : ((هذا ان عدّتُ اليكم يا ملاعيين !!!)) 
ثم قيّدوا قدمي بسرير العيادة .. وذهبوا بعد ان اقفلوا الباب عليّ بإحكام ..
***

وأمضيت الليل كلّه وانا أفكّر بطريقة للتخلّص من هذه المصيبة , حتى ولوّ بالسباحة في البحر .. لكن اولاً عليّ إيجاد الطريقة للهرب من افراد العصابة التي سترافقني غداً في القارب الذي سينقلني الى اميركا !
وقلت في نفسي : ((أكيد لن يطلقوا النار عليّ وانا أحمل في جسمي أغلى بضائعهم .. كما انني سريعٌ جداً في السباحة)) 
*** 

في صباح اليوم التالي .. وبعد ان قام اصحابي المساجين بتوديعي في ساحة السجن قبل ذهابي لتنفيذ مهمّتي الأولى  .. تفاجأت بصرخةٍ قوية يُطلقها أحد الحرس ! بعد ان قام سجينٌ متهوّر بطعنه في كليته بفرشاة اسنانه التي استطاع سنّ مقبضها بطريقة جعلتها حادّة كالسكاكين .. 

وعلى الفور !! عمّت الفوضة في الساحة .. وانطلق المساجين كالمجانين نحو السياج للهروب من هذا الجحيم , وسط وابلٍ من الرصاص التي أطلقها عليهم القنّاص من برج المراقبة , كما بقيّة الحرّاس..
لكن الغريب ان الرصاصات لم توجّه ناحيتي رغم هروبي معهم ! ففهمت ان رئيسهم اعطاهم الأوامر لحماية البضاعة الثمينة التي زرعوها بداخلي , وكانت هذه فرصتي للهرب من السجن دون التعرّض للقتل .. 
ولم أجدّ نفسي الاّ وانا أستغلّ جسد احد المساجين المُتفحّمة بعد تعرّضه للصعق فوق السياج المكهربة , لأتسلّقه وأقفز من فوقه الى الجهة المقابلة 

ومن ثم ركضت بأسرع ما يمكنني , واضعاً يدي فوق جرح بطني الذي بدأ ينزف , بعد تقطّع خيطان العملية بسبب الأعمال العنيفة التي أقوم بها مُجبراً , للإبتعاد قدر المستطاع عن هذا السجن المخيف ! 

ووصلت اخيراً الى القارب الذي يرسو على الشاطىء .. ومن الجيد ان القبطان غادره هارباً بعد سماعه لأصوات الرصاصات , ظنّاً منه ان الشرطة إقتحمت السجن من الجهة الأخرى ..
فركبته وأدرت مفتاح دفّته , لأتفاجأ بأنه أسرع قارب ركبته في حياتي ! فبالطبع هم اختاروا هذه النوعية الممتازة من القوارب لكيّ نقطع بها خليج المكسيك بأسرع وقتٍ ممكن .. لكني لم اكن قادراً على الذهاب الى الحدود الأميركية , لأن الأمر سيتطلّب يومان على الأقل وهذا صعب مع نزيف معدتي , فقلت في نفسي حائراً :
- سأنزف حتى الموت قبل ان أصل لبلادي .. سأحاول الذهاب الى أقرب شاطىء , ولوّ لمدينة مكسيكية أخرى !
***

وقد تطلّب الأمر ثلاث ساعات الى ان وصلت الى منطقة مكسيكية فقيرة , عرفت ذلك من أكواخها المُتهالكة ! 
وبعد ان نزلت من القارب .. مشيت مُترنّحاً بعد ان تحوّل قميصي الأبيض الى اللون الأحمر من غزارة الدماء التي خسرتها .. 
وآخر ما أتذكّره بعد ان انهار جسدي فوق تراب الشاطىء , هو اقدامٌ حافية لولدٍ صغير كان ينادي امه !
***

استيقظت بعدها في المساء .. وانا في منزل هذه العائلة التي ساعدتني , ويبدو ان المرأة تعمل ممرضة في المستشفى لأنها استطاعت تقطيب جروحي .. 
وعندما رأيتها تضع الحساء امامي انتفضت بخوف , فقالت لي مُهدّئة :
- لا تقلق .. انت بخير .. وجروحك ليست عميقة .. إشرب الحساء فهو سيساعدك على الشفاء  
فشكرتها .. ومن ثم قامت بتعديل جلستي كيّ أتناول عشائي .. 

وهنا تذكّرت كيس المخدّر , فسألتها عنه :
- هل وجدت شيئاً بداخلي ؟
- نعم , وخبّأته لك .. فقط إخبرني عن الذي دسّه في بطنك ؟ هل هم عصابة العقرب المتمركزين في السجن المهجور ؟
فسألتها بدهشة : وكيف عرفتي بأمرهم ؟!
- المكسيكيون جميعهم يعرفون بهم , فهم من ضمن أخطر ثلاثة عصابات مخدرات على مستوى الدولة  
- ولما لا تقبض الشرطة عليهم ؟
- لأنها تستفيد منهم 

- ماذا ! .. أتقصدين ان الفساد وصل لقسم الشرطة ؟
- بل رئيس الشرطة نفسه يُعدّ أحد أقارب زعيم العصابة .. 
فقلت بغضب : اذاً لما اختطفوني طالما الشرطة معهم ؟!!
- اهدأ يا رجل , ستوقظ ابني الصغير !
- آسف .. أجيبيني على سؤالي لوّ سمحتي ؟
- لأن شرطة الحدود ليست معهم , وتجّار المخدرات يهمّهم وصول بضائعهم الى أمريكا , فهناك يعيش الأثرياء بعكس شعبنا الفقير 
- فهمت ....آخ !! مازال الجرح يؤلمني كثيراً .. أتمنى ان لا يكون تجرثم  
- لا تقلق , لقد طهّرته لك .. والآن إنهي حساؤك , ونمّ قليلاً 
- اين وضعتي البضاعة ؟
- هي معي , وغداً أعطيها لك 

ثم خرجت من الغرفة .. 
وقد نمت تلك الليلة براحةٍ لم أعهدها طيلة الشهور السابقة التي قضيتها في معتقل السجن المرعب
***

لكني استيقظت في منتصف الليل وانا أتصبّب عرقاً , وأعاني من صداعٍ قاتل.. وكانت الرؤية مشوّشة تماماً ..فصرخت بأعلى صوتي :
- لوّ سمحتي ساعديني ارجوك , انا اموت !!

وهنا اقترب منّي شخص لم أتمكّن من رؤيته جيداً , الاّ بعد ان حقني بأبرة في ذراعي ! 
وعندما إتضحت الرؤية , كان هو نفس الطبيب اللعين الذي أجرى لي العملية في السجن ! 
فانتفضت برعب محاولاً القفز من السرير !! لكن اقترب منّي رجلان مُقنّعان وأمسكاني بقوة .. 

ولم ادري وقتها ماذا يحصل معي ! لكني انتبهت على المرأة التي كانت تقف بجانب ابنها الخائف (امام باب الغرفة) .. 
فصرخت فيها بغضب :
- هل أتصلتي بهم يا خائنة !! 
فأجابتني وعلى وجهها نظرات الأسف :
- اعتذر منك .. لكني فقيرة جداً وأحتاج الى المكافأة التي سيعطونني إيّاها 

وهنا اقتربت منها ابنة رئيس العصابة بثيابها المثيرة , وقامت بإعطائها حقيبة صغيرة مليئة بالمال , وهي تقول لها :
- أحسنتي .. هذا المال من حقك .. والآن هاتي البضاعة التي إستخرجتها من بطنه
فأخرجت الممرّضة كيساً به حبوبٌ زرقاء من جيبها وسلّمتها لها 

ثم رأيت ابنة رئيس العصابة تُشير لإحد رجالها , الذي اقترب فجأة من المرأة الفقيرة وابنها واطلق رصاصتين في رأسيهما من مسدسه كاتم الصوت .. ممّا جمد الدم في عروقي ! 
ثم قالت ابنة زعيم العصابة لمساعدها :
- جيد .. فنحن لا نريد شهوداً علينا .. هيا أعدّ حقيبة المال لسيارتي ..
ثم قالت للطبيب : هل خدّرته جيداً ؟
فأجابها : نعم وسينام بعد قليل 

وقبل ان يُغمى عليّ , إقتربت مني قائلة : 
- لما تُتعبنا يا جون ؟ الآن وبسبب هروبك الغبي تأجّلت عملية سفرك للشهر القادم .. وهذا يعني انك ستبقى مسجوناً في مقرّنا لبعض الوقت , وستخضع للعملية من جديد .. لكني أحذّرك هذه المرّة .. ان حاولت الهرب من جديد فسنقتلك فوراً , ولوّ وضعنا كل ثروتنا بداخلك .. أفهمت ؟!!

وهذا كان آخر ما أتذكّره قبل ان أدخل في سباتٍ عميق , مُدركاً تماماً بأنني ذاهبٌ الى مصيرٍ مجهول ومرعبٌ للغاية !

الخميس، 11 يناير 2018

المخلّدون

تأليف : امل شانوحة


عمري ثلاثة آلاف سنة , وأملك قوّة الشباب !

إندهش كل ركّاب القطار ممّا حصل امامهم .. فقد حاول شابٌ مقنّع إختطاف طفلٍ من بين يديّ امه .. والأغرب ان لا احد منهم حاول مساعدتها , حتى الشباب ذويّ العضلات المفتولة الذي صادف وجودهم في نفس القاطرة فضّلوا إدارة ظهورهم بدلاً من الإنقضاض على اللصّ نحيل الجسم ! 

والسبب انه في هذا العام (ايّ سنة 2080) أصبح إختطاف الأطفال وبيعهم بالسوق السوداء تجارةٌ رابحة , خاصة مع انتشار العقم بين الناس بسبب زيادة تلوّث البيئة , وفساد الأغذية الغنيّة بالملوّنات والمحسّنات الضارّة بالصحة .. ولذلك أغلقت معظم مدارس الأطفال بعد إزدياد حالات الخطف , وفضّل الأهالي حبس اولادهم داخل بيوتهم خوفاً عليهم ..لكن هذه السيدة إضّطرت للخروج مع طفلها (ذو الخمس سنوات) لزيارة الطبيب بعد ان ساءت حالته الصحية .. 

ولشدّة خوفها على ابنها الذي يرتجف باكيّاً من الخوف , سلّمته للخاطف الذي كان يضع سكينته حول رقبة الصغير , بعد ان تبادلت مع بقيّة الركّاب نظرات التوسّل والرجاء لمساعدتها , لكن لا احد منهم إقترب من الخاطف سوى ذاك الرجل الذي يبدو وكأنه في الثمانينات من عمره.. أبيض اللّحية , ويلبس ثياباً شتوية قاتمة اللون , ويغطي نصف وجهه بالشال الصوفي .. حيث قام بسحب رقبة الشاب بطرف عصاته بقوّةٍ أرجعته للخلف ! ممّا أبعد السكين عن رقبة الصغير الذي إستطاع الإفلات من قبضة الخاطف ليرتمي في حضن امه المنهارة من هول الموقف .. 

بينما أسرع الركّاب بإخراج جوّالاتهم الحديثة (التي تُشبه الرقاقة الشفّافة) لتصوير هذا الحدث المثير  
فعاد السارق ورفع سكينته الضخمة ملّوحاً بها امام وجه العجوز :
- هل تريد مواجهتي ايها العجوز الخرف ؟

لكن ردّة فعل العجوز فاجأت الجميع , حيث استطاع بحركتين سريعتين من عصاه ان يرمي بسكينة الخاطف بعيداً ! 
فأخرج الخاطف على الفور مسدسه من خاصرته , وأصاب العجوز في كتفه .. الاّ ان العجوز ركله بقوّة على بطنه أسقطته أرضاً , حيث أرتطم ظهره بباب القطار .. وصُعق الجميع من قوّة العجوز الذي لم يكن يُبالي بالدماء التي تنزف من كتفه المصابة , وكأنه لا يشعر بأيّ ألم ! 

وبثوانيٍ تمكّن العجوز من إلتقاط المسدس الواقع على الأرض , ورفعه في وجه الخاطف .. 
الخاطف وهو يرفع يديه مُستسلماً بخوف : ارجوك لا تقتلني 
العجوز بنبرةٍ آمرة : إخلع قناعك ليراك الجميع 
الخاطف بخوف : ان فعلت ستقتلني العصابة 
العجوز بغضب : وان لم تفعل سأقتلك انا !!

فكشف الخاطف عن وجهه مُتردّداً , بينما أسرع الركّاب بتصويره من خلال جوّالاتهم 
العجوز وهو مازال يرفع المسدس في وجه الخاطف : والآن أجبني على أسئلتي .. كم طفل إختطفت حتى الآن ؟
- انا أعمل ضمن عصابةٍ كبيرة , وكل واحداً فينا إختطف عدداً من الأطفال لنبيعهم للأغنياء بالسوق السوداء , وبأسعارٍ تتفاوت حسب جمال الطفل 

- وكم طفل إختطفت لوحدك ؟
- هذا أول طفل أقوم ..
فقاطعه العجوز بغضب : كاذب !! بل سبعة عشر ولداً وثلاثة بنات , بالإضافة الى هذا الطفل
الخاطف بصدمة : وكيف عرفت هذا ؟! هل انت من الشرطة ؟ هل كنت تراقبني ؟
- أصمت وأجبني على باقي الأسئلة !! اين هم الأطفال الآن ؟
- تمّ بيع معظمهم
- وماذا عن الباقين ؟
- نحن نقوم ببيع القبيحين منهم لتجّار الأعضاء البشرية

فشهقت الأم بخوف وهي تضمّ طفلها بقوّة ..
فقال العجوز لها : لا تقلقي , لا أحد سيؤذي ابنك .. فقط حاولي ان لا تُخرجيه كثيراً من المنزل  
فأومأت الأم برأسها ايجاباً , وهي تحمد الله على سلامة طفلها من هذه العصابة المرعبة 

ثم عاد وسأل العجوز المختطف : واين تضعون الأطفال المختطفين ؟
- لا طبعاً لن اخبرك , لأن العصابة ستقتلني حتماً

وهنا صُعق الجميع بعد ان أطلق العجوز دون تردّد النار على ساق الخاطف الذي صار يتلوّى من الألم !
العجوز : أجبني الآن !! والاّ أفرغت المسدس في جسمك 
فأخبره الخاطف مُتألّماً عن عنوان الأطفال المفقودين ..
- كما أخبرتك .. نحن نجمعهم في ذلك المستودع القديم الذي أعطيتك عنوانه .. أحلف لك

وهنا نظر العجوز الى الشباب الأقوياء من الركّاب والذين إكتفوا بتصوير الحدث من جوّالاتهم , فقال لهم بأسى :
- لقد أصبحنا في زمنٍ نكتفي فيه بالتصوير بدلاً من إيجاد الحلول .. يا أسفي على شبابكم وقوّتكم المهدورة 
فطأطأ الشباب (مفتولي العضلات) رؤوسهم خجلاً من جرأة العجوز التي عجزوا عنها 
فأكمل العجوز قائلاً للجميع :
- على الأقل إرسلوا الفيديو للشرطة , ودعوهم ينقذون بقية الأطفال
فأومأ الشباب رأسهم إيجاباً ..

ثم عاد العجوز ليسأل الخاطف من جديد :
- لديّ سؤال أخيرٌ لك .. في حال تركتك وشأنك , فهل ستعود للخطف مجدّداً ؟
فقالت سيدة من الركّاب : أكيد سيقول لك لا , لتطلق سراحه
فقال العجوز لها بثقة : انا لا احد يستطيع الكذب عليّ 

ثم أعاد السؤال مجدّداً على الخاطف وهو ينظر اليه بعيونه الزرقاء الثاقبة , فأجابه الخاطف : بالتأكيد سأفعل !! فأنا أجني ثروة من عملي هذا
العجوز مبتسماً : توقعت إجابتك 

وفي هذه اللحظات كان القطار على وشك دخول النفق .. وفجأة ! فتح العجوز باب القطار الذي كان يستند عليه الخاطف , ليسقط من القطار ويرتطم بجدار النفق ويتحوّل في ثوانيٍ الى أشلاء , وسط صدمة الجميع ! 

لكن الأغرب كان انقطاع الكهرباء داخل القاطرة أثناء عبور النفق .. وعندما عادت الإضاءة من جديد كان العجوز قد إختفى تماماً ! فهل وقع هو ايضاً من باب القطار المفتوح ؟!
***  

وفي عيادة الطبيب .. وبعد ان قطّب جرح العجوز , قال له :
- عليّ إبلاغ شرطة المستشفى عن هذه الإصابة يا عمّ , فهي طلقٌ ناريّ .. وانت تصرّ على عدم إخباري بمن أطلق النار على كتفك 
العجوز : قلت لك لا احد .. كنت أنظف مسدسي وانطلقت الرصاصة بالغلط
- مع اني لا اصدّقك لكني سأتجاهل الموضوع في الوقت الراهن , لأكمل ملفك .. والآن إخبرني بإسمك كاملاً
- جاك اندرسون 
- وكم عمرك يا سيد جاك ؟
فسكت العجوز قليلاً , ثم قال : 
- 2999 سنة .. وبقي سنةٌ واحدة ويأتي شخصٌ آخر ليحلّ مكاني.. وحينها أكمل حياتي بسلام

فكتب الطبيب في تقريره (عجوزٌ يعاني من ألزهايمر والخرف المُبكر) .. ثم قال له بنبرةٍ ساخرة :
- يعني عمرك ثلاثة الاف سنة ؟ 
العجوز : الاّ سنة
- فهمت .. واين هويتك ؟
- في العصر الذي عشت فيه , لم تكن هناك اوراقٌ رسمية بعد
الطبيب مُبتسماً بسخرية : آه نعم صحيح.. المهم الآن .. لنقل ان عمرك ثمانين سنة ومع هذا تبدو لي بصحةٍ جيدة , حتى انك رفضّت التخدير قبل تقطيب جرحك !

- انا لا اخاف من الألم , كما انني حاربت في الحربين العالميتين وشاهدت الكثير في حياتي
الطبيب بسخرية : طالما عمرك ثلاثة آلاف سنة , فأكيد شاهدت حروب الروم مع الفرس ايضاً
- نعم , كنت وقتها في عزّ شبابي 
الطبيب : لا ادري هل أضحك ام أشفق على حالتك ايها العجوز ؟ لكن يبدو من هيئتك انك مُشرّد , لهذا سأتصل بإخصائية الأحوال الإجتماعية لمساعدتك

فوقف العجوز وهو يلبس معطفه القديم قائلاً : لا داعي لذلك ..فالمخلّدون أمثالي لا خوفٌ عليهم .. لأننا لا نجوع ولا نتألّم ولا نشعر بالإرهاق طوال حياتنا ..  
- أقلت المخلّدون ؟! 
- نعم .. فكل واحدٍ منّا مسؤولاً عن حماية الضعفاء طوال ثلاثة آلاف سنة .. ولقد قاربت مهمّتي على الإنتهاء .. وقريباً جداً سيُخلّفني مخلدٌ جديد , وأرتاح من هذه المهّمة التي أثقلت كاهلي 

ثم خرج العجوز من العيادة , تاركاً الطبيب مُحتاراً من كلامه الغامض !
****  

في المساء .. أجرى الطبيب بعض البحوث على حاسوبه ..فوجد نصوصاً في الكتب التي تتكلّم عن الأساطير التاريخية : انه عبر العصور تمّ العثور على اشخاصٍ يسكنون وحدهم في الكهوف او رؤوس الجبال ولسنواتٍ عدّة دون طعامٍ او شراب , ويتمتّعون بصحةٍ جيدة رغم كبر سنهم ! وأحياناً كانوا يحلّون بعض المشاكل العالقة بين الناس , او يلقون عليهم النصائح الثمينة ثم يكملون طريقهم مبتعدين عن الجميع .. 

وقد أطلقت على هؤلاء العجائز الغامضين عدّة القاب : فمنهم من لقّبهم بالفلاسفة او الزاهدين او البسطاء , وفي بعض العقائد لقّبوهم بالأبدال والأقطاب والأوتاد , لكنهم يطلقون على أنفسهم لقب المخلّدين في الأرض , حيث ان عمرهم أطول بكثير من أعمار البشر , ويحافظون على قوّة الشباب بشكلٍ غامض ! كما يتمتّعون بقدراتٍ خارقة : مثل سماعهم بما يخطر في بال الناس ومعرفة المستقبل وإكتشاف نوايا البشر , وغيرها من القوّة الخفية !

لكن ما آثار إهتمام الطبيب هو جملة (وجدها بالنت) في كتابٍ مقدّس للديانة اليهودية قيل فيها : ان الرجل الذي أحضر عرش بلقيس للنبي سليمان كان ايضاً من المخلّدين , وكذلك الرجل الصالح خضر الذي إلتقى به النبي موسى , حيث انهما سيظلاّن أحياءً الى يوم القيامة , لكن لا أحد يعرف مكانهما الآن !

وبعد ان أنهى الطبيب القراءة , تساءل في نفسه : ((طالما هؤلاء العجائز ليسوا بشراً عادين مثلنا , ولا ملائكة ولا جن ولا شياطين , فهل هناك أجناسٌ أخرى لا نعرفها في هذا العالم , رغم كل الحضارة التي وصلنا اليها ؟!))
***

وفي مساء اليوم التالي .. طلب الطبيب من مسؤول الأمن بالمستشفى ان يعطيه فيديوهات المراقبة عن ليلة الأمس (ايّ بوقت زيارة المخلّد له) لكنه صُعق تماماً حينما رأى نفسه بالعيادة , وهو يُكلّم نفسه ! حيث لم يظهر أثر للعجوز في كاميرات العيادة او في ممرّات المستشفى .. فهل كان شبحاً ؟!

والأغرب ان فيدو الخاطف بالقطار انتشر كالنار في الهشيم في وسائل التواصل الإجتماعي , ليس بسبب عمل العجوز البطولي في إنقاذ الطفل , بل بسبب عدم ظهوره اطلاقاً في الفيديو ! حيث تمّ تصوير الخاطف وهو يُضرب من خيالٍ اسود , ثم يقع بعد انفتاح باب القطار لوحده ! رغم تأكيد  بعض المعلّقين من الركّاب الذين كانوا شهوداً على الحادثة على رؤية العجوز هناك ..فكيف انحذف المخلّد فجأة من جميع كاميرات الجوّالات لركّاب تلك الرحلة ؟!
****

وفي إحدى الليالي .. كان العجوز يتنقّل بين الأزقّة المظلمة , ليلتقي وجهاً بوجه مع شابين يحاولان الإعتداء على صبيّة .. 
وبسرعة البرق لكَمَ أحدهما بقوّة ليسقط مغشياً عليه , بينما أمسك بخناق الشاب الثاني , وهو يقول للصبيّة التي تجمّدت في مكانها :
العجوز صارخاً في وجهها : أهربي بسرعة !! ماذا تنتظرين ؟ عودي الى بيتك , ولا تخرجي في المساء وحدك ثانيةً .. أفهمتي ؟!!
فركضت الصبيّة بأسرع ما يمكنها نحو بيتها الموجود في الشارع المقابل

اما الشاب الذي كان يحاول بكل طاقته إبعاد اصابع العجوز القابضة على رقبته بإحكام : من انت ايها العجوز , وماذا تريد مني ؟!
- انا لن أتركك قبل ان تجيبني على سؤالي 
الشاب وهو يكاد يختنق : ومالذي تريد معرفته ؟
العجوز : كم إمراة أعتديتما عليها حتى الآن ؟ 

وهنا استيقظ الشاب الآخر ليرى العجوز وهو يخنق صديقه , فأخرج سكينته من جيبه .. لكن العجوز في ثوانيٍ استطاع سحب السكينة من يد المغتصب (وهو مازال يخنق الشاب بيده الأخرى) ثم عاجله بطعنة في قلبه , ليسقط الشاب الثاني ميتاً على الأرض !

فصرخ الشاب الذي بين يديه : لقد قتلت صديقي ايها اللعين !!!
العجوز بغضب : وسأقتلك انت ايضاً ان لم تجيبني حالاً !! 
الشاب بخوف : هذه أول مرة , فأنا لم اؤذي ايّ بنت في حياتي.. أحلف لك 
فيتنهّد العجوز بضيق : يا الهي ..لما تصرّون ايها البشر على الكذب ؟!
الشاب بخوف : البشر ! ومن تكون انت ؟!

- هذا لا يهمّك.. اما الإجابة الصحيحة : فهي انك أعتديت على ثمانية نساء بمساعدة صديقك هذا الذي لديه ايضاً سوابق مع سبعةٍ غيرهنّ ..هذا عدا عن عمليات السرقة التي قُمتما بها في فترة المراهقة ..اليس كذلك ؟
الشاب بدهشة : وكيف عرفت ؟! .. ارجوك إبعد يدك عن رقبتي , أكاد أختنق
- وهذا ما أريده بالفعل , ايّها التافه !!

وأطبق العجوز كلتا يديه على رقبة الشاب بقوة , ليموت بعد إختناقه .. 

ثم ترك العجوز الزقاق المظلم وفيه جثتيّ الشابين الفاسدين , وهو يتمّتمّ بضيق : بقيّ سنة وأسلّم مهمّتي لمخلدٍ آخر ..والى ذلك الحين , سأنظّف الأرض من الأنذال قدر استطاعتي .. فأنا فارسٌ من الفرسان المخلّدين !! وسأكون سوبرمان هذا العصر الكئيب ! 


ملاحظة : 
هذه القصة خيالية , فأنا لا أصدّق بالأقطاب والبدائل المتداولة في الفكر الصوفي .. فسيدنا خضر , وآصف بن برخيا (الذي أحضر عرش بلقيس) هما رجلان صالحين خصّهما الله بعلمٍ تميزا فيه عن بقية الناس في عصرهما .. لكن لا ننسى قول الله تعالى : (ويخلق ما لا تعلمون).. فهل هناك مخلوقاتٍ أخرى غير الملائكة والبشر والشياطين والجن ؟ .. الله أعلم ! 

الثلاثاء، 9 يناير 2018

العبث بأحداث الماضي

فكرة ابن اختي : محمد مصعب ابو الفضل
كتابة : امل شانوحة


 
ليتنا نُغير ما حصل في الحرب العالمية 2 !

بعد ان حلّ المساء .. إقترب مسؤول المكتبة (العجوز الفرنسي) يرافقهُ شاباً اوروبي من الشاب الأمريكي المنهمك بقراءة كتاب التاريخ قائلاً له :
- وانت ايضاً ايها الشاب , تعال معي 
فنظر الأمريكي الى ساعته , وقال باللغة الفرنسية التي يُتقنها : 
- آه آسف .. لم ادرك انه حان الوقت لإغلاق المكتبة ! 
العجوز : لقد انتظرت ذهاب الجميع كيّ أريكما كتابين سيعجبكما حتماً .. الحقا بي
ومشى كلا الشابين خلف العجوز دون ان يعرفا ما يريده منهما ! 

وفي مكتب العجوز .. تفاجأ الشابان بفتحه مكاناً سريّاً في مكتبه ! لتظهر من خلفه غرفةٌ صغيرة بها بعض الكتب القديمة التي رُصّت فوق الأرففّ 
فاستفسر منه الشاب الأمريكي : أهنا تخبأون الكتب المهمّة ؟!
العجوز بابتسامةٍ غامضة : بل الكتب السحرية 

وكان يوجد في منتصف الغرفة السرّية طاولة للقراءة .. فطلب من الشابين الجلوس ليحضر لهما كتابين مميزين , قائلاً لهما وهو يبحث بين الكتب :
- لقد لاحظت على مدار اسابيع انكما لا تقرآن سوى الكتب التي تتحدّث عن الحرب العالمية الثانية !
فأجابه الأمريكي : نعم فجدّي كان طياراً في تلك المعارك , وانا دخلت كلّية الطيران إقتداءً به , فهو مثلي الأعلى
فقال الأوربي بدهشة , وباللغة الفرنسية : غريب ! فأنا الماني , وجدّي ايضاً كان أحد الضبّاط المهمّين في جيش هتلر  

العجوز : وماذا تفعلان في فرنسا ؟
الأمريكي : أردّت استغلال عطلتي للقيام بالسياحة هنا , لكني مدمن على القراءة ولهذا وجدت نفسي أتردّد كثيراً على هذه المكتبة 
الشاب الإلماني : وانا الشيء ذاته ! فقد قدمت الى هنا مع اصحابي , لكني عرفت من المرشد السياحي ان هذه المكتبة تحوي أقدم الكتب التاريخية التي أعشقها بجنون 
العجوز مُبتسماً : ولذلك إخترتكما بالذات لهذه المهمّة الصعبة 

فنظر الشابان لبعضهما باستغراب , ثم سألاه : عن ايّ مهمّة تتكلّم؟ 
فوضع بجانبهما كتابين قديمين , قائلاً لهما : كل ما اريده منكما ان تقرآ هاذين الكتابين .. وانا سأنتظركما في الخارج .. 
الأمريكي : وبعد ان ننتهي من القراءة , نناديك ام ماذا ؟
لكن العجوز لم يجيبه , بل قال لهما بغموض : بعد ان تُنهيا القراءة سيتغيّر وجه العالم 
ثم خرج واغلق عليهما الباب السرّي دون ان يوضح لهما ما كان يقصده !

فقال الشاب الإلماني للأمريكي بدهشة : نُغير وجه العالم ! 
الأمريكي : لابد انه عجوزٌ خرِف .. والآن دعنا نقرأ , فيبدو اننا حصلنا على كتب تتحدّث عن أحداثٍ سرّية حصلت في الحرب العالمية الثانية
الإلماني وهو يفتح كتابه : وهو مليء بالصور النادرة ! انا متشوّق للبدء بقراءته .. على فكرة اسمي أوليفر
الأمريكي بابتسامة : وانا جون .. تشرّفت بمعرفتك 

وبعد دقائق إنشغل كلا الشابين بالقراءة عن تلك الحقبة الزمنية المهمّة ..
***

وبعد ساعة .. شعر الأمريكي بدوارٍ مُفاجىء , وصار يفرك عيناه بتعب .. وما ان فتحهما حتى وجد نفسه يقود طائرة حربية قديمة ! 
فارتبك وهو يمسك المقود فترنّحت الطائرة يميناً ويساراً , ولم يعيّ اين هو الى ان صرخ فيه الطيار الثاني الذي كان يجلس خلفه :
- جون , ما بك ؟!! تحكّم بالطائرة جيداً , الا تدري اننا نحمل القنبلة النوويّة يا رجل ؟! 

وهنا نظر جون مجدّداً من نافذته على المنطقة التي يطير فوقها .. وسأل الطيار الثاني وهو مازال في صدمة :
- اين نحن الآن ؟!
- إقتربنا من هيروشيما اليابانية .. وما ان تظهر المنطقة المراد تفجيرها على شاشاتنا حتى نرمي بالقنبلة فوق رأس الملاعين !! 
- ماذا قلت ! .. في ايّ يومٍ نحن ؟!
- هل أصبت رأسك ..
مقاطعاً وبغضب : إخبرني يا هذا ؟!!

- اليوم هو 6 اغسطس !
- من ايّ عام ؟
- ماذا هناك يا جون , انت تخيفني !
فعاد وسأله بعصبية : فقط إخبرني !!! 
- نحن في سنة 1945 .. جون .. ان كنت تشعر بالدوار , فسأقود بدلاً عنك !

وهنا تذكّر جون ما قاله له العجوز الفرنسي بالمكتبة , فتمّتم بصوتٍ مسموع : 
- نُغير العالم ! يا الهي .. لقد أعادنا اللعين الى الماضي !
الطيّار الثاني بعد ان سمعه من الميكرفون : من الذي أعادكم للماضي ؟! ..عن ماذا تتكلّم يا جون ؟!

وفجأة ! إنحرفت الطائرة عن مسارها , حيث قادها جون بأسرع ما تتحمّله محرّكاتها نحو البحر
الطيار الثاني بخوف : جون مابك ؟! هيا توقف !! فنحن نبتعد كثيراً عن نقطة الإنفجار !
فقال جون : بالضبط !! فأنا لن أقوم بهذه العملية القذرة 

- ماذا ! هكذا سنطرد كلانا من الجيش , وربما نسجن .. هذا اذا لم يعدمونا لمخالفة الأوامر
- لا يهم طالما انني أمنع اسوء حادثة حصلت في التاريخ
- عن ماذا تتكلم ؟! نحن سنفجّر تلك المنطقة وحسب
- بل سيُقتل الآلاف ويتشوّه الكثيرين , وتنهار دول بسبب هذه القنبلة اللعينة .. وانا لن أفعل ذلك !!

ثم رمى القنبلة وسط البحر , والتي أحدثت موجة عالية تضرّرت منها بعض السواحل اليابانية .. لكن خطرها كان أقل بكثير من الدمار الذي حصل عندما قُصفت هيروشيما بالفعل !

وما ان فعل ذلك حتى أرتبكت الحكومة الأمريكية بعد انكشاف مخطّطاتها السرّية , مما نبّه رئيس الوزراء الياباني سوزوكي الذي أسرع بشنّ هجومٍ شرس بمساعدة القوات الإلمانية ضدّ قوّات الحلفاء التي من ضمنها الولايات المتحدة ! 
ولهذا أصدرت اميركا الحكم بإعدام كلا الطيارين اللذين خالفا الأوامر .. لكن جون تحمّل كامل المسؤولية , مما أنقذ الطيار الثاني من الموت ..

وعندما تمّ تقيد جون بالكرسي الكهربائي .. قال له الضابط : 
- أتدري انه ربما تنهار امريكا ودولٌ أخرى بسبب مخالفتك للأوامر , ايها الغبي ؟!!  
فقال جون مُبتسماً : يكفي انني أنقذت الملايين من أسوء تجربة بشرية , وأنقذت أمّنا الأرض من تلوثٍ عظيم 
فصرخ الضابط بغضب : أعدموه !!!
***

امّا ما حصل للشاب الإلماني (أوليفر) بعد قراءته لكتابه السحري : انه استيقظ من شدّة البرد وهو داخل خيمة عسكرية !
وعرف لاحقاً انه الظابط المسؤول عن قيادة الجيش الإلماني باتجاه الحدود الروسية !
اوليفر بدهشة : هل انا المسؤول عن هذه الحملة الغبية ؟!
الضابط المساعد : ولما تقول غبية يا سيدي ؟!
- ومن يحارب روسيا في عقر دارها في فصل الشتاء ؟! 
- لكنها اوامر هتلر

- وإن كانت !! نحن لن نقتحم روسيا , لأننا سنتجمّد حتماً مع هذا الطقس الذي سيزداد برودةً مع الأيام , وسيُفنى الجيش بأكمله تماماً كما حصل مع جيش نابليون , الا نتعلّم ابداً من أخطاء التاريخ !
الضابط الثاني بقلق : لكن هتلر سيعدمك في حال عرف انك لم تنفّذ أوامره 
- بل سيشكرني لاحقاً , لأنني سأنقذ المانيا من خسارةٍ فاضحة 
- ومالعمل الآن ؟!
اوليفر : سنتقهقر للوراء , ونتمركز في منطقة أكثر دفئاً .. وعليك ان تخبر الجميع بأنه من يحاول إيصال هذه المعلومات الى هتلر , فسأعدمه على الفور 

- يعني نتراجع بسرّية ؟!
- نعم , وعندما تختفي أخبارنا , سيظنّ الجميع بأننا دُفنا تحت الثلج .. هيا إجمع الجنود كيّ نعود الى.. 
الضابط مقاطعاً بقلق : لكن سيدي..
فرفع اوليفر مسدسه في وجهه , قائلاً بنبرة تهديد :
- نفّذ حالاً , والاّ قتلتك !!  
*** 

وبعد قليل .. استيقظ الشابان وهما يجلسان داخل المكتبة الفرنسية , لكن ليس بغرفتها السحرية , وكان الوقت صباحاً !
فنظر كلاّ منهما للآخر , وعلى وجهه آثار الصدمة ! 
جون بتردّد : هل حصل لك مثل ما حصل معي ؟!
اوليفر : أظنّ ذلك ! فقد أعادني الكتاب السحري الى الماضي
- وانا كذلك !
وصارا يتحدثان عما حصل لهما في الحرب العالمية الثانية..

اوليفر : يعني استيقظت قبل اعدامك ؟
جون : نعم وانت ؟ 
اوليفر : كل ما اذكره انني رفضت إقتحام روسيا , مُنتظراً اللحظة المناسبة لأعود بجنودي الى المانيا ! 
جون : أظننا فعلنا الصواب وأنقذنا البشرية من أسوء أخطاءٍ حصلت في تلك الحقبة
اوليفر : صحيح .. لكن اين صاحب المكتبة العجوز ؟ وكيف خرجنا من تلك الغرفة وجلسنا في القاعة ؟! 
جون هو يتلّفت حوله : والله لا ادري !.. انظر الى النافذة !! لقد حلّ الصباح.. دعنا نخرج من هنا 
***

وأول ما لاحظاه بعد خروجهما من المكتبة : هو ان الفرنسيين في الشارع يتكلّمون جميعهم اللغة الألمانية ! 
فسأل جون اوليفر : بأيّ لغة يتكلّمون ؟!
- الإلمانية ! 
- ولماذا ؟! 
- لا ادري !

وهنا اقترب منهما جندي يلبس الزيّ النازي , وسألهما عن هويتهما النازية
جون : اوليفر .. ترجم لي ما يقول 
اوليفر بدهشة : يريد هويتنا النازية !
فهمس له جون : وهل مازلنا في الماضي ؟ فالنازية إنتهى عصرها!  

لكنهما اعطيا الجندي جوازات سفرهما .. وحينها حصل مالم يكن بالحسبان !
فقد تم تسفير الشاب الألماني (أوليفر) الى المانيا , ومن ثم نقِل الى قصرٍ فخمٍ , وهناك عاملوه كأنه من الشخصيات المهمّة في البلد !
اما الشاب الأمريكي (جون) فقد اقتادوه الجنود الألمان الى معسكرات التعذيب النازية ! 
***

وقد عرف الشابان لاحقاً : بأن تغيرهما للأحداث الماضي أدّت لنتائجٍ سلبية في المستقبل !
فبسبب عدم خوض جيش الإلماني لروسيا , فقد عاد سالماً الى المانيا قبل ايامٍ قليلة من سقوط برلين , مما حرّر هتلر من ملاذه الأخير قبل ساعاتٍ قليلة من انتحاره , وهذا ما أعاد المانيا قويّة من جديد 

ولاحقاً قام هتلر بتكريم الضابط (الذي خالف اوامره باقتحام روسيا) الذي كان جدّ اوليفر , بحيث رقّاه الى رتبة قائد قوات الجيش الإلماني بأكمله ! 
وبذلك أصبحت عائلته تعامل الى اليوم كأمراء المانيا , ومنهم حفيده أوليفر 
***

امّا جون الأمريكي فبسبب رفضه القاء القنبلة النوويّة فقد زاد جبروت اليابان مما جعلها تحتلّ نصف الصين بأساليبها الوحشية , وأصبحت دكتاتورية (تماماً ككوريا الشمالية في وقتنا الحالي) ممّا زاد من تخلّف شعبها , وقد أثّر ذلك على حضارة المستقبل بعد ان قلّت الإختراعات اليابانية ..

كما ان اليابان انتقمت أشدّ الإنتقام من امريكا بعض فضح عمليتها النووية السرّية ومنعها للقنبلة الثانية المراد القائها على ناجازاكي في آخر لحظة , مما ادّى الى انهيار قوة اميركا التي أصبحت في المستقبل كدول أميركا الجنوبية حيث تفشّى فيها المخدرات وعصابات الأسلحة وسوء الأحوال الإقتصادية .. 

ومنذ يوم عصيان جون للأوامر تم تعذيب كل جندي اميركي يتواجد في الدول التي تسيطر عليها المانيا داخل المعسكرات النازية , الذي عانى جون فيها أشدّ انواع التعذيب , بينما صديقه اوليفر كان يُعامل معاملة الأمراء بعدما إحتلّت المانيا معظم دول اوروبا !
***

وفي داخل القصر .. قال اوليفر الإلماني وهو محاط بالنساء الجميلات : ((ليتني اعرف اين انت ايها العجوز الفرنسي كيّ أشكرك على حياة النعيم هذه))

امّا في طرفٍ آخر من المانيا , فكان جون يتلقّى حقنةً كيماوية في ذراعه , صارخاً بألم : 
- ليتني لم أعبث بالماضي !! ليتني لم أغيّر أحداث الماضي !! لا ارجوكم !! لا تعطوني الحقنة السامّة ..أتوسّل اليكم .. لا اريد ان أمووووووووووت !!!!! 

وهذا كان آخر ما قاله جون قبل ان يلفظ انفاسه الأخيرة !

إحتلال الجسد

تأليف : امل شانوحة اختي إستحقّت الموت ! عمّ الحزن منزل دارسن في واشنطن بعد وفاة ابنتهم (10 سنوات) غرقاً أثناء قيام الخادمة الآسيوي...