الخميس، 28 يونيو 2018

معاناة الجنّ

تأليف : امل شانوحة


 
ثورة الجنّيات ضدّ السحرة البشريين !

إستغلّت الجنّية (هنوف) سفر زوجها الى قرية أهله البعيدة لتقوم بمخاطرة لم يجرأ عليها أحد منذ قرون .. فقد طارت بمساعدة صديق والدها العجوز (من الجن الطيّار) مُتنقلةً معه من واديٍ الى وادي بحثاً عن (وَجد) الجنّية الجريئة التي استطاعت مُعاندة عفاريت ومردة قبيلتها من الجن الناريّ الذين يسيطرون حاليّاً على قبيلة الجن الترابي (سكّان باطن الأرض) والتي منهم هنوف والدة الشاب دوما الذي ظلّ مصيره مُقيّداً منذ سنوات طويلة بفتاةٍ بشريّة وصلت بسببه سن العنوسة .. وذلك بعد ان نفذ صبر والدته التي عقدت العزم على فكّ سجن (وجد) كيّ تساعدها على تحرير ابنها بأسرع وقتٍ ممكن
***

وحين وصلت أخيراً الى شقٍّ عميق في إحدى البراكين الخامدة , وجدت السجينة (وجد) مُقيدة هناك وقد تحوّلت الى ما يُشبه الشبح بجسمها الهزيل ووجهها الشاحب وثيابها المهترئة , كما انطفأ بريق عيونها السبعة , والتي ما أن رأت هنوف (القزمة السوداء بشعرها الكثيف) تقترب منها بحذر , حتى انتفضت برعب وهي تحمي وجهها بيديها :
- لا !! ارجوك لا تقتليني !! لقد أعلنت توبتي ولن أغضب أسيادي مجدداً !!
هنوف مُهدّئة : إهدئي رجاءً .. فأنا أتيت لأفكّ قيودك 
وجد بدهشة : وهل ألغى قضاة الجن حكم المؤبد عليّ ؟!
- بصراحة لا .. لكني أتيت بالخفاء لأحرّرك من سجنك
- ولماذا تخاطرين بحياتك من أجلي ؟ فأنا لا أعرفك !
هنوف : سأخبرك بكل شيء , لكن دعيني أساعدك أولاً

وبعد ان فكّت قيودها , أطعمتها وغسّلتها وغيّرت ملابسها .. ثم بدأت تخبرها بالسبب الحقيقي وراء قدومها ..
هنوف : كما أخبرتك .. قبيلتك سيطرت على قبيلتي منذ خمسين سنة بعد ان خسرنا الحرب معهم , و لا ادري حقاً كيف تطيقون حكم المردة والعفاريت الجائر والجبّار ؟!
فتتنهّد وجد بضيق : نعم , الجن الناريّ هم الأكثر عتوّاً وصلابة بين كل انواع الجن .. وأظنهم ارادوا السيطرة على الجن الترابي لأنكم بالعادة تعيشون في بيوت البشر , لهذا تعتبرون المفضلّون عند السحرة البشريين الملاعيين !!
هنوف : عفواً على سؤالي .. لكن كيف استطعت خرق الحاجز الذي بيننا وبين البشر ؟!
وجد : هذا حصل بعد أن ورثت كتاباً أثريّاً كان لعائلة والدتي , فأمي من الجن المائي الغوّاص 
هنوف بدهشة : لم أكن اعرف ذلك ! كنت أظنك ناريّة من كلا الوالدين

وجد : لا .. (ثم تسعل قليلاً) .. اين كنّا ؟ .. نعم .. حين تمّ إختيار ابني لتنفيذ أوامر الساحر البشريّ , بدأت بدراسة ذلك الكتاب الأثريّ الضخم كيّ أجد أيّ ثغرة تجعلني أنتقل الى عالم البشر , لأفكّ إرتباط ابني بذلك البشريّ المسكين 
هنوف بدهشة : أتسمّين المسحور بالمسكين ؟!
- بصراحة نعم , فقد أشفقت عليه .. فمهمّة ولدي كانت النفخ الناريّ في جسد المسحور الذي بدأ يعاني من آلام تُشبه ألم الحصوة بالكلى , وبعد سنوات من تحمّله لذلك الألم القاسي قام باستئصال كلا كلوتيه وزراعة كلية جديدة , لكن قريب ذلك البشريّ أصرّ على الساحر ان يجدّد له السحر , فقام ابني بالإستجابة لطلبات الساحر مُرغماً , وبدأ يتسبّب بالمزيد من الآلام للمسحور مما أدّى لتدهوّر حالته النفسيّة.. وحين استطعت أخيراً إيجاد التعويذة المناسبة التي تجعلني أصل الى إبني وأفكّ قيود رجله المعلّقة بأعضاء البشريّ الداخلية , قام ذلك المسحور يائساً بالإنتحار , مما تسبّب بمقتل ابني معه 

هنوف بقلق : يا الهي ! أهذا يعني ان أبناءنا بمهمّاتٍ انتحارية ؟!
وجد : ربما .. فالإنسان ليس لديه صلابتنا وصبرنا و بالعادة ييأسون بسرعة , فكيف برأيك سيتحمّلون كل هذه الآلام الجسدية والنفسيّة التي نُسبّبها لهم بسبب السحر ؟
هنوف بجدّية : إذاً جيد انني وجدتك , فأنا اريد تحرير ابني من مهمّته .. ولا تقلقي , فجميع نسّوة قريتي سيساندونك في فكّ العقود التي تربط ابنائهم بالسحرة .. لكن المهم الآن .. هل مازلتي تحفظين تلك التعويذة التي تصلنا بعالم البشر ؟
وَجد بابتسامةٍ ماكرة : بل أحفظها أكثر من اسمي .. (ثم تلفّتتّ حولها بقلق) ..لكني أخاف ان أذهب معك , فلربما أتى أحد الحرس ..وفي حال لم يجدني في مكاني , سيقوم بإبلاغ المجلس عن هروبي .. ومن ثم ..
هنوف مقاطعة وبحزم : ثم ماذا ؟!! .. بكل الأحوال انت محكومٌ عليك بالإعدام , على الأقل لنمتّ جميعنا كأبطال ونحن نحاول التحرّر من عبوديّة سحرة البشر الملاعيين !! 

ففكّرت وجد قليلاً , قبل ان تُومىء برأسها موافقة .. ثم ركبتا ظهر الجن الطيّار الذي كان ينتظرهما خارج الكهف , وانطلق بهما عائداً الى قرية هنوف في باطن الأرض .. وقد وصلوا اليها مع تباشير الصباح والجن نيام , وعادوا الى بيوتهم بسرّيةٍ تامة 
*** 

وماهي الا ساعات .. حتى انتشرّ الخبر بين مجموعة محدّدة من النساء (الجنّ الترابيون) اللآتي يتشاركنّ جميعاً : بأن لديهنّ ابناء رحلوا منذ مدة طويلة بمهمّاتٍ سحريّة , ولهذا فرحنّ جداً برؤية البطلة وجد في قبو منزل هنوف .. 

وبعد ان سلّموا عليها .. بدأوا بالخطيط لمهمّة إنقاذ ابنائهنّ بسرّية تامة دون علم أزواجهنّ الفخورين باختيار العفاريت لأبنائهم الصغار لهذه المهمّات الصعبة .. 
فقالت هنوف لهنّ :
- لقد قمت بهذه المخاطرة وأحضرت البطلة وجد اليكنّ لأننا جميعاً نعاني من الشيء ذاته .. فكما تعرفون .. إبني دوما مازال مرتبطاً بتلك البشريّة لأكثر من 33 سنة ! الا يكفي ان ضاع شبابه معها ؟ لهذا لم أعدّ أحتمل , وأريد عودته اليّ حالاً !! 
فقالت الجنيّة (ام مهران) بحزن : على الأقل ابنك ذهب في مهمّته حين كان مراهقاً , لكن ما ذنب ابني الصغير ان يرتبط بطفلٍ بشريّ لعشر سنواتٍ كاملة , حتى أوشكت على نسيان شكله !
فقالت الثالثة غاضبة : علينا القيام بثورة تطيح حكم العفاريت الناريّة , فنحن لم ننعم بالراحة منذ خمسين سنة .. والمشكلة ان ازواجنا الجبناء يطيعون أوامرهم , بل يهدّدونا بالفراق ان منعنا ابناءنا من تنفيذ طلباتهم !

فقالت القزمة الرابعة بقلق : برأيّ , الأمر شبه مستحيل .. فعبوديّة الجن للسحرة البشريين بدأت منذ ايام النبي سليمان .. أيّ من قرونٍ طويلة .. فكيف بإمكاننا الآن التحرّر والإستقلال عن البشر ؟! وفي حال استطعنا , فالأمر سيؤدي حتماً الى حرقنا في ساحة قريتنا من قبل المردة والعفاريت الذين لديهم مصالحهم الخاصة مع سحرة البشر
هنوف بحزم : كل ما أعرفه ان الأمر بات لا يطاق , وانا قرّرت بأن أفكّ سحر ابني بنفسي , ولوّ جازفت بحياتي !! 
صديقتها مُحذّرة : لا تتهوري يا هنوف , فعنادك قد يتسبّب بموته ايضاً كما حصل مع ابنها (وأشارت الى البطلة وجد) .. ما بك لا تتكلّمين ؟ ارجوك إنصحينا فنحن تائهات , وانت الوحيدة بيننا التي جرّبت الموضوع من قبل

فنظرت وجد اليهنّ بعيونها السبعة , ثم قالت لهنّ :
- ربما لم تنجح مهمّتي لكن الموضوع ليس مستحيلاً ويمكنكنّ إنقاذ اولادكنّ , لكن عليكنّ بعدها إرسالهم الى مكانٍ بعيد كيّ لا ينفضح أمرنا لحكّامنا فيعدمونا جميعاً
هنوف بحزم : سأقوم أنا بالمخاطرة الأولى .. وان مُتّ مع ابني الشاب , فوصيتي لكنّ : ان تهتمّوا بإبني الصغير 
فنظرنّ صديقاتها اليها بحزن , بعد ان شعرنّ بأنه من المستحيل تغير رأيها بعد أن عقدت العزم ..
وجد : طالما انت مصرّة يا هنوف على المجازفة , فسأخبرك بالخطة
واستمعت الجنّيات الى خطة وجد باهتمام ..
***

وفي الجهة الأخرى من العالم .. كانت السيدة البشريّة رؤى تحتفل مع صديقاتها بعيد ميلادها الأربعين .. وبعد ان انتهاء الحفل , إقتربت منها صديقتها التي لم تغادر مع الأخريات ..
- لما أراك حزينة هكذا ؟ فأنت لم تبتسمي ولوّ لمرة طوال الحفلة 
رؤى بحزن : وعلى ماذا أفرح ؟! فقد وصلت اليوم الى سن العنوسة
صديقتها مُعاتبة : لا تقولي هذا , فأنت سيدة ناجحة في عملك ولديك الكثير من الأصدقاء
- وما الفائدة طالما ليست لديّ عائلتي الخاصة ! فكما رأيتي .. جميع أصدقائي القدامى من ايام دراستي المدرسية والجامعية وكذلك زميلاتي في العمل جميهنّ متزوجات , حتى ان بعضهنّ إحتفلنّ بخطوبة اولادهنّ , وانا لم اصبح أماً بعد ! وربما لن أشعر بالأمومة مطلقاً 
صديقتها بتردّد : أتدرين .. لطالما أردّت سؤالك عن هذا الموضوع , لكني كنت اخشى ان اجرحك
رؤى بعد ان تنهّدت بحزن : اسألي عزيزتي
صديقتها : الم يخطبك أحد طوال العشرين سنةً الماضية ؟

تبتسم بحزن : أكثر من 15 شخص , ولا ابالغ ان قلت ان جميعم كانوا يستعجلون اهلي بتحديد موعد الزواج  
- إذا ماذا حصل ؟!
- لا ادري .. فقبل حفلة الخطوبة , يختفون تماماً !
- ماذا تقصدين ؟!
رؤى بحزن : يغيّرون رأيهم في آخر دقيقة , وكنت أظن السبب : ان إحدى أقربائي تقوم باختلاق عيوبٍ في شخصيتي وتُخبرها للعريس , فيعزف الآخر عن اتمام الزواج
- وهل هذا ما حصل حقاً ؟
- يبدو لا .. فقد طلبت من اهلي ان لا يخبروا أحداً بموضوع تقدّم أيّ عريسٍ لي حتى إتمامّ الزواج , لكن مع هذا لم يتغير شيء ! .. وفي أحد الأيام التقيت بصديقتي التي ابتعدت عني بعد فشل الخطوبة مع اخيها , وسألتها عن السبب 
- وماذا قالت ؟

رؤى : قالت شيئاً لم أفهمه ! فقد أخبرتني بأن اخاها قبل يوم من حفلة الخطوبة بدأ يعاني من كوابيسٍ مُقلقلة , ورأى جني شاب في نومه يخنقه ويهدّده بايذائه في حال اقترب مني 
صديقتها : ماهذه الخرافات ! هل بسبب الكوابيس تُلغى الأعراس ؟!
- لا ادري .. لكني بدأت أصدّق كلام جدتي بأنني مسحورة
فنصحتها صديقتها قائلةً : مع انني لا أأمن بهذه الأمور ..لكن اذهبي الى شيخ لديه خبرة بفكّ الأسحار , فلربما تجدين الحلّ عنده  
***

وفي تلك الليلة .. نامت رؤى بعد ان أتعبها التفكير في مستقبلها البائس .. وحينها شاهدت كابوساً أفزعها : 
حيث شاهدت طرف بطانيتها تتحرّك بشكلٍ هستيريّ , وصوت امرأة تقول لها : 
- إمسكيه قبل ان يهرب !!
وكأن كلباً عالقاً تحت الغطاء ! فقامت الفتاة وأطبقت يديها عليه , ليرتفع قليلاً في الهواء .. ثم يخرج من تحت الغطاء علبةٌ حديدية صدئة مربوطة بثلاث خيطان سوداء .. فحاولت رؤى فكّ إحداها .. لكن صوت المرأة حذّرتها قائلةً : 
- لا !! إيّاكِ ان تفتحي العقد دون قراءة المعوذات

فبدأت رؤى بقراءة المعوذات وهي تفكّ العقد الثلاثة .. ومن ثم فتحت الصندوق , لتجد بداخله صرّة قماشيّة مُهترئة .. وحين فتحتها وجدت بها شعر خاروفٍ اسود وبهارٍ أصفر كالكركم تمّ لفّهم حول لعبةٍ قطنية , وعلى وجه اللعبة عُلّقت صورة قديمة بدبوس : وكانت صورة لرؤى في سن السابعة ! وكانت بقيّة الدبابيس مغروزة في جسم اللعبة  
ووسط دهشة رؤى مما تراه , سمعت صوت المرأة ذاتها تقول لها:  
- والآن سمّي الله وانت تزيلين كل دبوس على حدة ..

لكن فجأة ! رأت خالتها تصرخ من بعيد وهي تقول :
- إيّاك يا رؤى ان تفكّي سحرك !! فقد دفعت به مبلغاً كبيراً
وهجمت عليها لتمنعها !!! لكنه نزل من سقف الغرفة نساءٌ أقزام مُتشحات بالسواد كثيفات الشعر ولديهنّ عينٌ واحدة مضيئة تتوسّط وجوههنّ , قاموا جميعاً بعمل حلقة حول رؤى بعد ان امسكوا بأيديهنّ ليحموها من خالتها التي كانت تحاول بقوة إختراق صفوفهنّ , وهي تصرخ من خلفهنّ :
- دعوني أمنعها !! فحياتي بخطر ان فكّت سحرها

لكن المرأة ذاتها (وهي الجنّية هنوف) قالت لها : 
- إسرعي وفكّي سحرك يا رؤى !!
فأسرعت الصبية بفك الدبابيس عن اللعبة , لترى خالتها تصرخ بألم خلف نساء الجن , بعد ان سقطت على الأرض وهي تتلوّى من الألم !
***

استيقظت من بعدها رؤى وهي تحاول التقاط انفاسها برعبٍ شديد , ثم أيقظت امها لتروي لها الكابوس الذي أفزع الأم ايضاً وجعلها تقرّر أخذ ابنتها الى شيخ في اليوم التالي والذي قام بتبشيرهما (بعد ساعتين من القراءة على رؤى) بفكّه لسحرها الذي دام أكثر من ثلاثين سنة !

اما خالتها .. فقد عرفتا ظهر ذلك اليوم بأنها دخلت المستشفى بعد ان أصابها صرعٌ مفاجىء , وقد عجز الأطباء عن كشف علّتها !

فقالت رؤى لأمها بغضب : لن أحزن عليها يا امي , فهي لم تشفق على ابنة اختها وهي ترى شبابي يتلاشى كل سنة .. واليوم وبعد ان تخلّصت من سحرها , قامت الجن بعقابها والإنتقام منها .. فلتذقّ قليلاً ممّا جعلتني أعاني منه لسنوات .. اللعنة عليها وعلى هذه القرابة !!
***

في هذه الاثناء .. كانت نسّوة الجن تُهنىء هنوف بعودة ابنها (دوما) سالماً الى أحضانها بعد ان أصبح رجلاً .. لكن للأسف ليس لوقتٍ طويل , لأنها مُرغمة على تسفيره في الصباح الباكر الى أهلها بالقرية الثانية قبل عودة زوجها من السفر .. 
***

وبعد ان ودّعت دوما بالدموع .. عادت هنوف الى بيتها لنقل وجد الى منزل جنية عجوز تعيش لوحدها 
هنوف : انا آسفة يا وجد , لكن زوجي سيأتي قريباً ولا اريده ان يراك هنا 
وجد بابتسامة : لا تقلقي عليّ , فبقائي في منزل العجوز أأمن لي .. المهم الآن .. انني سعيدة لنجاحك في المهمّة
- لم اكن لأنجح لولا توجيهاتك , يا صديقتي ..
- وانا سأعلّمها للبقيّة , كيّ ينقذنّ ابنائهنّ الواحد تلوّ الآخر .. هل جميعهنّ مجتمعات هذا المساء في بيت العجوز ؟

هنوف : كلهنّ ماعدا ام نارند , فهي تصرّ على معارضتنا ! لكني لا الومها فأبنها لم يُرسلوه بعد في أيّةِ مهمّة , وان كان دائماً يُسارع بتسجيل اسمه ضمن المتطوعين الشباب , وهي رغم قلقها عليه الا انها تخاف مُخالفة اوامر العفاريت .. الجبانة !
وجد : دعيها , فهي لم تذقّ بعد ألم الفراق الذي عانينا منه جميعاً  
فأومأت هنوف برأسها موافقة بحزن
***

في مساء اليوم التالي ..استيقظوا على صوت البوق العالي الذي يخشاه جميع الجن , فهو اعلان لإجتماعٍ خاص بشباب الجن في ساحة القرية ..وهذا يعني بأن أحد البشر قام بسحر شخصٍ آخر , لهذا طلب الساحر البشريّ من أتباعه من المردة والعفاريت الناريّة ان يحضروا له متطوّعاً من شباب الجن الترابيين كيّ يربط مصيره بالمسحور , الذي ربما يكون للأبد !

ام نارند بعد ان سمعت النداء : 
- اللعنة !! ليس من جديد .. هاى ابني ! الى اين انت ذاهب ؟!
ابنها وهو يستعد للذهاب : الم تسمعي يا امي .. عليّ الإلتحاق برفقائي بالساحة
- لا ابني , أخاف ان يختارك العفريت لهذه المهمّة الإنتحارية
- انتحارية ! لا تبالغي امي ..هي مجرّد سنواتٍ قليلة وأعود اليك
- سنوات ! الم تسمع ما حصل لابن وجد الذي مات مع المسحور
- تلك حالةٌ استثنائية .. فالبشر عادة ما يفكّون أسحارهم سريعاً .. لا تقلقي امي 
وودّعها , غير آبهٍ بتوسّلاتها ودموعها ..
وكان خوفها في محلّه , حيث تمّ إختياره لهذه المهمّة 
***

ومع تباشير الصباح من تلك الليلة.. تفاجأت النّسوة المُختبئات في قبو منزل العجوز بقدوم ام نارند اليهنّ .. 
هنوف بدهشة : أهذا انت ؟! ما الذي أتى بك الينا ؟ 
- اريد ان أنضمّ اليكنّ 
وجد باستغراب : أحقاً ؟!
ام نارند : نعم , لكن بشرط ان تفكّوا قيد ابني اولاً
جنّية أخرى : لكنه التحق اليوم بالمهمّة !
ام نارند وهي تبكي بقهر : نعم , واريد عودته حالاً !! فأنا ترملّت وهو طفلٌ صغير وربّيته لوحدي , ولا استطيع العيش دونه , فهو كل ما تبقي لي من أهلي 
وجد : حسناً إهدأي قليلاً .. وأجلسي معنا في الحلقة , لأننا سنبدأ بالتعويذات بعد قليل 
***

وبدأنّ بتلاوة تراتيل التعويذة التي تجعل إحداهنّ تنتقل الى عالم البشر .. وكانت المهمة : إرسال ام نارند الى هناك للبحث عن ابنها وتحريره من مهمّته.. وقد فعلت ذلك رغم اعتراض ابنها الذي كان يخشى سخرية اصدقائه عليه , لكنها وعدته بتسفيره سريعاً الى منطقة اخرى وبسرّية تامة .. وحينها فقط قبل العودة معها 
***  

وبعد النجاحات المتتالية للبطلة وجد بمساعدة الجنّيات استطعنّ تحرير معظم ابنائهنّ من سحر البشر وارسالهنّ الى اماكن بعيدة عبر الأنفاق الأرضية كيّ لا يراهم أحد من القرية ويوصل الخبر الى العفاريت ..

وعلى الفور !! انتشر خبر البطلة وجد بين مجموعة الأمهات اللآتي إنضممّن الى الحلقة التي غصّت بها بيت العجوز الصغير , وكل واحدة منهنّ ترغب في تخليص ابنها او ابنتها من الإعتقال البشريّ ..
***

ووصل الدور الى ام مهران التي تم اختيار ابنها الصغير ليلازم طفلاً بشرياً سحرته زوجة والده العقيمة كيّ يصبح كسيحاً وأعمى , وهذا يعني ان يشاركه الجني (مهران) بنفس مرضه الذي دام عشر سنوات ..

وقد نجحت (وجد) بارسال ام مهران الى مكان ابنها .. والتي قامت بالتسلّل الى حلم والد الطفل البشريّ وإخباره بمكان السحر الذي قامت زوجته بدسّه في وسادة ابنه .. فقام الأب مفزوعاً من المنام , وذهب الى غرفة ابنه النائم وسحب الوسادة من تحت رأسه وفتحها ليجد التميمة الجلدية التي بها كلمات السحر , فقام بحرق ورقة التعويذات .. ثم جلس قرب ولده النائم وهو يبكي ويقرأ له القرآن .. ليتفاجأ بعدها برؤية ولدٍ اسود يخرج من جسد ابنه ويسرع راكضاً الى امه الجنية المتشحة بالسواد التي كانت تقف قرب باب غرفة الولد , وكل هذا حصل في ثواني .. وأدّت صرخة الأب بعد ان أفزعه المنظر لإيقاظ ابنه وزوجته الأولى من نومهما .. ورغم ان ام الصبي لم تصدّق ما قاله , الا انها تلعثمت بسعادة حين رأت ابنها يسير باتجاهها وقد عاد لون عينيه بعد ان كانتا بيضاوتين لسنوات .. فحضنته وهي تبكي .. وحينها وعد الأب الغاضب بتطليق زوجته الجديدة التي تسبّبت لعائلته بالألم لسنواتٍ طويلة بسبب حقدها وغيرتها !
***

في اليوم التالي وفي باطن الأرض .. جاء دور جنّية أرادت فكّ رباط ابنتها الشابة الجميلة التي إختارها قادة العفاريت لمهمّة منع شابٍ بشريّ من الزواج , وبعد ان ارسلت (وجد) امها الى منزل المسحور .. طلبت الأم من ابنتها العودة معها الى عالم الجن , لكن ابنتها رفضت ذلك بحجة انها أحبته بعد ان لازمته لعشرين سنة .. لكن امها صرخت عليها قائلة :
- كفّي عن هذا الهراء !! لا زواج بين البشر والجن .. الا يكفي انك حرمته من حبيبته طوال هذه المدة .. هيا عودي معي الى بيتك , فإبن عمك مازال ينتظرك 
وحاولت الصبية تحرير يدها من قبضة امها وهي تصرخ :
- انا لا احب ابن عمي , اريد البقاء مع هذا البشريّ الوسيم !!!

لكن امها استطاعت إعادتها بالقوّة الى عالم الجن .. وكان هذا خطأً فادحاً , لأن الصبية ارادت الإنتقام من امها القاسية , فأخبرت أحد الجنود من الجن الناريين بما فعلته امها .. ووصل الخبر سريعاً الى قادة العفاريت والمردة الذين استشاطوا غضباً من مخالفة الجن الترابيين لأوامرهم .. ولاحقاً تمّ القبض على هنوف وبقيّة النّسوة الخونة .. لكن (وجد) كانت الوحيدة التي هربت منهنّ .. وتم تحديد موعد الإعدام حرقاً في ساحة الجن امام الجميع ..واصّطفت النّسوة الأبطال فوق منصّة الحرق بثباتٍ وقوّة ليس لها مثيل 
*** 

في هذه الاثناء .. كانت وجد تتنقّل بسرعة بين احلام كل البشر التي أنقذتهنّ من سحرهم في الآونة الأخيرة ..
***

وفي الساحة .. تفاجأ الجن بحضور الأبن الأكبر لأبليس بعد ان ارسله والده لحلّ هذه المشكلة .. وبعد ان سجد الجن الترابيين والناريين له .. قال لهم بصوتٍ جهوري : 
- لقد وصل الخبر لوالدي .. وكان له رأيٌّ آخر
فأنصت الجميع له باهتمام ..
ابن ابليس : سنقوم فقط بحرق هنوف ووجد لتكونا عبرة للجميع .. اين الخائنتان ؟ 
فاقترب رئيس العفاريت منه , وأشار من بعيد على إحدى النّسوة المقيدات فوق المنصّة .. 
- تلك هي الجنية هنوف التي تجرّأت على فكّ سجن المجنونة وجد
ابن ابليس : واين وجد ؟
فسكت العفريت بارتباك .. 
بغضب : الم تسمعني ؟!!
العفريت بخوف : لقد اختفت , سيدي 
- ماذا ! الم تقبضوا عليها بعد ؟!

فقال ماردٌ شاب : هي اساساً لن تستطيع فعل شيء من دون مساعدة صديقاتها..
ابن ابليس بغضب : اسكت انت !! 
ثم فكّر قليلاً , قبل ان يقول : 
- حسناً.. سأشرف اليوم على اعدام هنوف ..وحين تقبضون على تلك الخائنة تخبرونني , كيّ نقيم اجتماعاً جماهريّاً آخر لإعدامها
المردة والعفاريت بصوتٍ واحد : حاضر سيدي !!

وبدأوا بإنزال بقيّة النّسوة اللآتي كنّ يبكين على مصير هنوف التي ظلّت لوحدها مقيّدة بالعامود الخشبي في انتظار إعدامها .. بينما كان زوجها يحمل ابنه الصغير ويراقبها من بعيد وهو يشعر بالأسى عليها وفي ذات الوقت يشعر بالخزيّ لما فعلته , كما كان متضايقاً منها لأنها رفضت ان تخبره بمكان ابنه الشاب بعد ان قامت بتحريره ..

وهنا ! فاجأت هنوف الجميع بشجاعتها , حين قالت بصوتٍ عالي من فوق المنصّة :  
- لا يهمّني ان أموت !! فنحن كأمهات سنرفض دائماً إرسال ابناءنا في مهماتٍ انتحارية .. وان كنتم ايها القادة ترضون بالخضوع للبشر , فارسلوا ابناء الجن الآخرين من الناريين والهوائيين و المائيين او القمريين .. وحتى الضوئيين !! 
فشهق الجميع لجرأتها , لأن الجن الضوئيين هم أشد الجن إيماناً وأبعدهم عن الشر ! 

وهنا أشار ابن ابليس بإصبعه للعفريت المسؤول عن الأعدام , فاقترب من هنوف التي كانت تُخفي خوفها , وبدأ بوضع الاخشاب تحتها لإحراقها..بينما كان الحزن يعمّ الجميع , خاصة رفيقاتها من النّسوة الأمهات..

لكن فجأة ! سمعوا صوت أحصنة من بعيد , يقودها البشريين الذين فُكّت أسحارهم في الثلاث الشهور الماضية , وكانوا يهجمون بسرعة باتجاههم 
فدبّ الرعب ارجاء الساحة ..وطارت الجن في كل مكان , حتى ابن ابليس والعفاريت والمردة كانوا اول الهاربين ! 

وحينها قفزت الصبية البشرية رؤى من فوق حصانها باتجاه المنصّة وبدأت بفكّ قيود هنوف التي قالت لها بدهشة :
- أهذا انت ؟!
رؤى بابتسامة : نعم , فأنت أنقذتني من سحرٍ كاد يتسبّب في عنوستي , وبسببك ..ومن بعد توفيق ربي طبعاً .. إنخطبت البارحة وسأتزوج قريباً بعد ان كنت يئست من الحياة 
ثم اقترب شابٌ بشريّ من الجنّية هنوف , قائلاً لها : 
- وانا أخيراً وجدت عملاً بعد ان عانيت لسنوات من البطالة

ثم صعد الى المنصة والد الطفل الأعمى : 
- وبسببك انت وصديقاتك , وبحمدٍ من الله تعافى ابني من إعاقته .. وقد قمنا بتسجيله قبل ايام في المدرسة , وكاد يطير من الفرح وكأنه وُلدَ من جديد
ثم اقترب الشاب الوسيم بعد ان تزوج من حبيبته أخيراً , قائلاً لها بابتسامة: 
- انت بطلة يا هنوف , وعلينا جميعاً ردّ الجميل لك
هنوف بدهشة : لكن كيف وصلتم الى هنا ؟!

فأشاروا الى جبلٍ بعيد , حيث كانت تقف عليه وجد ..
وقال الأب : هي أتت الينا في احلامنا وطلبت مساعدتنا في إنقاذك .. وقالت لنا ان نعطيك هذا الكتاب..
واعطاها الكتاب الأثريّ التابع لعائلة وجد ..
هنوف وهي تمسك الكتاب باستغراب : انه كتاب جدّها السحريّ ! 
فنظرت الى صديقتها وجد التي كانت تلوّح لها من بعيد مودّعة , قبل ان تختفي !
هنوف بقلق : الى اين ذهبت ؟!
رؤى : قالت لنا ان نخبرك بأنك المسؤولة من بعدها عن هذه المهمّة , فهي علّمتك كل شيء .. وحان دورها لتعود الى حياتها .. لكنها تريدك ان تخبري والدة الجنيّة الشابة بأنها عاقبتها لأنها وشت عليكنّ , وقد حبستها بإحدى الأودية , وستبقى هناك حتى يذبل جمالها ومن ثم تُعيدها الى قريتها 
هنوف : هذا سيغضب والدتها , لكنها بالحقيقة إستحقت العقاب

وبعد ان نزلوا جميعاً من فوق المنصّة ..
الشاب البشريّ : انطلقي يا هنوف , فأنت حرّة الآن
وهنا أسرع اليها ابنها الصغير (الجني) ليحتضنها..بينما اختفى البشريين فجأة من الساحة (بعد ان أفاقوا من حلمهم) !  

ثم اقترب منها زوجها.. 
- ما فعلته يا هنوف كان غباءً , لكن في نفس الوقت جرأة لم يقوى عليها أحد من قبل .. لهذا اريدك ان تأخذي ابننا الصغير وتذهبي به الى حيث أرسلتي إبننا البكر , كيّ تعيشوا سوياً 
- وماذا عنك ؟ 
يتنهّد زوجها بضيق : سأبقى هنا , فانا لا أستطيع تحمّل لوم الجن .. وسأخبرهم بأنني طلّقتك لشعوري بالعار ممّا فعلته 
هنوف يقهر : أتبيع عائلتك خوفاً من كلام الجن ؟!
- انا هكذا منذ 600 سنة , ولا أظنّني سأتغير الآن .. إذهبي يا هنوف وانتبهي على اولادنا .. فحياتك هنا في خطر 

فقامت بتوديع زوجها , ثم أخذت ابنها الصغير وطارت به الى قرية أهلها البعيدة بعد ان أعطت كتاب التعويذات الى ام نارند لتستلم عنها قيادة فكّ اسحار الشباب في القرية .. 
***

ومع مرور الزمن .. وقف الأزواج أخيراً مع زوجاتهنّ ضمن ثورة جماعيّة , أرغمت العفاريت النارية على الإنسحاب من تلك القرية متوجهين الى قريةٍ أخرى بعيدةً عنهم..
***

ومع تباشير الصباح بالقرية الثانية .. وبينما كانت هنوف تحاول تنويم ابنها الصغير.. 
هنوف : وهذه كانت قصة البطلة الجنية وجد التي أنقذت قريتنا من ذلّ العبودية للبشر , وأتمنى أن يقلّدونها في جميع قرى الجن
طفلها : وهل أنفكّ رباطنا مع البشر للأبد يا امي ؟
- نعم , ففي وقتنا الحالي سننعمّ بالسلام , وكذلك البشر بعد ان ضعفت قوة السحرة والجمعيات السرّية المُعتمدة على مساعداتنا ..لكن الأمر سيعود أسوء من ذيّ قبل مع ظهور الدجّال
ابنها : أتقصدين المسيح الدجال ذوّ القوة الخارقة ؟
- قوته تنبع من استخدامه لأقوى عفاريت الجن .. وهم جن سليمان

ابنها بدهشة : واو ! جن سليمان .. الم يعتزلوا عالمنا ويسكنون البحر مع الشياطين ؟!
- نعم لكنهم سيعودون وقلوبهم مليئة بالحقد على البشر وعلينا ايضاً , وحينها ستكون اياماً سوداء على كلا العالمين .. أتمنى ان لا نعيش الى ذلك العصر .. (تتنهّد بصيق) ..أعاننا الله جميعاً .. نمّ الآن يا بنيّ ولا تفكّر بالمستقبل .. فنحن بأمانٍ الآن 
*******
ملاحظة : 
رابط المقالة عن : أنواع الجن وأصنافهم وخواص كل نوعٍ منهم
https://www.akhbaralaan.net/news/world/2013/3/8/great-importance-human-life-devils

رغبة في الإنتحار

تأليف : امل شانوحة لا أستحقّ هذه الحياة المرفّهة ! - اريد ان اموت - وبأيّ طريقة تريد ان تُنهي حياتك ؟ الشنق ام المسدس او انك تفض...