الاثنين، 24 أغسطس 2026

وكر الهضبة المهجورة

تأليف : امل شانوحة 

الطفولة المختطفة


على الطريق العام .. تتواجد هضبة صخرية ، مبنياً عليها بيوتاً شعبية فقيرة .. قبل قرار الحكومة بإغلاق جميع مداخلها بسواتر الألمنيوم والحواجز الإسمنتية ، مُجبرةً سكّانها على الرحيل إلى المدينتين المجاورتين ، بحجّة وجود غازٍ طبيعي اسفل الهضبة المكوّنة من شارعين رئيسيّن : علويّ وسفلي .. تحقيقاً لرغبة الدولة ببناء مصنعٍ للإستفادة من موردها الطبيعي .. 

***


وبعد عشر سنوات ، وفي عصر هذا اليوم .. اوقف الشاب سيارته خارج المنطقة المهجورة ، مكملاً طريقه مع صديقه سيراً على الأقدام .. حتى وصلا إلى الشارع العلوي.


وهناك وجدا المكان صامتاً بشكلٍ مخيف : المنازل محطّمة ومتهالكة ، والأعشاب البرّية غطّت الأرصفة والطرقات 


فسأل صديقه بفضول :

- لما أصرّيت على رؤية منطقتنا القديمة ، التي تبدو معدمة مقارنةً بالمدينة الحديثة التي نقلونا اليها ؟!

- اشتقت لذكريات طفولتنا .. فأنا مازلت لليوم مغتاظاً على طردنا منها ، دون سببٍ واضح 

- الا ترى منازلها القديمة الآيلة للسقوط ؟ ..كما ارادت حكومتنا بناء مصنعٍ للغاز..  

مقاطعاً بعصبية : واين هو مصنع الغاز ؟!! لما لم يبنوه حتى الآن ؟

- ربما نقص بميزانية الدولة ، لما تهتم لهذه الأمور ؟

 

فسكت الشاب مطوّلاً ، قبل ان يسأل صديقه :

- هل تذكر ملعبنا الرملي الذي كسبنا عليه الكثير من المباريات التنافسية؟

- بالطبع اذكر ، كان بالشارع السفلي .. لكن سيارتي لم تستطع الوصول اليه ، بعد إقفال مدخله بالبوّابة الحديدية الضخمة ، كما رأيت.. (ثم اشار بيده) .. إن أردت ، يمكنك النظر لملعبنا من خلال شقّ الحاجز الألمونيوم الذي هناك 


فأحنى الشاب الثاني ظهره ، وهو ينظر من الشقّ نحو الشارع السفلي .. ليفاجأ بمنظرٍ غريب ! 

((ثلاثة رجال مسلّحين .. وبجانبهم فتاتان صغيرتان لم تتجاوز اعمارهن الثامنة ، ترتديان فساتين بيضاء..وتجلسان بهدوء على حافة الملعب الرملي المهجور)) 


فشعر الشاب بالقلق ، وأخرج جواله لتصوير ما يحدث ..وهو يطلب من صديقه التزام الصمت ! 

ليصوّر بعد قليل : ((ترجّل رجل من سيارته الفارهة ، لمعاينة الفتاتين .. قبل اختيار احداهما.. بينما يقوم حارسه الشخصي بدفع النقود لأحد الرجال المسلّحين ..ثم سحب الفتاة من ذراعها نحو السيارة التي انطلقت مبتعدة عن المكان))


وما حصل ارعب الشابان اللذان ركضا باتجاه سيارتهما المتوقفة عند مدخل الشارع العلوي.. وهما يحاولان الإبتعاد عن الهضبة التي تحوّلت لوكر عصابة الإتجار بالأطفال المخطوفين 


لكن المنطقة لم تكن سهلة الخروج منها ، بسبب تلال الرمال والحواجز عند المفارق... فاضّطرا إلى سلوك طريقٍ مُلتف ، يحتاج نصف ساعة لعودتهما إلى الطريق العام.


في هذه الأثناء ، ارسل الشاب المقطع لأقرب مركز شرطة التي لم تردّ على رسالته رغم رؤيتهم للفيديو ! 


فالتفت لصديقه وهو يقول بقلق :

- اظنني اخطأت بإرسال المقطع للشرطة 

- ولماذا ؟

- طالما هذه الأمور تحدث في وضح النهار ، فربما كانوا متورّطين مع العصابة التي تعطيهم نسبة من الأرباح .. ولهذا سأنشر المقطع فوراً بوسائل التواصل الإجتماعي  


ورغم قلق صديقه من فعل ذلك ، الا انه تمكّن من نشره قبل دقائق من ملاحقتهما من دوريّة شرطة .. اوقفتهما بالأصفاد بعد توجيه الأسلحة نحوهما !

الشاب بفزع : نحن من ارسلنا فيديو العصابة اليكم !!

^^^


لكن الشرطة اقتادتهما الى داخل المنطقة المهجورة ، بعد فتحهم البوّابة الحديدية الموصلة للشارع السفليّ ! 

متوقفين قرب مستودعٍ مهجور ، خرج منه زعيم العصابة الأعور وهو يعاتب رجال الشرطة الثلاثة على تقاعسهم بمراقبة مداخل وكرهم السرّي! 

فاعتذروا منه ، قبل عودتهم الى عملهم !  


بينما تكفلت العصابة بكسر جواليّ الشابين الذين انهالوا عليهما صفعاً وضرباً دون رحمة !


وبذلك فهم الشابان متأخراً بتورّط الشرطة الفاسدة بجريمة اختطاف الأطفال الذين رأوا العديد منهم هناك ، كأنهم عبيد مكسوري الإرادة بانتظار بيعهم للأثرياء ، كما حصل مع غيرهم ! 


وهنا صرخ احد الشابيّن بألم :

- لحظة توقف !! قبل ان تقتلني ، اريد معرفة ما يحصل هنا 

قائد العصابة : ولما يهمك الأمر ، طالما ستموت بجميع الأحوال ؟

- هذا آخر طلب بحياتي ، اريد معرفة كل شيء قبل موتي.. هل ما اطلبه كثير؟

فردّ قائد العصابة : لا بأس ، طالما الحقيقة ستُدفن معكما .. (وأخذ نفساً طويلاً) ..الخطة كانت بإيجاد مكانٍ يصلح وكراً لنا ، دون لفت الأنظار الينا .. فاخترعنا فكرة الغاز الطبيعي ، لإخلاء المنطقة الشعبية .. 

الشاب مقاطعاً : ولما كل هذا ؟! 


الزعيم : لأن الأثرياء يعشقون نعومة اجساد الأطفال ، سواءً فتيات يافعات او صبيان صغار الذين يقوم رجالي باختطافهم من الشوارع ، او بعد خروجهم من المدارس ، او من المولات اثناء انشغال اهاليهم عنهم .. ثم يحضروهم الى هذا المستودع المهجور 

الشاب باهتمام : وكم طفلاً خطفتم حتى الآن ؟

القائد : طفل او طفلين كل اسبوع على مدى عشر سنوات ، إحسبها انت !! فبعضهم يُباع فوراً ، لوسامته .. وبعضهم يُستغلّ ، ثم يعاد إلينا .. والبعض الآخر يختفي إلى الأبد... وعندما يصبحون مراهقين وبعمرٍ قانوني ، نرسلهم الى المنتجعات والفنادق الفخمة مع نسبة من الإرباح ..


فنظر الشاب للأولاد الذين كانوا يتناولون طعامهم بهدوء ، وهو يسأل بقلق: 

- وكيف تخضعوهم بهذا الشكل ؟! 

الزعيم : الأمر بسيط .. كلما حاول أحدهم الهرب ، نعاقبه بقسوة أمام زملائه ..(ثم اشار للأولاد) .. لكننا بالنهاية لسنا وحوشاً .. فكما ترى ، نوفّر لهم الطعام والملابس الجميلة .. كما لدينا طبيباً يتابع صحتهم ، قبل وبعد انتهاء مهامهم الخاصة .. وهو من يقوم بإجهاض الحوامل منهن..

الشاب مقاطعاً بصدمة : كيف ، وجميعهن صغيرات بالسن ؟!

القائد : لدينا بعض المراهقات .. وأصغر من قمن بإجهاضها ، كانت بسن التاسعة .. لكنها توفيت اثناء العملية

الشاب بقهر : لا اصدق ان كل هذا الجرائم ، لم يعاقبكم عليها احد حتى الآن ؟!


القائد : ومن سيعاقبنا ان كان بعض الوزراء والنوّاب متورّطين معنا ؟ فأولئك الأطفال نخطفهم من جميع انحاء الدولة ، ونحضرهم الى هذه الهضبة التي لم يفكّر احد بدخولها بعد رحيل سكّانها .. فيما عداكما ، ايها الفضوليّن !! لكن بغبائكما ، ارسلتما الدليل للشرطة المتعاونة معنا .. والذين قاموا شاكرين بالقبض عليكما ، وإحضاركما الينا.. وبعد تعذيبكما ، سنقوم بقتلكما دون ان يعلم احد بمصيركما

فرد الشاب بحزم : 

- اخطأت !! الجميع سيعلم عن جرائمكم ، بعد نشري المقطع بجميع وسائل التواصل الإجتماعي قبل قبض الشرطة علينا

القائد بقلق : انت تكذب ..

الشاب مقاطعاً بثقة : ابداً !! ويمكنك التأكّد بنفسك .. إفتح جوالك وابحث عن المقطع الذي صوّرته عنكم 


فانتاب الزعيم الرعب وهو يبحث بالإنترنت .. ليفاجأ بانتشار المقطع بشكلٍ مهول بين الناس ! خصوصاً اهالي الأطفال المفقودين الذين لم ينتظروا الشرطة لإعادة اولادهم ، بل صوّروا انفسهم وهو يتحضّرون لاقتحام المنطقة المهجورة وهم مُدجّجين بالأسلحة البدائية : كالسواطير والسكاكين والعصيّ الحديدية والخشبية 


وقبل ان يستوعب القائد ما يحصل ! دخل احد رجاله فزعاً :

- يا زعيم !! هناك عشرات السيارات تتوجه الينا 

فأعطى الأوامر لرجاله بالهرب من المكان ، وترك الأطفال المخطوفين في المستودع المهجور 


لكن الحواجز التي وضعوها على المفارق ، أصبحت فخاً لهم بعد تأخيرها هروبهم ..وما ان وصلت سياراتهم للطريق العام ، حتى تفاجأوا بالأهالي يحاصروهم هناك.. قبل اقتيادهم ، عائدين الى المستودع المهجور 

حيث قيّدوا افراد العصابة على الأعمدة الصدئة للمستودع ، والذين لم يتجاوز عددهم الثلاثين رجلاً .. بينما الأمهات يحتضن اطفالهن الذين تجمدوا في اماكنهم : فبعضهم نسي شكل اهله ، لاختطافه قبل سنوات .. وبعض المراهقين شعروا بالخزيّ ، للإعتداء المتكرّر عليهم ! 

اما الآباء : فلم ينتظروا قدوم الشرطة ، بعد ان اخبرهم الشاب (الذي نشر المقطع) بتورّطهم مع العصابة .. وهجموا جميعاً بأسلحتهم على الخاطفين وهم يضربوهم بالعصيّ ، ويطعنوهم بالسكاكين حتى الموت .. 


ورغم قساوة المنظر ، الا ان الأطفال صفقوا فرحين بعد مقتل الوحوش الذين تلاعبوا بأجسادهم لسنواتٍ طويلة 

***


ووصل الخبر لأعلى سلطة بالدولة التي اجرت تحقيقاً شاملاً لكل مراكز الشرطة في الدولة ، قابضين على العديد من الشرطة الفاسدة .. كما تم اعتقال الكثير من المسؤولين ورجال الأعمال والشخصيات النافذة ، بأكبر فضيحة هزّت الشأن العام  


وكل هذا بسبب شابيّن اشتاقا لرؤية ملعب طفولتهما ، ليكتشفا مستودعاً دُفن فيه براءة مئات الأطفال .. فاضحان بجرأتهما ، أقذر شبكة إتجار بالبشر في عصرنا الحديث ! 


الأحد، 23 أغسطس 2026

خروف السجن

تأليف : امل شانوحة 

القلوب الرحيمة


في احد السجون العربية ، وقبل يوم من عيد الأضحى.. قرّر الطبّاخ إحضار خروفٍ واحد من مصروفه الخاصّ ، لإطعام المساجين الذين نادراً ما يُسمح لهم بتناول اللحم ، مما جعلهم متحمّسين لوجبة العيد.. 

لكن بغفلة من الطبّاخ ، هرب الخروف الى ساحة السجن.. 


بالبداية حاول السجناء والحرّاس إمساكه ، وإعادته للطبّاخ الذي كان يلاحقه ايضاً .. لكن الخروف ارتمى خائفاً بحضن سجينٍ ضخم ، عُرف بقوته وعصبيّته المخيفة ، خصوصاً مع اقتراب موعد اعدامه .. فتوقعوا ان يدفع الخروف بعيداً بعنف .. لكنه فاجأهم بمسح صوفه برفق ، الى ان هدأ روع الخروف .. وسط صدمة الجميع ! 


ثم طلب من الطبّاخ تأجيل ذبحه لليوم الرابع من العيد .. فوافق مرغماً ، لضخامته وهيبته بين السجناء 

***


وبغضون ثلاثة ايام .. تعلّق الجميع بالخروف ، وهم يدلّلونه ويطعمونه جزءاً من سلطاتهم وخبزهم.. حتى الحرّاس يبتسمون ، كلما رأوا الخروف يتجوّل بحرّية بين العنابر .. 


وحينما ذُبح اخيراً .. اكل الجميع وجبة الأرز باللحم بصمتٍ ثقيل ، كأنهم فقدوا صديقاً عزيزاً ! 

اما مدير السجن الذي كان يتجول بقاعة الطعام ، فقد لاحظ دمعة السجين المرعب التي مسحها سريعاً.. 

فطلب من الطبيب النفسي المحاولة معه من جديد 

*** 


في عيادة السجن .. توقع الطبيب رفض السجين العنيد البوح بمشاعره ، كما يفعل دائماً.. لكن سؤالٌ واحد ، جعل جدار الثلج ينهار اخيراً

الدكتور : إخبرني صدقاً .. هل احزنك اكل لحم صديقك الخروف ؟


فإذّ بالسجين يأخذ نفساً طويلاً ، كأنه يحاول بصعوبة كبت دموعه .. ثم بدأ بسرد الأحداث لأول مرة ، منذ اعتقاله قبل خمس سنوات


حيث اخبره عن اجبار والده القاسي على ذبح خروف العيد ، بعمر الخامسة ! ممسكاً بيده الصغيرة بقوة اثناء النحر ، رغبةً بجعله شاباً قوياً.. لكن رؤيته الدماء دمّرت نفسيّته تماماً ، وقتلت مشاعر الرحمة لديه.. ولهذا فرّ مذعوراً بعد دهسه بالخطأ رجلاً في طريقه إلى صلاة الفجر.. وتركه ينزف وحده حتى الموت ، خوفاً من مواجهة الدماء مرةً أخرى ! ولهذا ينتظر بلوغ اصغر ابناء القتيل سن ١٨ ، لمعرفة ان كان سيسامحه او يُنفّذ فيه قصاص السيف ، والذي سيحدث بعد ثلاثة اسابيع فقط.. ولهذا تعلّق بالخروف ، كمحاولة لاسترداد براءة طفولته التي ضاعت بتربية والده الخاطئة  

^^^


ورغم ان هذا السجين تم اعدامه بالفعل.. الا ان حواره مع الطبيب ، أثّر على مدير السجن الذي عقد اتفاقاً مع مؤسسة ترعى قطط الشوارع .. مُحضراً عشرات القطط إلى السجن ، للسماح للسجناء بتربيتها !

***


في البداية استغرب الجميع قراره ! 

لكن بعد شهور على اعتنائهم بها.. اختفت معظم شجاراتهم ، بعد تبادلهم الطعام لأجل قططهم التي تناقشوا طرق علاجها .. وصنع العاباً لها .. بل وتساعدوا معاً على تنظيف أماكنها ، والعناية بصغارها..


حتى ان الطبيب النفسي لاحظ انخفاض نوبات الغضب والعنف ، وازدياد روح التعاون بين السجناء ! ويبدوا ان ايجادهم لكائنٍ ضعيف يحتاجهم ، أيقظ فيهم مشاعر الرحمة التي حرموا منها ، لظروف حياتهم القاسية

***


وفي أحد الأيام.. وقف مدير السجن أمام نافذة مكتبه ، وهو يراقب عشرات السجناء وهم يطعمون القطط في الساحة..

قائلاً بفخر :

- كل هذا التطوّر الإيجابي حصل يوم هروب الخروف من المطبخ ، مغيراً مصير 200 سجين نحو الأفضل !


الجمعة، 21 أغسطس 2026

الدخيل الطيب

تأليف : امل شانوحة 

الحب المؤجّل


- أين علبة السكر؟

وقفت المرأة السبعينية أمام خزانة المطبخ ، وهي تبحث بين الأغراض بعصبية..

فهي متأكدة من وضعه بمكانها المعتاد ، لكنها لم تعثر على المرطبان.


وبعد دقائق من البحث ، وجدته داخل البراد!

فتساءلت باستغراب :

- من وضعه هنا ؟!


فهي طوال حياتها بهذا المنزل ، لم تغيّر مكان السكر في الخزانة .. كما ان ابنها الوحيد غائباً منذ أسبوع ، بسبب امتحاناته النهائية في الجامعة .. 


فقالت وهي تعيد السكر إلى مكانه:

- ربما نسيت...

***


لكن الأمر تكرّر في الأيام التالية ، بعد تغيّر مكان كرسيها الهزّاز .. وإيجادها جهاز التحكّم فوق التلفاز ، بدل الطاولة ! 

وكوب الماء الفارغ بجانب سريرها ، رغم عدم تذكّرها شربه ! 


كل هذا جعلها تتصل بسكن الطلّاب ، وهي تطلب من ابنها مذعورة:

- إتصل بالشرطة فوراً !! فهناك شخص يدخل منزلي أثناء نومي ، ويُحرّك أغراضي من أماكنها 

- هل انت متأكدة يا امي ؟ ربما نسيتي ..

مقاطعة بعصبية : 

- لم أضع السكر في البراد طوال حياتي !!

فحاول تهدأتها ، وهو يخبرها بأنه سيعيد الإتصال بها بعد قليل ..


فهي لم تعلم بوضعه كاميرات صغيرة في أنحاء منزلها قبل ذهابه للجامعة ، للإطمئنان عليها لحين انتهاء امتحاناته.

وبعد مراجعته التسجيلات ، إنصدم برؤية امه تقوم بتلك التغيرات بنفسها !

^^^


لكنه لم يخبرها بشكوكه ، لحين عودته .. وإصراره على اجراء فحوصاتٍ طبية .. والتي أكّدت بوادر مرض الزهايمر.

فبكى الشاب ..ليس فقط حزناً على مرضها ، بل لحصوله على منحةٍ دراسية لإكمال الماجستير في الخارج.. لكنه سيضطّر لتخلّي عن هذه الفرصة ، للإهتمام بأمه المريضة.. كردّ الجميل عن تربيته وحدها ، عقب وفاة والده وهو طفل صغير !

كما انها أنجبته بعد سنواتٍ طويلة من العقم ، لذلك يوجد فارق عمري كبير بينهما .. جعل الناس يظنونها جدته ، لا أمه.

***


وفي إحدى الأمسيات.. شكى الشاب همّه لجاره الأرمل ، الذي فاجأه بالقول:

- اذاً عليك تصويري داخل منزلها ، اثناء نومها .. خلال قيامي بكل التغيرات التي لاحظتها سابقاً .. ثم تخبرها بأنها تسجيلاتٍ قديمة  

الشاب بدهشة : 

- ولما تُعرّض نفسك للمحاسبة عن ذنبٍ لم تفعله ؟! 

العجوز بحزن : 

- لأني معجبٌ بوالدتك منذ سنواتٍ طويلة .. لكنها منعتني الإقتراب منها ، بعد قرارها بتكريس حياتها لتربيتك..

الشاب بقهر : 

- ليتك تزوجتها يا عمي.. فأنت بمقام والدي.. ولطالما شكوّت لك همومي ، وساعدتني في حل مشاكلي.

العجوز :

- ولهذا لا اريدك ان تخبرها بمرضها ، دعها تظن بأن الدخيل هو شخص لن يؤذيها ابداً  

***


وبعد ايام .. شاهدت امه التسجيلات التي صوّرها لجاره ، الذي قام بتبديل ملابسه مع كل لقطة .. لإيهامها باقتحام منزلها اكثر من مرة 


فاستشاطت غضباً : 

- بأيّ حق يدخل منزلي دون إذني؟! ماذا لوّ كان معي مسدس ، وقتلته من شدة رعبي؟! إذهب وناده حالاً ، اريد معاتبته على تصرّفاته الخرقاء !!

^^^


وبالفعل ، انهالت عليه باللوم والشتائم..

وبدوره ، تحمّل غضبها بصمت..

ثم سألته عن سبب فعله ذلك ؟ 

فأجابها بهدوء :

- لشعوري بالوحدة .. فمنذ وفاة زوجتي وأنا بسن الخمسين ، أعيش وحدي في منزلي الكئيب .. ولهذا أردت الشعور بوجود امرأة في حياتي ، حتى لوّ كانت نائمة في الغرفة الثانية 


ورغم معرفتها بأن تصرّفه خاطئاً ، لكنها تفهمّته .. فهي ايضاً شعرت بالوحدة ، كلما انتقل ابنها للسكن الجامعي بفترة امتحاناته 

***


ومنذ تلك الحادثة ، تغيّرت علاقة الجاريّن اللذين صارا يتحدّثان مطوّلاً .. حتى انها دعته للغداء اكثر من مرة 


ومع اقتراب نهاية العطلة الصيفية ، أخبر الإبن والدته عن قراره بالتخلّي عن منحته الدراسية لأجلها.. لكنها أصرّت على عدم تفويته الفرصة الذهبية 

- وكيف يا امي سأتركك وحدك ؟!


وهنا ، أخرج الجار خاتماً ذهبياً من جيبه..

ثم التفت إلى جارته ، وهو يقول :

- سامحيني ، فصحتي لا تسمح بالجثو على ركبتي .. فهذا الخاتم اشتريته قبل 15 عاماً ، بعد انتهاء عزاء زوجك.. لكنك لم تسمحي لي يوماً بالإقتراب منك..فهل توافقين الآن على إكمال حياتنا معاً؟ .. يعني .. إن لم يكن لأجلي ، فمن اجل راحة بال ابنك .. دعيه يسافر ويكمل تعليمه ، وهو مطمئن على اهتمامنا ببعضنا لآخر عمرنا .. ما رأيك عزيزتي ؟


فتردّدت العجوز بالإجابة ، قبل ان تقول :

- الأيام الماضية التي قضيتها وحدي في المنزل ، اثناء امتحانات ابني.. جعلتني أدرك بأن الوحدة اصعب من كلام الناس ولومهم المحرج 

ثم ابتسمت له :

- انت جاري منذ سنواتٍ طويلة ، ولم تعد غريباً عني.. ولهذا اوافق على طلبك

***


بعد عقد زواجهما في المحكمة .. ودّعهما الإبن قبل ذهابه للمطار ، لإكمال دراسته بالخارج 

***


بعد شهور ، وصلته رسالة من جاره .. مُرفقة بتقريرٍ طبي عن والدته : تؤكّد تحسّن صحتها بشكلٍ ملحوظ بعد انتظامها على ادويتها ، واهتمام زوجها بها .. والذي نجح بإخراجها من سنوات الوحدة الطويلة ، مما انعكس إيجاباً على حالتها النفسية والجسدية..


ففهم الشاب ان ابتعاده عنها ، كان خيراً لها .. وأن الدخيل الطيب لم يكن الرجل الذي بعثر اغراضها دون اذنها ، بل هو من اعاد لها الحياة ! 


الأربعاء، 19 أغسطس 2026

كتيبة الضباب

تأليف : امل شانوحة 

حرّاس البشرية


بعد انغلاق مضيق هرمز في الحرب الحالية بين ايران واميركا التي ادّت لتكدّس السفن التجارية بالخليج العربي ، تلقّت بارجةٌ حربية أمريكية رسالة مورس من سفينةٍ صغيرة مجهولة الهوية : 

((هنا فرقةٌ عسكرية بريطانية مستقلّة... لدينا القدرة على إزالة الألغام ، وتأمين الممرّ البحري... نطلب الإذن بالتقدّم))


ومع رفضهم الإطلاع على مزيد من المعلومات حول كتيبتهم ، اضّطر الضابط الأمريكي للإتصال بالقيادة العسكرية البريطانية التي نفت معرفتها بتلك السفينة !

وبسبب الأزمة الاقتصادية التي تتفاقم يومياً ، صدر قرارٌ استثنائي بالسماح لأولئك الجنود بالمجازفة بأرواحهم !


بعد ساعتيّن .. بدأت أجهزة الرادار ترصد انفجاراتٍ متتالية للألغام داخل المضيق ! وكأن تلك الكتيبة حصلت على الخريطة البحرية التي تحدّد مواقعها بدقةٍ متناهية ! 

***


وفي صباح اليوم التالي ، وصلتهم رسالةً جديدة : 

((أصبح الممرّ آمناً... يمكن للسفن التجارية العبور الآن... ونحن سنرافقها حتى خروجها من منطقة الخطر))


فرفض جميع القباطنة الإبحار الى هناك .. ما عدا سفينة هندية استنفدت معظم مؤونتها ، لوجودها بالخليج العربي مع بداية الحرب 

فاضطّر قبطانها للمخاطرة ، بينما راقبته بقية السفن وهو يعبر المضيق الخطر .. ليشاهدوا انفجار صاروخ ايراني بالسماء حاول اعتراضها ، من قبل راجمة بدائية الصنع ، أُطلقت من السفينة الخشبية البريطانية للكتيبة المجهولة !


وفور إعلان القبطان الهندي وصوله سالماً إلى وجهته ، حتى بدأت بقية السفن التجارية بالعبور تباعاً.. تحت حماية السفينة البريطانية الصغيرة ، بجنودها الشجعان الذين تمكنوا خلال ايامٍ معدودة بإنهاء الأزمة الراهنة ، وإعادة الملاحة البحرية إلى طبيعتها ! 


وقبل الإتصال بقائدها الإنجليزيّ ، لتكريمه مع كتيبته على تنفيذهم المهمة الصعبة .. اختفت السفينة البريطانية من البحر دون وصولها لميناءٍ ما ، او عبورها حدوداً بحرية .. كما لم ترصدها الرادارات مجدداً ! 

***


في اميركا .. فُتح تحقيقٌ مشترك مع بريطانيا ، لكشف اللغز .. 

ليصلهم تقريرٌ صادم : بعد تمكّن إحدى السفن من تصويرها ، خلال المرور بجانبها .. لتظهر سفينتهم الصغيرة ، مصنوعةً بالكامل من الخشب..

اما جنودها الذين ظهروا بالصورة : فكانوا يرتدون زياً عسكرياً يعود للقرن الماضي ! 


وبالتواصل مع الأرشيف العسكري البريطاني..

اخرج المسؤول الإنجليزي صورةً صفراءً باهتة ، وهو يقول : 

- أنظروا جيداً ، انه نفس القائد القديم 

الضابط الأمريكي بدهشة : 

- ومن يكون ؟!

- قائد الكتيبة الخامسة من فوج نورفولك البريطاني.. ففي عام 1915 ، وأثناء معاركنا في شبه جزيرة جاليبولي .. تلقّت الكتيبة أمراً بالتقدّم نحو هضبة كوشوك أنفارتا أوفا التركية .. فاقتحم الجنود ضباباً كثيفاً ، دون خروجهم منها .. حيث لم يعثر على قتيلٍ أو جريحٍ أو أسير .. ومازالوا لليوم لغزاً عسكرياً غامضاً !


فساد الصمت غرفة الإجتماع.. قبل ان يسأله الرئيس الأمريكي:

- أتقصد أنهم اشباح ، عادوا إلى زماننا الحاليّ كفرقةٍ عسكرية لا تموت .. ولهذا جازفوا ببسالة لدخول المضيق المليء بالألغام البحرية دون خوف؟


ففتح المسؤول البريطاني ملفاً آخر ، مُخرجاً عدة مستندات قديمة :

- ليست المرة الأولى ، فهم ظهروا في عدة حروب بالسنوات الماضية .. وهم مستعدون دائماً لتنفيذ مهمّات مستحيلة ، عجزّ الجميع عن حلّها .. لكن قبل تكريم جهودهم ، يختفون من الوجود ! 

- ولماذا لم تعلنوا الأمر للعالم ؟

- لأن الأمور الغامضة يفضّل كتمانها 

فقال أحد الحاضرين:

- ان كانوا خالدين ، فلابد أن حياتهم مثالية.

فأجاب المسؤول البريطاني بشفقة : 

- بل المساكين عالقون بلعنةٍ ابدية .. تخيّل أن تبقى شاباً دون امراض ، ورغم ذلك لا تستطيع الزواج أو تأسيس عائلة ... بل وتضّطر لتغيير هويتك باستمرار ، كي لا يكتشف أحد سرّك ..حتى لا تُحجز في متحفٍ ما ، او تُعامل كفأر تجارب بالمعامل الكيميائية 

الرئيس الأمريكي :

- ترى ماذا فعل بهم ذلك الضباب؟

المسؤول البريطاني :

- يبدو انه حكم عليهم بالخدمة العسكرية الأبدية.


ضابط امريكي : 

- وهل برأيك تتقابل الأشباح فيما بينها ؟ أقصد هل تجتمع تلك الكتيبة البريطانية مع جيش قمبيز الفارسي المكون من 50 ألف مقاتل ..الذي اختفى بالكامل في الصحراء الغربية عام 524 قبل الميلاد.. حيث يُرجّح ان عاصفة رملية (رياح الخماسين) ابتلعت الجيش بأكمله ؟

المسؤول البريطاني : لا ادري ، ربما يكونون هم انفسهم .. فقط يغيّرون زيّهم عبر العصور.. وربما يعيشون بيننا الآن ، كأشخاصٍ عاديين .. وعندما تظهر مهمة عسكرية صعبة .. يجتمعون معاً لتنفيذها ، لنشر السلام بالعالم 

الرئيس الأمريكي : 

- انا لا تهمني تلك الخرافات .. ما يقلقني الآن ، هو ما سنخبره لوسائل الإعلام عن منفّذ المهمة البحرية الباسلة في مضيق هرمز؟

فحمل المسؤول البريطاني حقيبته ، وهو يقول : 

- إنسبوا الفضل لمن تشاؤون ، لكن لا تذكروا أسماءهم.. فنحن لا نريد إغضاب اشباحٍ يخوضون اصعب المعارك منذ اكثر من مئة عام 


وفي نهاية الإجتماع.. أُغلقت الملفات تحت بند السريّة التامة.

***


وفي مكانٍ آخر بعرض المحيط .. كانت السفينة الخشبية البريطانية تُبحر وسط الضباب.. وعلى متنها 250 جندياً بزيّ الحرب العالمية الأولى ، وهم على أتمّ استعداد لحماية البشريّة من حروبهم الهوجاء التي ستستمرّ الى نهاية العالم ! 


الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

قطرة العسل (قصة للأطفال)

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

النملة والذبابة


في أحد الأيام المشمسة، سقطت قطرة عسل ذهبية ولذيذة من أحد أطفال البشر على صخرة نظيفة في وسط الحديقة.  


وقفت نملة مجتهدة بجانب قطرة العسل، وبينما كانت تستعد لنقلها إلى بيتها، جاءت ذبابة سريعة ومدت لسانها لتأكل من نفس القطرة. 


صرخت النملة بانزعاج 

النملة: ابتعدي أيتها الذبابة المزعجة! هذه القطرة لي، وأنتِ لا تفعلين شيئاً سوى نقل الأوساخ والجلوس في الأماكن غير نظيفة! 


غضبت الذبابة وهزت جناحيها الشفافين بقوة وقالت 

 الذبابة: أنا مزعجة؟! على الأقل أنا لستُ مثلكِ أيتها النملة، أنتم تهجمون على طعام البشر وتخربون بيوتهم، وتلدغون كل من يقترب من قريتكم.  


تراجعت النملة قليلاً وهي غاضبة.  

النملة: أنا أدافع عن نفسي. نحن النمل جنود الطبيعة المجهولون! نحن ننظف الأرض من الحشرات الميتة، ونحفر الأنفاق التي تدخل الهواء إلى التربة لتنمو النباتات، وننقل البذور لمسافات بعيدة فتزهر الحديقة. فما هي فوائدكِ أنتِ سوى الطيران وإزعاج النائمين؟ 


ضحكت الذبابة بسخرية وقالت  

الذبابة: أنتِ ترين نصف الصورة فقط أيتها النملة! صحيح أن مظهري لا يعجب البعض، لكن هل تعلمين أننا نحن الذباب نقوم بدور عظيم؟ نحن نعمل كعمال نظافة للطبيعة، نتغذى على المواد المتحللة فنخلص الأرض من النفايات والأوبئة قبل أن تتكاثر، والأهم من ذلك، أننا نساهم في تلقيح بعض النباتات والأزهار التي لا تزورها النحل، كما أننا طعام مهم للطيور والضفادع لكي تستمر الحياة! 


صمتت النملة مندهشة، وفكرت في كلام الذبابة ثم اعترفت بصدق 

النملة: حقاً؟ لم أكن أعرف أن لكِ كل هذه الفوائد.. كنتُ أظنكِ بلا فائدة تماماً. 


أجابت الذبابة بلطف، وقد هدأ غضبها 

 الذبابة: وأنا أيضاً أيتها النملة، ظننتُ أنكم مجرد حشرات متعبة تحملون ما لا تطيقون. لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى، وما خلق شيئاً في الكون إلا لحكمة عظيمة. 


النملة: نعم.. لكل منا دوره في الطبيعة التي خلقها الله لتستمر الحياة في نظام وانسجام  


ابتسمت النملة وقالت  

النملة: إذن، هذه قطرة العسل واسعة وكبيرة بما يكفي لنا نحن الاثنين. 


تقاسمت النملة والذبابة قطرة العسل بسعادة، وتعلمتا أن لكل مخلوق في هذا الكون دوره الأساسي الذي لا غنى عنه، وأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئاً عبثاً، بل جعل لكل منا مهام وفوائد تكمل نظام الحياة والطبيعة.


الاثنين، 17 أغسطس 2026

الخدعة الفلكية

تأليف : امل شانوحة 

 

الملكية الفكرية 


في المستقبل القريب.. ضجّت وسائل التواصل الإجتماعي بخبر الإنفجار الشمسي الذي سيحدث خلال شهرٍ واحد ، والذي سيدمّر الإنترنت بما فيه من بياناتٍ رقمية .. فارتعب صنّاع المحتوى من اختفاء مقالاتهم وفيديوهاتهم التي نشروها لسنواتٍ طويلة ..


وفجأة ! ظهر عرض ملياردير غامض ، اعلن رغبته بشراء المدوّنات والقنوات الشهيرة ، بأسعارٍ لا تناسب جهود اصحابها .. لكنها أفضل من خسارة كل شيء ، إن حصلت الكارثة الفلكية 

***


وخلال أيامٍ قليلة.. وقّع آلاف المبدعين عقوداً ، لنقل حقوق أعمالهم الأدبية والفنية لذلك الثريّ ..


فيما عدا كاتبة لديها ارشيفٌ ضخم من القصص المتنوعة ، رفضت بيع اسمها .. رغم ضغط الأهل والأصحاب عليها .. لكنها اخبرتهم بأنها تفضّل تحويلهم إلى كتبٍ ورقيّة ، على ان ينسبهم ذلك الثريّ اليه .. مُتمسكةً بحقها الأدبيّ 

***


وبعد انتهاء الشهر المتوتّر .. عقدت وكالة الفضاء (الناسا) مؤتمراً صحفياً صادماً ، معلنةً زيف خبر الإنفجار الشمسي .. وطردهم للموظف الذي نشر المعلومات الكاذبة ، بعد أخذه رشوة من الثريّ الغامض ! والذي بسببه انتشرت الإشاعة ، بقوة جائحة كورونا ..


ورغم انتهاء الأزمة ، الا ان آثارها لم تنتهي .. والرابح الوحيد من تلك البلّبلة هو الثريّ الذي امتلك آلاف الحسابات الناجحة .. مع تقاضيه أرباح المشاهدات والإعلانات والعوائد المالية من أعمالٍ لم يكتبها او يصوّرها .. بينما أصحابها الحقيقيون : يعانون من مشاهدة تعب سنواتٍ طويلة يُسرق امام اعينهم ، دون ان يكون لهم حق استردادها ! 

فلم يحتمل بعضهم الصدمة ، واعتزلوا الإبداع.. بينما انهار الآخرون نفسياً .. ووصل اليأس ببعضهم إلى الإنتحار .. وبذلك خسر العالم مواهب نادرة كان بإمكانها تقديم المزيد ، لولا الخدعة الفلكيّة التي دمّرت احلامهم !


أما الكاتبة ، فقد فتحت مدوّنتها من جديد .. 

وفور نشرها لقصةٍ جديدة ، لاحظت تضاعف اعداد قرّائها ! بعد ان عدّوها من القلائل الذين رفضوا بيع تاريخهم الإبداعي.

وصار عنادها ورفضها لعرض الثريّ المغري ، درساً مهماً للمجتمع!


اما هي ، فعبّرت عمّا حصل بقولها : 

((ربما استطاع ذلك المحتال شراء الحقوق الأدبية ، لكنه سيعجز عن نشر المزيد من المقالات والفيديوهات التي صنعها المشاهير بأفكارهم ومواهبهم المبدعة .. والذين انصحهم بالبدء من جديد .. لأن الله ميّزهم بقدراتٍ ، لا يستطيع اصحاب النفوذ امتلاكها ولوّ بكنوز الدنيا.. فلا تدعوا ذلك الفاشل يُطفئ شعلتكم النورانية بشكلٍ نهائيّ)) 

وبسبب نصيحتها ، عاد بعضهم الى نقطة البداية بعد تعلّمهم درساً قاسياً بالحياة .. اما الآخرون ، فاختفى أثرهم الإبداعي للأبد !


السبت، 15 أغسطس 2026

حبر الشيطان

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

مغامرة امل شانوحة


كان الضباب اللزج يلف نافذة غرفة الكاتبة أمل شانوحة كأنه خيوط عنكبوت خفية تعزل بيتها عن العالم الخارجي. كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل تماماً، وشاشة حاسوبها المحمول تبث توهجاً أزرق باهتاً ينعكس على جدران الغرفة الممتلئة بكتب الرعب والألغاز.

وفجأة، ومضت شاشتها معلنة عن وصول بريد إلكتروني** جديد من مجهول. 

العنوان كان مقتضباً ويثير القشعريرة في العظام : دعوة إلى قرية الظلال.. حيث تُكتب النهايات بالدماء لا بالحبر.


فتحت أمل الرسالة بفضول ممزوج بالوجل، لتتوسع عيناها وهي تقرأ الكلمات المرتعشة:

(إلى الكاتبة التي تجرأت على سبر أغوار الظلمات وجعلت من أسياد الجحيم أضحوكة.. نتحداكِ أن تزوري قرية الظلال الواقعة خلف التلال المنسية لتكتبي قصتك القادمة من قلب الواقع المرير. العزلة هنا مطلقة، والحقيقة أغرب من الخيال، إن تجرأتِ!) 

نادت أمل بصوت مرتفع يخترق سكون البيت: أمي! هل تنظرين إلى هذا البريد الغريب الذي وصلني للتو؟


خرجت والدة أمل السيدة آمنة من المطبخ بخطوات هادئة وهي تمسح يديها بمنديل، وخرجت خلفها أختها سلمى وهي تحمل كوباً من القهوة الدافئة. 

اقتربت الوالدة آمنة وتفحصت الشاشة بعينين يملؤهما القلق الدفين وقالت بحذر.. 

الوالدة آمنة: يا ابنتي، هذا ليس سوى مقلب سخيف من أحد المتابعين الفضوليين، أظن أنه زميلك محمد آل غلاب، فهو يعتبرك أخته وأستاذته في كتابة القصص القصيرة، لا تكبري الأمور ولا تنقادي خلف خيالاتك المظلمة التي تتغذى على رعب القصص.

لكن سلمى خالفت والدتها الرأي، وابتسمت بتهكم خفيف قائلة. 

سلمى: أنا أرى العكس تماماً يا أمي! أمل تعشق المغامرة والألغاز، ولعلها تجد هناك الإلهام الحقيقي لقصتها القادمة.. لكن يا أمل، كوني حذرة، ولا تنسي شحن حاسوبك بالكامل، فربما ينفد منكِ الحبر الإلكتروني هناك حيث لا كهرباء ولا شبكات اتصال!


قبل أن تخرج أمل، اقتربت منها سلمى وهي تهمس بحيلة تقنية. 

سلمى: لقد ثبتّ للتو برنامج تتبع سري ومباشر على هاتفك وحاسوبك.. إذا لم ترسلي لي إشارة تطمئني بحلول شروق الشمس، فسأعرف إحداثيات موقعك وأتي إليكِ بنفسي.

ابتسمت أمل بثقة، ودفعتها روح المغامرة وحب الاستطلاع للذهاب. 


ركبت سيارتها بعد منتصف الليل، وقادتها نحو التلال المنسية، مسترشدة بإحداثيات غامضة ومظلمة ظهرت في نهاية الرسالة.


بعد ساعتين من القيادة في طرقات وعرة وموحشة، وسط أشجار ميتة تشبه الأيدي العارية التي تحجب ضوء القمر الباهت، ظهرت أمامها قرية تبدو كأنها نزلت من كابوس قديم لا علاقة له بعالم البشر. البيوت حجرية سوداء ومتهالكة، والنوافذ مظلمة تماماً، والسكينة القاتلة تملأ المكان كأنها تمتص الأنفاس.

لم يكن هناك أي أثر للحياة سوى كوخ خشبي مهترئ ينبعث منه بصيص ضوء برتقالي ضعيف ومرتجف.


أوقفت أمل سيارتها وترجلت بخطوات مترددة. وما إن ابتعدت عن باب السيارة بخطوات قليلة، حتى سمعت صوت محرك السيارة الذاتي، لتتحرك سيارتها للخلف بمفردها بقوة وتصطدم بقسوة بشجرة ضخمة وتتعطل تماماً، محطمة زجاجها الخلفي ومنذرة بإغلاق باب العودة تماماً.

سرت ومضة من الرعب في قلب أمل، وحين همّت بالالتفات، بدأت تسمع أصوات همسات غريبة تناديها باسمها من خلف الأشجار الميتة: (أهلاً بكِ يا أمل.. لقد طال انتظاركِ..)، أدركت أمل حينها أنها أصوات ضحايا سابقين استدرجهم هذا الكيان وأفناهم.

تجاهلت رعبها، واقتربت من الكوخ الخشبي، وما إن مست يدها الخشب البالي حتى انفتح الباب من تلقاء نفسه بصرير مزعج يخترق سكون الليل المرعب.


داخل الكوخ، كانت الجدران مغطاة بكتب جلدية قديمة ملطخة بآثار غريبة، ورفوف تعلوها الجماجم البشرية والشموع الذائبة التي تنشر رائحة الكبريت. وفي المنتصف، كان يجلس رجل طاعن في السن، ذو لحية سوداء طويلة وعينين تقدحان بشرر أحمر مخيف، ووجه تحفره تجاعيد عميقة تنبض بالخبث المطلق.

ابتسم العجوز بابتسامة صفراء باردة، وقال بصوت أجش يشبه حفيف الأوراق الميتة في مقبرة منسية،

العجوز: أهلاً بكِ يا كاتبتنا المغرورة.. يا من كتبتِ عن الشياطين كأنهم أطفال صغار، وجعلتِ إبليس يظهر بصورة الكائن المهزوم الضعيف الذي يُهزم بكلمة عابرة على صفحات الإنترنت الرخيصة!


تجمدت أمل في مكانها، وشعرت ببرودة ثلجية تسري في أطرافها وهي تتراجع للخلف قائلة بصوت مرتعش أمل: من... من أنت؟ وكيف عرفت اسمي وما أكتبه في مسوداتي الخاصة؟

وقف العجوز وطالت قامته بشكل مفاجئ ومرعب حتى لامس سقف الكوخ الخشبي، واهتزت الشموع حوله وانطفأت دفعة واحدة، ليبقى ضوء أحمر قانٍ ينبعث من عينيه وحدهما. قال بصوت عميق يهز الجدران من أساساتها: أنا من سخرتِ منه في صفحات قصصك! أنا إبليس.. سيد الظلال الذي صورتِه عاجزاً ومهرجاً يثير الشفقة! جئت اليوم لألقنكِ درساً لا يُنسى، ولأجعلكِ تصرخين طلباً للموت فلا تجدينه!


حاولت أمل الركض نحو الباب المفتوح، لكن الأرض تحت قدميها تحولت فجأة إلى لزوجة سوداء شبيهة بالقطران الحارق، جذبت قدميها إلى الأسفل. 

ظهرت حولها أيدٍ سوداء غير مرئية تمتد من الأرض لتكبيل معصميها.

اقترب منها إبليس ببطء، وضحكاته القاسية تملأ المكان صخباً، وقال باستهزاء لا يطاق، 

إبليس: إلى أين يا كاتبتي العزيزة؟ أين تلك القوة والجرأة التي تملئين بها صفحاتك؟ الآن، ستكونين أول ضحية تُطبع قصتها بدماء حقيقية، ولن تنفعكِ أمكِ آمنة ولا سخريات أختكِ سلمى!


كانت أمل تكافح لتلتقط أنفاسها، وشعرت أن الهواء ينفد تماماً من صدرها. لكن عقلها ككاتبة ومبدعة لم يتوقف عن العمل تحت أقصى درجات الضغط والخطر. تذكرت حقيبة ظهرها التي كانت تحمل فيها حاسوبها المحمول باستمرار، وتذكرت نصيحة أختها سلمى الساخرة: (لا تنسي شحن حاسوبك، فربما ينفد منكِ الحبر الإلكتروني!).

جمعت أمل كل ما تبقى لها من طاقة روحية وبدنية، ومدت يدها اليمنى بصعوبة بالغة نحو حقيبتها الملقاة قرب القطران. 

فتحت سحاب الحقيبة بقوة، وأخرجت حاسوبها المحمول الذي كان مضاءً ببطارية كاملة.


اقترب إبليس منها أكثر، ممدداً أصابعه الطويلة الحادة ليخترق بها رقبتها مباشرة، وهو يصرخ بغضب جنوني 

إبليس: لا فائدة من آلاتك البشرية الوضيعة أمام طاقة الجحيم!

لكن أمل ضغطت على زر التشغيل بسرعة كببرة، وفتح ملفاً برمجياً سرياً خاصاً كانت قد صممته كفكرة خيالية لقصة مستقبلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي المشفر والتعويذات الرقمية المتطورة التي أسمتها (مشروع حبر الشيطان).

ظهرت على الشاشة رموز برمجية وحروف عربية وعالمية غريبة ومتحركة تضيء بلون أبيض ناصع ومبهر وسط الظلام الدامس للكوخ. وجهت أمل الشاشة ساطع النور مباشرة نحو وجه إبليس وهي تهتف بصوت ثابت وقوي يعكس إرادة لا تُكسر،

أمل: أنت لست سوى وهم بشري غبي، وفكرة شيطانية تستمد قوتها المطلقة من خوف البشر وجهلهم! وبما أنني أنا من رسمك وابتكر تفاصيل ضعفك، فأنا وحدي من سيحذفك نهائياً من الوجود!


في تلك اللحظة الحرجة، حاول إبليس استخدام سلاحه الأخير؛ فتردد صدى صوت أختها سلمى من خارج الكوخ المظلم وهي تنادي بذعر مصطنع: 

صوت سلمى: أمل! أمل.. افتحي الباب، لقد أتيت لأنقذك بنفسي!

لكن أمل أدركت أن سلمى ستأتي في الصباح بعد شروق الشمس إن لم ترسل لها رسالة وأن الليل مازال حالكاً، فعرفت أن الصوت ليس سوى خدعة شيطانية صوتية، فتجاهلته تماماً دون أن تلتفت للخلف، وضغطت بكل قوة على مفتاح الإدخال الأخير (Enter) لإطلاق الفيروس الرقمي النفسي الذي يعتمد على تفكيك الكيانات الوهمية عبر طاقة الإشعاع الضوئي المبرمج.


مع دوي صوت أشبه بانفجار طاقة رقمية كهرومغناطيسية هائلة، انطلقت موجة من الضوء الأبيض الساطع من شاشة الحاسوب كأنها ألف شمس مصغرة انفجرت في آنٍ واحد. ملأت النور زوايا الكوخ المظلم، واختلطت صرخات إبليس المدوية والمفزوعة بصوت تكسر الزجاج وتبخر الدخان الأسود الكثيف.

بدأ جسد إبليس يتفكك ببطء شديد، ويتحول إلى مكعبات وبكسلات رقمية سوداء صغيرة تتطاير في الهواء كالغبار المحترق، ثم أخذ يتقلص وينكمش حتى تبكسل تماماً وتحول إلى كيس بلاستيكي صغير وفارغ يتطاير بلا حياة على أرضية الكوخ الخاوية، قبل أن يختفي تماماً كأن لم يكن، وتعود قرية الظلال إلى صمتها وسكونها الطبيعي الأبدي.

سقطت أمل على ركبتيها وهي تلهث بشدة، وقد غرق وجهها بالعرق، لكن ابتسامة النصر العارمة تزين محياها. التقطت حاسوبها وأغلقته بهدوء وثبات.


بعد ساعات وفي أواخر الليل، عادت أدراجها سيراً على الأقدام حتى وصلت إلى بيتها الآمن مع ساعات الفجر الأولى. فتحت الباب لتجد أمها السيدة آمنة وأختها سلمى تقفان في الصالون بقلق هستيري لا يهدأ. ما إن رأوها حتى ركضتا نحوها بلهفة.

قالت الوالدة آمنة بدموع الفرح وهي تحتضنها بقوة،

السيدة آمنة: الحمد لله على سلامتك يا ابنتي! لقد عشت ليلة سوداء مرعبة وأنا أدعو لكِ بلا انقطاع!

بينما نظرت إليها سلمى بابتسامة خبيثة وعينين تلمعان بالفضول، وسألتها مازحة، 

سلمى: إذن يا أمل.. هل انتهيتِ من كتابة قصة (حبر الشيطان) الموعودة؟ أم أن الشيطان هو من كُتبت نهايته الحتمية على يدكِ هذه المرة؟

رفعت أمل حاسوبها المحمول بابتسامة غامضة وهادئة وقالت: لقد تم الحذف النهائي بنجاح تام.. ولا أظن أن شبحه سيعود للظهور قريباً!


بعد عودتها واطمئنان السيدة آمنة وسلمى، تفتح أمل حاسوبها في وقت لاحق لتكتب قصة جديدة، لتفاجأ بأن السطر الأول قد كُتب تلقائياً دون أن تدخل حرفاً واحداً:

(شكراً لأنكِ أعدتِ تثبيتي.. اللعبة لم تنتهِ بعد). 


الجمعة، 14 أغسطس 2026

الخادمة الذكية (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

انقلاب الأدوار


في العصر الماضي.. دخلت الخادمة لمسح غبار الغرفة الموسيقى في قصر الملك.. فانتابها الفضول للعزف على البيانو الفخم بمهارة ، وهي تغني بصوتٍ عذب.. قبل توقفها بارتباك بعد سماعها تصفيق الأمير الذي دخل الصالة دون انتباهها ، وهو يقول :

- عزفٌ رائع وصوتٌ جميل .. الغريب انك أبدعتي بأغنيةٍ اجنبية ! فأين تعلّمتها ؟ وكيف تتقنين العزف على البيانو ، رغم عدم تواجد الآلات الموسيقية الا بقصور الأثرياء ؟!

الخادمة : لا اعلم سيدي .. حفظت الأغنية بصغري ، قبل تعيني خادمة بقصر جلالتك 

- الا تذكرين حياتك في مدينتك السابقة ؟


وقبل اجابته .. نادتها رئيسة الخدم التي سحبتها لخارج الصالة ، وهي تعاتبها : 

- ممنوع على الخدم التحدّث مع الأمراء والطبقة المخمليّة بالقصر.. هيا انزلي للمطبخ ، لمساعدة الطبّاخ بإعداد الغداء

***


وبمرور الأيام .. ورغم انشغال الخادمة بعملها الشاق ، الا انها راقبت الأمير الوسيم من بعيد وهو يتعلّم من والده اصول القيادة ، لاستلام الحكم منه قريباً ..

لكن عمه الحقود لم يعجبه ذلك .. وقام بانقلابٍ عسكريّ مفاجئ على اخيه ، ادّت لمقتله !

ولم يكتفي بتسلّم الحكم ، بل قام بحبس الأمير في علّية القصر دون تحديد مدة لإطلاق سراحه !


حيث وُكّلت الخادمة بتوصيل الطعام اليه من اسفل الباب .. ولأنها لم تعد تحتمل صمته ووحدته ، أدخلت اليه سرّاً بضعة اوراقٍ وريشة وحبر .. واقترحت عليه محادثة الجنود الذين ظلّوا أوفياء لوالده الراحل


ورغم يأس الأمير ، الا انه وافق على اقتراحها .. خصوصاً لاحتفاظه بختمه الملكيّ الذي علّقه بعقدٍ في رقبته اخفاه تحت قميصه ، دون ملاحظة عمه ذلك ..


وكان وجود ذلك الختم اسفل بنود الأمير التي وزّعتها الخادمة على رؤساء القرى ، كفيلاً بتصديقهم خبر اعتقاله .. بعد ان اوهمهم العم بانتقاله لمدينةٍ أخرى ! 


كما أطلعهم الأمير على مخزن الذخيرة المخبّأ بالغابة ، الذي استخدموه لاحقاً للقيام بثورةٍ شعبيّة ضدّ العم الظالم الذين عاقبوه بالنفيّ خارج بلادهم ، بعد وضعه هو وحاشيته بقاربٍ ارسلوه بعيداً بالبحر

***


بعدها تمّ تتويج الأمير ملكاً للبلاد .. والذي اعلن زواجه من الخادمة التي اكتشف بأنها مخطوفة بعمر السادسة من البلاد المجاورة التي تنتمي الى طبقتهم المخمليّة ، قبل بيعها كخادمة في بلاده ! وقد أكّد مكانتها الإجتماعية الراقية ، وجود وشم الأميرات بكتفها .. ولهذا تحفظ لغةً اجنبية ، كما اتقانها للعزف والغناء


وقد أصرّ الملك الجديد على الإحتفال بعرسه مع المزارعين الثوّار الذي عيّن رؤسائهم ، قادة على المدن الرئيسية في مملكته .. بعد طرده المسؤولين الخونة الذين لم يحموه من عمه الظالم طوال السنتين الماضيتين  

وبذلك حظيت الدولة بملكٍ وزوجته اللذيّن حكما البلاد بالمساواة والعدل والرحمة

***


وفي احدى الليالي .. اخبر زوجته الملكة ، ممازحاً :

- قصتنا تشبه افلام والت ديزني

فردّت بابتسامة :

- لكن هذه المرة ، الأميرة هي من انقذت الأمير

فحضنها بامتنانٍ وحنان


الأربعاء، 12 أغسطس 2026

توأم الجن

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

قوة النقيضين


في غابر الأزمان ولد التوأم **الغاشر والعاشز في إحدى عوالم الجن المنسية، وكان بينهما رابطة دم سحرية، إذا ابتعدا عن بعضهما أكثر من ميل واحد، يبدأ جسداهما بالذوبان. 

صفة أحدهما وهو الغاشر أنه لا يطيق المكوث في مكان، والآخر العاشز مهنته تتطلب التخفي والسكون لشهور.

 فالغاشر جني بدوي، ضخم المنكبين، يرتدي درعاً من جلد السقنقور، طبعه الغشر وهو الهجوم المباشر، يكره الانتظار، ويريد دائماً الترحال في الفيافي.

 أما العاشز جني من العمّار من الذين يسكنون البيوت المهجورة، نحيل، عيونه لا ترمش، متخصص في العشوزة وهي فن التسلل لسرق أسرار البشر دون أن يشعروا به.


تلقى العاشز مهمة من حكيم القبيلة، فعليه أن يسكن في قبو مهجور لقصر تاجر بشري لمراقبته، فالتاجر يمتلك خريطة لمناجم الكبريت الأحمر، 

- فعلى العاشز أخذ هذه الخريطة وإيجاد الكبريت الأحمر وإحضاره إلى ملك الجن الأقهب لإخفاءه عن السحرة من البشر لئلا يتسببوا في أذية الجن والسيطرة عليهم - ، وأساس مهمة العاشز المراقبة التي تتطلب سكوناً تاماً لمدة سبعة أيام.

لكن الغاشر مجبر على البقاء معه في نفس القبو الضيق بسبب رابطة التوأم.


وفي القبو المظلم، الرطب، المليء بالخفافيش، التصق العاشز بالسقف كأنه جزء من الخشب، والغاشر يتحرك بضيق يميناً ويساراً، وصوت أنفاسه يكاد يفضح المكان.

احتد غضب الغاشر من الوضع، 

غاشر: سأجن يا عاشز! المكان يضيق عليّ كأنه قبر، دعني أخرج لأحطم صخرة واحدة خارج الأسوار وأعود.. رئتاي تحترقان!

العاشز دون أن يحرك عضلة: اثبت يا غاشر، لو خرجت سأذوب أنا هنا كالشمع، ولو تحركت أنت، سيعرف التاجر أن القبو مسكون، الغشر لا ينفع مع البشر، بل يحتاجون إلى المكر والعشوزة.

غاشر: مكرك هذا سيقتلنا مللاً! سأكسر عنق هذا التاجر وآخذ الخريطة في ثانية، وننتهي.

عاشز: وقتها سيحضر الرقاة والكهنة ويُطرد كل جن القبيلة من هذه المنطقة، اصبر، القوة ليست دائماً في القبضة.


بعد مرور أيام الأسبوع وفي آخر يوم لهما في القصر، والتوأم ما زالا في القبو، دخل لصوص من البشر لسرقة التاجر، والأصعب في الأمر أن اللصوص ليسوا لصوصاً عاديين، بل كان معهم بخور مغربي يطرد الجن العمّار.

أشعل اللصوص البخور، وبدأ الدخان يتسرب للقبو، والعاشز بدأ يضعف، فالبخور يحلل قواه السحرية القائمة على التخفي.

عاشز بصوت متقطع: غاشر.. الدخان.. سيسلبني القدرة على الاختفاء.. سأظهر أمامهم إن دخلوا للقبو للبحث عن الخريطة.. سيقتلونني بتمائمهم.

لمعت عينا غاشر ببريق الغشر،

غاشر: أخيراً! جاء وقتي، ابقَ أنت خلفي، سأريك كيف تكون حماية الأخ.


كسر غاشر حاجز الاختباء واستغل قدرته الجسدية الهائلة، فخرج من القبو في لمح البصر، وقام بالغشر الجسدي، فضرب الأرض بقدمه ضربة زلزلت أركان القصر، ثم جسّد نفسه كخيال أسود ضخم واندفع نحو اللصوص، مستخدماً الرعب المادي بدل السحر، فقلب الطاولات، وحطم الأثاث فوق رؤوسهم، وصرخ صرخة هزت أبدانهم، ففروا هاربين تاركين سلاحهم وبخورهم.

عاد الهدوء إلى القبو وتنفس عاشز الصعداء. 


عاشز: لقد فضحتنا.. الآن سيعرف الجميع أن القصر مسكون بجن غاشر.

ضحك غاشر بملء فيه،

غاشر: فليعرفوا! على الأقل نحن أحياء، مكرك كاد أن يجعلنا رماداً تحت أقدام اللصوص، أحياناً يا أخي، تحتاج من يكسر الباب بدلاً من أن يحاول فتحه بمفتاح صدئ.

عاشز: ربما.. لكن لولا هدوئي طوال الأسبوع لما عرفنا أين يخبئ التاجر الخريطة، لقد رأيته يضعها في بطانة معطفه حين ظن أنه وحده.

غاشر: إذاً، تمت المهمة، أنت تأخذ المعلومة، وأنا أحميك، والآن.. يمكننا الخروج من هذا القبو اللعين. 


بدأت الرحلة الحقيقية عندما غادر التوأم القصر المهجور، يحملان سر الكبريت الأحمر.

بينما كان التوأم يسيران في القفار، كان التوتر سيد الموقف، ضرب الغاشر الأرض بهراوته الحجرية، العاشز ينسلّ كظل الغاشر، وعيناه تجوبان الأفق.

غاشر: توقف عن هذا الالتواء يا عاشز! تمشي كأنك تخشى إيقاظ الأرض، نحن جن، والبرية لنا، ارفع رأسك واضرب بقديمك!

تنهد عاشز بصوت خافت،

عاشز: الأرض لها آذان يا غاشر، وهذا الطريق يحرسه خُطّاف الأنفاس، لو سمعوا جلبة هراوتك، سيطبقون علينا من تحت الرمل، العشوزة هي أن تمر دون أن تدري بك الريح.

ضحك غاشر بسخرية وقال: 

خُطّاف الأنفاس؟ فليأتوا! سأجعل من عظامهم وقوداً لنارنا، القوة هي التي تفتح الطريق، وليس الهمس في أذن الرمل.


جلس التوأم عند نار صغيرة في وسط الصحراء التي اشعلاها بقدرتهما السحرية، فتح عاشز الخريطة أمام النار الصغيرة، بدأت الخطوط تتحرك كأنها عروق حية. 

عاشز : انظر.. الخريطة تقول إن الكبريت الأحمر ليس معدناً يُحفر، لكنها دموع الجبل تقطر من سقف منجم الظلمات السبع مرة كل مئة عام، واليوم هي الليلة الموعودة.

غاشر: دموع؟ حسبته حجراً يمنحنا القدرة على تحويل النحاس لذهب، وسحق الأعداء. 

عاشز: هو كذلك، لكنه سائل في بدايته، إذا لمسه هواء الفجر تجمد وأصبح ياقوتاً يغلي، علينا الوصول قبل الشروق. 


وصل التوأم إلى فتحة المنجم؛ وهي فجوة سوداء ينبعث منها ريح كرائحة البارود، ومنطر جدران المنجم كأنها مرايا من الكريستال الأسود.

عاشز: هنا تبدأ لعبتي، المتاهة مصممة لتضليل من يعتمد على بصره، لا تلمس الجدران يا غاشر، فهي تمتص القوة الجسدية.

شعر غاشر بالاختناق،

غاشر: أكره هذه الأماكن.. أشعر أن الجدران تقترب مني، عاشز، لا تبتعد عني، رابطة التوأم بدأت تؤلمني.


وبينما كان الأخوة يتجولان في المنجم، فجأة! ظهر حراس المنجم، وهم من الغيلان الصخرية، ضخام بلا عيون، أجسادهم مغطاة بملح سام.

غاشر: أخيراً! شيء يمكنني ضربه!

اندفع غاشر بغشرته المعهودة، ووجّه ضربة هائلة لأول غول، لكن الملح السام تطاير وأصاب ذراع غاشر فبدأت تؤلمه.

صرخ عاشز : تراجع! هؤلاء يتغذون على الصدام، دعني أعميهم بالوهم!

استخدم عاشز عشوزته، وبدأ يدور حول الغيلان بسرعة تجعل الهواء يصفر بلحن معين، فبدأت الغيلان تضرب بعضها البعض ظناً منها أن العدو بينهم. 


في تلك اللحظة، سحب عاشز أخاه غاشر من وسط المعمعة.

سار التوأم حتى وصلا إلى قاعة واسعة، في وسطها عمود من الكريستال يقطر منه سائل أحمر يتوهج بنور شيطاني، لكن المفاجأة لم تكن في الكبريت وحده.

تحت قطرات الكبريت، وجدا هياكل عظمية لملوك الجن القدامى، جالسين في حلقة، وكل واحد منهم يمسك بمرآة تعكس وجه الآخر.

غاشر: ما هذا؟ هل ماتوا وهم ينتظرون الكبريت؟


تفحص عاشز المكان بدقة وهو يقول: لا.. انظر إلى عيونهم، لقد تحولوا إلى حجر، الكبريت الأحمر ليس جائزة، إنه فخ، من يلمسه بمفرده دون أن يكون معه نقيضه، يتجمد مكانه للأبد. 

غاشر: إذاً، لو جئتُ وحدي وحاولت أخذه بقوتي..

عاشز: لكنت الآن هيكلاً حجرياً يزين هذه القاعة، ولو جئتُ أنا بمكري، لما استطعت عبور بوابة الغيلان.

مد غاشر يده الضخمة: خذه أنت بمكرك يا عاشز، وأنا سأحمل الوعاء وأحميك بصدري حتى نخرج.

عندما لمس عاشز الكبريت، اهتز المنجم، وبدآ بالتوجه للخارج وهما يدركان أن قوتهما ليست في التفرد، بل في الرابطة التي كانت تضايقهما.

كان التوأم يظنان أن العودة للاحتفال، ولا يعلمان ما سيواجهانه من صراع للبقاء ضد السلطان.


حين وصلا إلى مشارف وادي الدخان، مقر ملك الجن الأقهب، كان الحرس بانتظارهما، الملك الأقهب ملك من ملوك الجن الذين يسكنون في الأودية، وعيونه ترى ما تحت الرمل.

جلس الأقهب على عرش من عاج الفيلة المسحور، وبجانبه سيافوه بوجوههم المغطاة بالنحاس.

الملك الأقهب: غاشر.. عاشز.. التوأم المنبوذ، جئتما بما عجزت عنه جيوشي، ضعوا الكبريت الأحمر في مبخرة الخلود وارحلا بسلام.

همس عاشز لغاشر وهو يرى غدر الملك في لمعة عينيه. 

عاشز: لا تسلمه القارورة يا غاشر، فيده ترتجف طمعاً، وسيفه خلف ظهره ينتظر إشارة.

تقدم غاشر بخطوات تهز القاعة

غاشر: يا ملكنا، الكبريت الأحمر له ثمن، نحن خاطرنا بأرواحنا في منجم الظلمات، والآن تريد أخذه بكلمة؟

الملك لم يرد بالكلمات، بل أشار بإصبعه، فانطلقت رماح الظل من الجدران نحو التوأم.

صرخ عاشز: الغدر!. 


في جزء من الثانية، استخدم عاشز عشوزته القصوى؛ فجعل جسده وجسد أخيه شفافين كالسراب، فمرت الرماح من خلالهما لتصيب حرس الملك الواقفين خلفهما!

غاشر وهو يشتعل غضباً: تريد دمنا؟ خذ غضبي إذاً!

هجم غاشر بغشر لم يره أحد من قبل، فضرب أعمدة العرش الرئيسية، فانهارت السقوف الرخامية فوق رؤوس الجنود، مما أحدث فوضى عارمة.


بينما كان الحطام يتساقط، كان عاشز ينسج خيوطاً من الوهم حول الملك، مما جعله يرى جيشاً كاملاً من التوائم يحيط به.

صرخ الملك الأقهب بجنون وهو يلوح بسيفه في الفراغ: أين أنتما؟ سأحرق الوادي بمن فيه!

تكلم عاشز بصوت يتردد من كل زاوية

عاشز: أنت ملك على الأجساد يا أقهب، لكنك لا تملك سلطاناً على الروح التي يمنحها الكبريت، طمعك هو من قتلك.


ظهر غاشر فجأة خلف الملك، وهو يمسك بياقته الضخمة: بضربة واحدة يمكنني سحق تاجك فوق رأسك، لكننا لسنا قتلة ملوك، نحن أحرار البرية.

بدلاً من قتل الملك، قام عاشز بحركة عاشزة عبقرية، فوضع قارورة في يد الملك، فظن الأقهب أنه استسلم.

غاشر: ماذا فعلت؟ هل سلمته الكنز؟ 

ابتسم عاشز وهو يجر أخاه للخارج: اركض يا أخي ولا تنظر خلفك!


حين فتح الملك القارورة ليغتسل بالكبريت الأحمر، انفجر في وجهه بخور الطرد المغربي الذي أخذه غاشر بعد أن تركه اللصوص البشر في قصر التاجر! صرخ الملك وهو يشعر بقواه السحرية تتبخر، بينما كان التوأم يختفيان في عمق الصحراء.

توقف التوأم فوق تلة عالية، وعاشز يخرج القارورة الحقيقية من طيات ثوبه.

غاشر: لقد خدعته بالبخور! مكرك هذا أخطر من هراوتي يا عاشز.

عاشز: وهراوتك هي من حطمت عرشه ومنحتني الوقت لأستبدل القوارير، الآن، ماذا سنفعل بهذا الكنز؟

غاشر ناظراً إلى الأفق: سندفنه في مكان لا يصل إليه ملك طماع ولا إنسي جشع، سنبقى نحن حراسه.. الغاشر الذي يحميه بدمه، والعاشز الذي يخفيه بمكره.


وهكذا، تحول التوأم من مجرد جنيين منبوذين إلى أسطورة الصحراء، الحارسان الخفيان لأعظم سر في عالم الجن.

****

ملاحظة :

تسمية الغاشر مأخوذة من قناة القصة الأخيرة من قصة فيها قط أسود أعمى اسمه غاشر. 

أما تسمية العاشز مأخوذة من العواشز قبيلة من الجن يعيشون في صحراء الصمان وسط الجزيرة العربية والعوشز هو نبات العوسج الصحراوي تعيش قبيلة الجن في منابت هذا الشجر

هذا من الموروث الشعبي المتناقل شفهياً والله أعلم بصحته.


الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

القرية الموبوءة

تأليف : امل شانوحة 

الحجز الصامت


في مشرحة القرية .. سأل المحقق طبيب التشريح عن الجثة المشوّهة (التي وجدوها خارج الغابة) فور انتهائه من معاينتها .. 

فأجابه الطبيب بحزم : 

- اغلق جميع مخارج القرية فوراً !!

المحقق بقلق : مالذي يحصل ؟!

الطبيب :

- يوجد اسفل الغابة ، مختبرٌ بيولوجيّ سرّي.. كنت أحد الباحثين فيه ، قبل طردهم لي .. بعد رفضي تصنيع سلالة معدّلة وراثياً من البكتيريا القاتلة ، لتحويلها لاحقاً إلى سلاحٍ بيولوجيّ لخدمة بلادنا عسكرياً .. رغم انني حذّرتهم باستحالة السيطرة عليها .. (ثم أشار إلى الجثة) .. أترى وشم كتفه ؟

المحقق : نعم 


فأزال الطبيب روبه الأبيض ، كاشفاً قميصه :

- وانا ايضاً لديّ ذات الوشم ، كبقية العلماء العشرة المشاركين بالمختبر السرّي.. (ثم نظر للجثة) .. لا استطيع معرفة من يكون ، بعد تشوّه وجهه بشكلٍ مقزّز .. وأظنه أُصيب بالمرض أثناء التجارب ، فهرب خوفاً من احتجازه .. لكنه انهار قبل ابتعاده عن الغابة 

المحقق بقلق : وهل يوجد مرضٌ جلديّ يشوّه الجسد بهذه السرعة ؟! 

- هي نسخة معدّلة صُممت لتنتشر بسرعة ، وتقتل بغضون أسابيع قليلة.. لهذا يمنع علينا جميعاً مغادرة القرية الموبوءة

المحقق : لكني غير مصاب بالمرض ؟!

- طالما دخلت المشرحة ، فأنت تحمل المرض .. وكذلك فريق الشرطة الذين أحضروا الجثة الى هنا 

فشحب وجه المحقق :

- لكن زوجتي على وشك ولادة طفلنا الأول في المدينة

الطبيب بحزم : إيّاك الذهاب اليها !! إذا خرج المرض من قريتنا ، فلا يستطيع أحد إيقافه.. سأحاول التواصل مع من تبقّى من علماء المختبر ، لإيجاد العلاج قبل فوات الأوان..

***


في تلك الليلة.. استيقظ المحقق على مكالمة زوجته وهي تخبره بفرح عن ولادة ابنه .. ولشدة سعادته ، انطلق بسيارته الى المدينة لرؤية مولوده الجديد الذي ما ان حضنه وقبله ، حتى تذكّر تحذيرات الطبيب 

فأعاد الطفل الى زوجته وهو يتصبّب عرقاً ، ويعتذر عن اضطراره العودة للقرية سريعاً دون اخبارها بالمرض المعدي 

^^^


وما ان دخل قريته ، حتى طوّقها الجيش من جهاتها الأربعة .. 

ولم يكتفوا بإغلاق الطرق ، بل قطعوا الإتصالات .. واضعين السكّان المذعورين تحت الحجر الصحيّ بأوامر سرّية من الحكومة ، بعد تأكيد المختبر عن وقوع تسرّبٍ بيولوجيّ.

***


وبمرور الأيام ، تزايد عدد الوفيّات بالقرية 

وبعد أسبوعين.. كان المحقق يحتضر ، والذي همس للطبيب الذي قدم لمعاينته : 

- سامحني ، لقد خالفت أوامرك... وذهبت إلى زوجتي ، وحملت طفلي بين ذراعي.. رجاءً إرسل من يطمئن عليهما 

^^^


وفي أقل من ساعة ، وصلت فرق الطوارئ إلى المدينة..

ليجدوا الزوجة متوفية ، بينما طفلها سليماً معافى !

حيث أظهرت الفحوصات : أنه يحمل طفرةً جينية نادرة ، جعلت جهازه المناعيّ يقضي على العدوى قبل انتشارها بجسده الصغير ! وبذلك تحوّل دمه إلى الأمل الأخير..


ومن خلاله ، نجح العلماء في إنتاج العلاج ..وإنقاذ من تبقى من سكّان القرية ، بعد موت نصفهم تقريباً !

بعدها أُُحرق المختبر السرّي ، وأُغلقت مشاريعه للأبد.. وظن المسؤولون أن الكارثة انتهت.. لكنهم لم يعلموا بالسرّ الذي حمله المحقق معه إلى قبره..

فهو اثناء خروجه من مستشفى الولادة ، صادف حبيبته السابقة التي جاءت لزيارة إحدى قريباتها.. تبادلا كلماتٍ قليلة ، قبل ان تفاجئه بعناقٍ أخير !

بعدها بأيام ، سافرت برحلةٍ سياحية الى الهند ..


حيث انتشر المرض الجلدي بين السكّان سريعاً ، أطلقوا عليه مصطلحاً طبياً آخراً ! دون ربطه بمرض القرية الذي بقيّ ملفه من اسرار الحكومة .. وكلّه بسبب المحقق الذي لم يتحمّل شوقه ، لرؤية مولوده الجديد

***


ولم يمضي العام.. حتى أصبح ذلك الوباء أعظم كارثة عرفتها البشرية ، بعدما حصد أرواح الملايين .. وانتشر من دولةٍ إلى أخرى ، الى ان غطّى معظم أنحاء العالم ! 


الأحد، 9 أغسطس 2026

قصص محمد بيومي آل غلاب في مدونتي

قصص مشتركة : من أفكار الأستاذ محمد ، وكتابة أمل شانوحة


1- كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الأول 

https://www.lonlywriter.com/2018/01/blog-post_15.html

كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الثاني

https://www.lonlywriter.com/2018/05/blog-post_6.html

كيف أهرب من هذا الجحيم الجزء الثالث 

https://www.lonlywriter.com/2018/05/3.html


2- سحر وراثي

https://www.lonlywriter.com/2020/10/blog-post_6.html


3- ألحان من عالم آخر

https://www.lonlywriter.com/2017/10/blog-post_13.html


4- جبل الذهب

https://www.lonlywriter.com/2018/01/blog-post_29.html


5- معركتي مع المارد

https://www.lonlywriter.com/2017/10/blog-post.html


6- التميمة الملعونة

https://www.lonlywriter.com/2025/10/blog-post_29.html


قصص من تأليف محمد بيومي آل غلاب :


7- البستاني الصامت

https://www.lonlywriter.com/2025/12/blog-post_30.html


8- اللعنة العلمية

https://www.lonlywriter.com/2026/01/blog-post.html


9- أشرعة الحرية

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post.html


10- العهد الأسود

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_06.html


11- رماد الأكوان

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_09.html


12- توأم الجن 

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_12.html


13- حبر الشيطان 

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_15.html


14- قطرة العسل (قصة اطفال)

https://www.lonlywriter.com/2026/08/blog-post_18.html





رماد الأكوان

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

احتراق الأبعاد


في القرن الخامس والثلاثين، وتقريباً عام 3450 للميلاد، كان البشر يسكنون السدم الاصطناعية، لكن طرأت مشكلة في مادة الكون. 

فقد اكتشف العلماء أن النسيج الزمكاني بدأ يتأكسد. 

الفضاء يحترق فعلياً، لكنه لا يحترق بنار الأوكسجين التي نعرفها، إنه يحترق بنار الـ entropy الاعتلاج التي تأكل الأبعاد.


كانت الكابتن نايا تراقب من نافذة سفينتها إيغدراسيل منظراً مرعباً، فقد رأت وهجاً أرجوانياً باهتاً يلتهم النجوم. 

النجم الذي يلمسه هذا الوهج لا ينفجر، إنه يذوب كشمعة، تاركاً وراءه فراغاً أبيض بارداً.

أصدر جهاز الذكاء الفضائي صوتاً:

هذا ليس مجرد حريق يا نايا، إن الفضاء نفسه يحترق، القوانين الفيزيائية التي تثبت الجزيئات معاً بدأت بالتفكك. 

ردت نايا بتوتر: كان الفضاء قديماً يُعرف بسكونه القاتل، لكنه الآن يصرخ، فالقطاع الذي فيه السفن الفضائية لم يعد مظلماً؛ لقد استحال إلى جحيم مستعر من البلازما الأرجوانية التي تلتهم المادة والزمن.


خلف الستار الملتهب، ظهرت كائنات من الطاقة المظلمة المكثفة داخل دروع من مادة لا توجد في جدولنا الدوري، كائنات يطلق عليها المطهرون، تبدو سفنهم كأسراب من الجراد المعدني العملاق، وهذه الكائنات تطلق خيوطاً حارقة تمزق الروابط الذرية للأشياء، محولةً الكواكب الصلبة إلى سحب من الغاز المشتعل لتتغذى عليها.

بينما كانت الكابتن نايا وزميلها المهندس سام يحاولان الصمود على متن السفينة إيغدراسيل، التقطوا إشارة من كويكب مهجور، فاتجهوا سريعاً إلى الكويكب. 


بعد الهبوط في الكويكب تتبعوا الإشارة، فوجدوها صادرة من قبو مهجور، فبحثوا عن مكان القبو حتى وجدوه، فخرجت امرأة عرفت نفسها لهم بـ إيلارا، وهي عالمة فيزياء خمسينية، كانت تُعتبر مجنونة لأنها تنبأت بهذا الحريق قبل عقود.

كانت إيلارا تبدو شاحبة، عيناها تعكسان ضوءًا فضياً غريباً. 

قالت بصوت يرتجف بوقار:

أنتم تحاولون إطفاء حريق بمسدس ماء، المطهرون لا يحرقون الفضاء لأنهم أشرار، هم يفعلون ذلك لأن كونهم الأصلي قد مات، وهم يحاولون تحويل كوننا إلى بيئة حرارية تناسب بقاءهم.

سام: وما العمل؟ أساطيلنا تتبخر!

إيلارا: مفتاح التغلب على المطهربن ليس في القوة، سنتغلب عليهم بالتردد، فلديهم قلب مركزي يسمى النواة الحارقة، إذا استطعنا إدخال فيروس فيزيائي يغير ثبات الجاذبية هناك، سينهار الحريق على نفسه.


أقلعت سفينة إيلارا مع إيغدراسيل من الكويكب، واجتمعت بقايا الأساطيل البشرية حول إيغدراسيل، آلاف السفن ضد ملايين الجراد المعدني، كان المشهد مهيباً، فالسماء مشحونة ببرق كوني لا يتوقف.

نايا عبر أجهزة اللاسلكي: إلى كل الطيارين، نحن لا نقاتل من أجل الأرض اليوم، نحن نقاتل من أجل حق الكون في البقاء بارداً ومظلماً! احموا سفينة إيلارا حتى تصل إلى المركز!


بدأت المعركة، كانت سفن البشر تسقط كالفراشات المحترقة، أما سفن المطهرين كانت تمر عبر الدروع وكأنها سكاكين ساخنة تمر في الزبدة.

فجأة، اهتزت السفينة إيغدراسيل بعنف أطاح بالجميع أرضاً، وظهر بث مباشر لكن كان في أذهانهم كصوت حاد غير مسموع داخل رؤوسهم:

(الصمت كان جميلاً، لكن المادة هي الشوائب التي تعيق نقاء الكون، نحن النار، وأنتم مجرد وقود سيتلاشى لتبدأ شمسنا الأبدية). 

سام وهو يمسك برأسه: كابتن! إنهم داخل عقلي! النظام الدفاعي ينهار، الحرارة الخارجية وصلت لدرجة صهر التيتانيوم. 


وخلال ثوانٍ انفجر المحرك الأيمن! صرخ سام: إنهم يحيطون بنا!

نايا: إيلارا، هل أنتِ جاهزة؟

ردت إيلارا بحاسوب مركبتها ذهنياً: خمس ثوانٍ... النواة أمامنا مباشرة!. 


وسط ألسنة اللهب التي كادت تذيب هيكل إيغدراسيل، ظهرت النواة الحارقة، وهي كرة شمسية هائلة الحجم، تدور حولها آلاف الكائنات الطاقية كأنها في طقس ديني مخيف.

أطلقت إيغدراسيل القذيفة التي صممتها إيلارا، عندما وصلت القذيفة إلى النواة لم تنفجر مباشرة، فقد حصل سكون مطبق، وفجأة، بدأت الألوان الأرجوانية تبهت، والحرارة تنخفض بشكل حاد.

إيلارا: لقد غيرتُ قوانين الفيزياء حول النواة... الفضاء بدأ يرفض وجودهم.


بدأ المطهرون يصرخون بشكل جماعي، صرخة تردد صداها في عقول الطاقم، ثم بدأت أجسادهم تتفتت إلى غبار بارد، لكن الثمن كان باهظاً؛ فالسفينة إيغدراسيل كانت في قلب الانهيار الجاذبي.

سام: نايا.. الجاذبية تسحبنا للداخل! سنختفي معهم!

نايا بابتسامة هادئة: على الأقل، سنختفي في فضاء بارد وسلام.


وفي هذه الأثناء حدثت المعجزة. 

فبعد أن غيرت إيلارا قوانين الفيزياء وتفتت أجساد المطهربن؛ لأنهم من مادة مظلمة رفض الفضاء وجودهم بعكس مركبات البشر، فقد نجت سفينة إيغدراسيل ومئات السفن الفضائية من الانهيار والتلاشي.


بعد حوارات ومناقشات بين السفن الفضائية عبر الذكاء الفضائي، اقترحوا التوجه نحو الثقب العظيم، وهي نقطة يُعتقد أنها تؤدي إلى كونٍ فتيّ لم يمسه الحريق بعد. 

كانت الرحلة سباقاً مع الزمن، خلفهم.. كانت مجرة درب التبانة تتلاشى، لتتحول إلى سحب من الغبار المتوهج... إلى رماد كوني.

بينما كانت السفينة تعبر سديم الأندروما، رأوا أن الأجرام تحولت إلى ذرات، والذرات إلى مجرد ذبذبات تائهة.


وصلت سفينة إيغدراسيل مع عشرات السفن المتبقية إلى حافة الثقب العظيم. نظرت نايا خلفها للمرة الأخيرة، فلم يعد الفضاء بالمعنى المعروف، فقط مساحات شاسعة من الرماد البارد الذي يملأ ما كان يوماً ما سماءً مليئة بالنجوم.

لقد انتهى عصر الضوء، وبدأ عصر الرماد.


عندما عبرت السفينة إلى الجانب الآخر، وجدوا فضاءً صامتاً، ينتظر أول ذرة لتشتعل فيه الحياة.

خمد الحريق بعد مئات السنين، وعاد الفضاء أسود كما كان، لكنه لم يعد فارغاً، الرماد الذي خلفه الاحتراق بدأ يتجمع ليشكل نجوماً جديدة، نجوماً زرقاء غريبة لم يرها البشر من قبل.


في سجلات التاريخ الكوني، كُتب أن احتراق الفضاء كان النهاية لعصر، والبداية لكونٍ هجين، حيث تعلم البشر أن النور ليس دائماً علامة على الحياة، وأن الظلام قد يكون أحياناً هو الملاذ الأخير.


السبت، 8 أغسطس 2026

وريث الشيطان

تأليف : امل شانوحة 

تربية امي


وقف مراهقٌ عربي (18 سنة) أمام عجوزٍ اوروبيّ ، داخل مكتبٍ فخم وهو يرتجف خوفاً .. بعد اختطافه من رجالٍ مجهولين ، نقلوه بطائرةٍ خاصة الى ايطاليا !

حيث قال العجوز والسيجار بفمه :

- أظن والدتك علّمتك لغتنا ، طالما درست في جامعتنا ؟

فأجاب المراهق بصوتٍ مرتجف:

- نعم سيدي 

- وهل تعرف من أكون ؟

- لا اعرفك ، ولا اعرف لما انا موجودٌ هنا ! فقد كنت بطريقي الى جامعتي ، قبل ان يخطفني رجالك 

العجوز : وماذا تدرس ؟

- المحاماة 

فردّ العجوز بحزم : لا !! هذا الإختصاص يعارض عملي


ورغم استغراب الشاب من ربط دراسته بعمله ! الا انه سأله بقلق :

- وماهو عملك سيدي ؟!

فردّ العجوز بفخر : رئيس المافيا الإيطالية

فبلع الشاب ريقه برعب ! قبل ان يتابع العجوز اسئلته :

- إخبرني قليلاً عن حياتك ؟

فأجاب المراهق بنبرةٍ حزينة :

- عشت يتيماً منذ صغري .. أما أمي ، فماتت قبل أيام .. بعد ان صدمتها سيارةٌ مسرعة ، دون عثور الشرطة على السائق المتهوّر الذي ..

العجوز مقاطعاً بلؤم : انا من ارسلت ذلك السائق 

المراهق بصدمة :

- انت قتلت أمي ؟! 

- قتلت الخائنة التي عادت مع إبني الصغير الى بلدها دون اذني 


صرخ المراهق بعصبية : 

- عن من تتكلّم ؟!! ابي مات قبل ولادتي 

- امك كذبت عليك ، لتحميك مني .. فأنا رأيتها بالصدفة اثناء ذهابها الى جامعتها ، وأعجبني حياؤها وتمسّكها بحجابها.. فأمرت رجالي بخطفها.. ولليوم اعتبرها أشرس امرأة عرفتها بحياتي ، لشدّة مقاومتها لي ! وبالنهاية حجزتها في قبو قصري ، لحين ولادتك ..وعندما بلغت السادسة ، ساعدها أحد حرّاسي للهرب معك إلى المغرب.. وقد دفع ذلك الحارس حياته ، ثمناً لخيانته

فصرخ المراهق غاضباً :

- ايها اللعين !! بأيّ حق تُدنّس شرف امي ؟


فردّ العجوز ببرود :

- دعك من الماضي ، فهي ماتت وانتهى امرها .. المهم الآن !! أحضرتك الى هنا للإنتقام لأخيك الكبير الذي قُتل على يد العصابة المنافسة .. ولأنك وريثي الوحيد .. سأعيد تأهيلك وتدريبك ، لحين توليّك زعامة المافيا من بعدي.

فقال المراهق بحزم:

- أفضّل الموت على أن أصبح مجرماً مثلك !!

- يبدو أن أمك لم تحسن تربيتك ، لتهين والدك هكذا 

ثم نادى حرّاسه لسجنه بقبو القصر ، لبدء تجهيزه لمهام عصابته القادمة

***


وبدأت سنوات جحيم المراهق ، كأنه داخل معسكر إعتقال .. خضع فيه كل يوم لتدريباتٍ عنيفة على القتال والرماية والدفاع عن النفس.. 

وفي المساء ، يُجبر على حفظ معلوماتٍ خطيرة من ملفاتٍ ضخمة : عن طرق تهريب الأسلحة ، وغسل الأموال ، وتجارة المخدرات ، وأساليب السيطرة على العصابات المنافسة 

وإن رفض التعلّم ، يُعاقب بالحرمان من الطعام أو الجلد أو الحبس داخل خزانةٍ حديديةٍ ضيّقة .. وبذلك استطاعوا كسر عناده .. لكنهم فشلوا في الوصول إلى روحه التي حصّنتها أمه بالقيم الدينية 


ولأنه ادرك خطورة مواجهتهم .. تظاهر بالإندماج والحماس لأفكارهم الشريرة ، لإنهاء كابوسه الذي استمرّ ثلاث سنوات !

*** 


ببلوغه سن 21 ، حان وقت امتحانه النهائي.. وحضر العجوز اختبارات ابنه القتالية والتخطيطيّة التي اجتازها الشاب ببراعة ، أذهلت افراد العصابة ! 


فأخذه والده الى مكتبه للإحتفال بنجاحه ..

وهناك قال العجوز ، وهو يملأ كأس الخمر :

- اخيراً اصبحت الإبن الذي حلمت به دائماً .. فأخوك الأكبر ضيّع حياته على القمار والنساء الرخيصات .. اما انت !! فأفضل منه بكثير ، وتستحق زعامة المافيا من بعدي


ثم شرب قليلاً من خمره ، قبل ان يكمل كلامه :

- والآن !! حان وقت مهمّتك الأولى.. عليك قتل ابن زعيم العصابة المنافسة ، إنتقاماً لأخيك


وقبل البدء بشرح خطته ، إختنق بنوبة سعالٍ عنيفة.. وتحوّل وجهه للون الأزرق ! فأمسك جواله ، لاستدعاء الحرس لإسعافه .. 


لكن ابنه فاجأه بسحب الهاتف من يده ، ورميه بعيداً .. وهو يقول بصوتٍ منخفض :

- لا داعي لأن ألوّث يدي بالسلاح او الدهس ، كما فعلت بأمي .. يكفي وضع السم في شرابك ، لتخلّص من شرورك.. ولا تقلق ، فلا احد من رجالك او معارفك سيطالب بتشريح جثتك ، لأن موتك هو نهاية كابوسهم .. ولهذا ساعدني احدهم بإحضار السمّ الذي وضعته بشرابك ، قبل خروجك من حمام مكتبك .. اما عن أموالك : فسأتبرّع بها للجمعيات الخيرية ، لأني لا اريد مالك الحرام .. وبالنسبة للمعلومات الخطيرة التي أجبرتني على حفظها طيلة السنوات الماضية : فسأرسلها لإيميل الشرطة الإيطالية ، للقبض على رجالك وأنصارك ، وحتى اعدائك.. ولن انتظر انتهاء مراسم دفنك وعزائك ، بل سأعود فوراً إلى بلدي الذي سأعيش فيه مُحترِماً الدين والقانون ، كما ربّتني امي  


فحاول العجوز بما تبقى من قوته النهوض عن كرسيه ، لخنق ابنه .. لكن قواه خارت فجأة .. ليسقط جثةً هامدة ، خلف مكتبه الفخم ! 


وبعد ان هدأ الوضع ، وتنفّس الشاب الصعداء.. 

أخرج من محفظته : صورة والدته المُحجبة .. وهو يقول ، والدموع بعينيه: 

- هآ انا تخلّصت يا امي من الوحش الذي سرق حياتنا .. إنتقمتُ منه ، دون السماح له بتدمير القيم الدينية التي ربّيتني عليها 


ثم مسح دموعه .. وغادر القصر ، متوجهاً الى المطار.. نحو الحرّية التي دفع ثمنها غالياً ! 


وكر الهضبة المهجورة

تأليف : امل شانوحة  الطفولة المختطفة على الطريق العام .. تتواجد هضبة صخرية ، مبنياً عليها بيوتاً شعبية فقيرة .. قبل قرار الحكومة بإغلاق جميع...