تأليف : امل شانوحة
الحب الصادق
- انه القدر .. حتماً القدر !
هذا ما قاله الممثل (جوكبيرك يلدريم) حينما رأى الممثلة (جيمري آردا) مستلقية على الشاطئ بعد ان جرفها التيّار الى الجزيرة الصغيرة ، إثر سقوط طائرتهما العائدة الى تركيا !
دون علمه بأنها ضمن الركّاب ، كونه في مقصورة الدرجة الأولى بعد نجاحه الباهر في مسلّسله العائلي الأخير .. بينما هي بالدرجة السياحيّة بعد انطفاء شهرتها عقب تمثيلها للأفلام الهابطة !
واثناء توجهه نحوها ، إستعاد لقطات من ماضيهما معاً : فجيمري هي بطلة مسلّسلهما الشهير (تل الرياح) الذي اوصلهما للنجومية .. لكنهما افترقا بعد انتهائه ، مما احزن المتابعين المخلصين لهما !
وهاهو القدر يجمعهما بعد مقتل بقيّة الركّاب الثمانين !
ووصل اليها ، اثناء محاولتها التقاط انفاسها .. لتظهر الدهشة على وجهها بعد رؤية حبيبها الأول يمسح التراب عنها ، وهو يسألها بخوف :
- هل انت بخير ؟
- جوك ! أهذا انت ؟
- نعم .. لم أكن اعلم ان كلانا يُسافر على ذات الطائرة !
جيمري بقلق : واين بقيّة الركّاب ؟!
فأشار الى ذيل الطائرة الذي كان يغرق ببطء في البحر :
- رحلوا جميعاً عند خالقهم ، وبقينا بمفردنا على هذه الجزيرة المجهولة
وبعد ان ساعدها على الوقوف ، اقترحت عليه استكشاف المكان
***
وبعد ساعات من البحث في ارجاء الجزيرة ، تأكّدا من وجودهما وحدهما هناك !
حيث تساعدا بإشعال النار ، وجمع الأوراق لجعلها فراشاً داخل شقّ الهضبة القريب من الشاطئ ، بعد حلول المساء
^^^
وفي كهفٍ صغير ، بعد ارتوائهما من مياه المطر المتجمّعة داخله .. أدار كلاً منهما ظهره ، محاولان النوم ..
وبعد دقائق من السكون الذي ضجّ بأنفاسهما الثقيلة ، سألته بتردّد :
- ان قلت انني اشتقت اليك ، هل ستصدّقني ؟
فتنهد بقهر :
- لا تنسي انك انتِ من قطعتي علاقتنا الصادقة
- وانا نادمة على ذلك
جوك بنبرةٍ غاضبة ، وهو مازال يدير عنها ظهره :
- نصحتك كثيراً بأن لا تقبلي تمثيل ذلك الفيلم القذر !! لكنك أصرّيتي على هدم شخصيتك البريئة في مسلّسلنا ، التي أدّت لشهرتك بعالم الفن !
جيمري : مديرة اعمالي شجّعتني على اخذ دورٍ مخالف لشخصيتي القديمة
- وبسبب دورك الجريء ، خسرتي عدداً كبيراً من متابعينك
- أعترف ان حماسي للعب ادوارٍ جديدة بأجورٍ ضخمة ، أغراني للمضيّ في طريقٍ زائف.. لاكتشف لاحقاً بأنني لم اعد المُفضلّة للكتّاب والمخرجين ، بعد ان ذاع صيتي كممثلة أدوارٍ فاسدة
جوك : صحيح انك حصلتي على شهرةٍ سريعة ، بينما بقيت سنتين عاطلاً عن العمل ، لإصراري على الأدوار النظيفة .. الا ان مسلسلي العائلي الأخير الذي دام ثلاثة مواسم شهرني كثيراً ، وعوّضني عن الأعطال السابقة .. وبذلك كسبت الشهرة والمال ، واحترام الناس لي
- ليت لديّ صبرك يا جوك .. لكن مديرة اعمالي أقنعتني بأن جمالي لن يدوم لسنواتٍ طويلة ، وعليّ استغلاله لجمع ثروّتي باكراً .. وفي المقابل خسرت متابعي مسلسلنا الذين احبوني كفتاةٍ خلوقة .. والأهم من ذلك ، خسرت حبك لي !
جوك : لا تدري كم بكيت بعد رؤية قبلاتك للممثل المتزوج
فأدارت وجهها نحوه :
- لم تعني لي شيئاً.. احلف لك !!
فأبعد جوك يدها عن ظهره ، رافضاً الإلتفات اليها :
- تلك المشاهد ذبحتني !! أنت تعلمين غيرتي الشديدة عليك ، ومع ذلك لم تهتمي بمشاعري .. حينها علمت انك لم تحبيني اصلاً ، بل استغلّيتي مشاعري الصادقة لشهرتك فحسب
- ابداً يا جوك !! كل نظرة وابتسامة في مسلسلنا البريء ، كان حقيقياً .. بل تمنيت لوّ أكملنا حياتنا معاً ، بعد انتهاء التصوير .. وما آلمني اكثر هو بقائك عازباً حتى الآن
جوك بحزن : لأني فقدت ثقتي بالنساء من بعدك .. (ثم سكت قليلاً) .. وانت ايضاً لم ترتبطي بعد ، رغم عروضات الزواج من اثرياء البلد!
- لأنه لم يسكن احدٌ قلبي .. سواك
وسكتا معاً ، قبل ان تكمل جيمري :
- أتذكر كواليس مسلسلنا الجميل ؟ كنا نصوّر لساعاتٍ طويلة .. وما أن أضع رأسي على كتفك ، حتى يختفي تعبي ! كأنك الأمان بالنسبة لي .. ولغبائي ظننت أنه بإمكاني الشعور بذات المشاعر مع ممثلٍ آخر .. لكن حبي لك لم يتغيّر ، بل زاد شوقاً كل يوم
جوك : هل تظني ان القدر جمعنا بهذه الجزيرة ، لنعيد حساباتنا السابقة ؟
- بل لنستذكر مشاعرنا الصادقة من جديد
فأدار ظهره لها :
- أتدرين انه بعد انهاء تجنيدي الإجباري ، أخبرت والدايّ بنيّتي الزواج بك ؟ لكنهما نصحاني بالتريّث ، ريثما يصدر فيلمك الجديد .. وبعد رؤية مشاهدك الجريئة ، إنكسر قلبي ، ورميت خاتم خطوبتك في درجي .. ومن يومها اغلقت قلبي نهائياً عن الحب والزواج.. خاصة عندما ارادوا تكريمنا ، كممثليّن صاعديّن .. قهرتني مديرة اعمالك : برغبتك التواجد وحدك امام المسرح ! مما أجبرني على الجلوس بالمقاعد الخلفية ، والخروج مباشرةً بعد التكريم
جيمري بصدمة : هل حقاً أخبرتك بذلك ؟!
- الم يكن ذلك طلبك ؟
- لا ابداً ! بل كنت مُتحمّسة للقائك بعد عام على فراقنا ، وانكسر قلبي حين رأيتك تجلس آخر القاعة ! وتألّمت اكثر لخروجك السريع من الحفل ، دون سلامك عليّ ! حينها أخبرتني مديرة اعمالي بأنك قلت لها : أنك تستحقرني بعد فيلمي الهابط
جوك بدهشة : يا الهي ! يبدو انها استطاعت فعلاً التفريق بيننا
- الخبيثة ! كيف فعلت ذلك ، وهي تعلم شدّة شوقي لك ؟!
- لأنها تكسب من ورائك .. ومن مصلحتها ان لا تتزوجي رجلاً غيّوراً ، يمنعك من اختيار ادوارٍ لا تناسب اخلاق مجتمعنا
جيمري بحزم : ان عدنا لتركيا سالميّن ، سأطردها فوراً !! فهي تسببّت لي بصدمةٍ عاطفية إستمرّت لسنوات ، ظناً بتخليك عني
جوك : يبدو ان جمهورنا كان محقاً بمطالبتنا البقاء معاً !
- لأنهم ليسوا اغبياء ، ويستطيعون التفريق بين التمثيل والمشاعر الحقيقية
جوك : وقد فعلوا المستحيل لإثارة شوقنا ، عبر استخدامهم الذكاء الإصطناعي
- لا تدري كم تألّمت بعد رؤية تلك المقاطع المُصطنعة ، التي أشعرتني بألم فراقك .. خصوصاً بعد فشلي بتمثيل مشاهد عاطفية صادقة مع ممثلين آخرين!
جوك : طبعاً !! فمشاعر الحب الحقيقية تُخلق بين روحيّن فقط ، وتستمرّ العمر كله
- تستمر ! أهذا يعني انك مازلت تحبني ، رغم اخطائي السابقة ؟
- بل سأتزوجك ان وعدتني بعدم توسيخ سمعتك من جديد
جيمري : وماذا لوّ كانت المشاهد العاطفية معك ؟
- ضمن حدود الأخلاق والأدب .. اما الرومنسية ، ستكون في بيتنا فقط .. لأنك ستصبحين يوماً ام لأولادي ، واريدك ان تكوني مثالاً صالحاً لهم
جيمري السابقة : وهل تظن الجمهور سيسامحني على افلامي السابقة؟
- في حال ظهرتي كزوجةٍ صالحة واماً حنونة بعد زواجنا ، سيغفرون لك .. بالنهاية جمهور مسلسلنا مازال يطالبنا بالعمل سوياً
- ما رأيك لوّ ننتج فيلماً عما يحصل معنا الآن ؟
جوك : أتقصدين بقائنا لوحدنا بالجزيرة ؟
- نعم !!
- سيكون ذلك رائعاً
جيمري بحماس : لنمثله قبل اعلان زواجنا الحقيقي
فحضنها بحنان .. لتنهار بالبكاء بعد اشتياقها الشديد لحضنه الذي افتقدته لخمس سنوات
***
لم يستمرّ بقائهما في تلك الجزيرة طويلاً .. فمن خلال تتبّع الصندوق الأسود للطائرة التي غرقت بجانب الجزيرة ، تم إنقاذ الممثليّن .. وسط ضجّةٍ اعلامية كبيرة ، خصوصاً لمتابعي مسلسلهما القديم الذين أصرّوا على معرفة : كيف قضى الحبيبان السابقان ايامها الثلاثة ، بعد نجاتهما من حادث الطائرة ؟
مما سهّل ايجاد منتجٍ لتحويل ذلك الحدث الى فيلمٍ رومنسي ، حصد اعلى نسبة مشاهدة .. خصوصاً بعد عرضه (بآخر الفيلم) مشهد خطوبتهما الحقيقي وسط اهاليهما ، مما جعل صالات السينما تضجّ بتصفيق الجمهور المخلص لهما
***
وهاهما اليوم يُشار إليهما ، كأعظم ثنائي فني في تركيا .. ليس لإنسجامهما فحسب ، بل لأن قصتهما علّمت الجميع : أن الحب الصادق قد يضلّ الطريق ، لكنه يعود دائماً مع الرياح الصحيحة !

