السبت، 4 أبريل 2026

جزيرة الرياح

تأليف : امل شانوحة 

الحب الصادق


- انه القدر .. حتماً القدر ! 

هذا ما قاله الممثل (جوكبيرك يلدريم) حينما رأى الممثلة (جيمري آردا) مستلقية على الشاطئ بعد ان جرفها التيّار الى الجزيرة الصغيرة ، إثر سقوط طائرتهما العائدة الى تركيا !

دون علمه بأنها ضمن الركّاب ، كونه في مقصورة الدرجة الأولى بعد نجاحه الباهر في مسلّسله العائلي الأخير .. بينما هي بالدرجة السياحيّة بعد انطفاء شهرتها عقب تمثيلها للأفلام الهابطة ! 


واثناء توجهه نحوها ، إستعاد لقطات من ماضيهما معاً : فجيمري هي بطلة مسلّسلهما الشهير (تل الرياح) الذي اوصلهما للنجومية .. لكنهما افترقا بعد انتهائه ، مما احزن المتابعين المخلصين لهما !

وهاهو القدر يجمعهما بعد مقتل بقيّة الركّاب الثمانين !


ووصل اليها ، اثناء محاولتها التقاط انفاسها .. لتظهر الدهشة على وجهها بعد رؤية حبيبها الأول يمسح التراب عنها ، وهو يسألها بخوف :

- هل انت بخير ؟

- جوك ! أهذا انت ؟

- نعم .. لم أكن اعلم ان كلانا يُسافر على ذات الطائرة ! 

جيمري بقلق : واين بقيّة الركّاب ؟!

فأشار الى ذيل الطائرة الذي كان يغرق ببطء في البحر :

- رحلوا جميعاً عند خالقهم ، وبقينا بمفردنا على هذه الجزيرة المجهولة 


وبعد ان ساعدها على الوقوف ، اقترحت عليه استكشاف المكان

*** 


وبعد ساعات من البحث في ارجاء الجزيرة ، تأكّدا من وجودهما وحدهما هناك !

حيث تساعدا بإشعال النار ، وجمع الأوراق لجعلها فراشاً داخل شقّ الهضبة القريب من الشاطئ ، بعد حلول المساء 

^^^


وفي كهفٍ صغير ، بعد ارتوائهما من مياه المطر المتجمّعة داخله .. أدار كلاً منهما ظهره ، محاولان النوم .. 


وبعد دقائق من السكون الذي ضجّ بأنفاسهما الثقيلة ، سألته بتردّد :

- ان قلت انني اشتقت اليك ، هل ستصدّقني ؟

فتنهد بقهر :

- لا تنسي انك انتِ من قطعتي علاقتنا الصادقة  

- وانا نادمة على ذلك 

جوك بنبرةٍ غاضبة ، وهو مازال يدير عنها ظهره : 

- نصحتك كثيراً بأن لا تقبلي تمثيل ذلك الفيلم القذر !! لكنك أصرّيتي على هدم شخصيتك البريئة في مسلّسلنا ، التي أدّت لشهرتك بعالم الفن ! 

جيمري : مديرة اعمالي شجّعتني على اخذ دورٍ مخالف لشخصيتي القديمة 

- وبسبب دورك الجريء ، خسرتي عدداً كبيراً من متابعينك

- أعترف ان حماسي للعب ادوارٍ جديدة بأجورٍ ضخمة ، أغراني للمضيّ في طريقٍ زائف.. لاكتشف لاحقاً بأنني لم اعد المُفضلّة للكتّاب والمخرجين ، بعد ان ذاع صيتي كممثلة أدوارٍ فاسدة

جوك : صحيح انك حصلتي على شهرةٍ سريعة ، بينما بقيت سنتين عاطلاً عن العمل ، لإصراري على الأدوار النظيفة .. الا ان مسلسلي العائلي الأخير الذي دام ثلاثة مواسم شهرني كثيراً ، وعوّضني عن الأعطال السابقة .. وبذلك كسبت الشهرة والمال ، واحترام الناس لي 

- ليت لديّ صبرك يا جوك .. لكن مديرة اعمالي أقنعتني بأن جمالي لن يدوم لسنواتٍ طويلة ، وعليّ استغلاله لجمع ثروّتي باكراً .. وفي المقابل خسرت متابعي مسلسلنا الذين احبوني كفتاةٍ خلوقة .. والأهم من ذلك ، خسرت حبك لي ! 

جوك : لا تدري كم بكيت بعد رؤية قبلاتك للممثل المتزوج


فأدارت وجهها نحوه : 

- لم تعني لي شيئاً.. احلف لك !! 

فأبعد جوك يدها عن ظهره ، رافضاً الإلتفات اليها :

- تلك المشاهد ذبحتني !! أنت تعلمين غيرتي الشديدة عليك ، ومع ذلك لم تهتمي بمشاعري .. حينها علمت انك لم تحبيني اصلاً ، بل استغلّيتي مشاعري الصادقة لشهرتك فحسب

- ابداً يا جوك !! كل نظرة وابتسامة في مسلسلنا البريء ، كان حقيقياً .. بل تمنيت لوّ أكملنا حياتنا معاً ، بعد انتهاء التصوير .. وما آلمني اكثر هو بقائك عازباً حتى الآن 

جوك بحزن : لأني فقدت ثقتي بالنساء من بعدك .. (ثم سكت قليلاً) .. وانت ايضاً لم ترتبطي بعد ، رغم عروضات الزواج من اثرياء البلد! 

- لأنه لم يسكن احدٌ قلبي .. سواك 


وسكتا معاً ، قبل ان تكمل جيمري : 

- أتذكر كواليس مسلسلنا الجميل ؟ كنا نصوّر لساعاتٍ طويلة .. وما أن أضع رأسي على كتفك ، حتى يختفي تعبي ! كأنك الأمان بالنسبة لي .. ولغبائي ظننت أنه بإمكاني الشعور بذات المشاعر مع ممثلٍ آخر .. لكن حبي لك لم يتغيّر ، بل زاد شوقاً كل يوم 

جوك : هل تظني ان القدر جمعنا بهذه الجزيرة ، لنعيد حساباتنا السابقة ؟ 

- بل لنستذكر مشاعرنا الصادقة من جديد

فأدار ظهره لها :

- أتدرين انه بعد انهاء تجنيدي الإجباري ، أخبرت والدايّ بنيّتي الزواج بك ؟ لكنهما نصحاني بالتريّث ، ريثما يصدر فيلمك الجديد .. وبعد رؤية مشاهدك الجريئة ، إنكسر قلبي ، ورميت خاتم خطوبتك في درجي .. ومن يومها اغلقت قلبي نهائياً عن الحب والزواج.. خاصة عندما ارادوا تكريمنا ، كممثليّن صاعديّن .. قهرتني مديرة اعمالك : برغبتك التواجد وحدك امام المسرح ! مما أجبرني على الجلوس بالمقاعد الخلفية ، والخروج مباشرةً بعد التكريم

جيمري بصدمة : هل حقاً أخبرتك بذلك ؟! 

- الم يكن ذلك طلبك ؟

- لا ابداً ! بل كنت مُتحمّسة للقائك بعد عام على فراقنا ، وانكسر قلبي حين رأيتك تجلس آخر القاعة ! وتألّمت اكثر لخروجك السريع من الحفل ، دون سلامك عليّ ! حينها أخبرتني مديرة اعمالي بأنك قلت لها : أنك تستحقرني بعد فيلمي الهابط

جوك بدهشة : يا الهي ! يبدو انها استطاعت فعلاً التفريق بيننا

- الخبيثة ! كيف فعلت ذلك ، وهي تعلم شدّة شوقي لك ؟!

- لأنها تكسب من ورائك .. ومن مصلحتها ان لا تتزوجي رجلاً غيّوراً ، يمنعك من اختيار ادوارٍ لا تناسب اخلاق مجتمعنا

جيمري بحزم : ان عدنا لتركيا سالميّن ، سأطردها فوراً !! فهي تسببّت لي بصدمةٍ عاطفية إستمرّت لسنوات ، ظناً بتخليك عني 


جوك : يبدو ان جمهورنا كان محقاً بمطالبتنا البقاء معاً ! 

- لأنهم ليسوا اغبياء ، ويستطيعون التفريق بين التمثيل والمشاعر الحقيقية

جوك : وقد فعلوا المستحيل لإثارة شوقنا ، عبر استخدامهم الذكاء الإصطناعي

- لا تدري كم تألّمت بعد رؤية تلك المقاطع المُصطنعة ، التي أشعرتني بألم فراقك .. خصوصاً بعد فشلي بتمثيل مشاهد عاطفية صادقة مع ممثلين آخرين!

جوك : طبعاً !! فمشاعر الحب الحقيقية تُخلق بين روحيّن فقط ، وتستمرّ العمر كله

- تستمر ! أهذا يعني انك مازلت تحبني ، رغم اخطائي السابقة ؟

- بل سأتزوجك ان وعدتني بعدم توسيخ سمعتك من جديد

جيمري : وماذا لوّ كانت المشاهد العاطفية معك ؟

- ضمن حدود الأخلاق والأدب .. اما الرومنسية ، ستكون في بيتنا فقط .. لأنك ستصبحين يوماً ام لأولادي ، واريدك ان تكوني مثالاً صالحاً لهم 

جيمري السابقة : وهل تظن الجمهور سيسامحني على افلامي السابقة؟ 

- في حال ظهرتي كزوجةٍ صالحة واماً حنونة بعد زواجنا ، سيغفرون لك .. بالنهاية جمهور مسلسلنا مازال يطالبنا بالعمل سوياً  

- ما رأيك لوّ ننتج فيلماً عما يحصل معنا الآن ؟

جوك : أتقصدين بقائنا لوحدنا بالجزيرة ؟

- نعم !!

- سيكون ذلك رائعاً 

جيمري بحماس : لنمثله قبل اعلان زواجنا الحقيقي


فحضنها بحنان .. لتنهار بالبكاء بعد اشتياقها الشديد لحضنه الذي افتقدته لخمس سنوات

***


لم يستمرّ بقائهما في تلك الجزيرة طويلاً .. فمن خلال تتبّع الصندوق الأسود للطائرة التي غرقت بجانب الجزيرة ، تم إنقاذ الممثليّن .. وسط ضجّةٍ اعلامية كبيرة ، خصوصاً لمتابعي مسلسلهما القديم الذين أصرّوا على معرفة : كيف قضى الحبيبان السابقان ايامها الثلاثة ، بعد نجاتهما من حادث الطائرة ؟ 

مما سهّل ايجاد منتجٍ لتحويل ذلك الحدث الى فيلمٍ رومنسي ، حصد اعلى نسبة مشاهدة .. خصوصاً بعد عرضه (بآخر الفيلم) مشهد خطوبتهما الحقيقي وسط اهاليهما ، مما جعل صالات السينما تضجّ بتصفيق الجمهور المخلص لهما 

***


وهاهما اليوم يُشار إليهما ، كأعظم ثنائي فني في تركيا .. ليس لإنسجامهما فحسب ، بل لأن قصتهما علّمت الجميع : أن الحب الصادق قد يضلّ الطريق ، لكنه يعود دائماً مع الرياح الصحيحة !


الخميس، 2 أبريل 2026

الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة 

التردّد المنخفض


في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم تستطع التقاط نداءه ، مهما حاول الصراخ بعلوّ صوته .. فاكتفت بالإبتسام له ، رغم خوفها من إعاقة ابنها التي ربما تجعله يضيع في البحر الواسع .. لذلك حرصت على بقائه بجانبها دائماً ، مما ازعج الصغير الذي اراد اللعب مع رفاقه ! 

لكنه لم يسمع سوى اجابة مُكرّرة من والدته المهمومة : 

- ربما حينما تكبر ، نجد حلاً لمشكلتك النادرة

***


وفي يومٍ من الأيام .. استغلّ نوم أمه ، للعب الغميضة مع اصدقائه .. مُختبأ داخل هيكل سفينةٍ غارقة..

وانتهت اللعبة ، دون عثورهم عليه !


فسبح حوتٌ صغير فزعاً ، لإخبار الأم باختفائه .. والتي سارعت بالبحث عنه في كل مكان ، كالمجنونة .. الى ان وجدته خائفاً في عمق المحيط ، بعد أن أضاع طريق العودة.


عانقته بقوة ، ثم عاتبته على مخالفة اوامرها .. 

وعندما عادا الى مكانهما المعتاد ، إنصدما برحيل الحيتان لمكانٍ مجهول ! 

***


ومنذ ذلك اليوم ، أصبحا وحدهما.

ولخوف الأم من ضياع ابنها ثانيةً ، منعته الإبتعاد عنها ولوّ متراً واحداً ! 

كما حرصت على تعليمه الصيد ، وكيفية النجاة من جميع الأخطار .. خوفاً من رحيلها المفاجئ ، وتركه وحيداً في الظلام.

***


وكبر الصغير ، ليصبح حوتاً ضخماً .. وباتت اوامر امه وحرصها الزائد عليه ، يضايقه ويثير اعصابه.. 

فأراد يوماً ممازحتها ، بتمثيل موته : بعد تمدّده في قاع المحيط دون حراك .. مُتحمّلاً ضربات زعانف امه الخائفة ، وهي تحاول ايقاظه بكل قوتها .. لكنه بقيّ ساكناً ، الى ان هدأ كل شيءٍ حوله !

 

وعندما فتح عيناه .. وجدها تسبح بعيداً عنه ، مكسورة القلب

فناداها بعلو صوته :

- انا امزح يا امي !! انا بخير !! انتظريني !!

لكنها لم تسمعه..


ثم جاء تيّارٌ قويّ ، ابعده عنها ! مُحققاً اكبر كوابيسه المخيفة

***


مرّت الأيام ..والحوت يسبح ويأكل وينام وحده ، ويغني بصوتٍ لا يسمعه أحد.. الى ان اكتشفه احد الغوّاصين الذي تفاجأ من عيشه بعيداً عن مجموعة الحيتان ، وهو مخالف لقوانين الطبيعة ! 

وسرعان ما انتشر خبره بالصحف ، بلقب : 

((أكثر حوتٍ وحيد في العالم)) 


وبعد مراقبته .. عرف العلماء أن تردّد صوته منخفض ، لا تلتقطه الحيتان الأخرى.. فقرّروا مساعدته ، بتثبيت جهازٍ صغير قرب فمه (اثناء نومه) يعمل كمكبّر للصوت  

***


بعد ايام .. لمح مجموعة من الحيتان تسبح فوقه.. ورغم علم الحوت المعاق بأنهم لن يسمعوه ، الا انه ناداهم كعادته 


وفجأة ! دوّى صوته الجهوريّ في الماء .. جعلت جميع الحيتان تلتفت اليه بدهشة !

واقترب قائدهم العجوز ، ليسأله:

- ما هذا الشيء العجيب بجانب فمك ؟ دعني ازيله لك

فردّ بخوف:

- لا رجاء !! ربما هو ما عالج ضعف صوتي 

وروى له قصته.


القائد باستغراب : 

- هل حقاً ساعدك الإنسان بعد كل الأضرار التي فعلها بالمحيط ؟! فنفاياتهم البلاستيكية تحاصرنا في كل مكان ، عدا عن حرمانننا من اطنان السمك بعد صيدهم العشوائيّ بشباكهم الضخمة

فأجابه الحوت بلطف:

- ربما هذه المرة أرادوا إصلاح شيءٍ في عالمنا .. (ثم بخجل) .. سيدي ، هل تقبلني بين مجموعتك ؟ فقد تعبت من الوحدة

***


وبالفعل اصبح معهم .. وما كان يوماً نقطة ضعفه ، أصبحت قوته .. فصوته الجهوريّ سمح له بتولّي قيادة المجموعة ، عقب رحيل قائدهم 


بعدها تزوج ، وأنجب حوتاً صغيراً يمتلك صوتاً طبيعياً جميلاً 

حيث شاهده العلماء من بعيد وهو يلاعب صغيره بجانب زوجته ، وبقية المجموعة التي يقودها بجدارةٍ وقوة 

لتنشر صورته بالصحف ، بعنوان:

- اخيراً .. لم يعد وحيداً 

***


بعد سنواتٍ طويلة..

عرف العلماء بموته ، بعد عثورهم على هيكله العظمي في قاع المحيط..

فأزال الغطاس الجهاز عن فمه ، الذي تمّ وضعه لاحقاً في متحفٍ بحريّ .. 


حيث وقف التلاميذ أمامه ، لسماع قصته من المعلمين الذين قالوا : 

- هذا هو مكبّر الصوت الخاص بالحوت الذي عاش طفولته وحيداً .. والذي حوّلته إعاقته ، لأشجع قائدٍ للحيتان.. لهذا تذكّروا دائماً : ((أن ما يجعلك مختلفاً اليوم ، قد يكون سرّ قوتك غداً))

*****

ملاحظة :

هذه القصة مستوحاة من حوتٍ حقيقي يعيش وحيداً في المحيط .. لكن المعلومات الصحيحة عنه هي: 

انه في عام 1989 اكتشف هيدروفون البحرية الأمريكية (وهو جهاز مخصّص لتتبع الغواصات) تردّداً منفرداً عند 52 هرتز عبر المحيط .. يبدو كنداء حوت ، لديه طفرة جينية جعلت تردّده اعلى من بقية الحيتان التي تتواصل مع بعضها بتردّد من 10 الى 40 هرتز فقط .. لهذا اطلقوا عليه لقب ((حوت 52 هرتز )) ويعتبر اكثر حوت وحيداً في العالم 

***

لكن لرغبتي ان تؤثّر قصتي على الأطفال الإنطوائيين الذين يخافون رفع نبرة صوتهم ، للإندماج مع اصدقائهم .. قمت بقلب المعلومات ، وجعل الحوت صاحب تردّدٍ منخفض عن بقية الحيتان ! 

اتمنى ان تنال قصتي اعجابكم ..