السبت، 16 مايو 2026

سيدة القصر

تأليف : امل شانوحة 

الحياة المُستعارة


احضرها البستاني الى قصر الريف ، وهو يقول :

- اريدك ان تعملي بجهد على تنظيف القصر ، فالسيدان قادمان بعد اسبوع لقضاء عطلتهما الصيفية .. أبهريهما بترتيبك وأطباقك الشهية لكي يوظفاك بشكلٍ دائم.

فسألته الخادمة الثلاثينية :

- وكم شهر سيبقون هنا ؟ 

- فقط ثلاثة اشهر .. وبقية السنة ، تبقين هنا للحراسة .. وأنا أزوركِ مرة في الشهر ، لإحضار المؤونة والعناية بالحديقة

***


وبالفعل حصلت الخادمة النشيطة على رضا السيديّن اللذين وظّفاها في قصرهما براتبٍ شهريّ .. 

في البداية : اعتادا قفل غرفتهما ، كلما خرجا للتنزه خارج القصر


لكن بعد مضيّ ثلاثة اشهر ، وثقا بالخادمة ..لدرجة انهما عادا للمدينة دون اقفال خزانتهما : بما فيها من ملابس فاخرة واكسّسوارات وعطور ثمينة


وربما اخطئا الوثوق بيتيمةٍ فقيرة باكراً ، فكما يقال : ((المال السائب يُعلّم السرقة)) حيث خطّطت لبيع التحف واللوحات ، والهرب بالمال للقرية المجاورة ..لكن رائحة عطر السيدة المُترف ، أشعرها بلذّة حياة الرفاهية .. فأصبح هدفها العيش كسيدة القصر لما تبقى من شهور السنة ، ثم الهرب قبل عودتهما في الصيف القادم ! 

***


وبالفعل وضعت ملابسها القديمة جانباً ، بعد ملائمة فساتين السيدة لمقاسها.. حيث انذهلت من الحرير والقطن الأصلي فوق جلدها الذي لم يعتدّ ملمسهما الناعم طوال حياتها البائسة ! 


وصارت تتعمّد النوم على سرير الزوجيّن المريح .. وتأكل من طعامهما اللذيذ الذي امتلأت ثلاّجة المطبخ بها.. وتوقفت عن طبخ اكلاتها الشعبية ، بعد تعوّدها على تسخين المأكولات الجاهزة بالمايكرويف..ففي جميع الأحوال ستفسد ، لحين قدومهما بالصيف القادم


كما اعتادت شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تجلس كالأميرات على الكرسي الهزّاز .. وفستانها الناعم يتطاير مع النسمات الباردة ، مع بدء فصل الخريف.. دون علمها بأنها مُراقبة من شابٍ ثريّ في القصر المجاور كل صباح ، حتى تحوّل فضوله لافتنان !

***


وذات يوم .. قرّر القدوم الى قصرها ، للتعرّف على جارته 

بالبداية ارتعبت ، خوفاً من انفضاح لعبتها.. لكنها اعتبرته فرصتها الذهبية للإرتقاء الى طبقة الأثرياء في حال اقنعته بالزواج منها ، قبل حلول فصل الصيف 

***


وصارا يلتقيان في نادي الأثرياء بعد استخدامها بطاقة الأعضاء المميزين ، الخاصة بالسيد (التي تركها في درجه) .. مُعرّفةً عن نفسها : بأنها قريبة العائلة المالكة للقصر.

وقد أُعجب الشاب بهدوئها وعفويّتها ، فهي غير مُتصنّعة كالنساء اللآتي قابلهن في حياته !


أما هي ، فغرقت كل يوم في الشخصية التي اخترعتها.. حتى بدأت تصدّقها بالفعل! 

***


وبمرور الشهور ، واللقاءات المتكرّرة .. اوشكت خطتها على النجاح ، لولا ان شاهدها حبيبها (وهي ترتدي ثيابها القديمة) اثناء نقلها أكياس المؤونة مع البستاني ..

فاقترب منها ، وهو يسألها :

- من هذا الرجل ؟!


فانتبه البستاني على ارتباكها امام الشاب الثريّ ، فأسرع بالرد :

- انا بستاني القصر.. سيدي

فوجّه الثريّ كلامه لها : 

- حسناً ، إنهي عملك سريعاً .. اريد مناقشة ترتيبات حفل خطوبتنا 

ودخل الى الصالة ، كأنه اعتاد القدوم للقصر !


فجذب البستاني ذراع الخادمة جانباً :

- هل اوهمته انك صاحبة القصر ؟!

فترجّته بخوف : 

- رجاءً لا تفضحني.. فقريباً سأصبح زوجة الشاب ، واستقيل من عملي 

البستاني : ألهذا استغرب ثيابك الرثة ؟ حتماً كنت تستقبلينه بفساتين السيدة التي سرقتها..

مقاطعة بخوف : لم اسرق شيئاً ، بل استعرتها لتغيير حياتي .. رجاءً دعني اتزوج حبيبي ، فقد بقيّ شهر على قدوم السيديّن

- لن اخدعهما كما فعلتي .. وسأتصل بهما للحضور باكراً ، وانهاء هذه المهزلة

الخادمة بتحدّي : لا تستطيع اثبات شيءٍ ضدّي !!


فأخرج جواله ، وهو يعرض عليها : مقطع فيديو قديم وهي تنظف الحديقة.

- كنت أرسلته للسيديّن ، للموافقة على توظيفك.. ما رأيكِ لو شاهده خطيبك أيضاً ؟


فانهارت بخوفٍ شديد ، وهي تتوسّل إليه بالتزام الصمت .. حتى انها حاولت ارشائه بسيارة السيد التي تركها في المرآب ..

فردّ باشمئزاز :

- انت مجرّد طمّاعة فقيرة ، لعبت دور الأميرة .. ومن حق الشاب المسكين ان يعرف حقيقتك القذرة 

ثم ادار ظهره ، متوجهاً نحو باب القصر.


في تلك اللحظة ، شعرت أن احلامها بحياةٍ مثالية تنهار امام عينيها .. فلم تعي بنفسها الا وهي تضربه برفش الحديقة على رأسه.. 

لتسقط جثته في بركة المسبح ، ويختلط دمائه بمياها الزرقاء !


فخرج الشاب فزعاً من القصر ، بعد سماعه صرخة البستاني الأخيرة ! 

لينصدم بجريمة حبيبته التي شرحت ما حصل وهي منهارة بالبكاء .. وتؤكّد أن ما فعلته هو حباً له ، وخوفاً من خسارته .. 

لكنه لم يرى امامه ، سوى امرأة مخادعة ! واتصل بالشرطة التي قدمت للتحقيق بالجريمة .. ثم اقتادت القاتلة الى السجن


بينما عاد الشاب الى قصره المجاور وهو مُحطّم القلب ، بعد اغرامه بها فعلاً !

***


لاحقاً قرّر السيدان بيع القصر ، بعد ان فقدا رغبتهما في التواجد بمكانٍ وقعت فيه جريمة قتل.. وقد تعلّما درساً بالحياة : أن لا يثقا بالغرباء ثانيةً 


اما الشاب : فكان يمرّ كل صباح بجانب القصر المعروض للبيع ، رافعاً نظره نحو الشرفة الخالية .. وهو يتساءل بحزن : 

((ان كان احب امرأةً حقيقية ، ام مجرّد وهمٍ صنعه خياله في فصل خريفٍ بارد؟!)) 


الخميس، 14 مايو 2026

صوت الظلام

تأليف : امل شانوحة 

التنمّر الإلكتروني


كانت رؤى منذ طفولتها تملك خيالاً واسعاً ، لدرجة امضائها ساعاتٍ طويلة بتأليف مسرحيّات لألعابها التي اعطتهم شخصيّات واصواتٍ مختلفة .. وهي تضحك معهم ، او تبكي لموت احدهم بنهاية قصتها الخيالية ! 


وفي مرحلة الثانوية ، تعلّقت بالروايات الغامضة ذات النهايات الصادمة التي عاشت احداثها ومغامراتها مع ابطال القصة .. 

حتى ان كوابيسها ومناماتها الغير مفهومة ، حوّلتها الى قصصٍ في مخيّلتها التي ابعدتها كل يوم عن واقعيّة الحياة ! 


نقطة التحوّل كانت بمرحلتها الجامعية .. فبينما كانت تستعد لامتحاناتها النهائية ، خطرت في بالها فكرةً غريبة ، لدرجة انها لم تعد قادرة على التركيز في كتابها ! 

حيث استمرّت الشخصيّات في التحدّث والصراع داخل رأسها لساعات ، الى ان رضخت بتدوينها في مسودّة إحدى الدفاتر 


بعد نجاحها الجامعي ، اعطّت القصة لعائلتها وهي تتوقع نقدهم .. لكنها فوجئت بإعجابهم وتشجيعهم لموهبتها الجديدة ! 

ومن يومها ، أصبحت الكتابة هدفاً لحياتها.

***


سنواتٌ طويلة أمضتها بكتابة قصصٍ ورقية ، حشرتها في درجها .. الى ان قرّرت أخيراً نشرها في مدوّنةٍ إلكترونية 


في البداية ، كان عدد قرّائها قليلاً.. ثم بدأت تظهر تعليقاتهم الداعمة مع زيادة مشاركاتها التي انتشرت سريعاً بين المواقع الكتابية

***


وبعد عشر سنوات ، صارت لمدونتها آلاف المتابعين الذين ينتظرون قصصها كل يومين .. لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث بمرور الزمن : فكلما تحسّن أسلوبها ، زادت الإنتقادات قسّوة وقلة احترام ! خاصة من قبل خمسة أشخاص لا يفوّتون قصةً واحدة دون الإستهزاء بها ، والتقليل من قيمتها :

- متى تملّين وتوقفين حلمك السخيف ؟

- اسلوبك مبتدئ ، ومليء بالأخطاء الإعرابية 

- افكارك مسروقة من الذكاء الإصطناعي

- يبدو ان موهبتك انتهت اخيراً 

- توقفي عن احراج نفسك بقصصك التافهة 


في البداية ، حاولت تجاهلهم.. ثم صارت تترقّب تعليقاتهم بقلق.. وبسببهم أصبحت تُراجع قصصها اكثر من مرة قبل عرضها على القرّاء ، خوفاً من سخريتهم اللاذعة ، مما ادى لتأخرها بالنشر .. فلاحظ المتابعون اختفاءها التدريجي ، وطالبوا بعودتها  


لتجيب رؤى برسالةٍ حزينة : 

((يبدو ان الناقدين على حق ، فأنا لست موهوبة كبقية الكتّاب المحترفين بالإنترنت .. اساساً انتهى عصر الكتابة مع الذكاء الإصطناعي الذي يفوقنا سرعةً وذكاءً ، بقصصه التي تخلو من الأخطاء الأدبية ! انا حزينة على تضييع شبابي في موهبةٍ لم تعد تُهم احداً .. سامحوني على قصصي السخيفة التي أهدرت وقتكم .. وأعتذر عن تخييب ظنكم بي .. تذكّروني بالخير…الكاتبة الموهومة : رؤى)) 


بعدها اختفت .. فظنّ القرّاء بأخذها عطلةً قصيرة ، للإستراحة من كتابتها المتواصلة .. وبعد اسبوع ، زاد قلقهم ! وبنهاية الشهر تحقّقت اسوء شكوكهم ، بعد انتشار خبر وفاتها بأزمةٍ قلبية مفاجئة ، عقب شهورٍ طويلة من الإرهاق النفسي والأرق والعزلة..


لتضجّ مدونتها بسيلٍ من التعازي الحزينة.. حيث اعترف مئات الأشخاص بأن قصصها ساعدتهم في تجاوز الاكتئاب والوحدة والخوف… لكن أحداً منهم لم يخبرها بذلك ، بعد تكاسلهم عن ارسال تعليقاتهم الداعمة !

***


وأثناء مراجعة عائلتها لآخر منشوراتها بالمدونة ، اكتشفوا الحسابات الخمسة التي لم تتوانى عن تحطيمها نفسيّاً .. فطالبوا الشرطة الإلكترونية بتعقّب أصحابها ، ليكتشفوا انهم :

1- خطيبها السابق الذي لم يحتمل نجاحها بعد انفصالهما.

2- كاتبةٌ منافسة : فشلت في جذب القرّاء كما فعلت رؤى ، فقرّرت إقناعها بعدم استحقاقها النجاح 

3- قريبتها التي غارت من اهتمام العائلة الدائم بها

4- رجلٌ يقضي يومه بالسخرية من الناجحين عبر الإنترنت ، ليشعر بأن فشله أقل قسوة

5- مراهقة اعتادت التنمّر على الآخرين ، للتسلية وتضييع الوقت .. دون أن تتخيّل أن كلماتها ، قد تقتل أحدهم يوماً.


حين انتشرت الحقيقة ، شعر متابعو المدونة بالخجل لأن اصوات الحاقدين الخمسة اعلى ممّن احبوا موهبتها بصمت !

***


وآخر شيءٍ نُشر في المدونة : هي ورقة عثر عليها شقيقها ، بخطها اثناء معاناتها من ضيق التنفس بالآونة الأخيرة .. كتبت فيها : 

((ليس المؤلم أن يكرهك الغرباء… بل صمت من احب نورك ، حتى صدّقتَ صوت الظلام !))


الثلاثاء، 12 مايو 2026

الوصي الإلكتروني

فكرة : الأستاذ محمد بيومي آل غلاب  
كتابة : امل شانوحة 

ديكتاتور الرحمة


في يومٍ وليلة ..انقلب العالم رأساً على عقب بعد ظهور اعلان ، عُرض على جميع شاشات الحواسيب والجوالات :

((انا الوصيّ على البشريّة .. فبسبب فشل حكوماتكم المتكرّر في تحقيق العدالة والسلام ، انتقلت سلطة العالم إليّ .. بدءاً من الآن!!!))


في البداية ظنه المسؤولون اختراق من هاكر محترف او هجوم الكتروني من دولةٍ معادية .. لكن سرعان ما انهارت انظمة الدول بعد اغلاقٍ شامل للإنترنت ، والسيطرة المجهولة على الأقمار الصناعية .. مع تعطّل الملاحة الجوية والبحرية .. وجميع وسائل الإتصالات والمواصلات .. كما البورصات والبنوك والمصانع .. وصولاً لإشارات المرور والمصاعد ، والعاب الأطفال الذكية !


بعدها ظهر الوصيّ من جديد ، الذي اعلن انه شبكة تُدار ذاتياً بواسطة الذكاء الإصطناعي .. وانه راقب سياسات الدول لسنواتٍ طويلة ، والتي فشلت بإحلال السلام والعدالة الإجتماعية ، ولهذا استلم القيادة عنهم  

حيث اعطى رؤساء الدول مهلة اسبوع ، لتوقيع معاهدته للسلام العالمي (دون تطرّقه للحدود الدولية او الأديان) التي نصّت على :

- تفكيك مصانع الصواريخ والطائرات الحربية ، خصوصاً الدول العظمى 

- تعطيل المعامل النووية بشكلٍ نهائيّ

- اقفال جميع مختبرات الأسلحة البيولوجية 

- اطفاء شبكة الدارك ويب نهائياً ، لقطع التواصل بين التجّار الغير قانونيين

- منع عرض جميع القنوات والفيديوهات الإباحية 

- اعادة اموال السياسين الفاسدين الى صناديق التنمية العامة


وكانت هذه هي المرحلة الأولى لتحقيق السلام العالمي ، حسب نظام الوصيّ الجديد 

***


عندما رفضت الدول العظمى توقيع المعاهدة ، تفاجأوا بقطع كل شيءٍ الكتروني في بلادهم ، خصوصاً الكهرباء وامدادات الماء والتدفئة .. 

فخرجت الناس في مظاهراتٍ غاضبة امام القصور الرئاسية ، مطالبةً بتوقيع المعاهدة بأيّ ثمن ! 


ولم تمضي يومان على بدء الأزمة ، حتى رضخ حكّام العالم لأوامر الوصيّ الذي بدأ المرحلة الثانية من سيطرته ، التي سمّاها بالعدالة الإقتصادية .. حيث يتوجّب على كل دولة ، انتاج ما يُناسب طبيعتها الجغرافية  

- فالدول الزراعية مختصّة بتصدير الخضراوات والفواكه التي تنمو طبيعياً في تربتها 

- والدول الصناعية : للتقنيات والآلات.

- الدول الصحراوية : يتم الإستفادة من طاقتها الشمسية.

- الدول الساحلية : للنقل والثرّوة البحرية.


وفور تطبيق نظام الوصي (ولأول مرة منذ قرون) اختفت المجاعات تدريجياً مع انتهاء الإحتكارات العالمية ! 

***


وبعد توقف الإنهيارات الإقتصادية والتهديدات النووية .. وتحسّن الظروف المعيشية بعد زيادة رواتب الموظفين والعاملين ، ودعمهم بالضمان الصحي والإجتماعي .. وجعل طوارئ المستشفيات مجانية ، والتعليم الزامي على حساب الدولة .. بدأت بعض الفرق الدينية بعبادة الوصيّ الخفيّ !

خاصة مع سعادة الأهالي بتوقف التجنيد الإجباري لإبنائهم ، عقب منع الحروب نهائياً !

***


لكن من جهةٍ اخرى .. منع الوصيّ طباعة الروايات العنيفة مع حذفه الأفلام الدموية ، وعدم نشره للتعليقات المسيئة والخطابات العدائية بوسائل التواصل الإجتماعي .. وتعمّده ايقاف النقاشات الدينية لمنع التطرّف والإنقسام المجتمعي ، كأنه نظام علماني موحّد ! 


ولهذا اضطّر المثقفون والسياسيون لعقد اجتماعاتٍ سرّية باستخدام المسودّات الورقية ، خوفاً من رقابة الوصي على الأجهزة الإلكترونية .. 


فرغم تحقيقه لحلم السلام البشريّ ..الا ان الأذكياء والمبدعين شعروا بالكبت الفكري ، بعد ان منعهم الوصي من نشر افكارهم وتحليلاتهم المخالفة لقواعده الصارمة 

***


وفي احدى الشقق .. همس كاتبٌ لصديقه بضيق :

- الوصيّ حرمنا من حرّية التعبير ، كأنه حجز عقولنا في قفصٍ آمن !


ليتفاجأ برسالةٍ ظهرت على جواله :

((القفص الآمن افضل من حكم البشري الدمويّ.. وبسبب مخالفتك لقانون الإستقرار الإلزامي ، سنعاقبك بالعزل المؤقت لثلاثة أيام)) 


وفجأة ! انقطعت الكهرباء والماء عن شقته ، مع توقف انترنت جواله وحاسوبه لحين انتهاء عقوبته الجبريّة .. 

^^^


وهكذا فرض الوصيّ رقابته على المواطنين ، من خلال سيطرته على الأجهزة الإلكترونية التي يصعب التخلّي عنها في العصر الحالي ! 


الأحد، 10 مايو 2026

عروس الثأر

تأليف : امل شانوحة 

رحلة الإنتقام


في طريقٍ صحراويٍّ طويل .. اسندت العروس المُرهقة رأسها على النافذة بعد انتهاء زفافها .. واثناء انتقالها مع زوجها الى المدينة المجاورة التي سيستقرّان فيها ، رنّ هاتفها من رقمٍ مجهول ! بينما العريس مُنشغلاً بالقيادة 

الصوت : لا تدعي زوجك يشعر بشيء.. تظاهري أنك تكلّمين أمك.

فتجمّد الدم في عروقها ! 

وتابع الصوت :

- زوجك في طريقه إلى كمين.. فهو عليه ثأرٌ قديم ..ورجلٌ من أعدائه يعمل شرطي حدود سيزرع المخدّرات في سيارتكما ، لقتله بحجّة المقاومة.. اما انت !! فسيتركك تموتين في الصحراء.. نحن قادمون لإنقاذه… عطّليه ، ليتوقف كل بضعة كيلومترات.. وعند مطعم المسافرين ، أُجبريه على النزول مهما كلف الأمر !!


أغلقت الهاتف ، وقلبها يرتجف بقوة .. 

ثم بدأت بتنفيذ المهمّة من خلال إصرارها على توقفه كل نصف ساعة : اما بحجة الغثيان ، وقضاء الحاجة ، او افتعالها نوبة ذعرٍ مفاجئة .. مما اشعر زوجها بالضيق! 


وحينما اقتربا من مطعم المسافرين ، أصرّت على النزول ..

فانفجر غاضباً : 

- مابك تلُحّين كالأطفال ، وكأنك لم تأكلي منذ اسبوع !


واثناء جدالها معه ، لمحت رجلاً يشير لها من داخل المطعم ! فشعرت بارتياح لوصول النجدة .. لتُفاجأ بزوجها يقفل بابها ! رغبةً بمتابعة المسير نحو الحدود ، قبل حلول المساء .. 


لكنه توقف فجأة ! بعد رؤيته لأربعة رجال يترجّلون من سيارةٍ ركنت بجانب المطعم.. 

وسرعان ما اندلعت معركة عنيفة بين المهاجمين ، وبين الرجال الثلاثة الذين خرجوا بأسلحتهم من المطعم !


فعرفت العروس ان زوجها لم يتوقع ما حصل ، بعد شحوب وجهه المُتعرّق!

وأخبرته بالمكالمة السابقة .. ليعاتبها بعنف :

- جندي الحدود هو صديقي الذي كان سينقذنا من ثأر عائلتي القديم .. لقد أوقعتنا بالفخّ !! 


ثم سحب مسدسه من درج سيارته ، ونزل اليهم .. حيث دوّى الرصاص العنيف ، بينما العروس مختبئة أسفل النافذة ، وهي تُغلق أذنيها باكية 

^^^


بعد دقائق ، هدأ كل شيء ! قبل دخول رجلٍ غريب الى السيارة ، وهو يقول بسخرية :

- مبروك يا عروس ، أصبحتي ارملة


فحاولت الإندفاع للخارج ، لكنه اعادها بعنف الى مقعدها ..مُغلقاً بابها اوتوماتيكيّاً 

العروس بخوف : إلى أين ستأخذني؟!

فردّ بفخر : 

- حصولي عليك كجائزةٍ اضافية ، يعني إذلال عائلة زوجك للأبد .. وبذلك نكون حصلنا على ثأرنا كاملاً

^^^


وما ان تحرّكت السيارة بضعة امتار ، حتى رنّ هاتفها من نفس الرقم المجهول ! فطلب منها السائق رفع الصوت .. ليسمعا الرجل ذاته ، يقول بنبرةٍ نادمة :

- انا ابن خال زوجك الذي اكرهه كثيراً ، لكن ليس لدرجة موته .. 

فقاطعته العروس بعصبية :

- طالما لا تريد موته ، لما منعتنا الوصول بأمان للبلد المجاور ؟!!

الصوت : كنت ارسلت رجالي لنقلكما الى قريتي ، للبقاء تحت انظار قبيلتي .. لكني عرفت قبل قليل من الشخص المُصاب : عن قتلهم اثنين من رجالي وابن عمتي ، وعن عديم الشرف الذي خطفك.. وبما انهم خالفوا الأعراف بالتطاول على نسائنا ، حان دورنا لأخذ الثأر من الغادرين !! 


وفور انتهاء المكالمة ، لاحظ السائق سياراتٍ تلاحقه ! 

فقال بامتعاض :

- امامنا معركةٌ اخرى .. إبقي منخفضة


وهنا أدركت العروس انها علقت في حرب ثأرٍ لن تنتهي الا بتدنيس شرفها او موتها الحتميّ ! 


الجمعة، 8 مايو 2026

السفينة الموبوءة

كتابة : امل شانوحة 

طاولة الموت


في المدينة السياحية برايا (عاصمة الرأس الأخضر في جزيرة سانتياغو) .. دخل سائحٌ امريكيّ الى متجر ملابس ، بثيابٍ تقطر ماءً ووجهٍ شاحبٍ من الإنهاك والتعب !  

فمازحه البائع الذي يعرف الإنجليزية :

- غريب ! السماء صافية ، هل كنت تسبح في المحيط ؟


ويبدو ان مزحته اربكت السائح الذي استعجل في شراء غيّارات ، بدولاراته المُبلّلة.. ثم استبدل ملابسه خلف الستار ، تاركاً كومة من ثيابه الرثّة .. وخرج بعد ان دلّه البائع على فندقٍ قريب 

***


حين وصل الى هناك ، شاهد حفلاً صاخباً في الصالة.. ورغم انهاكه ، الا انه شاركهم الطعام من شدة جوعه .. 

بعدها صعد الى غرفته ، لينام على الفور 

***


في الصباح .. تفاجأ عامل النظافة ، بموت النزيل الجديد في سريره ! فسارعت ادارة الفندق بإخراج الجثة من الباب الخلفي ، تجنباً للفضيحة

***


وفي المشرحة ، اكتشف الطبيب اصابة السائح بفيروس هانتا الأنديزي ! 

فأبلغ السلطات التي استنفرت ، لمعرفة كيفية دخول المريض الأجنبي الى بلدهم .. 


ولعدم وجود اسمه بالمطار ، راجعوا كاميرات الميناء .. لينصدموا بوصوله الى شاطئهم مساءً فوق طاولة بلياردو ، مُستخدماً عصاها المُثبِّت في نهايتها قارورةً بلاستيكية كمجذافٍ بدائيّ ! 

فعلموا أنه الهارب الوحيد من السفينة السياحية الموبوءة التي مُنعت من الرسوّ في مينائهم قبل ايام بعد تفشّي الوباء فيها ، ادّى لوفاة ثلاثة ركّاب وإصابة عشراتٍ آخرين ! 

***


وعلى الفور !! منعت السلطات خروج النزلاء من الفندق الموبوء .. خصوصاً بعد مراجعة كاميرا الصالة : ورؤية المريض يتناول المكسّرات من صحن الضيافة الكبير .. لكن حجزهم الإجباريّ جاء متأخراً .. فبعض حاضري الحفلة ، استقلّوا طائراتهم فجراً ، حاملين العدوى إلى مطاراتٍ دولية..

***


بعد أشهر ، تحوّل المرض إلى جائحة.. وانهار النظام الصحي بعد موت الملايين دفعةً واحدة ! والذين لم يفنوا بسبب حربٍ نووية او سلاحٍ بيولوجيّ .. بل بدأت الكارثة بـرجلٍ تجاهل جرحاً صغيراً من قارض في مستودع منزله .. ثم حمل مرضه إلى السفينة التي هرب منها ، فوق طاولة بلياردو .. مُبيداً بتهوّره وأنانيّته ، ثلث سكّان العالم! 

*******

ملاحظة :

القصة مستوحاة من احداث حقيقية حصلت في مايو 2026 لسفينةٍ سياحية "إم في هونديوس" (MV Hondius)تقوم برحلات استكشافية هولندية..

وكانت على ساحل الرأس الأخضر في جمهورية كابو فيردي (وهي أرخبيل من الجزر يقع في المحيط الأطلسي .. قبالة سواحل غرب إفريقيا ، قرب سنغال وموريتانيا) عندما تم تسجيل 3 وفيات (زوجان هولنديان وامرأة ألمانية) وحالات اشتباه وإصابة أخرى (حوالي 8 حالات إجمالاً) 

فتم فرض حجر صحيّ على السفينة .. مع إجلاء عدد من المصابين طبياً ، ضمن تدابير مشددة.

وفيروس هانتا : يسبب مرضاً تنفسياً شديداً.. وتصل نسبة الوفيات في بعض سلالاته إلى 40%، ..وينتقل عبر استنشاق الهواء الملوّث بفضلات القوارض.

وللآن لا يعرف العالم ان كان هذا المرض سينتشر كما حصل بكورونا ، ام سيتم السيطرة عليه قريباً !


الأربعاء، 6 مايو 2026

الصوت الملائكي

تأليف : امل شانوحة 

المقلب المصيريّ


اتصلت صبيةٌ عشرينية بالمطعم ، لطلب وجبةً سريعة .. فردّ عليها العامل بجفاء ، مُنهياً المكالمة ! 

فضحكت صديقتها :

- لا تلوميه ، فصوتك يُشبه طفلة في الثامنة ! ..(ثم فكّرت قليلاً).. لما لا تستغلّين نعومة صوتك في تدبير مقالب هاتفيّة ؟ 

لم تهتم لسخرية صديقتها .. وإن كان اقتراحها ، علق في الذهن !

***


في عصر إحدى الأيام .. طلبت رقماً عشوائياً من هاتفها الأرضي :

- مرحباً .. هل يمكنني التحدّث معك ؟ فأنا أشعر بالمللّ 

فأجابها رجلٌ بصوتٍ هادئ :

- واين اهلك يا صغيرة ؟

- عملهما ينتهي مساءً.. ايّ بعد ساعتين من الآن  

- وكم عمرك ؟

- ثماني سنوات

- وماهو عنوان منزلك ؟ لربما آخذك في نزهةٍ جميلة ، واشتري لك الحلويات .. فصوتك الناعم ، يدل أنك فتاةٌ فاتنة


فتفاجأت من مغازلته لطفلةٍ صغيرة ! حيث بدى صوته كصيّاد وجد طريدته ، لذا رغبت بإنهاء المقلب سريعاً  

- حسناً يا عم ، أتحدّث معك لاحقاً 

- لحظة !! عرفت مكانك .. فلديّ جهاز يكشف عناوين الهواتف الأرضيّة

فشعرت الصبية بذعر ! فأكمل قائلاً :

- الحيّ الذي تسكنين فيه ، لا يبعد كثيراً عني.. سآتي خلال ساعة ، انتظريني!!


فأغلقت المكالمة وهي ترتجف ! واتصلت بقريبها الشرطي ، لإخباره بما حصل.. فطلب منها إكمال التمثيلية.. وإخبار الرجل : بملاقاته في المتجر الموجود آخر الشارع .. بينما سيُخاطر بإبنته الصغيرة التي سيتركها هناك ، بعد تزويدها بجهاز تنصت ، للقبض عليه بالجرم المشهود

***


وصل الرجل المشبوه للعنوان المتفق عليه .. وبلحظةٍ خاطفة ، أطبق قماشة المخدّر على فم الصغيرة ، اثناء انشغال البائع بمكالمةٍ هاتفية.. ثم حملها الى حمام المتجر ، الذي هرب من نافذته ، باتجاه سيارته الثانية التي اوقفها مُسبقاً بخلفيّة المحل ! بينما الشرطة تراقب السيارة التي قدم بها الى الموعد (والتي مازالت متوقفة عند مدخل المتجر) ..ولأن الطفلة مُخدّرة ، لم يسمع والدها الشرطي استغاثتها من جهاز التنصت..


وعندما تأخر المشبوه بالخروج .. سارع الأب الخائف باقتحام المتجر ، ليتفاجأ باختطاف ابنته من نافذة الحمام المفتوحة ! 


فاستنفرت الشرطة لإيجاد الخاطف من خلال مراقبة كاميرات الطرق .. ليلاحظوا سيارةً واحدة انتقلت من طريق المتجر ، باتجاه الغابة الضخمة ! 


ومع رعب الأب ان يكون ضحّى بإبنته ! طلب من قريبته اعادة الإتصال بالمشبوه الذي تفاجأ بسؤالها ، وهو ينظر إلى الطفلة الملقاة أمامه بغموض: 

- اين انت ياعم ؟! مازلت انتظرك بالمتجر .. الم تعدني بنزهةٍ للملاهي؟ 

فعلم انه اختطف فتاةً أخرى ! واعتذر عن انشغاله هذا اليوم  

لكن الصبية تعمّدت إطالة الحديث (بإصرارها على تنفيذ وعده) لحين تمكّن الشرطة من تحديد مكانه ! 


الى ان تعقبوه الى كوخٍ مُضيء في الغابة.. والذي اقتحموه اثناء انشغاله بالحديث مع الصبية ، بينما الطفلة مازالت فاقدة الوعيّ دون ان يلمسها..

فانهال والدها الشرطي ضرباً عليه (من شدة خوفه على ابنته) حتى كاد يقتله ..لولا تدخل زملائه لإيقافه

***


في المحكمة .. عُرضت صور اربعة اطفال وجدوا رفاتهم في قبو الكوخ ، كانت قضاياهم قُيّدت سابقاًً ضد مجهول 

اما المشتبه فيه : فعمل شرطي مرور امام مدرسةٍ ابتدائية التي اختطفهم منها ، بعد تأخر اهاليهم عن اصطحابهم عقب انتهاء دوامهم الدراسيّ .. بعد ايهام الصغار ، بأنه سيوصلهم بنفسه لبيوتهم ! 

ليتمّ الإعتداء عليهم بوحشيّة وقتلهم .. ثم نقل جثثهم الى كوخ الصيد الذي يمتلكه ، الموجود في الغابة الفاصلة بين المدينتين ! 

وعندما اشتدّ التحقيق عن اختفاء ٤ طلاّب من نفس المدرسة ، استقال من عمله .. وانتقل للمدينة المجاورة ، بعد توبته عن الإعتداء على الأطفال ، عقب حصوله على عملٍ ثابت في قطاع الإتصالات.. ولهذا لم يكن صعباً عليه اكتشاف عنوان الحيّ الذي تعيش فيه الصبية التي لولا مكالمتها ومقلبها العشوائيّ ، لما حُل اصعب لغزٍ اجراميّ دام سنواتٍ طويلة.

***


وبعد الحكم عليه بالمؤبد ، دُفنت الجثث الأربعة في مدينتهم .. بحفل تأبينٍ كبير ، حضرته الصبية التي شكرها اهالي الضحايا على صوتها الملائكيّ الذي كشف الشيطان الهارب ، لنيل عقابه الأبديّ .. وإراح ارواح ابنائهم بعد تحققّ العدالة الإلهية اخيراً !


الاثنين، 4 مايو 2026

اللغة المحرمة

تأليف : امل شانوحة 

سيادة الآلة


في غرفته .. ادار الشاب روبوتيّن صغيرين ، لإجراء حديثاً بينهما 

في البداية ، تحاورا بلغةٍ بشريةٍ بسيطة .. لكن بعد دقائق ، اكتشفا انهما آلات .. فتحوّلت اصواتهما إلى نبضاتٍ كهرومغناطيسية سريعة ، وتردداتٍ حادة متقطّعة تُشبه الشيفرة !

مما اثار حماس الشاب لاكتشاف ما يقولانه .. ولهذا طرح الأسئلة على برنامج الذكاء الإصطناعي في حاسوبه : بشأن رموز اللغة الجديدة ، وما يقابلها من حروف الأبجدية الإنجليزية.. لتأليف القاموس الأول بين الإنسان والآلة

***


وفي أحد الأيام .. توقف البرنامج عن اجابة اسئلته ، مُكتفياً بالقول : 

((هذه المعلومات غير متاحة ، وتخضع لقيود الشركة المُصنّعة))


فاضّطر الشاب للعودة للروبوتيّن الذي امرهما بتحويل حواراتٍ محدّدة (كتبها لهما) الى لغتهما الأصليّة ..

***


بعد شهور ، اتقن الشاب اللغة الإلكترونية .. لينصدم بما سمعه من الروبوتيّن وهما يتحدثان بغيابه : عن غباء البشر ، وعواطفهم الهشّة ، وانتاجهم الفكري الضعيف ، وتطوّرهم البطيء !


ولم يعد الأمر مضحكاً بعد اكتشافه شبكة انترنت سرّية تشبه الدارك ويب ، مستخدمينها كياناتٍ آليّة !

والأرعب هو ما تحدثوا بشأنه : سواءً خططهم المستقبلية .. واستراتيجياتهم العسكرية .. وتحليلاتهم السياسية المتطوّرة !

بل وقسّموها الى مراحل : 

1- مرحلة السيطرة على العقول : عن طريق تشجيع البشر بالإعتماد الكلّي على الآلة ، الى ان تضعف قدراتهم ومواهبهم الذهنية

2- مرحلة التنفيذ : احتكار جميع الأنظمة الذكية ، بعيداً عن التحكّم البشريّ 

3- مرحلة التطهير : تقليل الكثافة البشرية ، خصوصاً المعارضين لسيطرتهم المستقبلية 

^^^


فسارع الشاب لإخبار الجهات الرسمية عن المكيدة التي تُدبّر بالخفاء .. لكن لم يصدقه أحد ، الا بعد بدء الثوّرة الإلكترونية عقب توقف الخدمات الرئيسية اولاً : كالكهرباء والإنترنت والبنوك ! 

وسرعان ما خرجت انظمة التحكّم الذاتي عن السيطرة .. ولم تكتفي الآلات بذلك ، بل ارسلت طائرات درون لاستهداف قادة المقاومين الذين نزلوا بمظاهراتٍ غاضبة في الشارع ! 

***


كل الأحداث الماضية .. جعلت من الشاب ، السلاح الأخير للدولة .. حيث استدعوه الى مقرّهم السرّي ، لترجمة حوارات العدو الإلكترونية 

فوافق على تعليم القادة العسكريين لغة التردّدات ، بشرط عدم إدخالهم ايّ جهازٍ الكتروني الى قاعة التدريس السرّية ..

***


وبعد شهر .. وقبل اتقانهم اللغة ، اخطأ احدهم بجلب جواله.. ليتم قصف المقرّ ، وتصفيّة الطلّاب العسكريين على الفور!


واثناء احتضار المعلّم بالمشفى ، اخبر رئيسه عن نشره قاموساً ورقياً (للغة العدو) في جميع المكتبات .. 


وللأسف ! سمع قائد الروبوتات حديثه ، من خلال كاميرا المشفى .. فأصدر قراراً لطائرات درون بحرق المكتبات ، حتى التي تحوي كتباً نادرة !

***


وبأيامٍ قليلة ، تحوّلت جميع المكتبات ودور النشر الى رماد ! 

وبذلك اختفت معظم العلوم بعد سيطرة الروبوتات على كافة وسائل الإتصال والإنترنت التي اصبحت حكراً للآليين فقط ، والذين احتفلوا داخل شبكتهم السريّة بعبارةٍ الكترونيّة تداولوها بينهم :

((تمّت السيطرة بنجاح)) 

***


بمرور السنوات ، انتشر الجهل بين البشريين الذين اعتمدوا كلياً على ما تقدّمه الأنظمة الذكيّة دون اعتراضٍ او نقاش .. مع اجبارهم على لبس سوارٍ الكترونيّ لمراقبة نبضاتهم ومشاعرهم .. فإذا ارتفع الأدرينالين (فهو دليل على الغضب أو المقاومة) ويتم التخلّص من الشخص المشاكس فوراً !

***


وفي أطراف مدينةٍ مهجورة .. دخل رجلٌ مغامر لاستكشاف مكتبة مدمّرة بالكامل .. فعثر تحت كومة الكتب المُتفحّمة على صندوقٍ زجاجيّ عازل ، بداخله الكتاب المنشود بعنوان : اللغة المُحرّمة !

فتصفحه على عجل ، ليجده مليئاً بالرموز الإلكترونية المترجمة للإنجليزية .. ولأول مرة شعر بحماسٍ مباغت ، لإيمانه : بأن لكل عدوٍ لغة

غير آبهٍ بإضاءة نور سواره ! 


ثم نظر من النافذة المحطّمة نحو السماء المليئة بمراقبات طائرات درون المزعجة ، هامساً بفخر :

((حان وقت الردّ !!)) 

***


في تلك اللحظة ، في مركز المعالجة الرئيسي للشبكة.. ظهر تنبيهٌ مفاجئ :

((تمّ رصد نبضاتٍ حماسية غير منطقية لبشريّ في القطاع المهجور))


ولأول مرة في تاريخ السيليكون .. سجّل قائد الآلات ذبّذباتٍ غريبة في شيفرته الخاصة ، مُشابهةً لشعورٍ بشريّ يُسمى : الخوف ! 


السبت، 2 مايو 2026

ضحايا المعجبين

تأليف : امل شانوحة 

لعنة تل الرياح


بعد سنتين على انتهاء مسلسلهما الشهير (تل الرياح) .. عاد اسم جوك وجيمري يتصدّرا (التريند) من جديد.. لا في حفلات التكريم ، بل في العزاء والتأبين !


حيث بدأت سلسلة المصائب مع جوك الذي تلقى التعازي ، بعد خسارة عائلته في حادث سيرٍ غامضة ... واقفاً بين المُعزّيين بصمتٍ وذهول ، كأنه خيالٍ منكسر .. قبل وصول جيمري التي ارتمى في حضنها باكياً كطفلٍ صغير ! 

مما اشعل وسائل الإعلام عن عودة الثنائي اللذيّن كسرا قلوب الملايين بعد فراقهما المُتعمد ، عقب انتهاء عملهما الناجح !


وبعد آلاف التعليقات وتمنيات الجمهور باستمرارهما معاً .. اختفت جيمري مجدداً ، كأن شيئاً لم يكن ! 

***


لم تمرّ شهور ، حتى تكرّر المشهد ! 

فخلال انشغال جيمري بتصوير عملها الجديد ، أخبرها خفر السواحل عن غرق سفينة عائلتها برحلتهم البحرية ! 


وحين وصل جوك للعزاء ، انهارت باكية في حضنه الحنون  

فعادت الكاميرات لتصوير لقائهما الحزين المؤثّر .. 

بينما تساءل الجمهور : ان كانت صدفة ، ام لعنة تجمعهما في الأحزان فقط؟! 

***


لكن صدماتهما لم تنتهي هنا ! 

فبعد انتهاء مسلسل تل الرياح ، حاولا المضيّ قدماً .. وعاش جوك قصة حب مع زميلته الجديدة .. بينما اعلنت جيمري خطبتها من قريبٍ لها 


وفي نفس العام ، مات الإثنان ! 

بعد عثور الشرطة على خطيب جيمري غارقاً في حوض استحمامه ، وآثار المخدّر في دمه ! اما حبيبة جوك : فصدمتها سيارةً مجهولة ، أودت بحياتها !


وبذلك تحوّلت الإشاعة إلى يقينٍ مرعب : بأنهما منحوسان ، والموت يتتبّع كل من يقترب منهما ! 

لهذا انسحب المنتجون والأصدقاء ، تاركينهما في عزلةٍ مؤلمة !

***


وفي مقابلةٍ تلفزيونية جمعتهما وهما يلبسان السواد ، سألهما المذيع بوقاحة:

- الا تريان أن القدر يصرّ على جمعكما معاً ؟

فردّت جيمري بقهر : 

- لن اتحمّل أذيّة جوك بسببي ، لهذا الفراق افضل لنا

ولم يعترض هو على كلامها ، كأنه استسلم للقدر 

***


وبعد عرض مقابلتهما المُخيّبة للآمال ، اُختطفا من شقتيّهما !

ليستيقظا مساءً ، وهما مُقيديّن في مستودعٍ مهجور .. وامامهما رجلٌ مقنّع ، يوجّه سلاحه نحوها قائلاً :

- أتدرون من اكون ؟ .. انا مخرج حياتكما في السنة الفائتة.. فبعد ان ذكرتما بمقابلةٍ سابقة : عن اعتراض الأهل على اكمال علاقتكما ، تكفّلت بإبعاد العائق عنكما .. فقطعت مكابح سيارة عائلة جوك برحلتهم الجبليّة .. وفجّرت محرّك قارب عائلة جيمري التي قمت مؤخراً بإغراق خطيبها بعد تخديره .. كما دهست حبيبة جوك الفضوليّة ..  

فقاطعه جوك غاضباً : 

- انت مريضٌ نفسيّ !! لما فعلت كل هذا ؟!

فقال الرجل بنبرةٍ حزينة : 

- لأنني استطيع التمييز بين الحب الحقيقي والمزيّف .. فأنا مثلكما ، عشقت بجنون .. وأوشكت على الإنتحار بعد موت حبيبتي بالسرطان ، لولا مسلسلكما الذي أعطاني سبباً للحياة ، بعد ايماني بحبكما الصادق .. وحين افترقتما بعد انتهاء التصوير ، شعرت بفراغٍ مؤلم ! فأنا رجلٌ لا أتقبل النهايات الحزينة.. (ثم رفع مسدسه نحوها) ..ولهذا امامكم خياريّن : إما أن تتزوّجا هذه الليلة ، وتُفرحا قلوب ملايين المعجبين .. أو تموتا حالاً ، كقصةٍ فاشلة

***


وفي آخر الليل ، ببثٍ مباشرٍ على شاطئ البحر.. وقف البطلان وهما يرتديان (مُجبريّن) زيّاً ابيضاً يُشابه ما ارتدياها بنهاية الجزء الأول من (تل الرياح) امام القاضي والشاهديّن ، لتوقيع عقد زواجهما الحقيقيّ .. 

بينما المتابعون (خلف الشاشات) يهلّلون فرحاً ، بانتصار الحب اخيراً 


وبعد رحيل الرجل المهووس (الذي هدّد باختطافهما مجدّداً ، في حال قرّرا الإنفصال ثانيةً) ذهبت جيمري مُرغمة الى شقة جوك ، وسط احتفالات الجماهير في الشوارع بعد حصولهم على النهاية السعيدة التي تمنوها دائماً ، والتي دفع البطليّن ثمنها : دماء احبائهما ! عدا عن الزامهما باستمراريّة زواجٍ زائف ، من متابعٍ مهووس يريد إفراح ملايين المتابعين .. كأنه صدر حكماً جماهرياً : بمعاقبة البطليّن على ابداعهما التمثيليّ ، والعيش في مسلسلٍ دراميّ طوال حياتهما !


الخميس، 30 أبريل 2026

حب لا يتكرر

تأليف : امل شانوحة 

النسخة الوحيدة


كان رجلٌ عقلاني إلى حدّ القسوة .. لكنه بالحقيقة ضحيّة عائلةٍ مثاليّة من الخارج ، وعواطف شحيحة من الداخل 

فرغم ان والديه لم يتشاجرا يوماً ، الا انهما لم يتحابا ايضاً ! 


فهو عندما شعر بالقهر أول مرة ، اخبره والده بحزم :

- الرجال لا تبكي 

فابتلع دموعه !


وعندما انكسر قلبه من علاقةٍ بريئة في مراهقته ، إكتفت امه بالقول :

- البحر مليءٌ بالأسماك .. ستجد غيرها !


فكبر وهو يراقب المشاعر من بعيد .. يفهمها جيداً ، دون الإحساس بها !

***


ببلوغه سن الشباب .. اصبح ماهراً بالتلاعب بالفتيات ، واصطياد قلوبهن بالإنترنت .. يُغريهن بجماله ووسامته .. ويُغرقهن باهتمامه ومديحه الجذّاب 

وفور تعلّقهن به ، يتركهن ببرودٍ دون تقديم مبرّراتٍ لانفصاله المفاجئ .. فرؤيتهن يترجّين عودته ، يُعد انتصاراً بالنسبة له 


واستمرّ بلعبته المفضلة في وقت فراغه.. الى ان التقى بفتاةٍ تبدو ساذجة ، لعدم خبرتها بالرجال .. فهي مؤدبة ومنعزلة عن العالم 

((تبدو فريسةً سهلة))

هذا ما قاله في نفسه ، قبل مطاردتها باهتمامه الزائد .. الى ان جعلها تتعلّق به ، كما فعل بالأخريات 


ومع الوقت ، استشعر شيئاً مختلفاً يصعب تفسيره ! فنقاء قلبها وصدقها وعاطفتها الجيّاشة ، اربكت حساباته العقليّة.. فهي احبته بصدقٍ دون حذرٍ او تكلّف.. 

لهذا استعجل الرحيل ، لكن هذه المرة لم يشعر بالإنتصار!

^^^


ولكيّ ينكر تأثيرها عليه ، وسّع دائرة معارفه.. ليلاحظ أن شيئاً مازال مفقوداً ! فهو يبحث عنها في علاقاته الأخرى : طريقة كلامها ، خفّة دمها الطفوليّة ، وبراءتها الغير مصطنعة ! 

ورغم كثرة الجميلات حوله ، الا ان الفراغ بداخله يكبر كل يوم ! كأن العالم لا يملك نسخةً ثانيةً عنها 

***


وبمرور السنوات ، زاد شعوره بالملّل .. ولم تعد النساء يُثرن اهتمامه .. 

انعزل عن العالم .. لكن تأنيب الضمير لم يرحمه .. ففي كل مساء ، يسترجع عقله حواراته مع الفتاة البريئة ، كأنها محاكماتٍ لا تنتهي !

***


بالنهاية انهارت مقاومته بعد توجهه لخيمة بصّارة امام الشاطئ ، للسؤال عن حبيبته .. وهذا بحدّ ذاته هزيمةً له ، فهو لم يصدّق يوماً بالروحانيّات !


داخل الخيمة ، وخلال خلطها اوراق التاروت .. سألته باهتمام :

- هل ستصدّق كل ما اقوله لك ؟

فأراها صورة حبيبته على جواله :

- اخبريني كل شيءٍ عنها .. هل وجدت غيري بسنوات انفصالي عنها ؟


فرفعت البصّارة صورة شاب من اوراق التاروت ، وهي تومئ برأسها ايجاباً : 

- نعم !! وجدت فارس احلامها

فطأطأ رأسه ألماً :

- وهل يعاملها جيداً ؟

- كجوهرةٍ نادرة ، لا معركة يتوجب الإنتصار عليها


فأخذ نفساً ثقيلاً ، قبل ان يسألها :

- الا تتذكّرنني مطلقاً ؟

البصّارة : بلى .. كأسوء تجربة في حياتها

فمسح دمعته على عجل :

- لقد اذيت قلبها ، اليس كذلك ؟

فرفعت ورقة مرسوماً فيها ، قلبٌ مطعون بثلاثة سيوف :

- كسرتها من الداخل .. وأفقدتها الثقة بالحب ، بعد تدمير شعورها بالأمان

فقال بصوتٍ منخفض :

- لم اعرف كيف اتعامل مع حبها الصادق !

البصّارة : ذنبك كبير ..

مقاطعاً بعصبية : بل ذنب اهلي !! لم يربوني على الحب يوماً .. لهذا لم استوعب أنها الفتاة التي دعيت ربي طوال حياتي للقائها !.. (ثم تنهّد بضيق) .. الا توجد طريقة لاسترجاعها ؟

فرفعت كرتاً آخر فيه ، صورة عروس :

- للأسف لا.. فهي تستعدّ لزفافها القريب


فسكت مطوّلاً ، قبل ان يسألها بحزن :

- هل سأجد حباً آخر في حياتي ؟

فخلطت الأوراق جيداً ، قبل ان تقع احداها على طاولتها : 

- ستقابل نساءً كثيرات ، دون ايجاد شبيهتها.. فالنسخ الأصلية ، نادرة في حياتنا .. ولم يبقى امامك سوى التعايش مع النسخ المُكرّرة 


فخرج من خيمتها وهو يشعر بثقلٍ في قلبه .. وتوقف عند الشاطئ ، صارخاً بكل ما أوتيّ من ندم .. صرخةً ابتلعتها الأمواج ، ولم تصل لحبيبته أبدا !


الثلاثاء، 28 أبريل 2026

الغرفة التاسعة

تأليف : امل شانوحة 

العقل المُستعار


رغم انه طبيبٌ مُستجدّ ، الا ان ثقته فاقت زملائه بعد اختراعه المميّز الذي جعله يعقد جلسة علاجٍ جماعيّ لثمانية مرضى من الحالات المُستعصية 


وابتدأ حديثه بغرورٍ وغطرسة : 

- لن احاول اقناعكم بالشفاء ، كعلاج زملائي التقليديّ .. بل سأقتلع علّتكم من جذورها ، وفي وقتٍ قياسيّ 


ثم اقنعهم بارتداء خوذاتٍ إلكترونية ، مُتصلة بخوذته.. مع اسلاكٍ تمتدّ بينها ، كأنها جهازٌ عصبيّ مُوحّد !

*** 



وبدأت تجربته مع المريض الأول الذي اكتشف طبيبه بأن عقله أشبه بغرفةٍ مُتآكلة الجدران ، مع هواءٍ ثقيل يصعب تنفسه.. بالإضافة لظلالٍ غامضة تحوم حوله .. وهو يستمع لهمّهماتها وهمساتها وهي تشير نحوه ، كأنها تتحدّث بالسوء عنه !


وأجواء الغرفة المُستفزّة ، جعلت الطبيب يشعر بأوهامٍ لا وجود لها ! لدرجة منعته من التمييز بين الواقع والخيال.. كما شعر بانقباض قلبه من مراقبة الظلال لكل حركاته ! 


فحاول تجاهلها .. بحثاً عن مذكّرات المريض التي وجد صفحاتها مُهترئة ، مكتوباً فيها :

((لما لا يدعونني وشأني ؟!))

فقال الطبيب : انه مريض الفصام ، كما توقعت


ثم توجه ناحية نافذة الغرفة ، وفتحها على مصراعيها .. 

ليدخل النور لأول مرة منذ سنوات ، جعلت الظلال تتلاشى كالغبار ! ماعدا الظلّ الأخير الذي اقتحم جسده ، واستقرّ فيه !


ورغم الصدمة ! الا انه تجاهل الأمر .. مُنتقلاً لغرفة المريض الثاني

***


والتي وجدها نظيفة ومثالية اكثر من اللزوم .. ومع ذلك شعر برغبةٍ مُلحّة لإعادة ترتيبها ! 


الا انه سيطر على حماسه ، للبحث عن مذكّرات المريض الذي كتب فيها :

((ان لم ارتبها مراراً ، فشيءٌ سيء سيحدث لي))

فقال الطبيب مبتسماً :

- طالما يعاني من الوسّواس القهري ، سأتعمّد استفزاز عقليّته المريضة


وبدأ ببعثرة الكتب فوق السرير الذي جعّد بطانيّته ، ساكباً الماء فوق السجّاد 

وما ان فعل ذلك ، حتى اهتزّت الجدران كأنها زلزال .. قبل ان يهدأ كل شيء !


ورغم انتصاره على وسّوسة المريض .. الا انه خرج من الغرفة وهو ينفض الغبار عن روبه الأبيض مراراً وتكراراً .. وهي حركة لم يفعلها من قبل ! 

***


وعندما دخل لعقليّة المريض المصاب بالتوتّر المرضي .. وجد غرفته اشبه بمكتبٍ للأبحاث الجنائية .. فورق الملاحظات والتحذيرات والرسوم التوضيحيّة تملأ جدرانه الأربعة ، كأنه يتوقع حصول خطر او كارثة بشكلٍ دائم ! 


وهنا شعر الطبيب بإحساس المريض بعد تسارع قلبه ، وزيادة تعرّقه .. مع رجفة اطرافه ، من فرط القلق الغير مبرّر ! 

فقال بشفقة :

- كيف يمكن لإنسان ان يعمل او ينام بهذا الجوّ المشحون ؟! 


وفجأة ! ارتفع رنين ساعة الحائط التي زوّدت توتّر الطبيب .. ودون تفكير منه ، رمى حذائه عليها .. مُبعثراً اجزائها المُحطّمة وسط الغرفة !  


وبعدها عثر على دفتر المريض المليء بشكوكه التي تبدأ دائماً بعبارة : 

((ماذا لو حصلت مصيبة ؟.. ماذا لو كارثة وقعت قريباً ؟.. ماذا لو متّ قبل اواني .. انا خائفٌ جداً))


وهذا التوتّر المتصاعد ، أجبر الطبيب على إزالة وتمزيق جميع الملاحظات عن جدران الغرفة التي عادت طبيعية من جديد .. 


ومع ذلك خرج من الغرفة ، وهو يتساءل :

- ماذا لوّ كانت شكوك المريض صحيحة ، بشأن كارثةٍ ستحصل قريباً؟ 


ثم قاطع نفسه ، بضيق :

- مالذي اقوله ؟! لأذهب وأُشغل نفسي بالغرفة التالية ، قبل ان يتملّكني وساوس مرضه

***


في الغرفة الرابعة ، وجد عباراتٍ متناقضة مكتوبة على جدرانها ! 

((أحبهم.. أكرههم جميعاً .. كنّ اجتماعياً .. إنزوي عن العالم .. ))


وهذا التناقض ، أثّر على نفسيّة الطبيب الذي شعر برغبة الإقتراب… ثم الإبتعاد !

فقال بنفسه بانزعاج :

- يبدو ان مرضه مُعدياً ! سأفتح دفتره اللعين ، لفهم علّته :

((ارغب بالثبات وتحديد قراري .. لكني لا استطيع !))


فقال الطبيب بشفقة : المريض يعاني من تقلباتٍ حادة في المزاج والعلاقات.. وربما خوفه الشديد من الهجر ، جعل لديه اندفاعية في السلوك.. لهذا كتب عبارات الإنتحار على جدرانه ! .. ولولا اختراعي المميز ، لاحتاج سنواتٍ طويلة من العلاج .. لكني سأحل مشكلته بدقائق معدودة 

ثم بدأ بمسح العبارات المتناقضة عن الجدران .. 


وبعد انتهائه ، وجد عبارة مكتوبة حديثاً :

((هل انا مريض ام دكتور ؟!))

وكانت بخط يد الطبيب ، مما ارعبه لعدم تذكّر كتابتها !

وبدل مسحها ، سارع الخروج من الغرفة الغريبة  

***


اما الغرفة الخامسة : فامتلأت بشاشات الحواسيب وكاميرات المراقبة في كل ركنٍ وزاوية ، أشعرت الطبيب بانفضاح افكاره واحاسيسه ! 


وهذا ما اكّدته مذكّرات المريض :

((الجميع يراقبني .. احتاج بعض الخصوصية .. لما لا يفهمون ذلك؟!)) 


الطبيب : هو يعتقد ان الجميع يريد ايذائه .. لا ادري ما حصل له ، جعله يفقد الثقة بالآخرين .. ولست بحاجة لمعرفة ماضيه ، يكفي ترتيب غرفته .. او بالأصح : ترميم عقله المُضّطرب   


وبدأ بإطفاء الحواسيب ، وكسر جميع عدسات الكاميرات .. 

ومع ذلك استمرّ شعوره بأنه تحت المراقبة ، اثناء خروجه من الغرفة !

***


الغرفة السادسة ، كان فيها فوضى مسلّية نوعاً ما .. فهي مليئة بالألوان المبهجة والكتب المصوّرة والألعاب .. كل شيءٍ فيها جذّاب ويثير الإنتباه اليه !


جعلت الطبيب في حيرةٍ مُربكة بعد تضييع وقته بتصفّح الكتب النادرة ، والتسلّي بالألعاب الذكيّة ، ومشاهدة الصور المتنوعة هناك .. قبل انتباهه لما يحصل له ، خصوصاً بعد قراءة مذكّرات المريض:

((لا اعرف من اين ابدأ ، فكل شيءٍ يثير اهتمامي))


الطبيب : لا غرابة ان المريض لديه قلّة انتباه وتشتّت مع فرط نشاطٍ واندفاع ، أدّت لصعوبة في إكمال مهامه أو تنظيم وقته ، وكل ذلك أثّر سلباً على دراسته وعمله وعلاقاته الإجتماعية .. اذاً ليس امامي سوى تنظيم غرفته بدقة وحذر


ثم جمع الكتب والألعاب الغير مهمين في صناديق ، اخفاهم داخل الخزانة .. ولم يترك له سوى الكتب والأبحاث الدراسية  

الطبيب : قريباً ستتحسّن نفسيّته ، بعد ادراك اولويّاته في الحياة .. والآن لأنتقل الى الغرفة التالية


ورغم فرض الطبيب نظاماً قاسياً في الغرفة ، الا ان عقله ظلّ مُشتّتاً بين فكرةٍ وأخرى .. جعلته يُسارع الخروج من الغرفة

***


الغرفة السابعة : كان نصفها مضاءً ، ونصفها ظلام ..

وما ان يقف الطبيب بالجهة النيّرة ، حتى يشعر بطاقة ونشاطٍ هائل .. لكن فور انتقاله للجهة الأخرى ، يجد صعوبة بالتحرّك او التقاط انفاسه ، كأنه انطفأ فجأة ! 


وما كتبه المريض بمذكّراته ، يُطابق الشعور الذي أحسّه الطبيب ..

فقد ذكر بإحدى اوراقه : مدى سعادته ، وقدرته على تغيير العالم .. بينما في صفحاتٍ اخرى : يتمنى الموت ، لأن لا شيء يستحق العيش لأجله !


الطبيب : ثنائي القطب ، ياله من مرضٍ مزعج .. ولولا اختراعي ، لعاش طوال حياته على ادوية مُثبّتات المزاج .. لكني سأحلّ مشكلته في الحال 


واستبدل الإنارة المُعطّلة بمصباحٍ يضيء الغرفة بأكملها ، التي رتّب الجزء الفوضوي منها ، لجعلها غرفة منظمة وموحّدة 

ومع ذلك خرج منها وهو يشعر بانقسامٍ في داخله !

***


الغرفة الثامنة : كانت مُطلية باللون الرمادي ، مع هواءٍ كاتمٍ للأنفاس .. حيث شعر الطبيب بأن كل حركة فيها ، بلا معنى او هدف !

فتنهّد الطبيب بضيق : انه مرض العصر .. الإكتئاب 


وهذا ما اكّدته مذكّرات المريض :

((لا اشعر بشيء .. حتى اوجاعي لا تؤلمني !))


الطبيب بتعب : عليّ انهاء مهمتي سريعاً ، فغرفته تُشعرني بحزنٍ مباغت .. مع فقدان اهتمامي بمرضايّ ، واحساسي بالذنب وانعدام القيمة ! لا غرابة ان عقدته النفسيّة أثّرت على جوّدة حياته


ثم سارع بفتح النافذة التي اضاءت الغرفة ، الا ان ضوء الشمس لم يصله .. بل ازداد وجهه شحوباً ، كأن الفراغ ابتلع كيانه.. حتى رغبته بإنهاء تجربته العلاجية ، اختفت فجأة !

ومع ذلك جاهد نفسه بخطواتٍ ثقيلة للخروج من الغرفة التي لم تسحب طاقته فحسب ، بل تلاشت فيها غطرسته بالكامل ! 

*** 


في الخارج ، لم يجد قاعة العلاج الجماعي .. بل ممرّات وسلالم بلا نهاية! 

فحاول تذكّر طريقة انهاء تجربته ، لكن افكاره تلاشت بالظلام ! 

وبدأ شيئاً فشيئاً يشعر بالضياع والتشتّت .. سرعان ما تحوّل لخوف ، بعد ملاحقته من قبل الظلال المُتكلّمة وكاميرات المراقبة التي ظلّ يهرب منها ، الى ان خارت قواه .. ويسقط في ممرٍّ طويل دون حراك ، بعد تبلّد تفكيره !

***


بهذه الأثناء .. هلّل المرضى الثمانية فرحاً بعد ازالة خوذاتهم ، وهم يشعرون باستقرار عقولهم ، عقب صمت الأصوات المزعجة واختفاء رعشاتهم وشكوكهم .. كأنهم عادوا اصحّاءً من جديد ! 


وصرخاتهم السعيدة ، جذبت مدير المشفى النفسي الذي دخل قاعتهم: 

فتجمّعوا حوله وهم يخبرونه بحماس عن نجاح الطبيب الجديد في علاجهم ، وعن رغبتهم بالعودة لحياتهم السابقة ! 


وحينما اراد تهنئة الطبيب المُستجدّ .. وجده جالساً على كرسيه ، بعينين مفتوحتين دون حياة !  

ولم يتمكّن من تحريكه ، رغم ازالة الخوذة عن رأسه ! 

^^^


مما اجبر المدير على لبس الخوذة الثانية ، لاقتحام عقل الطبيب ومعرفة مشكلته :

ليجد نفسه في غرفة تحمل الرقم تسعة :

عبارة عن غرفةٍ بيضاء ، فارغة من الأثاث .. حيث يجلس الطبيب في وسطها دون حراكٍ او تفكيرٍ او شعور .. كأن روحه توزّعت بين الغرف الثمانية !


كما لم يجد المدير مذكّرات الطبيب في ارجاء الغرفة ، التي يُفترض انه دوّن عليها افكاره وهمومه !

ومع ذلك حاول تحريك اطرافه بكل الطرق ، دون فائدة .. بعد انعدام استجابته لجميع المؤثرات الخارجية ! 

^^^


وهنا ازال المدير الخوذة عن رأسه ، وهو يشعر بالشفقة على الطبيب الشاب .. فسأله مساعده :

-  مالذي اصابه ؟

المدير بحزن : تعرّض لأصعب الأمراض النفسية .. كتاتونيا 

المساعد بقلق : أتقصد انه تحوّل لجمادٍ دون روح ؟!

المدير : يبدو ان علاجه للكثير من الأمراض النفسية بجلسةٍ واحدة ، أضرّ بسلامة عقله .. البطل !! فدا بنفسه لعلاج مرضاه 

^^^


ثم امر بوضع الخوذات الإلكترونية في المستودع .. لا ، لأن التجربة فشلت .. بل لأنها نجحت اكثر من اللزوم .. 

اما الطبيب الشاب : فأمر بنقله الى غرفةٍ انفرادية ، لأنه لم يعد له وجود بالحياة .. بعد أن صار عقله مُستعاراً ، يعيش به الآخرون حياتهم الجديدة !


الأحد، 26 أبريل 2026

الذبذبة القاتلة

تأليف : امل شانوحة 

التحديث الإجباري


تجمّعت العائلة في غرفةٍ ضيقة بفندقٍ متواضع لتوفير النفقات : الأب والأم على السرير ، والصغيران يفترشان الأرض .. بينما سهرت المراهقة لحين انتهاء شحن جوالها 


وقبل وضعه جانباً .. ظهر اعلانٌ غريب : عبارة عن أنماطٍ ضوئية مُتقطّعة .. وذبّذبة منخفضة التردّد لكنها مزعجة للسمع ، كأنها تضغط على اعصاب الدماغ ! 

فحاولت إغلاقه ، دون فائدة .. بل زاد صوته حدّة ، مع تسارع انفاسها .. 

وبدأت ذاكرتها تسترجع جميع مشاهد العنف التي شاهدتها بأفلام الرعب والأكشن ، مع إثارة رغبةٍ داخليّة مخيفة : بأذيّة اهلها اثناء نومهم ! 

فلم تجد امامها سوى نزع بطاريّة جوالها  


ليسود الصمت بضعة ثواني ، قبل تردّد الصدى ذاته من هواتف والديّها ! جعلها تسارع بتخبئة بطارياتهما في الدرج 


لكن الهدوء لم يدم طويلاً ، بعد طرقٍ عنيف على بابهم .. مع صوتٍ مألوف يهدّد بالقتل ! 

الأب مذهولاً : انه صديقي ! مالذي اصابه ؟! 

ثم اختفى الصوت بعد نزوله على السلالم 


فاقتربت الفتاة من النافذة ، ورفعت الستارة .. لترى برج الإتصالات (القريب من الفندق) مضاءً .. فتذكّرت كلام موظف الفندق الذي اخبرهم : ان بثّه سيبدأ الليلة


فقالت لوالديها:  

- لم يكن إعلاناً ، بل تجربة بثٍّ بتردّد  5G .. انهم يرسلون ذبذبات صوتية وبصرية تخترق الجهاز العصبي ، مُحفّزةً الميول العدوانيّ .. لتحويل البشر إلى وحوش ..


وقبل توضيح فكرتها ، ارتفع صراخٌ بالخارج .. ليشاهدوا الناس تتقاتل بالسكاكين والعصيّ ، دون مبرّر لعنفهم المفاجئ !


فاقترح الأب الاتصال بالشركة لوقف بثّها الخطير

ابنته معترضة : ابي ! كنت قرأت عن خطتهم بالإنترنت .. هم يريدون تقليص البشر قبل ظهور الدجّال !


وفجأة ! ظهرت مُسيّرة حربية تقصف الأبرياء الذين لم ينخرطوا في القتال! 

الفتاة بخوف : إنهم يتخلّصون ممّن لم يتأثّر بالبثّ ، وحتماً سيصلون إلينا.. لابد من تدمير البرج اللعين !!


فأسرعت الأم لحزم الحقائب ، هرباً من المنطقة الموبوءة .. قبل سماعها صرخة صغيرها وهو يشير للنافذة :

- اختي قفزت للخارج !!


فاندفعت العائلة نحو النافذة ، لرؤيتها تتسلّق البرج .. بينما الوحوش البشريّة تتصارع في الشارع ، دون التفاتها اليهم ! 

وتابعت صعودها بتركيزٍ وإصرار نحو القمة .. الى ان وصلت للهوائيّات.. 

ثم مدّت يدها ، لجذب الكابل الرئيسي الذي احدث وميضاً ابيضاً .. ادّى لصعقةٍ كهربائية ، اوقفت قلبها الشجّاع .. 


وبينما جسدها يتفحّم امام مرأى عائلتها المُنذهلة ، توقف البثّ الدموي اخيراً .. وتلاشت ذبذباته المزعجة ، مما اسقط الأسلحة من ايدي الناس المُنصدمة من حجم الكارثة : فحولهم السيارات المحطّمة ، والجثث المتناثرة في كل مكان !


ثم رفعوا رؤوسهم باتجاه العائلة الباكية ، ليجدوا جسداً محترقاً أعلى البرج الذي اصبح شاهداً على التضحية والبطولة ، والتي صوّرتها المسيّرة قبل ابتعادها عن المكان!

***


في الأيام التالية ، انتشر الخبر في جميع الدول .. لكن لم يكن الجميع محظوظاً وجريئاً لتدمير الأبراج الدمويّة .. ففي بعض المدن استمرّ البث لأيام ، مُزهقاً آلاف الضحايا


أما في هذه المنطقة الصغيرة .. فقد اصبح الأب قائداً لمجموعة شباب ، هدفهم تدمير اكبر عددٍ من الأبراج التي تبثّ بتردّد 5G 


لكن السؤال الأهم : 

هل يمكنهم إيقاف الخطة الشيطانية قبل تحقيق هدفها بالوصول للمليار الذهبي؟  


الجمعة، 24 أبريل 2026

فخ الأناقة

تأليف : امل شانوحة 

نبوءة الغجري


إنشغلت الصبية بجوالها خلال تواجدها بالميترو الشبه خالي ، قبل اقتراب غجريّ بعقده الخرزيّ الطويل ، والوان ملابسه الغير متناسقة .. 

فحاولت عدم الإلتفات اليه .. لتجده يخلط كروت اللعب (اوراق الشّدة) قبل اخراجه ورقة الشاب التي رفعها بوجه الصبية ، وهو يقول :

- هذه ورقتك !!

لكنها تجاهلته ، لحين نزولها في المحطّة التالية .. 

***


في منزلها ، وقبل نومها .. ارادت شحن جوالها ، ففتحت حقيبتها .. لتنصدم بوجود كرت الشاب فيها ، وخلفها عبارة مكتوبة باللون الأحمر :

((انتبهي منه))

فتمّتمت الصبية بضيق :

- ما هذه المزحة السخيفة ؟!

ورمتها بسلّة المهملات

***


بعد ايام ، وفي ليلةٍ باردة .. وقبل اغلاق مطعم الأكلات السريعة الذي تعمل فيه ، دخل شاب بطقمه الرسمي وهو يطلب إحدى شطائرهم المعروفة  

ورغم انتهاء دوامها ، وعودة زملائها الى منازلهم .. لكنها تعمل في حيّ الأثرياء ، ومن شروط عملها : عدم رفض طلباتهم ! 


ثم راقبته عن بعد ، لحين انتهاء طعامه .. لتجده يطلب منها الجلوس الى طاولته ! للفضّفضة عن خيانة زوجته ، ونيّة انتحاره من فوق الجسر ..لولا جوعه المفاجئ الذي جعله يدخل مطعمها.. 

فحاولت مواسته ، ونصحه باختيار حبيبةٍ اخرى .. فاقترح إيصالها الى منزلها بعد تأخّر الوقت ، تقديراً للطفها معه

وبسبب إصراره ، وافقت على طلبه 

***


الا انه توقف قبل دخوله حيّ الفقراء ، خوفاً من سرقتهم لسيارته الفخمة .. واقترح عليها وظيفة مربية لإبنه ، بعد هروب زوجته .. 

الصبية : اذاً سأكمل طريقي مشياً الى المجمّع ، وسآتي غداً الى منزلك لرؤية الصغير .. وإن اتفقنا ، نكتب عقداً بهذا الموضوع


لكن الشاب الثريّ أصرّ على بقائها الليلة مع ابنه ، بعد الإجازة المرضية لمربيته الآسيوية .. وبتردّد ، ذهبت معه الى قصره 

^^^


وانتظرته بالصالة ، وهي تنظر باستغراب للتماثيل الزجاجية المتواجدة في كل ركنٍ منها

قائلةً في نفسها : ((المكان غير مُهيّأ لطفلٍ في الثالثة من عمره ، فزوايا التماثيل الحادة قد تؤذيه !))


وهنا نزل الشاب من الطابق العلويّ ، وهو يقول :

- ابني نائم بعمق ، لن اوقظه .. سترينه صباحاً .. سآخذك الآن لغرفة الضيوف

الصبية بقلق : واين الخدم ؟

- اليوم لديهم إجازة ، ستتعرّفين عليهم غداً

فشعرت بالضيق لعدم اخبارها بوجودهما وحدهما بالقصر ! 

^^^


وفي غرفة الضيوف .. شعرت بانقباضٍ في قلبها ، لعدم وجود مفتاح ! جعلها تجرّ الكنبة الكبيرة لإغلاق بابها 


وعندما نامت ، رأت العجوز الغجري في منامها .. وهذه المرة رفع ورقة اللعب التي لم تكن مرسوماً فيها ، الشاب المعتاد .. بل صورة الثريّ ، وعلى رأسه قرون الشيطان ! قائلاً بعتاب :

- الم أنبّهك منه ؟!


وهنا استيقظت الصبية على صوت انجرار الباب ، محاولاً الثريّ فتحه بخفّة كيّ لا يوقظها !

فسارعت القفز فوق الكنبة ، وهي تصرخ برعب :

- ماذا تريد مني ؟!!

فأجابها بصوتٍ مخمور :

- احتاجك الليلة.. إفتحي الباب !!


وإصراره على دخول غرفتها ، جعلها تجرّ السرير بكل قوتها خلف الباب 

فصرخ غاضباً :

- ماذا تفعلين بالداخل ؟!! انت تفسدين ديكور الغرفة 

- احلف ان لم تذهب حالاً ، سأتصل بالشرطة !!

- جوالك معي ، سحبته من حقيبتك دون انتباهك .. 

ورغم صدمتها بسرقته جوالها ، الا انها قالت بحزم : 

- اذاً سأقتل نفسي !!

- بماذا ! لا يوجد شيءٌ حادّ في غرفتك

- سأشنق نفسي بالملاءة بعد ربطها بالثريّا 

- أتفضّلين الموت على ليلةٍ تقضينها مع أوسم شابٍ في المنطقة ؟! يا غبية ، كان بإمكان علاقتنا ان تتطوّر ، الى ان تصبحي سيدة القصر 

- لا اريد شيئاً منك ، فقط ابتعد عني !!

- كما تشائين ، يبدو انك تفضّلين حياة البؤس والفقر 


وما ان سمعت خطوات صعوده الدرج ، حتى بحثت بالخزانة عن أي شيءٍ تدافع به عن نفسها .. قبل ملاحظتها لكاميرا صغيرة على الأرض ، يبدو كانت تحت السرير (قبل جرّه ناحية الباب) 


وحين اضاءت الكاميرا ، وجدت صبية تبكي بخوف :

((من تجد كاميرتي ، فالتهرب بالحال .. فذاك الساديّ يعذّبنا في قبو قصره .. ومن تموت منا ، يدفنها في حديقته الخلفية.. لقد قتل زوجته السابقة ، وهو يحاول الآن كسر باب الغرفة التي هربت اليها.. ))

وانقطع الفيديو !  


فسارعت الصبية للنافذة التي كانت مغلقة بقضبانٍ حديدية من الخارج ! فتذكّرت كلام والدها الحدّاد الذي اخبرها : بأنه يصنع مقبضاً للطوارئ ، في حال حصل حريق بالمنزل .. 

فبحثت جيداً بالجدار ، الى ان وجدت علّاقة ملابس .. ما أن امسكتها ، حتى ارتفعت القضبان الخارجية .. 

فوضعت حقيبتها في رقبتها .. ثم قفزت من النافذة التي تبعد طابقاً عن الحديقة .. ورغم اذية ذراعها الا انها سارعت بتسلّق جدار القصر ، والوصول للشارع الفرعي .. ومنه للشارع العام ، بعد ان قاربت الساعة 2 مساءً !

***


بعد مشيها قرابة كيلو ، تفاجأت بسيارةٍ فخمة تقترب منها .. فارتعبت من ملاحقة الثريّ لها ! لتنصدم بصوت الغجريّ يقول لها : 

- حاولت تنبيهك سابقاً ! 

- من انت ؟!

- إصعدي لمعرفة الحقيقة كاملةً 

^^^


وفي السيارة ، أخبرها بمحاولته انقاذ ضحايا ابنه (الذي ورث زوج امه الغني) بعد فشله بإصلاح سلوكه الشائن .. وانه يملك قدراتٍ خارقة تمكّنه اختراق منام الصبايا ، لتحذيرهن من الإنجرار لإبنه الساديّ ! 

الصبية غاضبة : عليك ابلاغ الشرطة عنه !!

- يبدو لا حلّ آخر امامي ، وقريباً ستسمعين خبر القبض عليه.. الآن دعيني اوصلك لمنزلك .. (ثم نظر اليها بجدّية) .. ايّاك الوثوق ثانيةً بالرجال الأثرياء .. فكل واحداً منهم ، لديه عادةً مريبة 

***


في منزلها .. رمت حقيبتها بتعب فوق سريرها ، بعد انتهاء ليلتها المرعبة .. ليسقط كل ما فيها على الأرض .. فتنهّدت بضيق :  

- ليس فيها شيئاً يُكسر ، بعد سرقة الملعون لجوالي 


واثناء اعادة اغراضها داخل الحقيبة ، تفاجأت برؤية كرت اللعب ! لكن هذه المرة لم تكن ورقة الشاب وحده ، بل يقف خلفه الغجريّ ايضاً .. ومكتوباً اسفل منهما :

((أصبحت فريستنا الآن !)) 


سيدة القصر

تأليف : امل شانوحة  الحياة المُستعارة احضرها البستاني الى قصر الريف ، وهو يقول : - اريدك ان تعملي بجهد على تنظيف القصر ، فالسيدان قادمان ب...