الجمعة، 10 يوليو 2026

اعتراف الكوشة

تأليف : امل شانوحة 

العدو الخفي


فجأة ! فُتح باب صالة الأعراس بقوة .. قبل ان تسارع العجوز بإقفاله خلفها ، ثم الركض بين الطاولات بوجهها الشاحب ، وهي تصرخ بعلوّ صوتها :

- ساعديني ارجوك !!

بينما انظار المعازيم تلاحقها .. لحين سقوطها بجانب كوشة العروس ، وهي تبكي خائفة :

- عليك ان تغفري لي الآن ، كيّ يتوقفوا عن ملاحقتي

فسألتها العروس بقلق :

- مالذي يحصل معك يا خالتي ؟!

الخالة باكية : لقد لاحقوني طوال الطريق ! وهم الآن يقفون عند باب الصالة.. وإن لم تسامحيني ، سيهجمون عليّ دون رحمة !!

فهمس العريس :

- ماذا هناك عزيزتي ؟!

العروس : لا ادري حقاً !


ونزلت الى خالتها ، محاولةً رفعها عن الأرض :

- رجاءً إجلسي على إحدى الكراسي ، لمعرفة مشكلتك

الخالة برعب : لا وقت لديّ !! ان لم تسامحيني انت و..

ثم نظرت لبقية الأقارب المتواجدين بالقاعة ، وهي تكمل كلامها :

- ان لم تسامحوني جميعاً ، سأموت شرّ موتة !!


فأراد احد المعازيم فتح باب الصالة ، لرؤية من يلاحق العجوز التي صرخت وهي تشير له :

- لا ، توقف !! ايّاك فتح الباب لهم ، سيقتلونني امامكم

وهنا ساد الخوف بين الحضور ، لظنهم بتورّطها بعصابةٍ تُحاصر القاعة !

لتتابع العجوز كلامها بقهر :

- اساساً الملاعين باستطاعتهم اختراق الصالة ، ولوّ كانت مُقفلة بالسلاسل الفولاذية

العروس : خالتي توقفي رجاءً ، انت ترعبين الجميع .. إخبرينا بوضوح من يلاحقك؟

فقالت العجوز بعلوّ صوتها :

- الجن !! الجن الذين استخدمتهم طوال اربعين سنة ، لأذيّتك انت وبعض الحاضرين هنا.

فجاء كلامها صادماً للجميع !


العروس بدهشة : هل مارستي السحر علينا ؟!

الخالة بندم : نعم.. وجميع مصائبك الماضية ، كانت بسببي : سواءً الأمراض والمشاكل الإجتماعية ، وفسخ خطوباتك القديمة .. وكل دمعة بكيتها ، كانت انتصاراً بالنسبة لي

العروس بضيق : ولما فعلتي كل هذا ؟!

الخالة بحقد : لأنك ستحصلين على كل ما تمنّيته في حياتي .. فأنا عندما كنت صبية ، اردّت الزواج من رجلٍ وسيمٍ وثريّ ، يحبني بجنون.. لكن نصيبي كان رجلاً بسيطاً وفقيراً ، دمّر كل طموحاتي!!

العروس بقهر : وماذا عني يا خالتي ؟ هآ انا تجاوزت الأربعين .. وعريسي هذا ، مرتبطٌ بعائلةٍ اخرى..


الخالة : صحيح انك الزوجة الثانية ، لكنك ستسعدين معه ..علمت ذلك من مشعوذة قابلتها قديماً.. وسألتها عني ، إن كنتُ سأكون سعيدة ؟ لكنها اخبرتني ان لا احد من اقاربي سيحصل على السعادة المادية والعاطفية معاً ، سوى ابنة اختي.. مما ضايقني كثيراً .. ولهذا بعت منزلي ، لإعطاء المال للمشعوذة التي اوهمتني بقدرتها على قلب الأقدار بيني وبينك.. لكن هذا لم يحصل ابداً ! حينها كرّست حياتي لتعذيبكِ بأسحارٍ متتابعة ، تسبّبت في إفلاسي المادي .. بل وأمتدّ ذنبي ، لسحر بعض الأقارب أيضاً.. لكنكِ كنتِ فريستي الأولى وسبب انحرافي عن الطريق المستقيم ! 

العروس بعصبية : أسحرتني منذ طفولتي ، فقط لأن مشعوذة خرِفة مثلك تنبّأت بحياتي المثالية ؟! .. والآن أتيتِ لتخبريني أن كل تجاربي التعيسة والفاشلة ، كانت بسببك ! وانا من ظننتها روتيناً طبيعياً للحياة..

الخالة بإصرارٍ وخوف : ارجوك عليك مسامحتي الآن ، وإلا سيقتلونني بعد قليل


العروس : هل تقصدين خدّام اسحارك الماضية من الجن ؟

- نعم !! فأنا حين استخدمتهم ، ظننتهم خدّاماً لي.. لكني بالحقيقة كنت عبدة للشيطان الذي اجبرهم على طاعتي.. عرفت ذلك متأخراً.. والآن تحرّروا جميعاً ، بعد مضيّ اربعين سنة على احتجازهم بإسحارك التي رميت بعضها بالبحر ودفنت بعضها بالقبور.. وهاهم يلاحقونني للإنتقام مني ، بعد تقيدي حرّيتهم لسنواتٍ طويلة.. وكل ما احتاجه منك ، ان تقولي بصوتٍ عالي : انك سامحتني دنيا وآخرة ..كيّ يتركوني وشأني ، ويعودون للعالم اللعين الذي ينتمون اليه


فسكتت العروس قليلاً وهي تستذكر طفولتها الصعبة مع متنمّري المدارس ، وقسوة المعلمات وتجاهلهن لها .. وكسرة قلبها التي تكرّرت من خطوباتها ١٣ التي لم تتم لسببٍ مجهول.. وعدم تمكّنها من إيجاد وظيفة بشهادتها الجامعية ، او نجاحها بموهبتها الفنية.. وأحلامها وآمالها التي ماتت الواحدة بعد الأخرى طوال اربعين سنة ، بعد عيشها خيبات املٍ متتالية .. صنعتها في الخفاء ، خالتها الحاقدة..


فإذّ بالعروس ترفع صوتها ، بقهر : 

- بحياتي كلها لم أكن امرأةً حقودة ، وسامحت جميع من آذاني .. لكن انت يا خالتي .. لا سامحك الله ، لا دنيا ولا آخرة !!!


وما ان قالت العروس ذلك.. حتى فُتح باب الصالة على مصراعيه ! وتلاعبت الأضواء وحدها مع هبوب رياحٍ باردة .. سرعان ما تحوّلت لزوبعةٍ رمادية ، رفعت الخالة عالياً.. مما ارعب الحضور الذين تراجعوا للخلف وهم يستمعون لصراخ العجوز التي تحوّل وجهها لسوادٍ مُتفحّم ، كأنها تحترق من الداخل ! قبل ان تُقلع عيناها وينقطع لسانها ..ويتطاير اطرافها مع انفجار جسمها لأشلاءٍ صغيرة تناثرت في المكان ، مُلطّخةً المعازيم بدمائها ! 


وبعدها انسحبت الزوبعة عبر باب الصالة ، ليعمّ الهدوء من جديد ! بينما وقف الجميع بذهول وهم ينظرون إلى بقعة الدم الضخمة بجانب الكوشة ، وإلى فستان العروس الذي صُبغ باللون الأحمر القاني ! 


وهنا شعرت العروس باسترداد انفاسها ، بعد سنواتٍ طويلة من إحساسها بوجود بلاطة ثقيلة على صدرها !

وكذلك شعر بعض اقاربها المتواجدين بالحفل ، بعد ان فُكّت اسحارهم بموت الخالة الساحرة.. 


فنظرت العروس لعريسها :

- لوّ لم تمت خالتي اليوم ، لما توّفقت بالحياة معك.. الآن فقط ، بدأت حياتي بعد اربعين سنة من الجفاء والقهر.. فهل انت موافق على اتمام العرس بعد الذي حصل امامك ؟

العريس : كما قلتي ، الآن بدأتي صفحة جديدة من حياتك.. وانا من سيتكفّل بتعويضك عن مآسيك السابقة .. وبذلك تتحقّق نبوءة المشعوذة التي اخرجت كل ذلك الغلّ والحقد من قلب خالتك التي سيُتابع تعذيبها في قبرها ، وهي تشاهدنا نحيا حياةً سعيدة ، حُرمت منها للأبد


وبعدها ودّعت العروس المعازيم بعد قرارها بإنهاء العرس باكراً ، وصعودها مع زوجها الى غرفة الفندق.. بينما راجعت الشرطة بذهول شريط الفيديو الذي وثّق الحادثة المرعبة ، وهم يرفعون بقايا الساحرة الحقودة من الصالة .. لتكون قصتها عبرة لكل من تسوّل له نفسه ، لتدمير الآخرين بغلّه وحقده !


الأربعاء، 8 يوليو 2026

بابا نويل المريب

تأليف : امل شانوحة 

الملجأ الدافئ


بعد انتهاء حفلة عيد الميلاد في المول وعودة الأهالي لمنازلهم ، تفاجأوا بنوعية الهدايا الغريبة التي قدّمها بابا نويل لأطفالهم : وكانت عبارة عن ألعابٍ مستخدمة تم تصليحها يدوياً ، وملابس شبه جديدة ، ورسومات من أطفالٍ آخرين !


احدى تلك الرسومات ، كانت من نصيب ابن محقق المنطقة : وهي موقّعة بإسم طفلة مفقودة منذ سنتين ! 

مما اثار قلق المحقق ، خصوصاً ان الطفلة رسمت : بابا نويل يُخرجها من منزلٍ فيه شيطان ! كاتبةً اسفل الرسمة : ((شكراً جدي ، لإنقاذي من الجحيم)) 


مما جعل المحقق يسأل جيران الطفلة عن طبيعة حياتها قبل الإختطاف .. ليتفاجأ بشهاداتهم الصادمة : عن عيشها جحيماً حقيقياً مع زوج أمها الذي كان يضربها دوماً دون رحمة.. 

وبذلك تحوّلت رسمتها الى لغزٍ نفسيّ مُعقّد ! 

^^^


لاحقاً ، استدعت الشرطة صاحب المول الذي أفاد في التحقيق : بأن بابا نويل الذي تعاقد معه ، إعتذر عن احياء الحفل بسبب مرضه .. وإن ذلك العجوز ، اقتحم المول دون تقديم أوراقه الرسمية .. ولم يتعرّف عليه الموظفون ، بسبب مكياجه الكثيف الذي اخفى ملامحه !


فراجع المحقق كاميرات المراقبة : ليرى بابا نويل المشبوه وهو يغادر المول بهدوء بعد توزيع هداياه الغريبة .. لكنه انتبه بأنه اكتفى بالتقاط صورٍ سريعة مع معظم الأطفال .. بينما أطال الحديث مع ولدٍ عُرف عنه : صعوبة كلامه بسبب التأتأة !


فطلب المحقق من والدة الطفل ، السماح له بمحادثته.. وبعد تردّد ، أجاب الصغير على اسئلة المحقق بتلعثمٍ وخوف:

- هو طلب مني إبقاء الأمر سرّاً.. لكن طالما أنك من الشرطة ، فسأخبرك الحقيقة .. لقد وعدني بابا نويل بمقابلة فتاةٍ جميلة بمثل عمري في مكانٍ دافئ.. لكن عليّ اولاً انتظاره عند باب المدرسة ، بعد انتهاء عطلة رأس السنة.


وقد أفزع كلامه ، امه التي خافت عليه من الإختطاف.. 

وبصعوبة استطاع المحقق إقناعها ، بضرورة مراقبته إبنها عند الموعد المحدّد .. لمسك طرف الخيط الذي يوصله لبقية الأطفال المُختطفين في منطقتهم منذ سنوات.

فردّت الأم بعصبية: 

- عندما تمسك بذلك الخرِف المنحرف ، إقتله على الفور !! 

فارتعب ابنها : لا تفعل سيدي ، ارجوك !! هو تكلّم معي بلطفٍ وحنانٍ كبير.. ولم يستعجلني في الكلام أو يسخر مني ، كما يفعل والدي الذي يضربني قبل إنهاء جملتي

فسأل المحقق امه : هل والده يضربه بالفعل ؟! 

الأم بقهر : بل هو من تسبّب بعقدة لسانه ، لقسوته الشديدة عليه.. وهذا ما جعلني أتطلّق منه 

فمسح المحقق رأس الصغير برفق ، وهو يعده بعدم ايذاء بابا نويل

***


وفي نهاية اليوم الأول للمدرسة بعد الإجازة.. راقب المحقق الولد وهو يصعد الى سيارة العجوز الذي اغراه بكيس الحلوى .. وانطلق خلفهما بحذرٍ شديد ، الى ان وصلوا جميعاً للغابة .. 


بعدها نزل العجوز ممسكاً بيد الصغير ، وهما يدخلا معاً الى كوخٍ هناك !

فحاول المحقق الإتصال بمركز الشرطة ، لطلب الدعم.. لكن شبكة الإرسال مقطوعة في تلك المنطقة النائية.. 

فلم يكن أمامه سوى اقتحام الكوخ وحده ، لإنقاذ الطفل.. وربما بقية المختطفين ان كانوا مازالوا احياءً !


شهر المحقق سلاحه ، وهو ينزل ادراج القبو .. لكنه صُدم بما رأته عيناه !

فرغم الثلوج الكثيفة بالخارج ، الا ان القبو يشعّ بالدفء من مدفأته الحجريّة .. وقد انبعث في المكان ، رائحة الكعك الطازج.. 


ومن أعلى درج القبو ، شاهد المحقق الأطفال وهم يضحكون ويمرحون في قاعة مليئة بالدمى والكتب والألعاب ، وهم يتناولون ما يشاؤون من الحلوى! 

قبل تجمّعهم حول العجوز الذي فتح احدى القصص من مكتبته ليرويها لهم ، وكأنه جدهم الحنون ! ومن بينهم الطفلة (صاحبة الرسمة) التي ظهرت بصحةٍ ممتازة ونفسيةً مرحة !


ورغم لطف المشهد ، الا ان المحقق قبض على العجوز الذي نقله إلى السجن.. بينما نُقل الأطفال لمركز الشرطة ، لحين وصول اهاليهم الذين حضنوهم بشوقٍ ودموع بعد غياب شهور ، وبعضهم وصل ل 3 سنوات !

لكنهم جميعاً لاحظوا تحسّن صحة ابنائهم ونضجهم النفسيّ ، وبراعتهم في القراءة والكتابة والحساب .. وإتقانهم اللغتين الألمانية والروسية التي علّمها لهم العجوز في وقت فراغه

***


في غرفة التحقيق ، كشف العجوز عن هويّته الحقيقية.. فهو عمل قبل تقاعده في مؤسسة الرعاية الاجتماعية .. وتابع بنفسه قصصاً مأساوية لعشرات الأولاد الذين عاشوا مع عائلاتٍ سادية وقاسية.. وبعد إقدام احدهم على الإنتحار ، لم يتحمّل  العجوز القوانين العاجزة عن حمايتهم .. فقرّر التدخل بطريقته ، عن طريق خطفهم من اهاليهم القساة المُهملين .. وخلال السنوات الثلاثة لبدء خطته الإنسانية ، صرف معظم معاشه التقاعدي على إطعامهم وتعليمهم ، وتوفير الأمان الذي حُرموا منه.


وبعد ذلك الإعتراف ، تحرّى المحقق عن عائلات الأطفال المُستردّين .. كما استمع لشهادات الجيران والتقارير الطبية التي أكّدت العنف الأسري الذي مارسوه ضد اولادهم قبل اختفائهم.


وفور نشر المحقّق تقريره بالإعلام ، حتى انقلب الرأيّ العام تماماً .. وتحوّل بابا نويل المريب : من مختطفٍ قذر إلى منقذٍ رحيم ! 

ورغم نبل دوافعه الإنسانية ، إلا أن احتجاز الأطفال دون إذن أولياء أمورهم يظلّ جريمة يعاقب عليها القانون.

***


وفي يوم المحاكمة.. وفور نطق القاضي بالحكم ، بحبسه خمس سنوات.. حتى اهتزّت القاعة بصرخات الأطفال واحتجاجاتهم ، خوفاً على جدهم الحنون ! 

قبل ان يفاجأ الولد (الذي يعاني من التأتأة) الحضور ، بوقوفه امام القاضي وهو يقول بوضوحٍ دون تلعثم : 

- سيدي القاضي .. بابا نويل لم يخطفني .. بل كان رحيماً معي ، طوال رحلتنا الى الغابة .. وهو من نصحني بنسيان الماضي ، ومسامحة والدي .. كما استمع لشكوايّ طوال الطريق دون استعجالي بالكلام .. وحين التقيت بالأطفال في منزله ، وجدتهم جميعاً سعداء .. وللمرة الأولى ، شعرت بالأمان بقبو كوخه ..وهذا الشعور فقدته مع والدي العصبي .. رجاءً اتركوا جدنا وشأنه 


ساد الذهول أرجاء القاعة ! وتأثّر القاضي من كلام الصغير الذي جعله يتخذ قراراً غير مسبوق : بفتح مدرسة داخلية خاصة بالأطفال المُعنّفين ، بعد إسقاط المحكمة الوصاية عن أهاليهم القساة .. مع تعيين العجوز مديراً فخرياً للمدرسة ، تحت إشراف أخصائيين نفسيين وإجتماعيين 

وما ان نطق القاضي بحكمه العادل ، حتى ضجّت القاعة بهتافات الصغار 

***


وفي نهاية العام ، وأمام مبنى المدرسة الجديدة.. تقدّم والد الطفل (الذي تشافى اخيراً من التأتأة) لمصافحة العجوز بندم : 

- شكراً لأنك علّمتني كيف اصبح اباً رحيماً 

فأجاب العجوز : لا يكفي ان ننجبهم ونطعمهم ونعلّمهم فقط .. بل علينا توجيههم برفق ، ليكونوا افراد مجتمعٍ ناضجين ومنتجين مستقبلاً.. فهم رجال الغد

فأومأ الأب برأسه موافقاً


ووسط حفلٍ شعبيٍّ كبير ، تسلّم العجوز جائزةً تكريميّة من رئيس البلدية .. بعد ان حصل بجدارة على لقب : بابا نويل الأكثر إنسانية في العالم


الاثنين، 6 يوليو 2026

الشيفرة الأخيرة

تأليف : امل شانوحة 

الطوق الروسي


في صباحٍ باكر من خريف 1962 على الساحل الشرقي للولايات المتحدة.. عمل خفر السواحل الأمريكي على إزالة حطام قوارب الصيد على طول الشاطئ ، بعد هدوء العاصفة التي استمرّت طوال الليل 


واثناء انشغالهم ، هتف احدهم وهو يشير للأمام :

- هناك غريق بالبحر !!


فسارعوا الى قاربهم الذي قادوه باتجاه الرجل فاقد الوعيّ ، والذي تشبّث بطوقٍ مطاطيّ مكتوباً عليه عبارات روسيّة !

^^^


في المشفى .. استيقظ الرجل على رائحة المُعقّم الذي كان يمسحه عامل النظافة بغرفته .. وهو يستمع لرنين جهاز قياس قلبه ، المُعلّق بلصقاتٍ طبيّة على صدره العاري !


وبعد قليل ، دخل الطبيب وهو يقول :

- الحمد الله على سلامتك .. كنت غائباً عن الوعيّ منذ يومين .. فخفر السواحل وجدوك بعد هدوء العاصفة ، ولديك إصابة بالرأس… هل تتذكّر ما حصل ؟


فأغلق الرجل عينيه ، محاولاً تذكّر الحادثة .. لكنه انصدم من خلوّ عقله من ايّة معلومة .. حتى انه لم يتذكّر اسمه !

الطبيب : لا تقلق .. ستتذكّر مع الوقت ، فإصابتك ليست عنيفة

وإذّ بعامل النظافة (المتواجد بالغرفة) يقول :

- الطوق الذي رفض تركه ، حتى بعد وصوله للمشفى .. كان مكتوباً عليه بالروسيّة .. يعني كان بسفينة الروس !


وما ان قال ذلك .. حتى خرجت من فم المريض عبارات روسية غير مترابطة ، كأنه تعلّم اللغة بصعوبة !

^^^


وفور ابلاغ الطبيب ما حصل للشرطة الأمريكية (خاصة انه بذلك الزمان ، هدّد الرئيس الروسي بحربٍ نووية ضد اميركا) حتى وصل شخصٌ من مكتب التحقيقات الفيدرالي الى المشفى .. لا للإطمئنان على صحة المريض ، بل لمعرفة ان كان استردّ ذاكرته ام لا؟! 

***


بعد ايام .. سمح الطبيب للمريض بالمشي ، لاستعادة توازنه .. 


وفي منتصف الليل ، انتبه على نفس عامل النظافة يراقبه بحذر ، اثناء مشيه  بصعوبة في ممرّ المشفى !

فتوجه المريض نحوه :

- هل تراقبني ؟!

ليفاجأ بالعامل يرفع المسدس بوجهه ، وهو يقول بحنق :

- سأقتلك ايها الجاسوس الأمريكي !!


وإذّ برصاصة تمزّق ظهر العامل الذي سقط ميتاً امام المريض المُنصدم ، أطلقها رجل المخابرات الأمريكي الذي قتله دون تردّد ! والذي اقترب منه ، قائلاً :

- كنت اراقب تحرّكاتك من بعيد ، فوجدت هذا الروسي يلاحقك 

المريض : هل حقاً ما قاله .. بأنني جاسوس امريكي !


فأخذه رجل المخابرات جانباً ، وهمس له :

- نعم .. والكلمات الروسية القليلة التي تعرفها ، تمّ تدريبك عليها .. بعد زرعك داخل بارجة روسية ، تحمل صاروخاً نووياً.. ومهمّتك كانت : سرقة الشيفرة الخاصة بإطلاق صاروخهم اللعين .. وقبل ارسالك المعلومة الينا ، كُشف امرك .. هذا آخر ما اخبرتنا به برسالتك الأخيرة .. واعتقدنا بموتك ، لنفاجأ بوجودك بهذا المشفى .. فهل تعلم ما حصل ليلة العاصفة ؟


وهنا تذكّر المريض الحقيقة كاملة : 

وكيف تواجد بمقرّ القيادة ، داخل البارجة الروسية العسكرية .. والشيفرات المعقدة على الحاسوب الذي عمل عليه (مدّعياً انه تقني روسي) .. وظهور ارقامٌ تسلّسلية حاول حفظها بسرعة ، بعد سماع احدهم يصرخ بالممرّ الحديديّ : ((اوقفوا الجاسوس الأمريكي)) .. 

وبعد كشف هويّته ! طارده الجنود الروس فوق سطح البارجة أثناء العاصفة ، مُطلقين النار عليه .. مما اجبره على لبس الطوق المطاطيّ سريعاً ، قبل قفزه للبحر .. الا ان ارتطام رأسه بالموج العنيف ، أفقده ذاكرته.


المريض بارتباك : اسمي الحقيقي هو جاك ، اليس كذلك ؟

رجل المخابرات بارتياح : احسنت !! نعم جاك اندرسون .. رجاءً تذكّر كود القنبلة ، والا سنخسر المعركة قريباً 


وقبل اكمال كلامه ، دوّت صافرات الإنذار خارج المشفى !

رجل المخابرات بخوف : الملاعيين !! بدأوا بإطلاق الصواريخ الصغيرة نحو مدينتنا .. وقريباً سيطلقون قنبلتهم النووية .. رجاءً يا جاك ، تذكّر كود السيطرة على الصاروخ 

جاك : لحظة ! تذكّرت .. الشيفرة لم تكن للسيطرة عليه ، بل لتعطيله .. وللأسف ، لا اذكر سوى نصف الكود ..


وفجأة ! ظهر ضوءٌ ساطع من الخارج ، حوّل ليلهم الى نهار ! مُحطّماً جميع النوافذ ، مع موجةٍ ناريةٍ حارقة .. 

أما جاك ورجل المخابرات ، فلم يبقى منهما سوى ظلالٍ سوداء مطبوعة على بقايا جدار المشفى المُهدّم ! 


السبت، 4 يوليو 2026

الروتين المريب

تأليف : امل شانوحة 

السكّان المنسيّون


في المساء .. راقب ولد (بعمر التاسعة) من شرفة عمارته الجديدة (في مجمّعٍ سكني قيّد الإنشاء) جيرانه في المنزل الأرضي القديم المجاور 


وبعد قليل .. خرجت امه إلى الشرفة ، وهي تسأله : 

- أمازلت تراقبهم؟

ابنها : نحن وأياهم الوحيدون الذين نسكن هذه المنطقة الرملية غير المأهولة ! ولهذا أشعر بالملل الشديد.

- هذا ذنب والدك ، استعجل انتقالنا قبل اكتمال المشروع.. وعندما يعود من سفره ، سأطلب منه إعادتنا الى المدينة 


فأشار ابنها للعائلة المجتمعة في حوش منزلهم الأرضي : 

- المشكلة يا أمي أنهم اشخاصٌ مريبون.

- وكيف ذلك؟

- يفعلون الأشياء ذاتها كل ليلة ، وبنفس التوقيت!

الأم : ربما هو روتينهم اليومي، يحبون شرب الشاي في الحوش كل مساء.

ابنها : لا امي ، الأمر ارعب من هذا .. انظري الآن .. الجد سيدخل المنزل ، ويخرج بعد دقائق 

- ربما يريد دخول الحمام 

- إذاً انظري للولديّن الصغيرين.. الكبير سيعرقل أخاه ، لأخذ الكرة منه .. فتعاتبه أمه.. بنفس الوقت الذي سيوقع فيه الأب الشاي على الحصيرة .. فتمسح زوجته البقعة بعصبية .. ثم يخرج الجد وهو يعاتب كنّته على رفع صوتها على زوجها 


وبخوف راقبت الأم تصرّفات العائلة التي تحرّكت بدقةٍ متناهية ، وفقاً للتتابع الذي تنبّأ به ابنها الذي التفت اليها وهو يقول : 

- كل ليلة يفعلون الشيء ذاته ! حتى عندما أنادي الصغيريّن للعب معهما ، يتجاهلانني تماماً .. انظري بنفسك.

وصرخ بعلوّ صوته ، لكن لا احد من تلك العائلة التفت لشرفة العمارة !


فشعرت الأم بالقشعريرة الباردة تسري في جسدها ! وسحبته من يده ، قائلةً: 

- ادخل فوراً إلى الشقة.. الجوّ أصبح بارداً.

الابن: حتى أنتِ ارتعبتِ منهم ، أليس كذلك؟

فحاولت الأم تغيير الموضوع ، لتهدئة روعه:

- ما رأيك لو نتعشّى ، قبل ذهابنا للنوم ؟

- وماذا سنأكل يا امي ؟

- بيض ولبن

الأبن متأففاً : أكل ليلة نأكل العشاء ذاته ؟!

الأم : قريباً تصلني حوالة والدك المالية ، ونذهب معاً لتسّوق من المول.. والآن ساعدني بتحضير العشاء

^^^


بهذه الأثناء ، في حوش المنزل الأرضي .. نظر الحفيد الأكبر نحو العمارة (حديثة البناء) وهو يقول لعائلته باستغراب : 

- ذلك الولد المريب يراقبنا كل ليلة !

الجد : الأولاد فضوليون في هذا السن 

الحفيد : لا جدي ، هو ليس طبيعياً .. فقد ناديته مراراً للعب معي ومع اخي ، لكنه لم يسمعنا !

وأضافت امه :

- صحيح عمي .. الأمر مُقلق ، فوالدته تظهر كل ليلة بالتوقيت نفسه لإدخاله للشقة ..

فقال زوجها : 

- ربما موعد نومه.

هزّت زوجته رأسها بالنفي : 

- ليس ذلك فحسب.. بل ترتدي الفستان ذاته منذ شهور ، مع ان السكن بالمجمّع ليس رخيصاً ! يعني ليسوا فقراء مثلنا 

وهنا قال ابنها الصغير :

- وابنها ايضاً لم يُغيّر بيجامته المرسوم عليها سوبرمان  

فقال الجد لكنّته :

- حتماً هي وابنها يشعران بالوحدة والمللّ في تلك العمارة غير المأهولة.. إذهبي غداً ، لتعرّف عليها .. فربما يُصاحب ولداكِ ابنها.

الأب وهو ينظر لساعته :

- تأخر الوقت ، دعونا ندخل المنزل استعداداً للنوم 

^^^


وبعد دخول كلا العائلتيّن منازلهما .. ظهر ككل ليلة ، حارس المجمّع وهو يحاول إشعال سيجارته ، قبل بدء جولته المعتادة حول مواد بناء المشروع قيد الإنشاء

***


في صباح اليوم التالي.. وصل صحفي إلى المنطقة الرملية ، لعمل تقرير على المكان المهجور

قائلاً امام كاميرا جواله :

- كان من المفترض أن يصبح هذا المكان مُجمّعاً سكنياً ضخماً.. لكن المشروع توقف بعد حادثةٍ غامضة وقعت قبل ثلاث سنوات


ثم وقف الصحفي بالزقاق الضيّق الفاصل بين العمارة الجديدة والمنزل الأرضي.. وهو يقول :

- في نهار ذلك اليوم المشؤوم ، إخترقت إحدى الجرّافات بالخطأ أنبوب غازٍ رئيسيّ تحت الأرض.. وبحلول المساء ، امتلأت المنطقة بالغاز المُتسرّب دون شعور العائلتيّن بذلك ، فماتا اختناقاً اثناء نومهما.. أما حارس المجمع : وفور إشعال سيجارته الليلية المُعتادة ، حتى انفجر المكان بالكامل ! وبعد دفن الضحايا .. رفض العمّال العودة للعمل ، مؤكّدين رؤيتهم لظلالٍ وحركة في كلا المبنيين المُدمّرين.. ويُرجّح الكثيرون : أن الموتى الذين قضوا في نومهم لم يدركوا حقيقة موتهم ، فتحوّلوا إلى أشباح تُعيد روتينها الأبدي.. حتى صوت قدّاحة الحارس ، مازالت تُسمع بوضوح بمحيط المبنيين كل مساء! 


بهذه اللحظة .. تدحرجت كرة خارج الحوش المهجور ، لتقف بجانب قدم الصحفي .. الذي ما أن رآها ، حتى فرّ راكضاً باتجاه سيارته .. هارباً من المكان المسكون بالأشباح المنسيّة ، بروتينها المُملّ الأبدي! 


الخميس، 2 يوليو 2026

هوس اللعبة (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

المنافس الغامض


كان لؤي طالباً متفوقاً ، الى ان حصل على بلايّ ستيشين في عيد ميلاده العاشر .. حينها بدأت علاماته الدراسية بالتدني ، عقب هوسه بأحد العابها التي يصرّ على انهاء جميع مراحلها ، والفوز على منافسيه المتصلين معه بالإنترنت.. 

مما اقلق والديّه ، خصوصاً مع اقتراب موعد الإمتحانات.. 


وبعد فشل كل نصائح اهله ووعودهم لإقناعه بترك اللعبة ، والإهتمام بواجباته اليومية.. قرّر والده إحضار جهازٍ آخر ، اخفاه في غرفته .. مُتحدّياً ابنه في اللعبة تحت لقب : المقاتل الصامت


ومع الوقت ، صار يترصّد لإبنه بكل مرحلة .. ويفوز عليه ، بسبب مهاراته القديمة بلعبة الأتاري (الجهاز الإلكتروني المتواجد في طفولة الأب) .. 

مما اشعر ابنه بالإحباط والملّل بعد فقد شغفه ، لعدم تغلّبه على اللاعب الغامض ! 


وخساراته المتكرّرة ، جعلته يُسلّم جهازه لأمه بعد قراره الإهتمام بدراسته .. مما اسعد والده ، عقب نجاح خطته الغريبة 

^^^


لكن رغم انتهاء المشكلة .. الا ان الأب استمرّ بملازمة غرفته لساعاتٍ طويلة ، مُتحدّياً بقيّة المنافسين باللعبة التي تعلّق بها ! 


وبعد رفضه مشاركة الطعام مع عائلته ، وتغيبه المُتكرّر عن عمله ! 

قالت زوجته بتأففّ : 

- كنا نعاني من اهمال لؤي ، والآن أصبحنا بهوس والده باللعبة السخيفة ! ليس امامي سوى قطع الإنترنت عن البيت كله 


وهنا سمع الإبن تهديدها .. ووقف خلفها ، ليملح لقب (المقاتل الصامت) على شاشة جهاز والده فوق مكتبه .. ففهم ان اباه هو المنافس الغامض ! 

لكن ذلك لم يغضبه ، بل مازحه قائلاً :

- ما رأيك يا ابي ، لوّ نلعب سوياً بأوقات فراغنا ؟ وبذلك لا اهمل دراستي ، ولا تتغيّب عن عملك 

الأم : والأهم من ذلك ، ان لا تُهملا واجباتكما المنزلية 

الأب بعد إقفال جهازه : قرارٌ سليم يا بنيّ.. سأتوقف عن اللعب ، لحين بدء عطلتك الصيفية .. وحينها سأعلّمك كل مهاراتي .. ونقود معاً فريقنا نحو الصدارة ، بعد فوزنا على بقيّة المنافسين باللعبة 


وبالفعل ادّى مشاركة الأب وابنه لعبتهما المُفضّلة ، الى تقوية الروابط بينهما .. مما اسعد الأم بعد امتلاء منزلها ، بصرخات حماسهما وضحكاتهما المرحة 


الثلاثاء، 30 يونيو 2026

المتهم البريء

تأليف : امل شانوحة 

المحامي الظالم


جلس بجانب سرير ابنه المراهق وهو منهار بالبكاء ، مُتذكّراً سنوات إعتنائه به لوحده منذ وفاة زوجته.. وهاهو في المشفى مصاباً بغيبوبة ، إثر تعرّضه لحادثٍ مروريّ..

وهنا دخل شرطيٌ الغرفة ، وهو يهمس :

- لوّ سمحت ، نريد اكمال التحقيقات


فخرج الأب وهو يمسح دموعه :

- اخبرتكم انه كان بنزهةٍ كشفيّة مع مدرسته ، لهذا وجدتم سيارته مُحطّمة خارج الغابة

الشرطي : مديره نفى وجود تلك الرحلة ضمن أنشطتهم المدرسيّة .. كما راجعنا الكاميرا الخارجية للمدرسة التي أظهرت خروج ابنك باكراً مع زميلٍ له يُدعى نديم ، الذي مازال مفقوداً حتى الآن.. وطالما جوال ابنك تحطّم بالحادث ، نريد الحصول على حاسوبه ، لربما نعثر على الطالب المفقود

^^^


وبالفعل سلّمهم حاسوب ابنه الذي لم يجدوا فيه سوى ابحاثه الدراسيّة.. لكن الوالد اخفى على الشرطة بأنه حاسوبٌ جديد ، اشتراه له قبل شهر


ولذلك عاد الى المنزل ، للبحث عن حاسوب ابنه القديم الذي وجده في الخزانة.. وحين فتح احدى ملفاته : اكتشف عشرات الصفحات المنسوخة عن اخبار جرائم قتلٍ ارتكبها مراهقون .. مع مقاطع فيديوهات تعذيبية .. ومواقع دموية من الدارك ويب.. مع طلب شراءٍ قديم ، لسكاكين صيد وأدوات تقطيع وأصفاد معدنية ! 


فجلس الأب مذهولاً من تصرّفات ابنه الذي يكاد لا يعرفه ! 

مما اجبره على البحث بأدراجه ، ليجد مذكّراته الشخصية الذي تحدّث فيها : عن معاناته لشهورٍ طويلة من تنمّر زميله نديم (الطالب المفقود الذي شوهد معه بالسيارة صبيحة الحادثة) والأسوء ذكره لجملةٍ مرعبة : 

((أتمنى أن يختفي نديم من حياتي للأبد))

^^^


في البداية لم يصدّق الأب تورّط ابنه بسلوكٍ إجراميّ .. لكن بعد ان اخبره المحقّق عن عثورهم لدماءٍ بشريّة بالغابة ، وسكين عليها بصمات ابنه .. وانه سيتم التحقيق معه كمشتبهٍ فيه ، فور استيقاظه من الغيبوبة ! 

حينها انهار الأب ، وهو يتساءل برعب : إن كان ابنه استدرج نديم لرحلة الغابة ، ثم قتله ودفنه هناك قبل تعرّضه للحادث ؟ 


وتخيّل الأب سخرية زملائه بالسلك القضائيّ ، والمجرمين الذين زجّ بهم في السجن سابقاً .. فهو محامي اشتهر طوال عشرين عاماً ، بدفاعه عن الفقراء والمظلومين.. محارباً أصحاب النفوذ بشجاعةٍ وبراعةٍ ، ارعبت خصومه .. ومطارداً الثغرات القانونية لإنقاذ الأبرياء ، مهما كلّف الأمر .. لكن كل انجازاته المهنية السابقة ستُلغى قريباً ، وتُستبدل بلقب : والد القاتل!

^^^


لهذا عاد الى المستشفى وهو يشعر بالخذلان من ابنه ، الذي وقف بجانب سريره وهو يحدّثه بقهر:

- سامحني بنيّ .. لكن استيقاظك ، سيدمّر مسيرتي المهنية 


ثم ازال قياس نبضات القلب عن اصبع ابنه ، ووضعه بإصبعه (كيّ لا ينطلق جرس الإنذار) ثم حمل الوسادة التي ضغط بها بقوة على وجه ابنه ، وهو يكتم دموعه ..الى ان تأكّد من موته ! 

ثم اعاد الجهاز الى اصبع الجثة.. ليسارع الطبيب بدخول الغرفة ، لإنعاش المراهق دون جدوى !

***


بعد انتهاء الدفن ، وخروج المعزّون من المقبرة.. وخلال وقوف الأب صامتاً امام قبر ابنه ، وصله اتصال على جواله من شخصٍ يافعٍ يقول : 

- هل تعلم انك قتلت الشخص الخطأ ؟ فإبنك كان ضحيّة المتنمّر نديم الذي أجبره على قيادة سيارته نحو الغابة ، تحت تهديد السلاح الذي اشتراه من دارك ويب.. فذلك الحاسوب في غرفة ابنك ، الذي راقبناك من خلال كاميرته : هو ملكٌ لنديم الذي أجبره على شرائه رغم قدمه ، مقابل أخذ مصروفه اليوميّ .. فنديم ينتمي لمجموعةٍ إجراميةٍ سرّية من المراهقين.. وفي ذلك النهار ، خرجت الأمور عن السيطرة .. فدافع ابنك عن نفسه ، بطعن نديم بالسكين الذي تمكّن من سحبه من يد نديم الذي رغب بتجربة اسلحة التعذيب على جسده .. ثم هرب بشجاعة من الغابة .. فلحقناه بسياراتنا ، خوفاً من ان يفضحنا.. الى ان فقد السيطرة على سيارته التي اصطدمت بالشجرة.. فعدنا لدفن قائدنا نديم بوسط الغابة ، ثم هربنا قبل وصول الإسعاف للمكان .. (ثم تنهدّ المراهق) .. وقد وكّلني زملائي بمراقبة المستشفى لأيام ، الى ان وجدتك تخرج متماسكاً من غرفة ابنك بعد وفاته ! فرشوّت عاملاً هناك ، للسماح لي برؤية تسجيل الكاميرا .. وصُدمت بجريمتك ! أتدري لماذا ؟ لأن إبنك البطل ، نجا من افراد عصابتنا.. ومن مكر نديم ..ومن موته بالحادث.. لكنه لم ينجو من والده الأنانيّ الذي فضّل سمعة عمله على منح ابنه محاكمةً عادلة ! أتمنى لك حياةً طويلة مع تأنيب الضمير الذي سينهش قلبك ليل نهار 


ثم أنهى المكالمة .. تاركاً الأب يستذكر فوزه بجميع القضايا الإنسانية ، ماعدا قضية ابنه البريء .. 

فانهار فوق تربة قبر ابنه الرطبة ، وصرخات ندمه تُمزّق صمت المقبرة ! 


الأحد، 28 يونيو 2026

انعطافة مصيرية

تأليف : امل شانوحة 

بين الفقد والأمل


عُرف عن مراد (تاجر المواد الغذائية الخمسيني ، من اثرياء تركيا) عشقه الكبير لزوجته التي لم يتخلى عنها رغم عقمها .. وبعد سنواتٍ طويلة من العلاج ، حملت اخيراً .. وكان كلا الزوجيّن ينتظران مولودهما الأول بفارغ الصبر .. 

وبشهرها الثامن ، ضجّ الإعلام بخبر وفاتها مع جنينها بحادث سير على الطريق العام .. مما افقد مراد صوابه ، خصوصاً بعد علمه بأن المُتسبّبة بالحادث : هي سارة (الآنسة ثلاثينية) التي دخلت بغيبوبة بعد الحادثة .. والتي عملت كسائقة حافلةٍ صغيرة ، تابعة لمدرسةٍ ابتدائيةٍ شعبية ..


وبعد انتهاء العزاء .. تردّد مراد على المشفى بانتظار استيقاظ سارة ، لمعرفة اسباب الحادث ..

حيث رشى الممرّض ، للسماح له بدخول غرفتها .. رغم منع الشرطة إقترابه منها ، بعد شعورهم بغضبه الشديد اتجاهها 

^^^


وخلال الليالي التي بقيّ ساهراً امامها ، خطرت بباله مراراً : فكرة خنقها بالوسادة حتى الموت .. فهي حرمته حب حياته ، ومن شعور الإبوّة .. 

رغم ان شرطة المرور والشهود أكّدوا قيامها بخطوةٍ جريئة بعد انحراف شاحنةٍ امامها .. ولكيّ تحمي 20 طالباً من موتٍ حتميّ ، خاطرت بحياتها بالإنحراف نحو اليمين .. مما أدّى لاصطدامها بسيارة زوجة مراد التي ماتت على الفور .. بينما صدمت سارة رأسها بزجاجها الأماميّ بعنف ، مُتسبّباً بغيبوبتها ..

لكن مراد لم يهتم بنجاة الطلّاب الفقراء ، بل صبّ اهتمامه على عقاب سارة التي دمّرت حياته.. ولهذا تكفّل بعلاجها ، لكيّ يضمن نجاتها !

***


وطوال شهر غيبوبتها .. جلس مراد بجانب سريرها لساعات ، وهو يتأمّل جمالها البريء.. مع عدم السماح لنفسه بتطوير مشاعره اتجاهها ، فهي بالنهاية قاتلة عائلته .. ولهذا خطّط طوال تلك الليالي ، بطريقة تجعلها تدفع الثمن غالياً ..

***


الى ان اتى يوم ، استيقظت فيه اخيراً .. لتجد اهلها بجانبها ، يُهَنِّئونها على السلامة ..لكن بنفس الوقت وجوههم قلقة ، كأنهم يخفون أمراً مريباً ! 


وبعد إصرارها على معرفة ما حصل.. اجاب اخوها :

- جميع الطلاّب بخير يا سارة ..أصيبوا بجروحٍ بسيطة ، وتعالجوا جميعاً.. لكن المشكلة بزوج المرأة الحامل التي ماتت بالحادثة ، فهو يصرّ..

فقاطعته بقهر : لم يكن امامي حلٌ آخر ، فالشاحنة انزلقت باتجاهي بعد انفجار إطارها !

- نعلم ذلك ..والشرطة اخبرت الرجل ببطولتك الجريئة ، لكنه مُصرّ على عقابك

سارة بخوف : هل سيسُجنني ؟!

اخوها : لا ندري بعد.. هو يرفض الكلام معنا.. حتى انني اخبرته باستعدادنا لرهن منزلنا ، لدفع تعويضٍ له.. لكن ذلك آثار غضبه .. وأخبرني انه ليس بحاجة لمالنا القذر !


وقبل إكمال كلامه ، دخل مراد الغرفة دون استتئذان ! وهو ينظر لسارة بحنق :

- اخيراً استيقظتي !! قدمت فور علمي بشفائك

سارة بارتباك : سيدي ، انا..

مراد مقاطعاً بلؤم : أغلقي فمك !! لم آتى لسماع تبريراتك عن الحادثة .. 


ثم فتح باب الغرفة وهو ينادي اشخاصاً من الخارج .. وما ان دخلوا ، حتى صُدمت عائلة سارة برؤية موظفٍ حكوميّ ورجليّن !

فسأله اخو سارة بقلق : مالذي يحصل ؟!

مراد : هذا كاتب عدل وشاهديّن .. سأتزوج سارة بالحال

وجاء كلامه صادماً للجميع !


سارة بارتباك : سيدي .. انا لا اريد الزواج مطلقاً

مراد بعصبية : أصمتي !! زواجك بي ، ليس خياراً.. بل أمر واجبٌ عليك.

سارة بقلق : وفي حال رفضت ؟

مراد : ارفع قضية تعويض ، تُفلسك انت وأهلك بعد بيع جميع املاككم

فصمت الجميع برعب !


ثم وجّه كلامه للموظف الحكومي : 

- رجاءً ، قم بواجبك

فجلس الموظف بجانب سريرها ، وهو يفتح دفتره :

- آنسة سارة ..هل توافقين على الزواج من السيد مراد ؟


فنظرت للعريس بعيونٍ دامعة .. فهي لا تعرف الرجل الذي يكبرها بعشرين سنة ! والذي كان واضحاً من عيونه الحادّة ، انه سيؤذيها بعد الزواج

لكنها ايضاً شعرت بخوف اهلها على مصيرهم الماديّ .. ولهذا وافقت مُرغمة بتوقيع عقد الزواج بيدها المرتجفة ! 


وبعد خروج الموظف والشاهديّن من الغرفة .. نظر مراد الى أهلها ، وهو يقول بحزم : 

- من اليوم ستنسون ان لديكم ابنة اسمها سارة التي سأجبرها على مقاطعتكم.. فنسبكم الوضيع لا يليق بمستوايّ الإجتماعي.. وإن حاولتم البحث عنها ، سأرسل من يحرق منازلكم !!

فالتزم الجميع الصمت برعب ، امام تهديده الغاضب !

مراد : والآن اريد البقاء وحدي مع عروستي القاتلة 

ثم سمح لهم بتوديعها للمرة الأخيرة


وبعد ذهابهم ، اقترب من سريرها مُهدّداً :

- سأجعلك تتمنّين الموت الف مرة.


ثم ازال المصل بعنف عن ذراعها ، جعلت الدماء تنفر منها وهي تحاول كتم ألمها

مراد بنبرةٍ آمرة : 

- هي إلبسي بسرعة !! سآخذك لمنزلي الجبليّ.. انتظرك بالخارج ، لا تتأخري


وبصعوبة نزلت من سريرها ، وهي مازالت تشعر بدوار المخدّر.. ولبست ثيابها وهي قلقة من قتلها ببيته الجبلي ، لكنه لم يترك خياراً آخراً امامها

^^^


في الطريق .. جلست تنظر من نافذتها بشرود ، وهي تتذكّر صراخ الطلّاب قبل لحظات من الحادثة.. محاولةً تجاهل انفاس العريس الغاضبة ، وهو يقود بسرعة باتجاه المنزل الذي سيكون سجنها قريباَ

^^^


بعد ساعتين ، وصلا الى هناك.. لكن جسمها كان متعباً للغاية ، لدرجة عدم قدرتها على الخروج من السيارة

مراد صارخاً : هيا اسرعي !! هل تمشين على قشر بيض ؟

سارة بإرهاق : جسمي مازال مُخدّراً بالأدوية ، وأطرافي خاملة..


وقبل ان تكمل عذرها ، تفاجأت بحمله لها ! ليس كعريس يحمل عروسته ، بل اقرب الى ذبيحة على وشك شوائها بالنار !

^^^


وبالفعل ما ان وصل لسرير غرفتها ، حتى رماها بعنف فوقه ..وهو يقول :

- ستُسجنين بهذا البيت ، الى ان تترجّيني على قتلك


ثم خرج ، وقفل الباب عليها من الخارج.. بينما انهارت سارة بالبكاء ، بعد تأكّدها بأنها ستعيش اسوء كوابيسها في الأيام القادمة 

^^^


بعد ساعة .. دخل عليها وهو يحمل صينية الشوربة :

- اريدك ان تستعيدي صحتك سريعاً .. لأن الأسابيع ، وربما الشهور القادمة لن تكون سهلة عليك


ثم خرج من غرفتها مجدداً .. وهذه المرة نسيّ إغلاق الباب ، بعد انشغاله بمكالمة على جواله..

فشربت حسائها ، وهي تستمع لمقتطفات من حديثه مع قريبه :

((انا اعرف كيف آخذ حقي منها.. لا تقلقوا بشأني ، لن ادخل السجن بسببها.. لكني سأجعلها تندم على اليوم الذي قتلت فيه حبيبتي))


فارتاحت قليلاً ، لمعرفتها بأنه لن يقتلها ويدفنها بالجبل.. خصوصاً بعد عثورها على ملف بخزانة غرفتها ، فيه شهادات تقدير : عن كونه افضل تاجرٍ بالبلد.. وهذا يعني انه لن يدمّر سمعته المهنية ، للإنتقام منها.. 

كما وجدت صورة تجمعه بزوجته الفاتنة ، حيث كان واضحاً نظرات الحب بينهما.. ولهذا أدركت حجم الألم في قلبه.. وقرّرت الصبر لأجل عائلتها

***


وفي الأيام التالية ، بدأ عقابه لها : من خلال إجبارها على تنظيف جميع غرف منزله ، كما اعتنائها بحديقته ، وترتيب صناديق عمله المتراكمة بالعلّية ، والطبخ له بالأصناف التي يختارها ، والإهتمام بكل الشؤون المنزلية .. 

بينما هو منشغلٌ بالعمل على حاسوبه ، اثناء مراقبته عملها الذي استمرّ منذ الصباح حتى المساء كل يوم !

***


وبعد اسبوعين من العمل المتواصل .. سمع مراد طرقاً على بابه ، بوقت العصر.. فاستغرب ذلك ! فهو لم يخبر اقاربه بأيّ منزلٍ من املاكه ، حبس سارة فيه


وعندما فتح الباب .. وجد رجلاً بدى عليه إرهاق السهر ، سلّمه طفلاً صغيراً وهو يقول:

- سيدي .. انا فلان الفلاني ، جاركم بالمنزل المجاور.. زوجتي بالسيارة تلد طفلنا الثاني .. ولا ادري اين اضع ابني البكر.. وكنا لمحنا زوجتك قبل ايام وهي تعتني بالحديقة.. رجاءً اعتنيا بإبننا ، ريثما نعود 

وأعطاه حقيبة اغراض الولد ..


وقبل ان يستوعب مراد المهمّة ! أطلقت زوجة الرجل صرخةً موجعة من السيارة ، جعلته يركض نحوها .. ثم قيادة سيارته مبتعداً!


فدخل مراد منزله ، وهو ينادي على سارة التي نزلت من العلّية .. لتنصدم بحمله لطفلٍ لم يتجاوز السنة .. وضعه في حضنها ، وهو يخبرها عن جاره الذي لم يره من قبل !

سارة : حسناً سأهتم به ، لحين عودته مع زوجته ومولدهما بالسلامة

فسلّم مراد الحقيبة لها : 

- وهذه اغراض الصبي

سارة : اذاً سأحضّر حليبه في الحال .. فالصغير يبدو جائعاً


وصار مراد يراقبها من بعيد .. وهي تدنّدن للطفل الذي تحمله بذراع ، وبيدها الأخرى تُحضّر حليبه على عجل بعد انفجاره بالبكاء

- حسناً حبيبي .. الطعام قادم .. إنتظر ريثما يسخن الحليب.


ثم دخلت معه الى غرفتها .. وفوق سريرها ، وضعت الوسادة على قدميها .. وهي تهزّ الصغير الذي تُشربه الحليب .. دون علمها بمراقبة مراد لهما من شقّ الباب ، وهو يسمعها تغني للطفل بصوتٍ أموميّ حنون 


فتركهما بمفردهما ، وعاد الى الصالة بعيونٍ دامعة وهو يتذكّر زوجته التي رغم حملها بعد علاجٍ طويل ..الا انها اخبرته : برغبتها تعين مربية لإبنهما ، دون تضيع وقتها بالإهتمام به ! 

بينما سارة تهتم بإبن الجيران كأنه طفلها ، وبكل حنانٍ ومحبة .. جعلت الصبي يعتاد عليها سريعاً ، رافضاً ترك حضنها طوال اليوم! 

***


وفي اليوم التالي .. اخذ مراد يراقبها وهي تحاول تعليم الطفل المشي بالحديقه ، وهي تشجّعه بلطفٍ ومثابرة :

- هيا يا صغيري .. عمرك قرابة سنة .. عليك تعلّم المشي ، لكيّ تُسهّل عمل والديك مع قدوم اخيك الصغير .. هيا يا بطل !! بضعة خطواتٍ اخرى


فلم يجد مراد نفسه الا وهو يقف بالجهة المقابلة للصغير .. وهو يفتح ذراعيه ، لتشجيعه على المشي.. 


وبعد مرور وقتٍ بالمحاولة ، ترك الصغير حضن سارة ..متوجهاً بتردّد نحو مراد الذي حضنه بفخر ، وهو يقبله بسعادة بعد خطواته الأولى.. بينما سارة تخفي فرحتها ، لرؤية الجانب الرحيم من مراد لأول مرة !


وبعد قليل.. اضّطرت لتحميم الصغير بعد توسيخ نفسه.. وعندما دخل مراد غرفتها ، سمعها تغني للطفل بالحمام .. قبل ان تناديه ، دون وعيٍ منها :

- مراد !! اعطني المنشفة الكبيرة

وكانت المرة الأولى التي تناديه بإسمه ، دون لقب سيد !


وعندما دخل الحمام.. وجدها بفستانها المبلول ، داخل حوض الإستحمام مع الصغير.. ورغم التصاق الفستان بجسمها الا انها لم تخجل منه ، فهو بالنهاية زوجها التي طلبت منه لفّ الصغير بالمنشفة ، وإلباسه ثيابه التي تركتها على سريرها .. بينما تكمل استحمامها على عجل..


فصار يُلبس الصغير ، وهو يتمّتم بصوتٍ مقهور : 

- كان المفترض ان اكون الآن أباً لطفلٍ جميل .. لكن القدر اخذ جنين زوجتي السابقة ، وأبدلني بك وبسارة.


وبعدها خرجت سارة وهي تلبس روب المنشفة .. واقتربت من مراد برائحتها الجميلة وشعرها المبلول ، وهي تربت على كتفه :

- بابا مراد.. الصغير يلبس قميصه بالمقلوب .. أعدّ الباسه له ، لحين اختيار ملابسي

وفتحت الدرج وهي تسأله :

- لم احضر الكثير من الغيارات معي.. فهل تسمح باستعارتي لملابس المرحومة؟

فأومأ برأسه ايجاباً ، وهو مازال منشغلاً بالصغير


فاختارت فستاناً ، وعادت للحمام .. ثم خرجت وهي تلبسه ..

وما ان رآها ، حتى قال بضيق :  

- الم تجدي غير فستانها الأحمر ؟

سارة باستغراب : وهل هناك مشكلة ؟!

- كنت اعشقها به

- حسناً سأغيّره بالحال

لكن بكاء الصغير المفاجئ ، جعلها تسارع بحمله وهي تقول : 

- لابد انه جائع.. سأطعمه اولاً .. ثم أغيّر الفستان 

مراد : لا داعي لذلك.. فقط اهتمي بالصغير


ثم اخذ جواله للإتصال بالمشفى المتواجد بالجبل ، على امل ان يكون جاره هناك..

وبعد ان اعطى مراد اسم جاره لموظف الإستقبال ، اوصله هاتفياً بغرفته..


فاعتذر الجار عن تأخره يومين.. طالباً المزيد من الوقت ، لعلاج مشكلةً صحية بمولوده الجديد ..فوافق مراد ، مرغماً على ذلك.. 


ثم ذهب للمطبخ ، لإخبار سارة بالأمر ..فأجابت :

- كان الله في عونهما.. 

ثم قبّلت الصغير الذي يشرب حليبه :

- اساساً تعوّدت على وجوده معنا

***


لكن في اليوم التالي ، ارتفعت حرارة الصغير.. فأحضر مراد الطبيب له ، والذي كتب لهم بعض الأدوية .. وطلب منهما التناوب على الإهتمام به ، لحين انخفاض حرارته ..

فأعطى مراد جواله الآخر لسارة (الذي احتفظ به بدرج مكتبه)..

- هذا سيكون رقمك الجديد ، لا تتصلي بأحد من معارفك القدامى .. سأذهب للصيدلية لإحضار ادوية الصغير .. وان احتجتما لشيءٍ آخر ، اتصلي بي فوراً 

^^^


وبعد عودته .. اضّطر مراد للبقاء بغرفة سارة ، لوضع الضمّادات الباردة على جبين الصغير.. ومن شدة تعب مراد ، نام بجانب سارة التي غفت وهي تحتضن الطفل المريض  

***


وفي الصباح التالي ، استيقظ الطفل نشطاً وهو يلامس وجههما .. فاستيقظ مراد وسارة منصدميّن من نومهما معاً ، بعد ثلاثة اسابيع على زواجهما ! 

ورغم انه شعورٌ جديد بالنسبة لسارة ، الا انها أحسّت بالطمأنينة بجانب مراد الذي لم يغادر السرير ، بل ظلّ يلاعب الصغير ويدغده .. بينما الطفل يضحك بسعادة ، بعد تعوّده على والديه الجديدين !


وهنا ادركت سارة ان عصبية مراد وغضبه منها بالفترة الماضية ، هي بسبب قهره على فقدان حبيبته وطفله الذي انتظر قدومه طويلاً .. ولذلك لم تعد خائفة منه ، بل تفهّمت جرحه جيداً 

^^^


ظهراً.. جلسا مع الطفل على طاولة الطعام ، وهما يتناوبان بإطعامه.. الى ان سمعا طرقاً على بابهما.. ليجدا الجار قدم مع زوجته التي تحمل طفلهما الثاني بالسيارة

- اعتذر عن الأيام التي قضاها ابني معكما.. لكن اليوم حتى سمحوا لنا بإخراج المولود من الحضّانة  

مراد : ان اردت ، يمكن لإبنك البقاء معنا فترةً اطول

الجار : لا داعي لذلك .. فحماتي قادمة بعد قليل ، لمساعدة ابنتها بالصغيريّن


ثم اخذ طفله الذي كان متعلّقاً برقبة سارة ، الا ان والده سحبه من حضنها ..وهو يقول له : 

- لا تبكي حبيبي .. فأمك بالسيارة .. الا تريد رؤية اخيك الصغير ؟


ثم شاهد مراد وسارة ، العائلة تذهب نحو منزلها المجاور .. وعادا للداخل وهما يشعران بفراغٍ كبير ، بعد ذهاب الصغير الذي قرّب المسافة بينهما


حيث حاول مراد إظهار تماسكه ، بتمثيل انشغاله بجواله.. 

بينما مسحت سارة دموعها وهي ترتّب المنزل من آثار الصغير الذي تعلّقت به كثيراً بالأيام الماضية

***


وفي المساء .. استيقظ مراد لشرب الماء ، ليجد سارة تبكي بالمطبخ وهي تحمل قبعة الصغير الذي تركها بسريرها 

مراد : يبدو انك تعلّقتي به !

سارة : جداً .. فأنا لطالما تمنّيت الأمومة

فردّ بقهر : وانا ايضاً رغبت الإحساس بالأبوّة ، الذي حرمتني انتِ منه

فتفاجأ بها تمسك يده بحنان :

- صدّقني لم يكن امامي حلٌ آخر .. فإمّا ان يموت 20 ولداً ، او اصطدم بسيارة زوجتك.. رجاءً سامحني.

فجلس امامها حزيناً :

- كانت حب حياتي.. لكن من خلال الأسابيع التي راقبتك فيها ، فهمت عيوب المرحومة

- ماذا تقصد ؟


مراد : الطبقة المخمليّة التي اعيشها ، تُجبرني على نوعٍ محدد من النساء.. وهن بالعادة انانيات ، يحببن قضاء وقتهن بالنادي وصالونات التجميل والتسوّق.. وعادةً لا يتحملن مسؤولية منزلٍ ومطبخٍ واولاد.. بل يتكلون على الطبّاخين والخدم والمربّيين.. وكان الأمر عادياً بالنسبة لي ..الى ان تذوّقت طعامك الشهي .. ورأيت ذوقك بترتيب المنزل وحدك ، دون خدمٍ بيننا.. كما عنايتك بالصغير وحنانك عليه .. وتمنّيت للحظة ، لوّ كنتِ فعلاً ام اولادي

سارة : انا اساساً زوجتك شرعاً .. هل نسيت ؟

فنظر اليها بدهشة :

- ألست غاضبة مني ، لزواجي بك بنيّة الإنتقام ؟!

- كان جرحك كبيراً ... فبيومٍ واحد ، خسرت زوجتك وطفلك الذي انتظرته طويلاً ... لهذا أتفهّم ألمك وصدمتك.. لكني لست شريرة ، ولم أتعمّد ايذاء احد.. بل تمنّيت كثيراً لوّ بقيت زوجتك حية ، وتوفيّت انا بالحادث 

مراد : لا تقولي هذا.. فأنت امرأة حنونة ، وسيدة منزلٍ رائعة.. هل تقبلين ان نفتح صفحة جديدة بحياتنا معاً ؟


سارة : إخبرني اولاً .. ماهي اللحظة التي جعلتك تقرّر ذلك ؟

فأجاب بتردّد : رؤيتك بحوض الإستحمام مع الطفل .. أغاظني جداً وجوده معكِ ! 

فسألته بابتسامة : هل غرت منه ؟!

- بصراحة نعم .. 

سارة : وانا أعجبني جانبك الرحيم الذي نجحت بتخبأته طويلاً ، الى ان فضحه الصغير المشاغب 

- أتدرين يا سارة .. الله ارسله الينا ، لتقريب المسافة بيننا

سارة : ما رأيك ان يكون لدينا طفلاً نرعاه ، كما اهتممنا بإبن الجيران ؟

مراد : موافق طبعاً !!

وحملها بحماس لغرفتهما ، ليبدأ شهر عسلهما الحقيقي ..

***


بعد اسبوع .. زار مراد وسارة عائلة الجار ، بعد شرائهما الهدايا للصغيريّن .. 

ثم ودّعتهم سارة قبل انتقالها الى قصر مراد في المدينة ، لبدء حياتهما الزوجية بعلاقةٍ صحية خالية من الخوف والرغبة بالإنتقام 

*** 


بعد عام ، وفور انجاب سارة لطفلها الأول .. سمح مراد بإعادة تواصلها مع عائلتها .. ليس هذا فحسب ! بل نقلهم الى منطقةٍ افضل ، بعد شراء منزلٍ كبيرٍ لهم.. كما ساهم بتوظيف بعض افراد اسرتها ، بمعمله الغذائيّ .. فهم بالنهاية اقارب ابنه الذي ملأ حياته سعادةً وفرحاً ، بعد ان اعطته سارة فرصةً أخرى للحياة !


الجمعة، 26 يونيو 2026

التلفاز الملون

تأليف : امل شانوحة 

العالم الرمادي


كان مخترعاً الكترونياً بارعاً ، لديه هوس السفر عبر الزمن.. ولكيّ لا يسخر منه زملائه ، أخفى اختراعه داخل قبو منزله


وفي صباحٍ باكر .. تجرّأ اخيراً على ضغط زرّ ماكينته التي جعلتها تدور بسرعة ، قبل ظهوره المفاجئ بإحدى شوارع لندن القديمة ! حيث دلّت اشكال المارّة على عودته لزمن الأربعينات : بسياراتهم الكلاسيكية ، وقبعات الرجال العالية ، وفساتين النساء المُحتشمة الذين التفتوا جميعاً اليه بدهشة ، كأنهم اكتشفوا عدم انتمائه لعصرهم! 


بينما كان هو اكثرهم استغراباً ، لأن ذلك الزمان تواجد بالفعل دون الوان ! حيث ظهرت المحلاّت التجارية والبشر بدرجاتٍ متفاوتة بين الأبيض والرمادي والأسود.. حتى الدماء التي خرجت من ركبة الصبي الذي تعثّر امامه ، سالت باللون الأسود الداكن! 


وحين التفت نحو انعكاسه على زجاج احد المتاجر : شاهد مظهره باللون الطبيعيّ وملابسه العصرية ! حينما سمع عجوزاً تقول للآخرين :

- عيناه مخيفتان ! هل هو بشري ، ام ملاك نزل من السماء ؟!


فاستوعب المخترع : بأن الفيديوهات القديمة المصوّرة عن هذا العصر ، لم تكن بسبب كاميرات الأبيض والأسود.. بل هم فعلاً عاشوا زمنهم بهاذيّن اللونين فحسب!


وعندما حاول شرح الألوان لهم ، لم يفهموا ما يعنيه .. حتى صغارهم لم يستطيعوا تخيّل عالمه المثاليّ الملوّن !

فظن أنهم فقدوا القدرة على تمييز الطيف اللونيّ عبر العصور..


حينها خطرت في باله فكرةً جنونية : 

((ماذا لوّ استطاع صنع جهاز يعيد تنشيط الجزء المسؤول عن رؤية الألوان داخل ادمغتهم ؟))

***


وفي الأيام التالية .. انشغل في منزله المستأجر ، لصنع اول تلفاز ملوّن يبثّ موجات لتفعيل ميزة الألوان في عقولهم 


وبالفعل تجمّعت الناس حول اختراعه الجديد ، وهم منصدمون من رؤية صورٍ ملوّنة : للسماء والمنتجات الزراعية والفساتين التي عرضها على شاشته ، مع كتابة اسماء الألوان اسفل منها على الشاشة.. والتي شاهدها الكبار والصغار وهم منذهلون من جمالها ، كأنهم اكتشفوا عالماً آخراً مخفياً عن حياتهم الكئيبة !


وكلما تعرّفوا على لونٍ جديد ، تلوّن عالمهم بذلك اللون.. وما ان انتهى الفيديو المصوّر المعروض على تلفازه الحديث ، حتى صُبغ عالمهم بجميع درجات الألوان التي شاهدوها لأول مرة في حياتهم !

***


وفي الأسابيع التالية ، عومل المخترع كبطلٍ شعبيّ.. وباتت حياته رائعة ، الى ان نبّهه احدهم : بأن الشرطة تلاحقه ، بعد مطالبة جميع المناطق المجاورة لنسخة عن تلفازه الملوّن الذي جعلهم اكثر انطلاقاً وحرّية ، بعيداً عن القيود الصارمة لحكومتهم التي أمرت بالقبض على المخترع المشاغب الذي غيّر مفاهيم الفن لدى الرسّامين والكُتّاب ، وصولاً للمناهج الدراسيّة.. حتى معدلات الإكتئاب والإنتحار انخفضت بشكلٍ غريب ، كأن البشرية في ذلك الزمن عاشت نصف حياةٍ فقط.


فلم يكن امام المخترع الا التهرّب من السجن ، عن طريق استخدام ماكينته المخبأة  التي اعادته لعالمه من جديد 

***


وفور وصوله للزمن الحاضر .. اكتشف المخترع ان احداث التاريخ تغيّرت تماماً : بعد رفض المواطنون الإنضمام للجيش ، للمشاركة بالحرب العالمية الثانية ! مُنقذين بعنادهم ملايين البشر من الموت الحتمي .. 


وكل هذا حصل بعد تحسّن نفسيّاتهم ، عقب انتشار التلفاز الملوّن الذي سبق عصر ظهوره الحقيقي بأعوام ، بعد سفر المخترع عبر الزمن .. وتمكنه من تجميل عالمهم بألوانٍ متوهّجةٍ لا نهائية ! 


الأربعاء، 24 يونيو 2026

التوأم الشرير

تأليف : امل شانوحة 

 خطيئة الطفولة 


استيقظ توأمان متطابقان داخل مستودعٍ مهجور ، وهما مقيدان على كرسيّن حديدين ..وامامهما رجلٌ مقنّع خلف زجاجٍ عازل ، يُحدّثهما بالميكروفون :

- اهلاً بكما في مسابقة الثراء السريع .. وشروط الفوز بها ، بسيطة.. فبعد قليل سأفكّ قيودكما.. وستجدان خلفكما ثلاثة اسلحة : مسدس وسكين وعصا حديدية.. يمكنكما اختيار ايّ سلاحٍ تريدانه.. وكل ما عليك فعله ، هو قتل شقيقك

فصرخ احدهما :

- هل جننت ؟!! نحن توأميّن ، يعني خُلقنا من رحمٍ واحد

المقنّع :

- هناك حقيقة كونية مخفية عن البشر : وهي أن احد التوأميّن يُخلق ملاكاً ، بينما الآخر شيطاناً.. ولهذا اخترعت هذه المسابقة ، للقضاء على النسخ الشريرة .. والآن سيدخل حارسي ومعه نظّارتيّن للواقع الإفتراضي ، ليرى كل منكما شهادة الآخر السرّية قبل اختطافكما.. وبعدها تقرّران من منكما الملاك ؟ ومن الشيطان الذي يجب التخلّص منه ؟ والناجي سيحصل على مليون دولار !!

^^^


وبالفعل وضع الحارس النظّارتين على عيون الشابين المُقيديّن ، ليريا فيديو مصوّر عن الشقيق الآخر : وهو يُدلي بموافقته على قتل اخيه الذي اتهمه بالغيرة ، وتحويل حياته لجحيم .. وانه سيتخلّص منه برحابة صدر ، مقابل حصوله على الجائزة المالية !


وما ان فُكّت القيود ، حتى سارع احدهما إلى الطاولة.. مُلتقطاً المسدس الذي أطلق منه النار على اخيه دون تردّد ! .. وفور تأكّده من موته ، انهار القاتل باكياً


ومن بعدها ، دخل المقنّع الى الغرفة لمواساته .. مُهنّئاً نجاحه بقتل توأمه الشرير ، واستحقاقه للمكافأة ! 

دون علم القاتل : بأن اعتراف اخيه مُصمّماً بالذكاء الإصطناعي ، لتزوير اعترافات ونوايا لم تحدث قط.

***


وهذه الحيلة الإلكترونية استخدمها المقنّع لقتل عشرات التوائم المُختطفين على مدار سنوات ، مُحققاً ثرّوةً طائلة من بيع بثّ مسابقاته الدموية على الإنترنت المظلم 


الى ان اتى يوم ، احضر رجاله توأميّن بعمر الخمسين..

وقبل بدء المسابقة ، قال احدهم للمقنّع خلف الزجاج :

- لحظة ! عرفتك من نبرة صوتك المميزة .. انت فلان الفلانيّ ، من ابناء حارتي القديمة الذي قتلت اخيك التوأم بعمر العاشرة

فتراجع المقنّع للوراء بصدمة ! قبل صراخه معترضاً :

- لم اقتله !! هو مات بحادث سير

الرجل : كنت متواجداً بالحيّ ، حين رأيتك تدفعه نحو الشارع بعد رفضه مشاركتك درّاجته ، فدهسته سيارةً مسرعة .. الهذا اخترعت هذه المسابقة ، لإعادة تمثيل جريمتك مراراً وتكراراً .. والإثبات لنفسك : أن أخاك كان شيطاناً يستحق الموت ، وأنك كنت الضحيّة دائماً ؟!

المقنّع : الجميع ارتاح من مشاغباته المؤذية ، حتى والدايّ

الرجل : انت تُزيّف الحقائق !! فأنا كنت صديق شقيقك الراحل الذي كان مسالماً كالملاك.. أما أنت !! فكنت مُعقّداً نفسياً ، يملأ قلبك الغلّ والحقد ..لأن والداك فضّلاه عليك ، لذكائه ولطفه


وكلامه هذا اغاظ المقنّع ، لدرجة اقتحامه المستودع وإفراغ رصاصاته في صدر الرجل الذي كشف سرّه الطفولي.. بينما انتفض التوأم الآخر رعباً ، بعد رؤية اخيه يموت أمام عينيه !


ثم رمى المقنّع حقيبة الجائزة امام الناجي ، وهو يقول : 

- اخوك الشرير قتله لسانه الطويل.. خذّ الجائزة وارحل ‍!! وان اخبرت احداً بمسابقتي ، فسأرسل رجالي لقطع لسانك ويديّك.. هيا اغرب عن وجهي !!

^^^


ثم توجه المقنّع نحو مكتب سكرتيره الذي يُدير غرف البثّ والتحكّم ، وسأله بقلق :

- هل سمع احد من حرّاسي ما قاله ذلك الأحمق ؟

السكرتير : لا سيدي ..انا فقط من يراقب كاميرا المستودع

المقنّع بارتياح : اذاً إحذف اسمي الذي نطقه ذلك المتهوّر ، ثم أعطني الشريط المُعدّل


وما ان حذف السكرتير المقطع من الفيديو ، حتى أطلق المقنّع رصاصة على مؤخرة رأسه .. ثم وقف بجانب جثة سكرتيره ، وهو يقول :

- وهاهي الحقيقة تموت مع الشاهد الأخير

^^^


ثم خرج من هناك ، وهو يُطالب حرّاسه بدفن الجثتيّن خلف المستودع المهجور..


بعدها عاد لمكتبه.. مُخرجاً صورةً قديمة ، جمعته مع اخيه التوأم قبل الحادثة بعام.. والتي جعلته يستذكر صرخة اخيه الأخيرة .. وجسده الذي انتفض لدقائق ، اسفل عجلات السيارة.. 


فانسابت دمعة على خده ، سرعان ما مسحها بعنف .. وهو يخاطب الصورة بلؤم : 

- انا لم اقتله !! بل تخلّصت من نسختي الشريرة .. لأنني خُلقت ملاكاً ، بينما هو حتماً الشيطان بيننا .. ووالدايّ وإن كانا لم يُعبّرا يوماً عن حبهما لي ، الا انهما فضّلاني عليه دائماً .. لأني ابنهما البكر ، والأحقّ بعاطفتهما وثرّوة املاكهما 


ثم حمل جواله .. مُتصلاً بمساعده ، بنبرةٍ خالية من الندم والمشاعر :

- إبحث لي في الأحياء العشوائية عن توأميّن جديدين .. اريد بدء مسابقتي التالية بأسرع وقتٍ ممكن 


ثم خرج من مكتبه .. بعد تخبئة صورة طفولته مع اخيه ، في خزنةٍ مُحكمة الإقفال .. وهو مازال مُصرّاً على  تشويه حقيقة الماضي !


الاثنين، 22 يونيو 2026

نهضة من تحت الركام

تأليف : امل شانوحة 

اليتيم البطل


كبر الشاب سليمان وهو لديه عقدةٌ مُبهمة من الظلام ، فرغم تجاوزه العشرين الا ان جسده ينتفض عند انقطاع الكهرباء المفاجئ ، لهذا اعتاد النوم مع انارة غرفته ! 

كما يرفض تدفئة جسمه باللحاف السميك مهما اشتدّ برد الشتاء ، مُعلّلاً ذلك لوالديه : بأنه يشعر كأن بلاطة اسمنتيّة فوق صدره ، تمنعه التنفّس !

ورغم اعراضه الغريبة .. الا ان والديّه اليهوديّن لم يعترضا ابداً ، بل تفهّما معاناته بصبرٍ ولطف

^^^


لكن الأمور بدأت تضح ، بعد شجاره مع والده العسكري الذي يُلحّ على التحاقه بالجيش .. مع إصرار سليمان برفضه قتل الفلسطينيين ، طالما مُلتزمي البقاء في الجانب الآخر من الجدار الفاصل.. بل ويعتبر قصفهم من وقتٍ لآخر ، هو تعدّي على حرّيتهم الشخصيّة

ومن دون انتباه ، صرخ والده باستحقار :

- أُصولك القذرة ، تجعلك تدافع عن اولئك الملاعيين !!


فسارعت الأم بسحب زوجها من الغرفة ، وهي تعتذر من ابنها الذي لم يفهم كلامه !

وبسبب غموض ردّات ابيه العنيفة بالآونة الأخيرة ، تنصّت على غرفة والديّه..

ليسمع امه تعاتب والده :

- هل جننت ؟! ستفضح كل شيء

زوجها بعصبية : الا تسمعين إعتراضه على إبادة العرب ؟! لابد ان دمه الفلسطيني يحنّ لأهله


وما ان قال والده ذلك ! حتى عادت لذاكرة سليمان مُقتطفات من ماضيه : ((وهو يصرخ بخوفٍ شديد ، تحت ركام شقته التي تحطّمت بقصف العدو ، وهو ممددّ بجانب جثة والده الحقيقيّ ..عالقاً لساعات تحت ركامٍ بارد في عتمةٍ خانقة (والتي تسبّبت بعقده النفسيّة السابقة)  

ثم تذكّر المُسعف الأجنبي وهو يقول (بلغةٍ عربيةٍ ركيكة) في سيارة الإسعاف:

- طالما قُتل جميع افراد عائلتك ، فسأنقلك لأسرةٍ جديدة.. وهناك ، لن تشعر بالخوف مطلقاً))


فتمّتم سليمان بصدمة :

- هل كنت فعلاً طفلاً فلسطينيّاً ، تم بيعي لعائلةٍ يهودية ؟ الهذا أتذكّر اناشيدهم الوطنية ، مع سهولة تعلّمي للغة العربية من الإنترنت ؟!


ثم عاد الى غرفته .. وهو يتصرّف ، كأنه لم يسمع شيئاً (حتى لا يثير شكّ والديه بالتبني) بانتظار اكتشافه الحقيقة كاملةً

***


بعد يومين ، خرج والديّه لتناول العشاء بالمطعم .. بينما اعتذر عن مرافقتهما ، لشعوره بالنعاس


وبعد ذهابهما .. أسرع لعلّية منزله ، بحثاً عن مستندات او صورٍ تذكّره بالماضي


وبعد قليل ، وجد صندوقاً مُغبرّاً بإحدى الزوايا .. بداخله ورقة بيع بيتزا بمئة الف دولار !

فتساءل بدهشة : هل اشترى والدي البخيل ، بيتزا مصنوعة من الذهب ؟!


ثم تذكّر الأخبار الأخيرة عن جزيرة أبستين : ووصفهم الأولاد المخطوفين بالبيتزا

سليمان : يا الهي ! هذا عقد بيعي .. لكن ممّن اشتروني ؟!

وكان مكتوباً اسفل العقد ، اسم المُسعف الأمريكي الذي عمل مع (UN) في غزة


وهنا استذكر شيئاً آخر :

((مبناه ذوّ الطلاء البني الداكن ، قبل قصفه .. والذي كان يعرفه من خلال النخلة الكبيرة بجانبه ..التي كلما رآها والده الحقيقي من بعيد (وهو يقود سيارته) يقول لأبنائه الثلاثة :

- تلك نخلة جدكم !!

فتردّ امه (الجدة) التي تركب بجانبه :

- زوجي اعتاد رميّ بذور التمر من الشرفة ، باتجاه الساحة الرمليّة القريبة من المبنى.. وفي يومٍ ماطر ، نمت النخلة وحدها.. فهو لم يزرعها بيده قطّ))


وهنا قال سليمان (وهو مازال بالعلّية) : 

- نعم تذكّرت !! كان لديّ اخٌ كبير ، وأختٌ صغيرة ما تزال طفلة بحضن امي.. وإسمي الحقيقي كان.. ياربي ذكّرني به.. آه نعم !! عزّام.. هذا هو اسمي !! عزّام ، وليس سليمان.. والمسعف الحقير باعني لعائلتي اليهودية ! لكن كيف سأعود الى وطني ؟!

***


وفي الأيام التالية ، بحث مطوّلاً بالإنترنت المظلم .. الى ان وجد ضابطاً اسرائلياً خائناً يعمل على إدخال وإخراج الناس من الجزء البعيد عن المراقبة ، في الجدار العازل بين الدولتيّن !

فتواصل معه ، لإدخاله سرّاً الى فلسطين .. فطلب مبلغاً من المال.. اضّطر بسببه عزّام لبيع سيارته (دون علم والديّه بالتبني) لدفع ثمن المرور ، لذلك العميل الذي ادخله من الجدار وهو ينبّهه :

- فور تعدّيك لهذا الخط ، لا يمكنك الرجوع ابداً الى اسرائيل

فاكتفى سليمان بالقول : 

- ربما يوماً ما ، أجد طريقة للعودة الى هنا 

وكتم عبارة : ((بعد عودة الأرض لأهلها ، ولوّ طال الزمن))

^^^


ثم انطلق عزّام مشياً على الأقدام مسافةً طويلة ، الى ان اوقفته دوريّة فلسطينية

الشرطي : لما تمشي وحدك بهذا الشارع ، البعيد عن المنازل والمتاجر ؟

عزّام : انا فلسطيني ، تهجّرت بعمر ٦ سنوات الى لندن (فهو لم يرد اخباره بأنه قادم من اسرائيل)


ثم اردف قائلاً :

- اذكر شيئاً واحداً عن منطقتي القديمة .. هو انني كنت بمدرسة صلاح الدين الأيوبي الإبتدائية ، التي كانت تبعد شارعاً واحداً عن بيتي القديم.. فهل يمكنك إيصالي الى هناك ؟


فوافق الشرطي الفلسطيني على توصيله الى منطقته .. والتي ما ان نزل فيها ، حتى عادت اليه الكثير من ذكرياته : كلعبه الكرة مع اخيه الأكبر بالشارع القريب من المدرسة.. والدكّانة القديمة التي كان يشتري الحلوى منها


لكنه تجمّد فور رؤيته النخلة الطويلة قرب المبنى الذي أُعيد بنائه ، مع بقاء جزءاً مدمّراً منه : وهي الشقة التي هبطت فوق عائلته !

وما ان وضع يده على النخلة والدموع في عينيه ، حتى سمع بوّاب العمارة يقول :

- انا زرعتها بنفسي !!

ليسمع امرأة عجوز (تجاوزت الثمانين) تقول ، وهي تحمل اكياس الخضار:

- بل زوجي اعتاد رميّ بذور التمر بالفسحة الرملية للمبنى ، جعلتها تنمو وحدها بيومٍ ماطر 


وما ان سمعها عزّام ، حتى ناداها بسعادة : 

- جدتي !! الحمد الله انك بخير

واحتضنها ، وسط صدمتها هي والبواب !


الجدة بدهشة : من انت ايها الشاب ؟!


فأخذها بعيداً عن حارس المبنى ، وهو يقول : 

- انا عزّام يا جدتي ، الا تتذكّرينني ؟

- عائلة ابني ماتوا جميعاً ، بعد قصف شقتهم

(وأشارت الى الجزء المُهدّم من المبنى)

عزّام : لكني لم امت يا جدتي ، بل باعني مُسعفٌ اجنبي لعائلة بالتبني

(وأخفى موضوع اليهود)

الجدة : حفيدي عزّام لديه وحمة سوداء على بطنه

فرفع قميصه على عجل .. وما ان رأت الوحمة ، حتى احتضنته باكية :

- حبيبي عزّام !! اخبرني المسعفون انهم لم يجدوا جثتك مطلقاً ! ولولاك ، لما كنت حية اليوم 

عزّام مستفسراً : لم افهم !

الجدة : في تلك الليلة .. بكيت كثيراً ، رغبةً بمصّاصٍ من الحلوى .. فرفض والدك احضارها قبل موعد نومك.. لكني غافلته ، ونزلت الى الدكّان لشرائها لك.. وقبل وصولي للعمارة ، قصف العدو الشقة .. لأن والدك كان من المناضلين الشجعان.. وبذلك أنقذتني حلواك من الموت ! وفي نفس الوقت جعلتني اعيش 14 سنة ، وانا اتمنى لوّ انني متّ معكم.. واليوم فقط عرفت حكمة ربي من بقائي حية ، للإجتماع ثانيةً بحفيدي الغالي !!


وحضنها عزّام باكياً ، وهو يعد بتعويضها عن وحدتها السابقة.. 

هامساً بأذنها : عن رغبته الإنضمام للمقاومة ، كوالده البطل  


دون علمها بسرقته للمخطّطات العسكرية (لأبيه اليهوديّ) لمعركتهم القادمة.. والتي  ينوي إفشالها تماماً ، بعد معرفته بنقاط تمركّز العدو .. والتي ستجعله لاحقاً : قائد المقاومين الذي سيرهب الأعداء لسنواتٍ طويلة!


السبت، 20 يونيو 2026

غرفة الغميضة

تأليف : امل شانوحة 

الحقيقة المخفية


اسرع المراهق (16 سنة) بالبحث عن غرفة يختبئ فيها داخل الفيلا ، بينما أخويّه التوأميّن (6 سنوات) يبحثان عنه ، لربح لعبة الغميضة 


فلم يجد نفسه الا وهو يحشر نفسه في خزانة زوجة ابيه ، بعطرها الذي يفوح من ملابسها المُتكدّسة هناك ..


والتي فجأة ! دخلت غرفتها مسرعة ، يتبعها سائق العائلة  

ومن شقٍّ صغير بين بابيّ الخزانة ، استطاع المراهق رؤية زوجة ابيه وهي تتحدّث بصوتٍ منخفضٍ ومتوتّر:

- ألم أعطك المال البارحة ؟ لما دخلت المنزل ؟! 

فردّ السائق : أتيت لأجل ولدايّ .. فأنا لا يكفيني رؤيتهما نصف ساعة صباحاً ونصف ساعة ظهراً ، أثناء توصيلهما للمدرسة

زوجة الأب بالخوف : إخفض صوتك ، فإبن زوجي بالمنزل اليوم .. ومن حسن حظنا ، انه هو ووالده لم يلاحظا التشابه الكبير بينك وبين التوأميّن ! 


فقال المراهق بنفسه بصدمة : 

((ماذا ! التوأمان ليسا شقيقايّ !))


السائق : وجود ذلك الصبيّ يُزعجني ، فهو يراقب كل شيء.. علينا التخلّص منه قريباً 

فاتسعت عينا المراهق رعباً ! 


ثم اقترح السائق خطة خطفه ، وطلب فدية من والده .. لكن عشيقته طلبت التريّث ، ريثما تجد حلاً افضل 


وبعد خروجهما من الغرفة ، بقيّ المراهق متجمّداً داخل الخزانة من هول ما سمعه ! 

وعندما خرج أخيراً ، ركض التوأمان وهما يعانقانه بفرح : 

- أمسكنا بك !! 

لكنه هذه المرة شعر بالبرود اتجاههما ! فهو لم يرى في ملامحهما ، سوى وجه السائق الخائن !


وعاد الى غرفته ، وهو يفكّر بطريقة لإخبار والده الحقيقة.. خاصة ان زوجة أبيه كانت صديقة أمه المُقرّبة التي نشرت الإشاعات الكاذبة عنها ، لجعل والده يطلّقها ظلماً للزواج بها ! 

لهذا قرّر مراقبة الخائنيّن ، لحين حصوله على دليلٍ قاطعٍ ضدّهما 

***


بنهاية الإسبوع ، طلبت زوجة أبيه الذهاب إلى المول .. فسارع المراهق باستئذان والده لزيارة امه ..

فاقترحت عليه توصيله بطريقها 


لكن ما لا تعرفه ، أن المراهق لم يدخل منزل أمه أصلاً !

ففور ابتعادها بسيارة السائق ، حتى ركب سيارة والدته (التي يملك مفتاحاً احتياطياً لها) وانطلق خلفهما.. الى ان توقفا أمام فندقٍ فاخر.


فدخل خلف زوجة ابيه والسائق بحذر .. واختبأ قرب البوفيه المفتوح ، لتصويرهما معاً .. وهما يمسكان أيدي بعضهما ، ويضحكان كعاشقيّن.


وبعد دقائق ، صعدا إلى إحدى الغرف.. فأرسل الفيديو إلى والده.

^^^


بأقل من ساعة...

اقتحم الأب الفندق غاضباً .. 

وما ان فتح السائق باب الغرفة مرتدياً روب الاستحمام ، حتى انهال عليه باللكمات.. بينما حاولت حماية عشيقها بجسدها المُبلّل.. 

وبصعوبة التقط الزوج المخدوع أنفاسه ، ناظراً إليها باحتقارٍ مُقززّ 

ثم طلّقها بالثلاث ، مع اعلان حرمانها من كافة حقوقها الماديّة 

***


وبعدها عاد إلى الفيلا مكسور الكبرياء ، ليجد ابنه المراهق في انتظاره ..

فاقترب منه بعينيه الحمراوتيّن ، مُمسكاً كتفيّه بعنف:

- متى عرفت بخيانتها ؟!!

فأخبره بكل ما سمعه ، اثناء وجوده بالخزانة ! 


فتراجع الأب للخلف ، بصدمة : 

- التوأمان... ليسا من صُلبي ! 

ابنه بحزن : يمكننا التأكّد بعد اجرائك الفحص الطبّي

ورغم رفض الأب التصديق... الا ان تحليل الحمض النووي أكّد الحقيقة المؤلمة 

***


بعد أيام ، وقف الأب أمام منزلٍ شعبيّ في حيّ الفقراء ..

لتفتح زوجته السابقة الباب ، وهي تبدو منهكة بعد خسارة ثرّوته وسمعتها .. لتفاجأ به يدفع التوأميّن نحوها ، وهو يقول ببرود:

- هذان ابنا عشيقك... لا علاقة لي بهما

وقبل نطقها بكذبةٍ جديدة ، رمى نتائج الفحص بوجهها وغادر.

***


ثم عاد الى الفيلا لأخذ ابنه ، والذهاب معه الى منزل زوجته الأولى : المرأة التي ظلمها وطلّقها ظلماً .. 

وبعد ان اخبرها بما حصل ، ترجّاها بصوتٍ مكسور : 

- رجاءً سامحيني 


فنظرت إليه بمرارة ، وهي تتذكّر سنوات القهر التي أمضتها وحدها.. لتفاجأ بإبنها المراهق يحتضنها بقوة ، وهو يترجّاها ان تسامح والده لأجله 

ورغم علمها بأن بناء الثقة من جديد ، لن يكون سهلاً .. لكن لأجل ابنها وبيتها ، قرّرت منحه فرصةً أخيرة 


بينما شكر المراهق ربه على تلك الصدفة التي جعلته يختار غرفة زوجة ابيه للعبة الغميضة ، والاّ لعاشت عائلته في كذبةٍ نجسة طوال حياتهم !


اعتراف الكوشة

تأليف : امل شانوحة  العدو الخفي فجأة ! فُتح باب صالة الأعراس بقوة .. قبل ان تسارع العجوز بإقفاله خلفها ، ثم الركض بين الطاولات بوجهها الشاحب...