الثلاثاء، 30 يونيو 2026

المتهم البريء

تأليف : امل شانوحة 

المحامي الظالم


جلس بجانب سرير ابنه المراهق وهو منهار بالبكاء ، مُتذكّراً سنوات إعتنائه به لوحده منذ وفاة زوجته.. وهاهو في المشفى مصاباً بغيبوبة ، إثر تعرّضه لحادثٍ مروريّ..

وهنا دخل شرطيٌ الغرفة ، وهو يهمس :

- لوّ سمحت ، نريد اكمال التحقيقات


فخرج الأب وهو يمسح دموعه :

- اخبرتكم انه كان بنزهةٍ كشفيّة مع مدرسته ، لهذا وجدتم سيارته مُحطّمة خارج الغابة

الشرطي : مديره نفى وجود تلك الرحلة ضمن أنشطتهم المدرسيّة .. كما راجعنا الكاميرا الخارجية للمدرسة التي أظهرت خروج ابنك باكراً مع زميلٍ له يُدعى نديم ، الذي مازال مفقوداً حتى الآن.. وطالما جوال ابنك تحطّم بالحادث ، نريد الحصول على حاسوبه ، لربما نعثر على الطالب المفقود

^^^


وبالفعل سلّمهم حاسوب ابنه الذي لم يجدوا فيه سوى ابحاثه الدراسيّة.. لكن الوالد اخفى على الشرطة بأنه حاسوبٌ جديد ، اشتراه له قبل شهر


ولذلك عاد الى المنزل ، للبحث عن حاسوب ابنه القديم الذي وجده في الخزانة.. وحين فتح احدى ملفاته : اكتشف عشرات الصفحات المنسوخة عن اخبار جرائم قتلٍ ارتكبها مراهقون .. مع مقاطع فيديوهات تعذيبية .. ومواقع دموية من الدارك ويب.. مع طلب شراءٍ قديم ، لسكاكين صيد وأدوات تقطيع وأصفاد معدنية ! 


فجلس الأب مذهولاً من تصرّفات ابنه الذي يكاد لا يعرفه ! 

مما اجبره على البحث بأدراجه ، ليجد مذكّراته الشخصية الذي تحدّث فيها : عن معاناته لشهورٍ طويلة من تنمّر زميله نديم (الطالب المفقود الذي شوهد معه بالسيارة صبيحة الحادثة) والأسوء ذكره لجملةٍ مرعبة : 

((أتمنى أن يختفي نديم من حياتي للأبد))

^^^


في البداية لم يصدّق الأب تورّط ابنه بسلوكٍ إجراميّ .. لكن بعد ان اخبره المحقّق عن عثورهم لدماءٍ بشريّة بالغابة ، وسكين عليها بصمات ابنه .. وانه سيتم التحقيق معه كمشتبهٍ فيه ، فور استيقاظه من الغيبوبة ! 

حينها انهار الأب ، وهو يتساءل برعب : إن كان ابنه استدرج نديم لرحلة الغابة ، ثم قتله ودفنه هناك قبل تعرّضه للحادث ؟ 


وتخيّل الأب سخرية زملائه بالسلك القضائيّ ، والمجرمين الذين زجّ بهم في السجن سابقاً .. فهو محامي اشتهر طوال عشرين عاماً ، بدفاعه عن الفقراء والمظلومين.. محارباً أصحاب النفوذ بشجاعةٍ وبراعةٍ ، ارعبت خصومه .. ومطارداً الثغرات القانونية لإنقاذ الأبرياء ، مهما كلّف الأمر .. لكن كل انجازاته المهنية السابقة ستُلغى قريباً ، وتُستبدل بلقب : والد القاتل!

^^^


لهذا عاد الى المستشفى وهو يشعر بالخذلان من ابنه ، الذي وقف بجانب سريره وهو يحدّثه بقهر:

- سامحني بنيّ .. لكن استيقاظك ، سيدمّر مسيرتي المهنية 


ثم ازال قياس نبضات القلب عن اصبع ابنه ، ووضعه بإصبعه (كيّ لا ينطلق جرس الإنذار) ثم حمل الوسادة التي ضغط بها بقوة على وجه ابنه ، وهو يكتم دموعه ..الى ان تأكّد من موته ! 

ثم اعاد الجهاز الى اصبع الجثة.. ليسارع الطبيب بدخول الغرفة ، لإنعاش المراهق دون جدوى !

***


بعد انتهاء الدفن ، وخروج المعزّون من المقبرة.. وخلال وقوف الأب صامتاً امام قبر ابنه ، وصله اتصال على جواله من شخصٍ يافعٍ يقول : 

- هل تعلم انك قتلت الشخص الخطأ ؟ فإبنك كان ضحيّة المتنمّر نديم الذي أجبره على قيادة سيارته نحو الغابة ، تحت تهديد السلاح الذي اشتراه من دارك ويب.. فذلك الحاسوب في غرفة ابنك ، الذي راقبناك من خلال كاميرته : هو ملكٌ لنديم الذي أجبره على شرائه رغم قدمه ، مقابل أخذ مصروفه اليوميّ .. فنديم ينتمي لمجموعةٍ إجراميةٍ سرّية من المراهقين.. وفي ذلك النهار ، خرجت الأمور عن السيطرة .. فدافع ابنك عن نفسه ، بطعن نديم بالسكين الذي تمكّن من سحبه من يد نديم الذي رغب بتجربة اسلحة التعذيب على جسده .. ثم هرب بشجاعة من الغابة .. فلحقناه بسياراتنا ، خوفاً من ان يفضحنا.. الى ان فقد السيطرة على سيارته التي اصطدمت بالشجرة.. فعدنا لدفن قائدنا نديم بوسط الغابة ، ثم هربنا قبل وصول الإسعاف للمكان .. (ثم تنهدّ المراهق) .. وقد وكّلني زملائي بمراقبة المستشفى لأيام ، الى ان وجدتك تخرج متماسكاً من غرفة ابنك بعد وفاته ! فرشوّت عاملاً هناك ، للسماح لي برؤية تسجيل الكاميرا .. وصُدمت بجريمتك ! أتدري لماذا ؟ لأن إبنك البطل ، نجا من افراد عصابتنا.. ومن مكر نديم ..ومن موته بالحادث.. لكنه لم ينجو من والده الأنانيّ الذي فضّل سمعة عمله على منح ابنه محاكمةً عادلة ! أتمنى لك حياةً طويلة مع تأنيب الضمير الذي سينهش قلبك ليل نهار 


ثم أنهى المكالمة .. تاركاً الأب يستذكر فوزه بجميع القضايا الإنسانية ، ماعدا قضية ابنه البريء .. 

فانهار فوق تربة قبر ابنه الرطبة ، وصرخات ندمه تُمزّق صمت المقبرة ! 


هناك 6 تعليقات:

  1. الردود
    1. حاولت مناقشة تنمّر المدارس بطريقةٍ مغايرة .. تحياتي لك

      حذف
  2. القصة مؤلمة ورائعة أيضاً
    سلمت أناملك أستاذة أمل

    ردحذف
  3. ابدعتِ في اختياركِ لمناقشة موضوع التنمر بطريقة مختلفة.

    احياناً الاعداء لا يكونون الغرباء بل الُمقريبن منا .

    ردحذف
    الردود
    1. نعم العدو القريب اصعب بكثير من العدو الغريب !

      حذف

اعتراف الكوشة

تأليف : امل شانوحة  العدو الخفي فجأة ! فُتح باب صالة الأعراس بقوة .. قبل ان تسارع العجوز بإقفاله خلفها ، ثم الركض بين الطاولات بوجهها الشاحب...