الاثنين، 16 فبراير 2026

جنة أنتاركتيكا

تأليف : امل شانوحة 

لغز الحدود الجليديّة


التقطت كاميرات المراقبة (الموجودة على حدود القطب الجنوبي) قارباً صغيراً يقترب من جبالها الجليديّة الشاهقة التي لم يجرؤ احد على اكتشافها بعد ! 


وخلال ساعة .. تواجد المغامر مُكبّل اليدين في مقرٍّ عسكريّ ، للتحقيق معه .. حيث سأله الضابط في غرفةٍ منعزلة : 

- ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ 

فأجابه المغامر بثقة : كنت عائداً الى وطني 

الضابط بلؤم : وهل وطنك خلف نهاية العالم ؟

المغامر ساخراً : ومن الأحمق الذي أخبركم ، أن جبالنا هي نهاية العالم ؟

الضابط بعصبية : أجبّ اسئلتي دون فلسفةٍ زائدة !! 

- اذاً دعني أُخبرك الحقيقة كما هي .. (وعدّل جلسته) .. أتدري انني أمضيتُ عاميّن باكتشاف مدنكم وقراكم .. ولا ادري حقاً كيف تتحمّلون العيش في هذا الجحيم ! 

الضابط : تتحّدث وكأنك قادمٌ من النعيم.

فردّ بابتسامة : هذا صحيح .. ففي عالمي الموجود خلف جبال أنتاركتيكا ، يعيش الفرد فيها ما يقارب مئتيّ عام.. فلا أمراض معديّة او أوبئة خطيرة ، وكأن الجراثيم والفيروسات لا تعيش في طقسنا الدافئ على مدار السنة ! 

الضابط باستنكار : أتريد إقناعي ان الطقس خلف الجبال الجليديّة ليس قارصاً ، كما نعاني هنا لأشهر طويلة ؟ 

المغامر بحزم : دعني أُكمل وصف عالمي ، ثم أحكم بنفسك !! 


فسكت الضابط ممتعضاً ، بينما تابع المغامر كلامه بفخر : 

- في عالمي .. لكل رجلٍ ، زوجةً واحدة .. يختارها عن يقينٍ واقتناع ، لأنها توأم روحه.. فيعيشان معاً في وئامٍ وسلام ، دون خيانةٍ او مللّ .. فنسائنا لا تعرف العنوسة والطلاق ، حيث تنعدم لدينا الخصومات الزوجيّة.. كما تُرزق كل عائلة بولدٍ وبنت.. فنحن لا نعاني من العقم او فيض الذريّة.. ليس هذا فحسب ، بل لا نعرف شيئاً عن الحشرات والحيوانات المفترسة .. فنحن لدينا فقط : الأغنام والأبقار والطيور المسالمة والأحصنة والأسماك اللذيذة .. عدا ان حياتنا خالية من الحسد والسحر والشعوذة ، كأن الشياطين لم تكتشف عالمنا المسالم ! ولأننا جميعاً عمّال ومزارعين دون وجود اثرياء بيننا ، فكلاً منا راضي برزقه وقدره .. لهذا تنعدم عندنا السرقات والقتل ، والجرائم عموماً

فقال الضابط ساخراً : إن كان كلامك صحيحاً ، فلما تركت جنتك وأتيت الينا ؟

المغامر : لأن شبابنا شعروا بالمللّ ، وأرادوا اكتشاف ما وراء الجبال.. فنصحتهم بتركي إكتشاف عالمكم اولاً .. واليوم قرّرت العودة لتحذيرهم برفع علوّ الجبال الحدوديّة ، وتعزيز التيّارات المائية ، كيّ لا تصلوا إلينا.. لأنكم إن عرفتم بجنتنا ، ستغزونها وتلوّثون نقاءها ، كما فعلتم بعالمكم.

الضابط مهدّداً : انت لم ترى جحيمنا بعد !! وإن لم تعترف بالحقيقة ، فسأرسلك للسجن أو مستشفى المجانين.

المغامر بضيق : لقد اكتفيت من غبائكم وغطرستكم.


وأخرج من جيبه قلماً معدنياً ، ضغط زرّه العلويّ .. مُجمّداً الضابط في مكانه ، قبل خروجه من غرفة التحقيق .. ثم هربه من المقرّ العسكري ، بعد تجميده جميع الحرس المتواجدين هناك !

***


استفاق المحقّق مع حرسه بعد ساعة ، ليسارعوا بمراجعة تسجيلات المراقبة.. ويروا المغامر يُبحر من جديد نحو الجبال ! مُخرجاً ذات القلم الذي خرج منه شعاع ليزر .. شقّ الجبل ، فاتحاً به نفقاً طويلاً .. ليختفي مع قاربه داخله ، بعد اغلاق بوّابته الخفيّة من جديد !  

***


منذ ذلك اليوم ، حاولت الحكومات إختراق جبال أنتاركتيكا بلا جدوى بعد ازدياد ارتفاعها ، واشتداد تيّاراتها المحيطة بها .. وكأن المغامر حذّر شعبه فعلاً من سكّان الأرض عديمي الأخلاق والإنسانيّة ! 

***


وفي اجتماعٍ مُغلق لعلماء الطبيعة .. 

قال أحدهم : إن كانت هناك جنة خلف جبال القطب الجنوبيّ ، فهل يُعقل وجود جهنم خلف جبال القطب الشماليّ يكون اسوأ من عالمنا ، مليء بالأشرار والقتلة والمجانين ، والأوبئة والوحوش البرّية .. بحيث نبدو جنة مقارنةً بهم ؟! 

فساد الصمت بين العلماء ! 

ثم سأل أحدهم : 

- ماذا لوّ أرسلوا هم أيضاً مغامراً لاستكشاف عالمنا؟

فردّ الآخر بوجهٍ شاحب: 

- حينها سيغزوننا ، ويفنوننا جميعاً ! 

فسأل الآخر : أتظنون أن أولئك هم يأجوج ومأجوج المذكورين بالكتب السماوية ؟

فتبادلوا نظرات الرعب بينهم ! 

بينما تنهّد كبير العلماء ، قائلاً : 

- لنترك ذلك للمستقبل .. ولنحاول عيش كل يومٍ بيومه ، قبل أن تُفتح علينا ابواب الجحيم من كل حدبٍ وصوب ! 


وأنهوا اجتماعهم وهم يتمنّون : ان لا يعيشوا في ذلك الزمن ابدا !


هناك 11 تعليقًا:

  1. هذه من القصص الفخورة بها ، لاني اظن فكرتها جديدة .. اتمنى ان تعجبكم
    هذه القصة رقم (936) .. بقيت 64 للوصول لألف قصة .. اتمنى الوصول لهدفي قبل نهاية هذا العام بإذن الله

    اراكم ان شاء الله بعد رمضان .. وكل عام وانتم بخير

    ردحذف
  2. اعتقد ان هذه الجنه موجوده في عالمنا وهي التي اكتشفها الحكماء منذ الاف السنين ومكانها هو اي بقعه تخلو تماما من البشر ذاك الكائن الغبي الجاهل المليء بكل الشرور وفي العزلة النجاه والسلامه
    نراك على خير

    ردحذف
    الردود
    1. صحيح ، فضول البشر أفسد كل شيء .. كل عام وانت بخير

      حذف
  3. القصة رائعة وفكرتها
    المغزى منها أن الكائن الحي العاقل لابد أن يرضى بالعالم الذي وجد فيه ولا يتطلع لعالم آخر قد لا يناسبه وقد يكون جحيماً له في الحقيقة وأن يعيش حاضره ولا ينظر إلى المستقبل البعيد المجهول الذي لا يعلمه إلا الله

    ردحذف
    الردود
    1. بعض الأشياء الأفضل تركها بالغيبيّات ، فالله لديه اسبابه لحجب بعض المعلومات الكونيّة عن عامّة البشر .. فكما يُقال : لله في خلقه شؤون .. سبحان الخالق

      حذف
  4. حائكة الأحلام
    كيفك اختي أمل عسى اخبارك زينة لك والله اشتقتلك كيفك وكيف القصص عسى يا رب وصلتي لحلمك الكبير رمضان مبارك تلك وللأسرة الكريمة وكل زوار المدونة يا رب

    ردحذف
    الردود
    1. بقيت 64 قصة للوصول لأف قصة .. اتمنى ان اتم المهمة قبل نهاية العام ان شاء الله

      حذف
  5. مرحبا انسه امل لقد اشتقنا لك
    كيف رمضان وكيف الاهل وكيف العزايم هههههه
    شو افطرتوا اليوم؟ اكيد السمبوسه والقطايف والفتوش والشوربه هاد يوميا بالسفره متلنا ههههههه ؟ شو رايك تعملي النا قصه عن رمضان 🌙 كوننا برمضان
    شو بده يصبرنا لبعد رمضان 🫢

    ردحذف
    الردود
    1. منشغلة جدا برمضان .. واكيد كل القرّاء منشغلين ايضاً .. لهذا لا اكتب برمضان .. يعني ، اريح عقلي قليلاً .. مع اني اشتقت للكتابة ، لكن عقلي حالياً خالي من الأفكار .. تحياتي للجميع

      حذف
  6. .هل هناك قصف ببيروت عندكم ?طمأنينا عليكم ربنا يسلم

    ردحذف
    الردود
    1. يُسمع القصف عنا بوضوح.. لكن منطقتنا ليست مُستهدفة من العدو ، ولله الحمد

      حذف

الروح البديلة

تأليف : امل شانوحة  صفقة اللاعودة في تلك الليلة الباردة.. مشت شيماء متردّدة بين الحواري الضيقة ، وهي تمسك يد صديقتها التي تقودها نحو بيتٍ مت...