*تأليف : امل شانوحة*
الوحدة القاتلة
((أضعت طريقي! كيف سأَنزل من هذا الجبل؟ ... تأخّر الوقت كثيرًا! عليّ العودة قبل حلول المساء.. خسرت الكأس بخطتي الغبيّة!))
عبارات ردّدها بيأسٍ، مُشتركٌ في سباق دراجاتٍ للمسافات الطويلة، بعد قراره الخاطئ بسلك طريقٍ مختصر للوصول إلى خط النهاية في البلدة المجاورة.
وكلما تقدّم خطوة للأمام، زادت وعورة الطريق بحجارته الصغيرة التي قد تُسبّب الانزلاق نحو وادٍ سحيق.. لهذا قاد درّاجته بحرص، محاولًا إيجاد مكانٍ مناسب للهبوط من سفح الجبل الشاهق.
بهذه اللحظات العصيبة، سمع نباحًا من بعيد، فاستبشر خيرًا.. وسار قدُمًا باتجاه الصوت، إلى أن وجد كوخًا قديمًا بُني داخل كهفٍ صغير!
وحين وصل إلى بوّابته الخشبية، شاهد عجوزًا تُطعم الدجاج، برفقة كلبها الصغير.
فسألها باستغراب:يا خالة! كيف تعيشين وحدك بهذا المكان الموحش؟
ويبدو أنّه فاجأها بوجوده، بعد ارتباكها بإدخال الطيور للقُنّ الصغير، وحملها كلبها إلى داخل منزلها، الذي أقفلت بابه بإحكام، دون الالتفات نحوه أو الحديث معه.
فأكمل سيره متأمّلًا أن يكون بجانب منزلها طريقٌ سالك يوصله إلى المدينة، لأن عودته من حيث أتى تستغرق وقتًا طويلًا، خصوصًا بعد أن أوشكت الشمس على الغروب.
وتابع قيادة دراجته عدّة أمتار، قبل تمزّق إطارها الأمامي! وبالكاد تمكّن من تفادي سقوطه فوق الأحجار المُدبّبة الحادّة.
ولم يعد أمامه سوى العودة لكوخ العجوز، لعلّها تُشفق عليه وتدعوه يبيت عندها، لإكمال طريقه في الصباح.
وسار نحوها وهو يحمل درّاجته المُحطّمة، مُتتبّعًا النور الخافت من بعيد، بعد أن ساد الظلام أرجاء المكان.
وحين سمع عواء قطيع الذئاب في الطرف الآخر من الجبل، أسرع راكضًا باتجاه الكوخ، وطرق بابه بفزعٍ شديد:
- سيدتي!! افتحي الباب، الذئاب تقترب مني.. أنقذيني، أرجوك!!
ففتحت له بوجهٍ عابس، وهي تقول:
- أترك درّاجتك بالخارج وادخل بهدوء، فكلبي نائم.
ففعل ما أمرته به، بعد خلع حذائه عند الباب.
ليتفاجأ بجمال بيتها، فهو مبنيّ حرفيًا داخل الكهف! حيث الجهة الخارجية للكوخ هي الوحيدة المصنوعة من الخشب، أما الصالة وغرفة النوم والمطبخ، فجميعها نُحتت في الجبل.
فسألها باستغراب:
- من صنع كوخك الرائع؟
فأجابت وهي تُكمل طبختها فوق الجمر:
- هو مبني منذ الأزل.
- لم أفهم!
العجوز:هو مكانٌ أثريّ، استخدمه الصيادون للاستراحة.
- وهل هم من نحتوا السرير وخزائن الحائط ومقاعد الجلوس بهذه البراعة؟
- نعم، استطاعوا تحويل الكهف لمفروشاتٍ صخريّة، وحفروا حجرةً داخلية للنوم، دون أبوابٍ تفصلها عن الصالة، كما تلاحظ.
الشاب:وكيف وجدته؟
- اكتشفته بصغري خلال نزهةٍ عائلية، كأن القدر أرشدني إليه، لاستخدامه بعد أن طردني زوجي من منزله في تلك الأمسية الباردة.
- ولماذا فعل ذلك؟!
العجوز بحزن:أراد الزواج بأخرى.. وحين اعترضت، طلّقني ورماني خارجًا.. فمشيت تائهة لساعاتٍ عدّة، حتى تذكّرت الكوخ.. ومن يومها وأنا أسكن فيه. وقبل أن تسألني، سأجيبك.. لم أعد لمنزل عائلتي لأني هربت معه، بعد أن رفضوا زواجي بغريب عن قريتنا.. وليتني لم أعترض.
فالتزم الصمت بعد تأثره بقصتها، إلى أن سألته:
- الطعام جاهز، هل أنت جائع؟
فأومأ برأسه إيجابًا، فسكبت له بعض الحساء الساخن الذي شربه على عجل.
العجوز:تمهّل!! ستحرق لسانك.
- أنا جائعٌ حقًا.
- يبدو من ملابسك أنّك متسابق درّاجات.
- نعم، لكني ضللت الطريق.
العجوز:وهل ستعود للمسابقة غدًا؟
- للأسف تحطّمت درّاجتي، وبجميع الأحوال خسرت المسابقة.
- لكن عليك المغادرة صباحًا، فأنا لا أريد أحدًا من أقاربك أن يصل إلى بيتي.
الشاب:لا تقلقي، لم أخبر عائلتي بالمسابقة.. كنت أخطط لمفاجأتهم بالكأس.
- جيد أنك فعلت، هكذا لن يشمّتوا بخسارتك.. علينا دائمًا قضاء حوائجنا بالكتمان.
الشاب:معك حق.. المهم، لم تكملي قصتك.. كيف تدبّرت أمورك هنا؟ وكيف اشتريتِ الدواجن و...
فقاطعته قائلة:
- سرقتهم.
- أحقًا!
- من مزرعة رجلٍ ثريّ، يملك زريبة كبيرة في الوادي القريب من هنا.. وعلى مدى أسابيع، نجحت بسرقة 4 دجاجات وديك، وخروف ونعجة.
الشاب:ماذا عن الكلب؟
- وجدته تائهًا في الطريق، فاعتنيت به.. ومن يومها لا يفارقني.
- ماذا عن مستلزماتك الأخرى؟
العجوز:ما يزيد عندي من بيضٍ وحليب أبيعُه في سوق القرية، لشراء ما ينقصني من أغراض.. فما تراه حولك، هو حصيلة عملٍ ومجهودٍ لأربعين سنة.
- أبقيتِ وحدك كل هذه المدة؟!
- للأسف!
الشاب:ألم تفكّري يومًا بالاعتذار من أهلك والعودة لحياتك القديمة؟
- ماتوا جميعًا.. حضرتُ جنائزهم من بعيد، دون أن يلاحظني أهل قريتي.
- قصتك حزينة بالفعل.. ماذا عن طليقك، ماذا حصل له؟
العجوز بغيظ: يبدو أن اللعين انتقل مع عروسته إلى مكانٍ آخر، لأني وجدت بيتنا القديم مهجورًا.. فاستوليت على بعض مفروشاتي القديمة، ونقلتها إلى هنا.
الشاب: أتدرين يا خالة.. أفكّر بإخبار الناس عن قصتك، لعلّي أجمع التبرّعات لبناء منزلٍ لك في المدينة.
العجوز بحزم: إيّاك أن تفعل!! فأنا اعتدتُ الهدوء، وأريد الموت وحدي هنا.
- لكن يا خالة، ماذا لو مرضتِ أو أُصبتِ بكسرٍ..
فحاولت تغيير الموضوع:
- ستنام الليلة في غرفتي.
الشاب: ماذا عنك؟
- سأنام في الصالة، أنا متعوّدة على ذلك.. اذهب الآن، فعليك الاستيقاظ باكرًا.
فدخل حجرة نومها، واستلقى على السرير الصخريّ قرابة ساعة، قبل ملاحظته أوراقًا مُكدّسة في زاوية الغرفة.. فشعر بالفضول لتصفّحها على ضوء القنديل، خاصة بعد سماعه شخير العجوز من الصالة.
وكانت عبارة عن أوراقٍ مطبوعة بتواريخ قديمة، وقصاصات جرائد تعود لمئتي سنة! تحدّثت عن غرق التيتانيك، ووباء الجدري، والحربين العالميتين، وأحداث قديمة جدًا تعود لبدء الطباعة الورقيّة، واستغرب بقاء نسخها القديمة بحالةٍ جيدة!
وأثناء تعمّقه بقراءة عناوين الصحف، تفاجأ بالعجوز تقول بنبرةٍ غاضبة:
- لا شيء يوقف فضول الشباب!
- آسف خالتي، كنت أقرأ..
فقاطعته قائلة:
- سأريك شيئًا أكثر إثارة.
وحاولت إخراج صندوقٍ ثقيل من خزانة الحائط، فأسرع بمساعدتها.. وكان يحوي منحوتاتٍ أثريّة!
وحين قرّب قنديله من الصندوق، وجد فيه: ريشة، وخاتمًا، وقطعة خشبيّة، وصفحات مكتوبة بلغةٍ غريبة، وأشياء أخرى!.. وحين رأى قميصًا ملوّثًا بالدماء، تراجع للخلف بفزع.
العجوز: لا تخف، إنها دماء مزيفة.
- ما هذه الأشياء الغريبة؟!
- سأشرح لك.. الريشة السوداء هي ريشة الغراب الذي علّم قابيل كيفية دفن أخيه هابيل.
- ماذا؟!
- لا تقاطعني.. وتلك الزخرفة الخشبية الصغيرة، اقتطعتها من مقدّمة سفينة نوح.. والقميص الملوّث بالدم، هو قميص يوسف الصغير الذي أحضره إخوته لأبيهم بعد رميه في البئر.
- ما هذه الخرافات؟!
العجوز: دعني أكمل.. وهذا سنّ الحوت الذي بلع النبي يونس.. وهذه إحدى ألواح النبي موسى التي سرقتها من أحد أتباعه، بعد فشلي بإيجاد عصاه السحريّة.
- لم تكن سحريّة، بل كانت..
فقاطعته بغضب:
- استمع بصمت!! وهذه صفحة من صفحات كتاب الزبور لداوود.. وهذا المسمار الصدئ الطويل الذي ثُبّتت به قدما عيسى أثناء صلبه.
- هو لم يُصلب!! بل رُفع إلى السماء..
العجوز: عرفت ذلك لاحقًا.. أمّا أجمل ما حصلت عليه، فهو خاتم سليمان الذي يبحث اليهود عنه في كل بقعةٍ من فلسطين، لكني أحتفظ به لصديقي الدجّال.
الشاب بصدمةٍ وخوف: الدجّال!.. من أنتِ يا امرأة؟!!
- أنا من المُخلّدين، ألم تسمع بهم؟
- ماذا عن القصة التي أخبرتني بها قبل قليل؟
فقالت بابتسامةٍ ماكرة:
- ألّفتها خصيصًا لك.
- أنتِ مجنونة، لا يوجد شيء اسمه المُخلّدين.
العجوز بثقة: بلى.. أحلف لك أنني جلست في سفينة نوح أثناء الطوفان، وراقبت نجاة إبراهيم من الحرق، ومشيت في البحر بعد أن شقّه موسى بالعصا، وشهدتُ صلب شبيه المسيح، كما هجرة محمد إلى المدينة، وحروبه مع أنصاره لرفعة الإسلام.. وعشت الأزمنة التالية لسقوط الخلافات الإسلامية، والحربين العالميتين، والنهضة الصناعية.. وصولًا لعصرنا الحاليّ.
- لا صحّة لكلامك!! فلا خلود في الدنيا، حتى الأنبياء ماتوا..
العجوز مقاطعة: ماذا عن الخضر، معلّم موسى؟.. وحوت يونس الذي ما زال يسبح لليوم في المحيط؟.. وهاروت وماروت اللذان تعلّم على أيديهما آلاف المشعوذين والسحرة؟.. حتى ماء زمزم يجري دون مصدرٍ له.
فقال لها بسخرية: آه حقًا! نسيتِ إبليس أيضًا.
- يبدو أنك أذكى من الفضوليين السابقين!
قالتها بصوتٍ رجوليّ أجشّ، أرعب كيان الشاب، قبل تحوّلها لمخلوقٍ ضخم، بأرجل ماعز وقرونٍ عظيمة، وجلدٍ أحمر، وعيون القطط.. حتى أوشك الرياضيّ على الإغماء، بعد معرفته أنه في منزل إبليس، الذي جمع بالصندوق تذكاراتٍ مهمّة من العصور السابقة! والذي قال غاضبًا:
- لا أدري ماذا أفعل مع نسل آدم الفضوليين؟!.. لي قرون أعيش في جوٍّ خانق تحت الأرض.. وكلما نويت الاستجمام، يظهر لي أحد البشريين لتعكير مزاجي!.. يعني أين أهرب منكم؟!.. تحوّلت لمعاقٍ وعجوزٍ وطفلٍ وممسوخ، وظهرت في أقاصي العالم، وفي القطب المتجمّد، ومثلث برمودا، وعلى رؤوس الجبال الجليديّة، لكن دون فائدة!.. دائمًا يلاحقني أحد المغفّلين.. هل عليّ أن أوسوس بعقل الرئيس الكوري الغبي كيم، ليفجّر العالم بالنوويّ وأرتاح منكم جميعًا؟!!
فقال الشاب وهو يرتجف بخوفٍ شديد:
- آسف يا إبليس، أرجوك دعني أذهب.. لن أخبر أحدًا بمقرّك السرّي، أعدك بذلك.
إبليس بلؤم: أنا لا أثق بوعود البشر.
وشدّ مقبضًا خشبيًا في جانب الغرفة، أوقع الشاب في حفرةٍ عميقة داخل الجبل، مناديًا بعلوّ صوته لجنوده:
- أرسلتُ لكم البشريّ رقم (100)، استعبدوه أو احرقوه، هو هديةٌ لكم.
فظهر صوتٌ جماعيّ من باطن الأرض: حاضر سيدي!!
وبعد إغلاقه الحفرة، قال بامتعاض:
- ألا يحقّ لإبليس المُبجّل بإجازةٍ قصيرة؟.. أف!! كم أكره سلالتك يا آدم.
ثم استلقى على سريره الحجريّ، مستمتعًا بصرخات الشاب الأخيرة!

ردحذفالَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)
وسيدنا إدريس وعيسى عليهما السلام أيضا ... جميله جدا وساحره ..كل الشكر .
ردحذف