الجمعة، 10 يوليو 2026

اعتراف الكوشة

تأليف : امل شانوحة 

العدو الخفي


فجأة ! فُتح باب صالة الأعراس بقوة .. قبل ان تسارع العجوز بإقفاله خلفها ، ثم الركض بين الطاولات بوجهها الشاحب ، وهي تصرخ بعلوّ صوتها :

- ساعديني ارجوك !!

بينما انظار المعازيم تلاحقها .. لحين سقوطها بجانب كوشة العروس ، وهي تبكي خائفة :

- عليك ان تغفري لي الآن ، كيّ يتوقفوا عن ملاحقتي

فسألتها العروس بقلق :

- مالذي يحصل معك يا خالتي ؟!

الخالة باكية : لقد لاحقوني طوال الطريق ! وهم الآن يقفون عند باب الصالة.. وإن لم تسامحيني ، سيهجمون عليّ دون رحمة !!

فهمس العريس :

- ماذا هناك عزيزتي ؟!

العروس : لا ادري حقاً !


ونزلت الى خالتها ، محاولةً رفعها عن الأرض :

- رجاءً إجلسي على إحدى الكراسي ، لمعرفة مشكلتك

الخالة برعب : لا وقت لديّ !! ان لم تسامحيني انت و..

ثم نظرت لبقية الأقارب المتواجدين بالقاعة ، وهي تكمل كلامها :

- ان لم تسامحوني جميعاً ، سأموت شرّ موتة !!


فأراد احد المعازيم فتح باب الصالة ، لرؤية من يلاحق العجوز التي صرخت وهي تشير له :

- لا ، توقف !! ايّاك فتح الباب لهم ، سيقتلونني امامكم

وهنا ساد الخوف بين الحضور ، لظنهم بتورّطها بعصابةٍ تُحاصر القاعة !

لتتابع العجوز كلامها بقهر :

- اساساً الملاعين باستطاعتهم اختراق الصالة ، ولوّ كانت مُقفلة بالسلاسل الفولاذية

العروس : خالتي توقفي رجاءً ، انت ترعبين الجميع .. إخبرينا بوضوح من يلاحقك؟

فقالت العجوز بعلوّ صوتها :

- الجن !! الجن الذين استخدمتهم طوال اربعين سنة ، لأذيّتك انت وبعض الحاضرين هنا.

فجاء كلامها صادماً للجميع !


العروس بدهشة : هل مارستي السحر علينا ؟!

الخالة بندم : نعم.. وجميع مصائبك الماضية ، كانت بسببي : سواءً الأمراض والمشاكل الإجتماعية ، وفسخ خطوباتك القديمة .. وكل دمعة بكيتها ، كانت انتصاراً بالنسبة لي

العروس بضيق : ولما فعلتي كل هذا ؟!

الخالة بحقد : لأنك ستحصلين على كل ما تمنّيته في حياتي .. فأنا عندما كنت صبية ، اردّت الزواج من رجلٍ وسيمٍ وثريّ ، يحبني بجنون.. لكن نصيبي كان رجلاً بسيطاً وفقيراً ، دمّر كل طموحاتي!!

العروس بقهر : وماذا عني يا خالتي ؟ هآ انا تجاوزت الأربعين .. وعريسي هذا ، مرتبطٌ بعائلةٍ اخرى..


الخالة : صحيح انك الزوجة الثانية ، لكنك ستسعدين معه ..علمت ذلك من مشعوذة قابلتها قديماً.. وسألتها عني ، إن كنتُ سأكون سعيدة ؟ لكنها اخبرتني ان لا احد من اقاربي سيحصل على السعادة المادية والعاطفية معاً ، سوى ابنة اختي.. مما ضايقني كثيراً .. ولهذا بعت منزلي ، لإعطاء المال للمشعوذة التي اوهمتني بقدرتها على قلب الأقدار بيني وبينك.. لكن هذا لم يحصل ابداً ! حينها كرّست حياتي لتعذيبكِ بأسحارٍ متتابعة ، تسبّبت في إفلاسي المادي .. بل وأمتدّ ذنبي ، لسحر بعض الأقارب أيضاً.. لكنكِ كنتِ فريستي الأولى وسبب انحرافي عن الطريق المستقيم ! 

العروس بعصبية : أسحرتني منذ طفولتي ، فقط لأن مشعوذة خرِفة مثلك تنبّأت بحياتي المثالية ؟! .. والآن أتيتِ لتخبريني أن كل تجاربي التعيسة والفاشلة ، كانت بسببك ! وانا من ظننتها روتيناً طبيعياً للحياة..

الخالة بإصرارٍ وخوف : ارجوك عليك مسامحتي الآن ، وإلا سيقتلونني بعد قليل


العروس : هل تقصدين خدّام اسحارك الماضية من الجن ؟

- نعم !! فأنا حين استخدمتهم ، ظننتهم خدّاماً لي.. لكني بالحقيقة كنت عبدة للشيطان الذي اجبرهم على طاعتي.. عرفت ذلك متأخراً.. والآن تحرّروا جميعاً ، بعد مضيّ اربعين سنة على احتجازهم بإسحارك التي رميت بعضها بالبحر ودفنت بعضها بالقبور.. وهاهم يلاحقونني للإنتقام مني ، بعد تقيدي حرّيتهم لسنواتٍ طويلة.. وكل ما احتاجه منك ، ان تقولي بصوتٍ عالي : انك سامحتني دنيا وآخرة ..كيّ يتركوني وشأني ، ويعودون للعالم اللعين الذي ينتمون اليه


فسكتت العروس قليلاً وهي تستذكر طفولتها الصعبة مع متنمّري المدارس ، وقسوة المعلمات وتجاهلهن لها .. وكسرة قلبها التي تكرّرت من خطوباتها ١٣ التي لم تتم لسببٍ مجهول.. وعدم تمكّنها من إيجاد وظيفة بشهادتها الجامعية ، او نجاحها بموهبتها الفنية.. وأحلامها وآمالها التي ماتت الواحدة بعد الأخرى طوال اربعين سنة ، بعد عيشها خيبات املٍ متتالية .. صنعتها في الخفاء ، خالتها الحاقدة..


فإذّ بالعروس ترفع صوتها ، بقهر : 

- بحياتي كلها لم أكن امرأةً حقودة ، وسامحت جميع من آذاني .. لكن انت يا خالتي .. لا سامحك الله ، لا دنيا ولا آخرة !!!


وما ان قالت العروس ذلك.. حتى فُتح باب الصالة على مصراعيه ! وتلاعبت الأضواء وحدها مع هبوب رياحٍ باردة .. سرعان ما تحوّلت لزوبعةٍ رمادية ، رفعت الخالة عالياً.. مما ارعب الحضور الذين تراجعوا للخلف وهم يستمعون لصراخ العجوز التي تحوّل وجهها لسوادٍ مُتفحّم ، كأنها تحترق من الداخل ! قبل ان تُقلع عيناها وينقطع لسانها ..ويتطاير اطرافها مع انفجار جسمها لأشلاءٍ صغيرة تناثرت في المكان ، مُلطّخةً المعازيم بدمائها ! 


وبعدها انسحبت الزوبعة عبر باب الصالة ، ليعمّ الهدوء من جديد ! بينما وقف الجميع بذهول وهم ينظرون إلى بقعة الدم الضخمة بجانب الكوشة ، وإلى فستان العروس الذي صُبغ باللون الأحمر القاني ! 


وهنا شعرت العروس باسترداد انفاسها ، بعد سنواتٍ طويلة من إحساسها بوجود بلاطة ثقيلة على صدرها !

وكذلك شعر بعض اقاربها المتواجدين بالحفل ، بعد ان فُكّت اسحارهم بموت الخالة الساحرة.. 


فنظرت العروس لعريسها :

- لوّ لم تمت خالتي اليوم ، لما توّفقت بالحياة معك.. الآن فقط ، بدأت حياتي بعد اربعين سنة من الجفاء والقهر.. فهل انت موافق على اتمام العرس بعد الذي حصل امامك ؟

العريس : كما قلتي ، الآن بدأتي صفحة جديدة من حياتك.. وانا من سيتكفّل بتعويضك عن مآسيك السابقة .. وبذلك تتحقّق نبوءة المشعوذة التي اخرجت كل ذلك الغلّ والحقد من قلب خالتك التي سيُتابع تعذيبها في قبرها ، وهي تشاهدنا نحيا حياةً سعيدة ، حُرمت منها للأبد


وبعدها ودّعت العروس المعازيم بعد قرارها بإنهاء العرس باكراً ، وصعودها مع زوجها الى غرفة الفندق.. بينما راجعت الشرطة بذهول شريط الفيديو الذي وثّق الحادثة المرعبة ، وهم يرفعون بقايا الساحرة الحقودة من الصالة .. لتكون قصتها عبرة لكل من تسوّل له نفسه ، لتدمير الآخرين بغلّه وحقده !


الأربعاء، 8 يوليو 2026

بابا نويل المريب

تأليف : امل شانوحة 

الملجأ الدافئ


بعد انتهاء حفلة عيد الميلاد في المول وعودة الأهالي لمنازلهم ، تفاجأوا بنوعية الهدايا الغريبة التي قدّمها بابا نويل لأطفالهم : وكانت عبارة عن ألعابٍ مستخدمة تم تصليحها يدوياً ، وملابس شبه جديدة ، ورسومات من أطفالٍ آخرين !


احدى تلك الرسومات ، كانت من نصيب ابن محقق المنطقة : وهي موقّعة بإسم طفلة مفقودة منذ سنتين ! 

مما اثار قلق المحقق ، خصوصاً ان الطفلة رسمت : بابا نويل يُخرجها من منزلٍ فيه شيطان ! كاتبةً اسفل الرسمة : ((شكراً جدي ، لإنقاذي من الجحيم)) 


مما جعل المحقق يسأل جيران الطفلة عن طبيعة حياتها قبل الإختطاف .. ليتفاجأ بشهاداتهم الصادمة : عن عيشها جحيماً حقيقياً مع زوج أمها الذي كان يضربها دوماً دون رحمة.. 

وبذلك تحوّلت رسمتها الى لغزٍ نفسيّ مُعقّد ! 

^^^


لاحقاً ، استدعت الشرطة صاحب المول الذي أفاد في التحقيق : بأن بابا نويل الذي تعاقد معه ، إعتذر عن احياء الحفل بسبب مرضه .. وإن ذلك العجوز ، اقتحم المول دون تقديم أوراقه الرسمية .. ولم يتعرّف عليه الموظفون ، بسبب مكياجه الكثيف الذي اخفى ملامحه !


فراجع المحقق كاميرات المراقبة : ليرى بابا نويل المشبوه وهو يغادر المول بهدوء بعد توزيع هداياه الغريبة .. لكنه انتبه بأنه اكتفى بالتقاط صورٍ سريعة مع معظم الأطفال .. بينما أطال الحديث مع ولدٍ عُرف عنه : صعوبة كلامه بسبب التأتأة !


فطلب المحقق من والدة الطفل ، السماح له بمحادثته.. وبعد تردّد ، أجاب الصغير على اسئلة المحقق بتلعثمٍ وخوف:

- هو طلب مني إبقاء الأمر سرّاً.. لكن طالما أنك من الشرطة ، فسأخبرك الحقيقة .. لقد وعدني بابا نويل بمقابلة فتاةٍ جميلة بمثل عمري في مكانٍ دافئ.. لكن عليّ اولاً انتظاره عند باب المدرسة ، بعد انتهاء عطلة رأس السنة.


وقد أفزع كلامه ، امه التي خافت عليه من الإختطاف.. 

وبصعوبة استطاع المحقق إقناعها ، بضرورة مراقبته إبنها عند الموعد المحدّد .. لمسك طرف الخيط الذي يوصله لبقية الأطفال المُختطفين في منطقتهم منذ سنوات.

فردّت الأم بعصبية: 

- عندما تمسك بذلك الخرِف المنحرف ، إقتله على الفور !! 

فارتعب ابنها : لا تفعل سيدي ، ارجوك !! هو تكلّم معي بلطفٍ وحنانٍ كبير.. ولم يستعجلني في الكلام أو يسخر مني ، كما يفعل والدي الذي يضربني قبل إنهاء جملتي

فسأل المحقق امه : هل والده يضربه بالفعل ؟! 

الأم بقهر : بل هو من تسبّب بعقدة لسانه ، لقسوته الشديدة عليه.. وهذا ما جعلني أتطلّق منه 

فمسح المحقق رأس الصغير برفق ، وهو يعده بعدم ايذاء بابا نويل

***


وفي نهاية اليوم الأول للمدرسة بعد الإجازة.. راقب المحقق الولد وهو يصعد الى سيارة العجوز الذي اغراه بكيس الحلوى .. وانطلق خلفهما بحذرٍ شديد ، الى ان وصلوا جميعاً للغابة .. 


بعدها نزل العجوز ممسكاً بيد الصغير ، وهما يدخلا معاً الى كوخٍ هناك !

فحاول المحقق الإتصال بمركز الشرطة ، لطلب الدعم.. لكن شبكة الإرسال مقطوعة في تلك المنطقة النائية.. 

فلم يكن أمامه سوى اقتحام الكوخ وحده ، لإنقاذ الطفل.. وربما بقية المختطفين ان كانوا مازالوا احياءً !


شهر المحقق سلاحه ، وهو ينزل ادراج القبو .. لكنه صُدم بما رأته عيناه !

فرغم الثلوج الكثيفة بالخارج ، الا ان القبو يشعّ بالدفء من مدفأته الحجريّة .. وقد انبعث في المكان ، رائحة الكعك الطازج.. 


ومن أعلى درج القبو ، شاهد المحقق الأطفال وهم يضحكون ويمرحون في قاعة مليئة بالدمى والكتب والألعاب ، وهم يتناولون ما يشاؤون من الحلوى! 

قبل تجمّعهم حول العجوز الذي فتح احدى القصص من مكتبته ليرويها لهم ، وكأنه جدهم الحنون ! ومن بينهم الطفلة (صاحبة الرسمة) التي ظهرت بصحةٍ ممتازة ونفسيةً مرحة !


ورغم لطف المشهد ، الا ان المحقق قبض على العجوز الذي نقله إلى السجن.. بينما نُقل الأطفال لمركز الشرطة ، لحين وصول اهاليهم الذين حضنوهم بشوقٍ ودموع بعد غياب شهور ، وبعضهم وصل ل 3 سنوات !

لكنهم جميعاً لاحظوا تحسّن صحة ابنائهم ونضجهم النفسيّ ، وبراعتهم في القراءة والكتابة والحساب .. وإتقانهم اللغتين الألمانية والروسية التي علّمها لهم العجوز في وقت فراغه

***


في غرفة التحقيق ، كشف العجوز عن هويّته الحقيقية.. فهو عمل قبل تقاعده في مؤسسة الرعاية الاجتماعية .. وتابع بنفسه قصصاً مأساوية لعشرات الأولاد الذين عاشوا مع عائلاتٍ سادية وقاسية.. وبعد إقدام احدهم على الإنتحار ، لم يتحمّل  العجوز القوانين العاجزة عن حمايتهم .. فقرّر التدخل بطريقته ، عن طريق خطفهم من اهاليهم القساة المُهملين .. وخلال السنوات الثلاثة لبدء خطته الإنسانية ، صرف معظم معاشه التقاعدي على إطعامهم وتعليمهم ، وتوفير الأمان الذي حُرموا منه.


وبعد ذلك الإعتراف ، تحرّى المحقق عن عائلات الأطفال المُستردّين .. كما استمع لشهادات الجيران والتقارير الطبية التي أكّدت العنف الأسري الذي مارسوه ضد اولادهم قبل اختفائهم.


وفور نشر المحقّق تقريره بالإعلام ، حتى انقلب الرأيّ العام تماماً .. وتحوّل بابا نويل المريب : من مختطفٍ قذر إلى منقذٍ رحيم ! 

ورغم نبل دوافعه الإنسانية ، إلا أن احتجاز الأطفال دون إذن أولياء أمورهم يظلّ جريمة يعاقب عليها القانون.

***


وفي يوم المحاكمة.. وفور نطق القاضي بالحكم ، بحبسه خمس سنوات.. حتى اهتزّت القاعة بصرخات الأطفال واحتجاجاتهم ، خوفاً على جدهم الحنون ! 

قبل ان يفاجأ الولد (الذي يعاني من التأتأة) الحضور ، بوقوفه امام القاضي وهو يقول بوضوحٍ دون تلعثم : 

- سيدي القاضي .. بابا نويل لم يخطفني .. بل كان رحيماً معي ، طوال رحلتنا الى الغابة .. وهو من نصحني بنسيان الماضي ، ومسامحة والدي .. كما استمع لشكوايّ طوال الطريق دون استعجالي بالكلام .. وحين التقيت بالأطفال في منزله ، وجدتهم جميعاً سعداء .. وللمرة الأولى ، شعرت بالأمان بقبو كوخه ..وهذا الشعور فقدته مع والدي العصبي .. رجاءً اتركوا جدنا وشأنه 


ساد الذهول أرجاء القاعة ! وتأثّر القاضي من كلام الصغير الذي جعله يتخذ قراراً غير مسبوق : بفتح مدرسة داخلية خاصة بالأطفال المُعنّفين ، بعد إسقاط المحكمة الوصاية عن أهاليهم القساة .. مع تعيين العجوز مديراً فخرياً للمدرسة ، تحت إشراف أخصائيين نفسيين وإجتماعيين 

وما ان نطق القاضي بحكمه العادل ، حتى ضجّت القاعة بهتافات الصغار 

***


وفي نهاية العام ، وأمام مبنى المدرسة الجديدة.. تقدّم والد الطفل (الذي تشافى اخيراً من التأتأة) لمصافحة العجوز بندم : 

- شكراً لأنك علّمتني كيف اصبح اباً رحيماً 

فأجاب العجوز : لا يكفي ان ننجبهم ونطعمهم ونعلّمهم فقط .. بل علينا توجيههم برفق ، ليكونوا افراد مجتمعٍ ناضجين ومنتجين مستقبلاً.. فهم رجال الغد

فأومأ الأب برأسه موافقاً


ووسط حفلٍ شعبيٍّ كبير ، تسلّم العجوز جائزةً تكريميّة من رئيس البلدية .. بعد ان حصل بجدارة على لقب : بابا نويل الأكثر إنسانية في العالم


الاثنين، 6 يوليو 2026

الشيفرة الأخيرة

تأليف : امل شانوحة 

الطوق الروسي


في صباحٍ باكر من خريف 1962 على الساحل الشرقي للولايات المتحدة.. عمل خفر السواحل الأمريكي على إزالة حطام قوارب الصيد على طول الشاطئ ، بعد هدوء العاصفة التي استمرّت طوال الليل 


واثناء انشغالهم ، هتف احدهم وهو يشير للأمام :

- هناك غريق بالبحر !!


فسارعوا الى قاربهم الذي قادوه باتجاه الرجل فاقد الوعيّ ، والذي تشبّث بطوقٍ مطاطيّ مكتوباً عليه عبارات روسيّة !

^^^


في المشفى .. استيقظ الرجل على رائحة المُعقّم الذي كان يمسحه عامل النظافة بغرفته .. وهو يستمع لرنين جهاز قياس قلبه ، المُعلّق بلصقاتٍ طبيّة على صدره العاري !


وبعد قليل ، دخل الطبيب وهو يقول :

- الحمد الله على سلامتك .. كنت غائباً عن الوعيّ منذ يومين .. فخفر السواحل وجدوك بعد هدوء العاصفة ، ولديك إصابة بالرأس… هل تتذكّر ما حصل ؟


فأغلق الرجل عينيه ، محاولاً تذكّر الحادثة .. لكنه انصدم من خلوّ عقله من ايّة معلومة .. حتى انه لم يتذكّر اسمه !

الطبيب : لا تقلق .. ستتذكّر مع الوقت ، فإصابتك ليست عنيفة

وإذّ بعامل النظافة (المتواجد بالغرفة) يقول :

- الطوق الذي رفض تركه ، حتى بعد وصوله للمشفى .. كان مكتوباً عليه بالروسيّة .. يعني كان بسفينة الروس !


وما ان قال ذلك .. حتى خرجت من فم المريض عبارات روسية غير مترابطة ، كأنه تعلّم اللغة بصعوبة !

^^^


وفور ابلاغ الطبيب ما حصل للشرطة الأمريكية (خاصة انه بذلك الزمان ، هدّد الرئيس الروسي بحربٍ نووية ضد اميركا) حتى وصل شخصٌ من مكتب التحقيقات الفيدرالي الى المشفى .. لا للإطمئنان على صحة المريض ، بل لمعرفة ان كان استردّ ذاكرته ام لا؟! 

***


بعد ايام .. سمح الطبيب للمريض بالمشي ، لاستعادة توازنه .. 


وفي منتصف الليل ، انتبه على نفس عامل النظافة يراقبه بحذر ، اثناء مشيه  بصعوبة في ممرّ المشفى !

فتوجه المريض نحوه :

- هل تراقبني ؟!

ليفاجأ بالعامل يرفع المسدس بوجهه ، وهو يقول بحنق :

- سأقتلك ايها الجاسوس الأمريكي !!


وإذّ برصاصة تمزّق ظهر العامل الذي سقط ميتاً امام المريض المُنصدم ، أطلقها رجل المخابرات الأمريكي الذي قتله دون تردّد ! والذي اقترب منه ، قائلاً :

- كنت اراقب تحرّكاتك من بعيد ، فوجدت هذا الروسي يلاحقك 

المريض : هل حقاً ما قاله .. بأنني جاسوس امريكي !


فأخذه رجل المخابرات جانباً ، وهمس له :

- نعم .. والكلمات الروسية القليلة التي تعرفها ، تمّ تدريبك عليها .. بعد زرعك داخل بارجة روسية ، تحمل صاروخاً نووياً.. ومهمّتك كانت : سرقة الشيفرة الخاصة بإطلاق صاروخهم اللعين .. وقبل ارسالك المعلومة الينا ، كُشف امرك .. هذا آخر ما اخبرتنا به برسالتك الأخيرة .. واعتقدنا بموتك ، لنفاجأ بوجودك بهذا المشفى .. فهل تعلم ما حصل ليلة العاصفة ؟


وهنا تذكّر المريض الحقيقة كاملة : 

وكيف تواجد بمقرّ القيادة ، داخل البارجة الروسية العسكرية .. والشيفرات المعقدة على الحاسوب الذي عمل عليه (مدّعياً انه تقني روسي) .. وظهور ارقامٌ تسلّسلية حاول حفظها بسرعة ، بعد سماع احدهم يصرخ بالممرّ الحديديّ : ((اوقفوا الجاسوس الأمريكي)) .. 

وبعد كشف هويّته ! طارده الجنود الروس فوق سطح البارجة أثناء العاصفة ، مُطلقين النار عليه .. مما اجبره على لبس الطوق المطاطيّ سريعاً ، قبل قفزه للبحر .. الا ان ارتطام رأسه بالموج العنيف ، أفقده ذاكرته.


المريض بارتباك : اسمي الحقيقي هو جاك ، اليس كذلك ؟

رجل المخابرات بارتياح : احسنت !! نعم جاك اندرسون .. رجاءً تذكّر كود القنبلة ، والا سنخسر المعركة قريباً 


وقبل اكمال كلامه ، دوّت صافرات الإنذار خارج المشفى !

رجل المخابرات بخوف : الملاعيين !! بدأوا بإطلاق الصواريخ الصغيرة نحو مدينتنا .. وقريباً سيطلقون قنبلتهم النووية .. رجاءً يا جاك ، تذكّر كود السيطرة على الصاروخ 

جاك : لحظة ! تذكّرت .. الشيفرة لم تكن للسيطرة عليه ، بل لتعطيله .. وللأسف ، لا اذكر سوى نصف الكود ..


وفجأة ! ظهر ضوءٌ ساطع من الخارج ، حوّل ليلهم الى نهار ! مُحطّماً جميع النوافذ ، مع موجةٍ ناريةٍ حارقة .. 

أما جاك ورجل المخابرات ، فلم يبقى منهما سوى ظلالٍ سوداء مطبوعة على بقايا جدار المشفى المُهدّم ! 


السبت، 4 يوليو 2026

الروتين المريب

تأليف : امل شانوحة 

السكّان المنسيّون


في المساء .. راقب ولد (بعمر التاسعة) من شرفة عمارته الجديدة (في مجمّعٍ سكني قيّد الإنشاء) جيرانه في المنزل الأرضي القديم المجاور 


وبعد قليل .. خرجت امه إلى الشرفة ، وهي تسأله : 

- أمازلت تراقبهم؟

ابنها : نحن وأياهم الوحيدون الذين نسكن هذه المنطقة الرملية غير المأهولة ! ولهذا أشعر بالملل الشديد.

- هذا ذنب والدك ، استعجل انتقالنا قبل اكتمال المشروع.. وعندما يعود من سفره ، سأطلب منه إعادتنا الى المدينة 


فأشار ابنها للعائلة المجتمعة في حوش منزلهم الأرضي : 

- المشكلة يا أمي أنهم اشخاصٌ مريبون.

- وكيف ذلك؟

- يفعلون الأشياء ذاتها كل ليلة ، وبنفس التوقيت!

الأم : ربما هو روتينهم اليومي، يحبون شرب الشاي في الحوش كل مساء.

ابنها : لا امي ، الأمر ارعب من هذا .. انظري الآن .. الجد سيدخل المنزل ، ويخرج بعد دقائق 

- ربما يريد دخول الحمام 

- إذاً انظري للولديّن الصغيرين.. الكبير سيعرقل أخاه ، لأخذ الكرة منه .. فتعاتبه أمه.. بنفس الوقت الذي سيوقع فيه الأب الشاي على الحصيرة .. فتمسح زوجته البقعة بعصبية .. ثم يخرج الجد وهو يعاتب كنّته على رفع صوتها على زوجها 


وبخوف راقبت الأم تصرّفات العائلة التي تحرّكت بدقةٍ متناهية ، وفقاً للتتابع الذي تنبّأ به ابنها الذي التفت اليها وهو يقول : 

- كل ليلة يفعلون الشيء ذاته ! حتى عندما أنادي الصغيريّن للعب معهما ، يتجاهلانني تماماً .. انظري بنفسك.

وصرخ بعلوّ صوته ، لكن لا احد من تلك العائلة التفت لشرفة العمارة !


فشعرت الأم بالقشعريرة الباردة تسري في جسدها ! وسحبته من يده ، قائلةً: 

- ادخل فوراً إلى الشقة.. الجوّ أصبح بارداً.

الابن: حتى أنتِ ارتعبتِ منهم ، أليس كذلك؟

فحاولت الأم تغيير الموضوع ، لتهدئة روعه:

- ما رأيك لو نتعشّى ، قبل ذهابنا للنوم ؟

- وماذا سنأكل يا امي ؟

- بيض ولبن

الأبن متأففاً : أكل ليلة نأكل العشاء ذاته ؟!

الأم : قريباً تصلني حوالة والدك المالية ، ونذهب معاً لتسّوق من المول.. والآن ساعدني بتحضير العشاء

^^^


بهذه الأثناء ، في حوش المنزل الأرضي .. نظر الحفيد الأكبر نحو العمارة (حديثة البناء) وهو يقول لعائلته باستغراب : 

- ذلك الولد المريب يراقبنا كل ليلة !

الجد : الأولاد فضوليون في هذا السن 

الحفيد : لا جدي ، هو ليس طبيعياً .. فقد ناديته مراراً للعب معي ومع اخي ، لكنه لم يسمعنا !

وأضافت امه :

- صحيح عمي .. الأمر مُقلق ، فوالدته تظهر كل ليلة بالتوقيت نفسه لإدخاله للشقة ..

فقال زوجها : 

- ربما موعد نومه.

هزّت زوجته رأسها بالنفي : 

- ليس ذلك فحسب.. بل ترتدي الفستان ذاته منذ شهور ، مع ان السكن بالمجمّع ليس رخيصاً ! يعني ليسوا فقراء مثلنا 

وهنا قال ابنها الصغير :

- وابنها ايضاً لم يُغيّر بيجامته المرسوم عليها سوبرمان  

فقال الجد لكنّته :

- حتماً هي وابنها يشعران بالوحدة والمللّ في تلك العمارة غير المأهولة.. إذهبي غداً ، لتعرّف عليها .. فربما يُصاحب ولداكِ ابنها.

الأب وهو ينظر لساعته :

- تأخر الوقت ، دعونا ندخل المنزل استعداداً للنوم 

^^^


وبعد دخول كلا العائلتيّن منازلهما .. ظهر ككل ليلة ، حارس المجمّع وهو يحاول إشعال سيجارته ، قبل بدء جولته المعتادة حول مواد بناء المشروع قيد الإنشاء

***


في صباح اليوم التالي.. وصل صحفي إلى المنطقة الرملية ، لعمل تقرير على المكان المهجور

قائلاً امام كاميرا جواله :

- كان من المفترض أن يصبح هذا المكان مُجمّعاً سكنياً ضخماً.. لكن المشروع توقف بعد حادثةٍ غامضة وقعت قبل ثلاث سنوات


ثم وقف الصحفي بالزقاق الضيّق الفاصل بين العمارة الجديدة والمنزل الأرضي.. وهو يقول :

- في نهار ذلك اليوم المشؤوم ، إخترقت إحدى الجرّافات بالخطأ أنبوب غازٍ رئيسيّ تحت الأرض.. وبحلول المساء ، امتلأت المنطقة بالغاز المُتسرّب دون شعور العائلتيّن بذلك ، فماتا اختناقاً اثناء نومهما.. أما حارس المجمع : وفور إشعال سيجارته الليلية المُعتادة ، حتى انفجر المكان بالكامل ! وبعد دفن الضحايا .. رفض العمّال العودة للعمل ، مؤكّدين رؤيتهم لظلالٍ وحركة في كلا المبنيين المُدمّرين.. ويُرجّح الكثيرون : أن الموتى الذين قضوا في نومهم لم يدركوا حقيقة موتهم ، فتحوّلوا إلى أشباح تُعيد روتينها الأبدي.. حتى صوت قدّاحة الحارس ، مازالت تُسمع بوضوح بمحيط المبنيين كل مساء! 


بهذه اللحظة .. تدحرجت كرة خارج الحوش المهجور ، لتقف بجانب قدم الصحفي .. الذي ما أن رآها ، حتى فرّ راكضاً باتجاه سيارته .. هارباً من المكان المسكون بالأشباح المنسيّة ، بروتينها المُملّ الأبدي! 


الخميس، 2 يوليو 2026

هوس اللعبة (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة 

المنافس الغامض


كان لؤي طالباً متفوقاً ، الى ان حصل على بلايّ ستيشين في عيد ميلاده العاشر .. حينها بدأت علاماته الدراسية بالتدني ، عقب هوسه بأحد العابها التي يصرّ على انهاء جميع مراحلها ، والفوز على منافسيه المتصلين معه بالإنترنت.. 

مما اقلق والديّه ، خصوصاً مع اقتراب موعد الإمتحانات.. 


وبعد فشل كل نصائح اهله ووعودهم لإقناعه بترك اللعبة ، والإهتمام بواجباته اليومية.. قرّر والده إحضار جهازٍ آخر ، اخفاه في غرفته .. مُتحدّياً ابنه في اللعبة تحت لقب : المقاتل الصامت


ومع الوقت ، صار يترصّد لإبنه بكل مرحلة .. ويفوز عليه ، بسبب مهاراته القديمة بلعبة الأتاري (الجهاز الإلكتروني المتواجد في طفولة الأب) .. 

مما اشعر ابنه بالإحباط والملّل بعد فقد شغفه ، لعدم تغلّبه على اللاعب الغامض ! 


وخساراته المتكرّرة ، جعلته يُسلّم جهازه لأمه بعد قراره الإهتمام بدراسته .. مما اسعد والده ، عقب نجاح خطته الغريبة 

^^^


لكن رغم انتهاء المشكلة .. الا ان الأب استمرّ بملازمة غرفته لساعاتٍ طويلة ، مُتحدّياً بقيّة المنافسين باللعبة التي تعلّق بها ! 


وبعد رفضه مشاركة الطعام مع عائلته ، وتغيبه المُتكرّر عن عمله ! 

قالت زوجته بتأففّ : 

- كنا نعاني من اهمال لؤي ، والآن أصبحنا بهوس والده باللعبة السخيفة ! ليس امامي سوى قطع الإنترنت عن البيت كله 


وهنا سمع الإبن تهديدها .. ووقف خلفها ، ليملح لقب (المقاتل الصامت) على شاشة جهاز والده فوق مكتبه .. ففهم ان اباه هو المنافس الغامض ! 

لكن ذلك لم يغضبه ، بل مازحه قائلاً :

- ما رأيك يا ابي ، لوّ نلعب سوياً بأوقات فراغنا ؟ وبذلك لا اهمل دراستي ، ولا تتغيّب عن عملك 

الأم : والأهم من ذلك ، ان لا تُهملا واجباتكما المنزلية 

الأب بعد إقفال جهازه : قرارٌ سليم يا بنيّ.. سأتوقف عن اللعب ، لحين بدء عطلتك الصيفية .. وحينها سأعلّمك كل مهاراتي .. ونقود معاً فريقنا نحو الصدارة ، بعد فوزنا على بقيّة المنافسين باللعبة 


وبالفعل ادّى مشاركة الأب وابنه لعبتهما المُفضّلة ، الى تقوية الروابط بينهما .. مما اسعد الأم بعد امتلاء منزلها ، بصرخات حماسهما وضحكاتهما المرحة