السبت، 4 يوليو 2026

الروتين المريب

تأليف : امل شانوحة 

السكّان المنسيّون


في المساء .. راقب ولد (بعمر التاسعة) من شرفة عمارته الجديدة (في مجمّعٍ سكني قيّد الإنشاء) جيرانه في المنزل الأرضي القديم المجاور 


وبعد قليل .. خرجت امه إلى الشرفة ، وهي تسأله : 

- أمازلت تراقبهم؟

ابنها : نحن وأياهم الوحيدون الذين نسكن هذه المنطقة الرملية غير المأهولة ! ولهذا أشعر بالملل الشديد.

- هذا ذنب والدك ، استعجل انتقالنا قبل اكتمال المشروع.. وعندما يعود من سفره ، سأطلب منه إعادتنا الى المدينة 


فأشار ابنها للعائلة المجتمعة في حوش منزلهم الأرضي : 

- المشكلة يا أمي أنهم اشخاصٌ مريبون.

- وكيف ذلك؟

- يفعلون الأشياء ذاتها كل ليلة ، وبنفس التوقيت!

الأم : ربما هو روتينهم اليومي، يحبون شرب الشاي في الحوش كل مساء.

ابنها : لا امي ، الأمر ارعب من هذا .. انظري الآن .. الجد سيدخل المنزل ، ويخرج بعد دقائق 

- ربما يريد دخول الحمام 

- إذاً انظري للولديّن الصغيرين.. الكبير سيعرقل أخاه ، لأخذ الكرة منه .. فتعاتبه أمه.. بنفس الوقت الذي سيوقع فيه الأب الشاي على الحصيرة .. فتمسح زوجته البقعة بعصبية .. ثم يخرج الجد وهو يعاتب كنّته على رفع صوتها على زوجها 


وبخوف راقبت الأم تصرّفات العائلة التي تحرّكت بدقةٍ متناهية ، وفقاً للتتابع الذي تنبّأ به ابنها الذي التفت اليها وهو يقول : 

- كل ليلة يفعلون الشيء ذاته ! حتى عندما أنادي الصغيريّن للعب معهما ، يتجاهلانني تماماً .. انظري بنفسك.

وصرخ بعلوّ صوته ، لكن لا احد من تلك العائلة التفت لشرفة العمارة !


فشعرت الأم بالقشعريرة الباردة تسري في جسدها ! وسحبته من يده ، قائلةً: 

- ادخل فوراً إلى الشقة.. الجوّ أصبح بارداً.

الابن: حتى أنتِ ارتعبتِ منهم ، أليس كذلك؟

فحاولت الأم تغيير الموضوع ، لتهدئة روعه:

- ما رأيك لو نتعشّى ، قبل ذهابنا للنوم ؟

- وماذا سنأكل يا امي ؟

- بيض ولبن

الأبن متأففاً : أكل ليلة نأكل العشاء ذاته ؟!

الأم : قريباً تصلني حوالة والدك المالية ، ونذهب معاً لتسّوق من المول.. والآن ساعدني بتحضير العشاء

^^^


بهذه الأثناء ، في حوش المنزل الأرضي .. نظر الحفيد الأكبر نحو العمارة (حديثة البناء) وهو يقول لعائلته باستغراب : 

- ذلك الولد المريب يراقبنا كل ليلة !

الجد : الأولاد فضوليون في هذا السن 

الحفيد : لا جدي ، هو ليس طبيعياً .. فقد ناديته مراراً للعب معي ومع اخي ، لكنه لم يسمعنا !

وأضافت امه :

- صحيح عمي .. الأمر مُقلق ، فوالدته تظهر كل ليلة بالتوقيت نفسه لإدخاله للشقة ..

فقال زوجها : 

- ربما موعد نومه.

هزّت زوجته رأسها بالنفي : 

- ليس ذلك فحسب.. بل ترتدي الفستان ذاته منذ شهور ، مع ان السكن بالمجمّع ليس رخيصاً ! يعني ليسوا فقراء مثلنا 

وهنا قال ابنها الصغير :

- وابنها ايضاً لم يُغيّر بيجامته المرسوم عليها سوبرمان  

فقال الجد لكنّته :

- حتماً هي وابنها يشعران بالوحدة والمللّ في تلك العمارة غير المأهولة.. إذهبي غداً ، لتعرّف عليها .. فربما يُصاحب ولداكِ ابنها.

الأب وهو ينظر لساعته :

- تأخر الوقت ، دعونا ندخل المنزل استعداداً للنوم 

^^^


وبعد دخول كلا العائلتيّن منازلهما .. ظهر ككل ليلة ، حارس المجمّع وهو يحاول إشعال سيجارته ، قبل بدء جولته المعتادة حول مواد بناء المشروع قيد الإنشاء

***


في صباح اليوم التالي.. وصل صحفي إلى المنطقة الرملية ، لعمل تقرير على المكان المهجور

قائلاً امام كاميرا جواله :

- كان من المفترض أن يصبح هذا المكان مُجمّعاً سكنياً ضخماً.. لكن المشروع توقف بعد حادثةٍ غامضة وقعت قبل ثلاث سنوات


ثم وقف الصحفي بالزقاق الضيّق الفاصل بين العمارة الجديدة والمنزل الأرضي.. وهو يقول :

- في نهار ذلك اليوم المشؤوم ، إخترقت إحدى الجرّافات بالخطأ أنبوب غازٍ رئيسيّ تحت الأرض.. وبحلول المساء ، امتلأت المنطقة بالغاز المُتسرّب دون شعور العائلتيّن بذلك ، فماتا اختناقاً اثناء نومهما.. أما حارس المجمع : وفور إشعال سيجارته الليلية المُعتادة ، حتى انفجر المكان بالكامل ! وبعد دفن الضحايا .. رفض العمّال العودة للعمل ، مؤكّدين رؤيتهم لظلالٍ وحركة في كلا المبنيين المُدمّرين.. ويُرجّح الكثيرون : أن الموتى الذين قضوا في نومهم لم يدركوا حقيقة موتهم ، فتحوّلوا إلى أشباح تُعيد روتينها الأبدي.. حتى صوت قدّاحة الحارس ، مازالت تُسمع بوضوح بمحيط المبنيين كل مساء! 


بهذه اللحظة .. تدحرجت كرة خارج الحوش المهجور ، لتقف بجانب قدم الصحفي .. الذي ما أن رآها ، حتى فرّ راكضاً باتجاه سيارته .. هارباً من المكان المسكون بالأشباح المنسيّة ، بروتينها المُملّ الأبدي! 


هناك 16 تعليقًا:

  1. هذه من القصص الفخورة بها ، اتمنى ان تعجبكم

    ردحذف
    الردود
    1. واو ، أبدعتي ، تخيلتها فيلم سينمائي

      حذف
  2. الفكره مستهلكه
    توجد افلام كثيره بنفس الفكره

    ردحذف
    الردود
    1. يا صديقي ، انا اقل شخص يشاهد افلام او اقرأ قصص غيري .. لذلك لا استلهم افكاري من احد .. اساساً هذه القصة عشتها بالفعل انا واهلي في فيلا خالتي بمكة التي هجروها بعد انتقالهم للعاصمة .. وطلبوا منا العيش فيها لحين بيعها .. وكان طابقها العلوي مغلقاً الذي يرجّح ان تكون عاشت فيه عائلة من الجن.. كنا نسمع اصوات ولديّن يركضان فوقنا .. وكنا نشاهد قطة تمشي على حافة شرفة الطابق العلوي ، رغم استحالة وصول القطط الى هناك .. وكنا نسمع سعال رجلٍ عجوز .. عدا عن الشبح الأسود الذي يظهر احياناً امام باب بئر الفيلا .. لنعلم لاحقاً : انه عند حفر البئر ، سقط عامل افريقي بالحفرة العميقة .. وبدل انتشاله ودفنه بشكلٍ لائق .. تم ردم البئر فوقه ، وحفر بئر اخر بجانبه .. لذلك كنا نشعر بأنفاسٍ غاضبة عندما نلعب بالحوش مساء .. حتى انني مرة ، نزلت للعب الدراجة ليلاً لوحدي .. وعندما وصلت قرب البئر ، شعرت بأحدهم يدفعني بقوة من ظهري .. لأسقط ، واجرح ركبتي .. ومن يومها ، لم اعد انا واخوتي نقترب من هناك مساءً .. وبعد بيع الفيلا وهدمها .. شاهد اخي مناماً عن تلك العائلة يخبروه : بأننا كنا جيران جيدون .. وشاهدت انا مناماً عن تلك العائلة : الجد العجوز يسكن قرب المغاسل .. وامرأة تسكن الغرفة العلوية ، تتحول احياناً الى قطة تراقبنا ونحن نلعب بالحوش .. وولديها الصغيرين اللذين يلعبان على الدرج الفاصل بين الطابقين .. يمكنك تخيل رعب امي عندما يذهب ابي للعمل ، ونذهب نحن للمدرسة .. وتبقى وحدها مع تلك الأصوات المرعبة .. وبسبب تلك التجربة الغريبة ، خطرت ببالي هذه القصة .. فربما عائلة جن الفيلا هم من رأونا دخلاء على حياتهم ، وليس العكس !
      تحياتي لك

      حذف
    2. تشبه قصتنا

      عندما سرق مبلغ من المال قرابة ٣٣٣ دولار أمريكي ولم يرجع إلي الا بعد تشغيل سورة البقرة
      مع العلم لا يوجد أطفال ولم يكن أحد غيري في الغرفة

      حذف
    3. الجن يحبون المزاح معنا ، لكن مزحهم ثقيلٌ جداً !

      حذف
    4. فعلا
      تظهر أغراض ليست لي ولا أستعملها

      رميتها
      وظهر مبلغ كبير من العدم فجأة لذلك تخلصت منه للفقراء

      حذف
    5. ما شاء الله ، وكرماء ايضاً !

      حذف
    6. وكيف تحملتم العيش في فيلا مسكونة بالجن كما قلتي وبخصوص العامل الافريقي الذي قلتي ومات ودفن في البئر هذا غير منطقي ومخالف للقوانين السعودية لا يمكن أن يتركوه في بئر ويدفنوه فيه

      حذف
    7. قصة جميلة ومحيرة بنفس الوقت كان افضل لو العائلتين تعرفو على بعضهم كاشباح

      حذف
    8. العمال الأفارقة قديماً كانوا يتجمعون بالشارع ، لأجل العمل .. وأظن المالك القديم للفيلا لم يبلّغ السلطات عن موت العامل اصلاً !
      بالنسبة لي ولأخوتي ، كنا سعداء باللعب بالحوش .. لكن امي تعبت كثيراً بالثلاث سنوات التي عشناها هناك

      حذف
  3. جميلة أعجبتني لأني أحب قصص الجن والعفاريت والاشباح
    سلمت أناملك أستاذة أمل
    بالمناسبة يؤسفني إخبارك بأني البارحة تففدت ما كتبته من قصص فوجدت بعضها قد تم حذفه ولا أعلم كيف لعلي حذفتها خطأ دون انتباه وللأسف قصتك التي أنت بطلتها واحدة منها
    طارت الأفكار ومسحت المسودات مبكرا فلا أظن أنني أستطيع إعادة كتابتها خصوصا اني حاليا امر بظروف والذهن مشوش ومرهق
    لكن الحمد لله بقيت بعض القصص
    شكراً لك أستاذة أمل على دعمك وتعاونك

    ردحذف
    الردود
    1. نصيحة : لا تمسح المسودات لحين نشرك القصص .. ودائماً اكتب الأفكار التي تخطر على بالك ، دون اعتمادك على ذاكرتك .. فهناك عشرات الأفكار الرائعة التي خطرت ببالي قبل النوم ، ونسيتها صباحاً .. لهذا دوّن كل شيء

      حذف
    2. صدقت وهذا خطأي أني أحذف المسودات بعد الانتهاء من القصص ولا اكتب الأفكار لكن لن أفعل ذلك ان شاء الله
      بمناسبة قصتك في التعليق
      في غرفة نومي كان هناك أطفال من الجن مزعجون يهمسون في اذني أثناء النوم وكنت أوبخهم فيذهبون وفي مرة أدخلت قطة من الفناء وكانت تموء بصوت عالي وتنظر فوق الدولاب وتريد ان تقفز لتصل إلى شيء تراه فوق الدولاب وانا لا أراه فعلمت ان الأطفال يسكنون فوق الدولاب

      حذف
    3. طالما لا نؤذيهم ، لا يؤذونا بإذن الله

      حذف