الجمعة، 10 يوليو 2026

اعتراف الكوشة

تأليف : امل شانوحة 

العدو الخفي


فجأة ! فُتح باب صالة الأعراس بقوة .. قبل ان تسارع العجوز بإقفاله خلفها ، ثم الركض بين الطاولات بوجهها الشاحب ، وهي تصرخ بعلوّ صوتها :

- ساعديني ارجوك !!

بينما انظار المعازيم تلاحقها .. لحين سقوطها بجانب كوشة العروس ، وهي تبكي خائفة :

- عليك ان تغفري لي الآن ، كيّ يتوقفوا عن ملاحقتي

فسألتها العروس بقلق :

- مالذي يحصل معك يا خالتي ؟!

الخالة باكية : لقد لاحقوني طوال الطريق ! وهم الآن يقفون عند باب الصالة.. وإن لم تسامحيني ، سيهجمون عليّ دون رحمة !!

فهمس العريس :

- ماذا هناك عزيزتي ؟!

العروس : لا ادري حقاً !


ونزلت الى خالتها ، محاولةً رفعها عن الأرض :

- رجاءً إجلسي على إحدى الكراسي ، لمعرفة مشكلتك

الخالة برعب : لا وقت لديّ !! ان لم تسامحيني انت و..

ثم نظرت لبقية الأقارب المتواجدين بالقاعة ، وهي تكمل كلامها :

- ان لم تسامحوني جميعاً ، سأموت شرّ موتة !!


فأراد احد المعازيم فتح باب الصالة ، لرؤية من يلاحق العجوز التي صرخت وهي تشير له :

- لا ، توقف !! ايّاك فتح الباب لهم ، سيقتلونني امامكم

وهنا ساد الخوف بين الحضور ، لظنهم بتورّطها بعصابةٍ تُحاصر القاعة !

لتتابع العجوز كلامها بقهر :

- اساساً الملاعين باستطاعتهم اختراق الصالة ، ولوّ كانت مُقفلة بالسلاسل الفولاذية

العروس : خالتي توقفي رجاءً ، انت ترعبين الجميع .. إخبرينا بوضوح من يلاحقك؟

فقالت العجوز بعلوّ صوتها :

- الجن !! الجن الذين استخدمتهم طوال اربعين سنة ، لأذيّتك انت وبعض الحاضرين هنا.

فجاء كلامها صادماً للجميع !


العروس بدهشة : هل مارستي السحر علينا ؟!

الخالة بندم : نعم.. وجميع مصائبك الماضية ، كانت بسببي : سواءً الأمراض والمشاكل الإجتماعية ، وفسخ خطوباتك القديمة .. وكل دمعة بكيتها ، كانت انتصاراً بالنسبة لي

العروس بضيق : ولما فعلتي كل هذا ؟!

الخالة بحقد : لأنك ستحصلين على كل ما تمنّيته في حياتي .. فأنا عندما كنت صبية ، اردّت الزواج من رجلٍ وسيمٍ وثريّ ، يحبني بجنون.. لكن نصيبي كان رجلاً بسيطاً وفقيراً ، دمّر كل طموحاتي!!

العروس بقهر : وماذا عني يا خالتي ؟ هآ انا تجاوزت الأربعين .. وعريسي هذا ، مرتبطٌ بعائلةٍ اخرى..


الخالة : صحيح انك الزوجة الثانية ، لكنك ستسعدين معه ..علمت ذلك من مشعوذة قابلتها قديماً.. وسألتها عني ، إن كنتُ سأكون سعيدة ؟ لكنها اخبرتني ان لا احد من اقاربي سيحصل على السعادة المادية والعاطفية معاً ، سوى ابنة اختي.. مما ضايقني كثيراً .. ولهذا بعت منزلي ، لإعطاء المال للمشعوذة التي اوهمتني بقدرتها على قلب الأقدار بيني وبينك.. لكن هذا لم يحصل ابداً ! حينها كرّست حياتي لتعذيبكِ بأسحارٍ متتابعة ، تسبّبت في إفلاسي المادي .. بل وأمتدّ ذنبي ، لسحر بعض الأقارب أيضاً.. لكنكِ كنتِ فريستي الأولى وسبب انحرافي عن الطريق المستقيم ! 

العروس بعصبية : أسحرتني منذ طفولتي ، فقط لأن مشعوذة خرِفة مثلك تنبّأت بحياتي المثالية ؟! .. والآن أتيتِ لتخبريني أن كل تجاربي التعيسة والفاشلة ، كانت بسببك ! وانا من ظننتها روتيناً طبيعياً للحياة..

الخالة بإصرارٍ وخوف : ارجوك عليك مسامحتي الآن ، وإلا سيقتلونني بعد قليل


العروس : هل تقصدين خدّام اسحارك الماضية من الجن ؟

- نعم !! فأنا حين استخدمتهم ، ظننتهم خدّاماً لي.. لكني بالحقيقة كنت عبدة للشيطان الذي اجبرهم على طاعتي.. عرفت ذلك متأخراً.. والآن تحرّروا جميعاً ، بعد مضيّ اربعين سنة على احتجازهم بإسحارك التي رميت بعضها بالبحر ودفنت بعضها بالقبور.. وهاهم يلاحقونني للإنتقام مني ، بعد تقيدي حرّيتهم لسنواتٍ طويلة.. وكل ما احتاجه منك ، ان تقولي بصوتٍ عالي : انك سامحتني دنيا وآخرة ..كيّ يتركوني وشأني ، ويعودون للعالم اللعين الذي ينتمون اليه


فسكتت العروس قليلاً وهي تستذكر طفولتها الصعبة مع متنمّري المدارس ، وقسوة المعلمات وتجاهلهن لها .. وكسرة قلبها التي تكرّرت من خطوباتها ١٣ التي لم تتم لسببٍ مجهول.. وعدم تمكّنها من إيجاد وظيفة بشهادتها الجامعية ، او نجاحها بموهبتها الفنية.. وأحلامها وآمالها التي ماتت الواحدة بعد الأخرى طوال اربعين سنة ، بعد عيشها خيبات املٍ متتالية .. صنعتها في الخفاء ، خالتها الحاقدة..


فإذّ بالعروس ترفع صوتها ، بقهر : 

- بحياتي كلها لم أكن امرأةً حقودة ، وسامحت جميع من آذاني .. لكن انت يا خالتي .. لا سامحك الله ، لا دنيا ولا آخرة !!!


وما ان قالت العروس ذلك.. حتى فُتح باب الصالة على مصراعيه ! وتلاعبت الأضواء وحدها مع هبوب رياحٍ باردة .. سرعان ما تحوّلت لزوبعةٍ رمادية ، رفعت الخالة عالياً.. مما ارعب الحضور الذين تراجعوا للخلف وهم يستمعون لصراخ العجوز التي تحوّل وجهها لسوادٍ مُتفحّم ، كأنها تحترق من الداخل ! قبل ان تُقلع عيناها وينقطع لسانها ..ويتطاير اطرافها مع انفجار جسمها لأشلاءٍ صغيرة تناثرت في المكان ، مُلطّخةً المعازيم بدمائها ! 


وبعدها انسحبت الزوبعة عبر باب الصالة ، ليعمّ الهدوء من جديد ! بينما وقف الجميع بذهول وهم ينظرون إلى بقعة الدم الضخمة بجانب الكوشة ، وإلى فستان العروس الذي صُبغ باللون الأحمر القاني ! 


وهنا شعرت العروس باسترداد انفاسها ، بعد سنواتٍ طويلة من إحساسها بوجود بلاطة ثقيلة على صدرها !

وكذلك شعر بعض اقاربها المتواجدين بالحفل ، بعد ان فُكّت اسحارهم بموت الخالة الساحرة.. 


فنظرت العروس لعريسها :

- لوّ لم تمت خالتي اليوم ، لما توّفقت بالحياة معك.. الآن فقط ، بدأت حياتي بعد اربعين سنة من الجفاء والقهر.. فهل انت موافق على اتمام العرس بعد الذي حصل امامك ؟

العريس : كما قلتي ، الآن بدأتي صفحة جديدة من حياتك.. وانا من سيتكفّل بتعويضك عن مآسيك السابقة .. وبذلك تتحقّق نبوءة المشعوذة التي اخرجت كل ذلك الغلّ والحقد من قلب خالتك التي سيُتابع تعذيبها في قبرها ، وهي تشاهدنا نحيا حياةً سعيدة ، حُرمت منها للأبد


وبعدها ودّعت العروس المعازيم بعد قرارها بإنهاء العرس باكراً ، وصعودها مع زوجها الى غرفة الفندق.. بينما راجعت الشرطة بذهول شريط الفيديو الذي وثّق الحادثة المرعبة ، وهم يرفعون بقايا الساحرة الحقودة من الصالة .. لتكون قصتها عبرة لكل من تسوّل له نفسه ، لتدمير الآخرين بغلّه وحقده !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق