الثلاثاء، 26 مايو 2026

جسد بلا روح

تأليف : امل شانوحة 

الإبتسامة المؤجلة


صعد الزوج إلى علّية المنزل ، بحثاً عن علبة العدةّ لإصلاح عطلٍ بمطبخه

ليلفت انتباهه صندوقٌ مغطّى بالغبار..

فاعتراه الفضول ، وفتحه .. ليجد بداخله :

((ملفاتٌ قديمة… صورٌ جماعية … بطاقة عمل بإسم زوجته ، عندما كانت موظفة بإحدى الشركات قبل زواجهما.. ودفتر مذكّراتها))


حين بدأ يتصفّح الدفتر ، شعر انه مكتوب بيد امرأة لم يعرفها يوماً ! مليئة بالحماس والطاقة ، والأحلام المتفائلة بالمستقبل .. خاصة عندما تصفّ زميلها : بحب حياتها ، كأنه بطل روايتها !

لكن بنهاية الدفتر ، تغيّر كل شيء ! حيث باتت متشائمة من الحياة ، وهي تصفّ حبيبها بكلماتٍ موجعة :

((أكره اليوم الذي عرفتك فيه…أكره نفسي لأنني صدّقتك…سأتزوج أول رجلٍ يطرق بابي ، حتى لوّ لم أحبه… فقط لأعاقب قلبي على سذاجته ، بحبّه شخصاً مخادعاً وكاذباً مثلك..))


أغلق الزوج الدفتر ، بعد فهمه كل شيء .. 

مُستعيداً ذكرياته مع زوجته التي بدت كتمثالٍ جامد طوال شهر العسل ! وكيف كان يستيقظ بجانبها ، وآثار الدموع على وجنتها وهي نائمة .. 

حتى عندما أنجبت طفلهما الأول ، حضنته دون حنانٍ او حماسٍ للأمومة ! 

وبمرور السنوات ، أدّت جميع واجباتها كزوجة وأم بإتقانٍ وكمال ، كأنها روبوت : حيث طبخت ونظّفت وربّت واعتنت ، كلّه دون روح!


حينها عقد الزوج العزم على مساعدتها لإغلاق صفحة الماضي ، وحصولها على الراحة النفسيّة التي تستحقها

***


وبعد البحث عن زميل زوجته القديم ، وجده في غرفة بمستشفى حكومي..

رجلٌ أنهكه السرطان على مدى سنتيّن ! 


وبعد السلام عليه ، اراه صورة زوجته يوم زفافها : وهي ترتدي الفستان الأبيض بشرود ، وعيناها فارغتان بشكلٍ مخيف .. وهي تقف بجانب زوجها كالشبح !

اعطاه الصورة وهو يسأله (محاولاً كتم غيظه) :

- أتعرف هذه المرأة ؟

وما ان رآها المريض ، حتى ادمعت عينيه : 

- كانت حبيبتي !

فجلس الزوج أمامه ، وهو يقول : 

- هي زوجتي الآن ، وأم أولادي الثلاثة.. لكن بسببك !! حصلت فقط على جسدها ، بعد تحطيمك روحها ! 

فطأطأ المريض رأسه بندم :

- انا لم اكرهها يوماً .. بل العكس ، احببتها اكثر مما ينبغي.. كانت بريئةٌ جداً كالأطفال ، وتخيّلتني طاهراً مثلها .. لهذا أحبتني بصدق ، رغم كل عيوبي !

الزوج : الهذا هربت منها ، بزواجك من اخرى ؟

المريض : لا ادري ان كنت ستفهمني .. لكني كنت قويّ الشخصيّة مع كل النساء .. لكن معها كنت ضعيفاً ، كأنها استطاعت التواصل مع طفلي الداخليّ ، ورؤيتي دون قناعي الإجتماعي الذي تعوّدت على وضعه طوال عمري .. فهي أعطتني اهم من الحب ، اعطتني الأمان الذي لم اتعوّد عليه من والدايّ المُنفصليّن ! ولهذا خُفت منها.. لأني علمت بأنني لكيّ استحق براءتها ، عليّ تغيير شخصيّتي وطباعي بالكامل .. فوجدّت ان بقائي فاسداً مع امرأةٍ تافهة وماديّة كطليقتي ، اسهل بكثير !


فقال الزوج بغيظ :

- أفهمك .. لكن بنفس الوقت ارغب بضربك وتكسير عظامك ، لولا مرضك .. أتدري انني طوال عشر سنوات ، لم ارها يوماً تضحك من قلبها .. ولم انجح بإسعادها بأيٍّ من تصرّفاتي الحنونة او هدايايّ الفاخرة .. وكأن قلبها ينزف حتى اليوم!

 

فأشار المريض الى الأجهزة الطبيّة الموصولة بجسمه :

- وهل تظن ان الله لم يعاقبني على كسر قلبها ؟ انظر إليّ الآن ، أحتضر وحيداً بعد ان حرمتني طليقتي من ابني .. وانا لا اعترض على قضاء ربي ، لأني استحقيّت عقابه بعد تلاعبي بمشاعر فتاةٍ بريئة ، كل ذنبها انها احبتني اكثر من روحها.. (ثم نظر اليه) .. رجاءً احبها عن كلينا ، فهي تستحق كل الخير والسعادة

***


فعاد الزوج الى منزله ، ليجد زوجته ترتّب الملابس وحدها .. بينما اولاده يلعبون عند الجيران..

فوضع دفتر المذكّرات أمامها ..

فنظرت اليه بارتباك :

- اين وجدته ؟!

- في العلّية .. (ثم سكت قليلاً).. لقد قابلته قبل قليل 

فشحب وجهها ! 


وصار يخبرها عن مرضه وندمه اتجاهها ، فانهمرت دموعها رغماً عنها..

فأمسك الزوج يدها المرتجفة :

- لا تعتذري..أنتِ أحببتِ بصدق ، وهذا ليس ذنبك.

***


وفي اليوم التالي .. أخذها إلى المستشفى دون علمها ..

الزوجة باستغراب : لما نحن هنا ؟!

فأشار الزوج الى باب الغرفة :

- هو بالداخل .. سأنتظرك هنا

الزوجة بصدمة : أتريدني ان اقابل حبيّ الأول ؟!

الزوج : لأني اعلم ان قلبك لن يرتاح ، قبل اغلاقك صفحة الماضي أخيراً .. هيا ادخلي ، فأنا اثق بك

^^^


في الداخل .. وما ان رأت حبيبها الوسيم ، أصلعاً يُصارع الموت ! حتى انهارت بالبكاء 

بينما ظلّ يعتذر عن وعوده الكاذبة ، وعن هروبه من حبها الصادق الذي لم يجد مثيلاً له في حياته    


وبعد ساعة ، خرجت وهي تمسح دموعها .. لكن نفسيّتها تحسّنت بشكلٍ ملحوظ ، حيث بدت روحها اخف .. كأن حمل الماضي انزاح اخيراً عن صدرها 

^^^


وطوال طريق ارتسمت على وجهها ابتسامة النصر ، بعد استرداد جزءاً من كبريائها المجروح !

بينما فضّل الزوج عدم مناقشتها بالحوار الذي جرى بينها وبين حبيبها ، وقاد سيارته بهدوء الى بيتهما

***


وفي نهاية الأسبوع… تفاجأ بزوجته ترتدي فستاناً أنيقاً ، وتضع مساحيق التجميل لأول مرة ! 

بل وراقصت اولادها وهي تغني وتضحك عالياً ، كأنها ولدت من جديد !


وأثناء الحفل ، وصلت رسالة إلى هاتفه من المشفى : يخبرونه بوفاة حبيبها .. فأغلق جواله ، وهو يقول بنفسه :

((لن أسمح للموت أن يسرق هذه اللحظة السعيدة منها…لقد انتظرت عشر سنوات لأرى قلبها ينبض من جديد)) 


ثم شاركها الرقص ، وسؤالٌ واحد يشغل تفكيره : 

((ترى كم امرأة تعيش بجسدها مع زوجها ، وروحها عالقة مع شخصٍ آخر ؟!))


هناك 6 تعليقات:

  1. اراكم ان شاء الله بعد العيد .. وكل عام وانتم بخير

    ردحذف
  2. قصة لطيفة ♥️ أتمنى لو تحافظ كل بنت على عذارة مشاعرها لزوجها
    عيدكم مبارك أستاذة امل عساكم من عوااده

    ردحذف
  3. كل عام وانتي بالف خير يا كاتبتي العظيمه
    انتظر منكي قصه جميله وطويله مليئه بالغموض ارجوكي
    متى موعد القصه القادمه

    ردحذف
    الردود
    1. كتبت مسودتيّ قصتين جيدتين بعنوانيّن : (الهوس الرقمي - مبنى المُعنّفات) لكن سأنشرهما لاحقاً .. سأبدأ بالأفكار البسيطة اولاً ، ثم انشر القصص الجيدة .. للجودة التصاعديّة بإذن الله

      حذف