الأحد، 23 أغسطس 2026

خروف السجن

تأليف : امل شانوحة 

القلوب الرحيمة


في احد السجون العربية ، وقبل يوم من عيد الأضحى.. قرّر الطبّاخ إحضار خروفٍ واحد من مصروفه الخاصّ ، لإطعام المساجين الذين نادراً ما يُسمح لهم بتناول اللحم ، مما جعلهم متحمّسين لوجبة العيد.. 

لكن بغفلة من الطبّاخ ، هرب الخروف الى ساحة السجن.. 


بالبداية حاول السجناء والحرّاس إمساكه ، وإعادته للطبّاخ الذي كان يلاحقه ايضاً .. لكن الخروف ارتمى خائفاً بحضن سجينٍ ضخم ، عُرف بقوته وعصبيّته المخيفة ، خصوصاً مع اقتراب موعد اعدامه .. فتوقعوا ان يدفع الخروف بعيداً بعنف .. لكنه فاجأهم بمسح صوفه برفق ، الى ان هدأ روع الخروف .. وسط صدمة الجميع ! 


ثم طلب من الطبّاخ تأجيل ذبحه لليوم الرابع من العيد .. فوافق مرغماً ، لضخامته وهيبته بين السجناء 

***


وبغضون ثلاثة ايام .. تعلّق الجميع بالخروف ، وهم يدلّلونه ويطعمونه جزءاً من سلطاتهم وخبزهم.. حتى الحرّاس يبتسمون ، كلما رأوا الخروف يتجوّل بحرّية بين العنابر .. 


وحينما ذُبح اخيراً .. اكل الجميع وجبة الأرز باللحم بصمتٍ ثقيل ، كأنهم فقدوا صديقاً عزيزاً ! 

اما مدير السجن الذي كان يتجول بقاعة الطعام ، فقد لاحظ دمعة السجين المرعب التي مسحها سريعاً.. 

فطلب من الطبيب النفسي المحاولة معه من جديد 

*** 


في عيادة السجن .. توقع الطبيب رفض السجين العنيد البوح بمشاعره ، كما يفعل دائماً.. لكن سؤالٌ واحد ، جعل جدار الثلج ينهار اخيراً

الدكتور : إخبرني صدقاً .. هل احزنك اكل لحم صديقك الخروف ؟


فإذّ بالسجين يأخذ نفساً طويلاً ، كأنه يحاول بصعوبة كبت دموعه .. ثم بدأ بسرد الأحداث لأول مرة ، منذ اعتقاله قبل خمس سنوات


حيث اخبره عن اجبار والده القاسي على ذبح خروف العيد ، بعمر الخامسة ! ممسكاً بيده الصغيرة بقوة اثناء النحر ، رغبةً بجعله شاباً قوياً.. لكن رؤيته الدماء دمّرت نفسيّته تماماً ، وقتلت مشاعر الرحمة لديه.. ولهذا فرّ مذعوراً بعد دهسه بالخطأ رجلاً في طريقه إلى صلاة الفجر.. وتركه ينزف وحده حتى الموت ، خوفاً من مواجهة الدماء مرةً أخرى ! ولهذا ينتظر بلوغ اصغر ابناء القتيل سن ١٨ ، لمعرفة ان كان سيسامحه او يُنفّذ فيه قصاص السيف ، والذي سيحدث بعد ثلاثة اسابيع فقط.. ولهذا تعلّق بالخروف ، كمحاولة لاسترداد براءة طفولته التي ضاعت بتربية والده الخاطئة  

^^^


ورغم ان هذا السجين تم اعدامه بالفعل.. الا ان حواره مع الطبيب ، أثّر على مدير السجن الذي عقد اتفاقاً مع مؤسسة ترعى قطط الشوارع .. مُحضراً عشرات القطط إلى السجن ، للسماح للسجناء بتربيتها !

***


في البداية استغرب الجميع قراره ! 

لكن بعد شهور على اعتنائهم بها.. اختفت معظم شجاراتهم ، بعد تبادلهم الطعام لأجل قططهم التي تناقشوا طرق علاجها .. وصنع العاباً لها .. بل وتساعدوا معاً على تنظيف أماكنها ، والعناية بصغارها..


حتى ان الطبيب النفسي لاحظ انخفاض نوبات الغضب والعنف ، وازدياد روح التعاون بين السجناء ! ويبدوا ان ايجادهم لكائنٍ ضعيف يحتاجهم ، أيقظ فيهم مشاعر الرحمة التي حرموا منها ، لظروف حياتهم القاسية

***


وفي أحد الأيام.. وقف مدير السجن أمام نافذة مكتبه ، وهو يراقب عشرات السجناء وهم يطعمون القطط في الساحة..

قائلاً بفخر :

- كل هذا التطوّر الإيجابي حصل يوم هروب الخروف من المطبخ ، مغيراً مصير 200 سجين نحو الأفضل !


هناك 6 تعليقات:

  1. يا ليت لو جعلتي ابن القتيل يسقط حقه بعد ان عرف بقصته للسجين كانت ستصبح قصتك اجمل ومؤثره اكثر ومن ثم القتل بالدهس الخطا حتى لو فر من المكان لا يعدم يا ليتك لو راجعتي نصوص القانون فالكاتب يدرس ويطلع على جميع ما تشمل قصته ،،، على كل حال قصه جيده ، ما اخر مشاريعك استاذه امل وما طموحك بعد هذا العمر

    ردحذف
    الردود
    1. كنت كتبت بأول القصة : ان الجميع يهاب القاتل الذي عرف بسرعة غضبه .. كما هو نفسه اخبر الطبيب : ان الرحمة ماتت من قلبه بعمر الخامسة.. يعني هو معروف بالمنطقة (حتى قبل سجنه) بسوء طباعه .. وبسبب عدم حسن سيرته وسلوكه ، عد دهسه متعمداً .. وبذلك حكم عليه بالإعدام ..
      ظننت الموضوع واضحاً ، لكن يبدو انه كان عليّ التفسير اكثر للقارئ !

      حذف
    2. بالنسبة لي كان واضحا
      كما أنك يا أستاذة كتبتي من قبل عن ولد أسقط حقه من القصاص لقاتل والده (قلتي بأنها كانت قصة حقيقية تم تمثيلها في طاش ماطاش)

      لذلك فرحت بتغيير الفكرة هنا

      حذف
  2. القصة جميلة وكنت اتوقع احداثاً مختلفة لكن الكاتب له الأحداث التي يراها
    أظن كتابة القصة حدثت على عجل رغم جمالها
    سلمت أناملك أستاذة أمل

    ردحذف
  3. ولكن انا اعرف ان المحكمه توفر محاميا للقاتل حتى لو مع سبق الاصرار والترصد والقصه تقود كاتبها انه كان يجب على الطبيب اخبار محاميه بذلك ولا يوخذ بحقه الاعدام ، انا استغرب انكي غفلتي عن هذه النقطه فقصه السجين الغاضب لا تقنع القارئ المثقف بذلك ، فلو عرضتها على القانونيين سيتعجبون انكي جعلتها بتلك الصوره ، على كل حال اتمنى لكي التوفيق

    ردحذف
    الردود
    1. هناك قصة مشهورة بالسعودية ، تم تصويرها كحلقة من طاش ما طاش .. عن شخص ثقيل الدم يضايق البائع دائماً ، الى ان فقد اعصابه ورمى على رأسه معلب طعام صغير ، ومع ذلك قتله بالخطأ .. وتم حبس البائع لسنوات ، بانتظار ان يكبر اصغر ابناء القتيل الذي عفى عنه بآخر لحظة قبل القصاص .. يعني قضية قتل غير متعمد ، ومع ذلك حكم عليه بالإعدام ..
      ومن هذه القصة ، استوحيت قصتي هذه .. لا تنسى ان بدول الخليج الذي يحكم هو الأعراف عند القبائل ، خصوصاً بقضايا الثأر

      حذف