الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

ملجأ الحرب

كتابة : امل شانوحة


 
يريدون قتل الزعيم ؟!

في خضمّ حربٍ ضارية لا ترحم .. وبإحدى الليالي المظلمة في ظلّ انقطاع الكهرباء والماء عن جميع المناطق المُتحاربة .. وبعد هدوءٍ مُقلق طوال النهار .. إستيقظ الجميع في منتصف الليل على صوت أزيز الرصاص ودويّ مدافعٍ تصمّ الآذان وانفجار قنابلٍ متتالية , عدا عن هدير الطائرات التي روّعت القلوب الوَجلة , وكأنه إعلان لبدء القيامة !

حيث أسرعت العائلات نحو الملجأ وهي تحمل الشموع , وألسنتها تلهج بالدعاء .. فجميعهم يعلمون بأنها ليلةٌ حاسمة .. لأن العدو يبحث منذ شهور عن بطلهم القومي , ويبدو انهم علموا بأنه مُختبئ بهذه المنطقة الشعبية الفقيرة التي خُططّ لتدميرها عن بكرة أبيها , كما قيل في رسائل التهديد التي نشرتها طائرات العدو هذا الصباح!

وكان آخر الواصلين لهذا المبنى الضخم : عائلة الملحّن الموسيقي القادمة من المبنى المجاور , وسيدة بملامحٍ أجنبية مع طفلٍ أسمر ! وقد التقيا بالشحاذّ المجنون الذي يسكر كعادته قرب المكان .. فنادوه ليحتمي معهم في الملجأ , لكنه ظلّ يدنّدن أغنية مجهولة وكأنه في عالمٍ آخر ! فتركوه ونزلوا الى الملجأ 
***

وداخل الملجأ .. كان المكان مكتظّاً بالناس على غير عادته ! حيث مُنح سريرٌ واحد لكل عائلة وضعوا عليه المسنين وأطفالهم الرضّع .. بينما تجمّع الأولاد الأكبر سناً للعب مع بعضهم , لإعتقادهم بأن هذه الأصوات المرعبة ماهي الا مفرقعات إحتفالات (كما أخبرهم الكبار) لذلك لم يفهموا سبب ذعر الأهالي الذين تجمّعوا حول المذياع لسماع آخر الأنباء , بعد ان أوقدوا الشموع في زوايا الملجأ العبق برائحة الرطوبة العفنة ! ..وبالكاد استطاعوا سماع الأنباء مع صرخات الرضّع التي تعالت مع كل إهتزازٍ للمبنى بسبب الإنفجارات القريبة من المكان  

وكان الملحّن هو الرجل الوحيد الذي اختبأ مع النساء والأطفال , حيث جرَت العادة ان يجلس الرجال على الأدراج الطابق الأرضي كيّ ترتاح العائلات في نومها بالملجأ , لأن معظمهنّ محجبات
زوجة الملحّن بصوتٍ منخفض , وهي تشعر بالإحراج : 
- أخرج واجلس مع الرجال , انت تضايق النسوّة
زوجها وهو يحتضن عوده , مُرتجفاً : 
- لا انا خائف .. الا تسمعين صوت الطائرت الحربية تحلّق فوقنا ؟! ..أساساً لوّ كنت قويّاً لحاربت مع الأحزاب , لكنني رجلٌ حسّاس يهوى الموسيقى .. (ثم وقف) .. لكن ان كان وجودي يضايقكنّ , فسأجلس في الزاوية مع الأولاد  
وذهب الى هناك ..
فقالت لها سيدة أخرى : أتركيه وشأنه , فنحن تعوّدنا على وجوده معنا مع كل غارةٍ حربية

وهنا انتبهت إحداهنّ على السيدة الغريبة التي تجلس بينهنّ , فسألتها :
- عفواً لم نسألك .. هل انت من اهل المنطقة ؟
فأجابت : نعم , وإسمي سارة
إمرأة أخرى : لكننا لم نركِ من قبل ! ..من أيّةِ عائلة انت ؟
فردّت سارة بعصبية : وهل يهمّ هذا ونحن على وشك الموت ؟!!
- ولما غضبتي ؟! نحن نستفسر فقط ! 
فسألتها سيدة عجوز : وهل هذا ابنك ؟
سارة : طبعاً 
- يبدو ان والده أسمر اللون , بما انك بيضاء وجميلةٌ هكذا ! 
فأومات سارة برأسها إيجاباً .. 

فعادت وسألتها العجوز : الن ترضعيه ؟
سارة : لا , فطمته قبل ثلاثة شهور ..لكني نسيت إحضار رضّاعته
فقالت لها إحدى الأمهات وهي تمدّ يدها بقنينة الحليب : 
- خذي هذه , معي واحدة إضافية ..  
سارة : شكراً لك , سأطعمه حينما يستيقظ 
الأم : غريب انه مازال نائماً مع كل هذه الأصوات المرعبة !
فالتزمت سارة السكوت .. 

فسألتها الأخرى : وأين والده ؟
سارة بنبرةٍ حزينة : قُتل مع بداية الحرب ..وأهلي سافروا الى الخارج , وكنت أنوي اللحاق بهم .. لكن الأمر بات صعباً الآن مع تدمّر المطار 
- وماذا عن طريق البرّ ؟
سارة : سأفعل ذلك حين تهدأ الأوضاع .. والآن عن أذنكم , اريد تحريك قدمايّ قليلاً 
ثم قامت وبدأت تتمشّى بين الأسِرّة , وهي تهزّ ابنها الرضيع النائم 
***

وبعد ان هدأ الوضع قليلاً , إنشغل الجميع بنبأٍ عاجل بالمذياع .. 
وفور انتهاء النشرة , قالت إحدى الصبايا بعصبية :
- الم يختار الزعيم الا ان يختبئ في منطقتنا المزدحمة بالبشر؟!  
فردّت العجوز مُعاتبة : واين تريدينه ان يختبئ ؟ هو دافع عن منطقتنا لسنوات , والآن جاء دورنا لردّ الدين
فقالت أخرى بقلق : حماه الله , وحمانا أجمعين 

وهنا اقتربت منهم سارة وسألتهنّ باهتمام : 
- الا تدرون اين يختبئ البطل بالتحديد ؟
فردّت الأخرى : من يعلم ؟ انها أسرار عسكريّة
ثم انقطع حديثهنّ مع نغمات عود الملحّن وهو يعزف للصغار الذين غنّوا معه أغانيٍ وطنية إعتادوا على سماعها من التلفاز والإذاعة
***

بعد قليل .. تفاجئنّ بجندي مُناضل بلباسه العسكري يدخل الملجأ !
فسألته العجوز بقلق : ماذا يحصل في الخارج ؟ 
الجندي بعصبية : طائرات العدو تدكّ المنطقة من كل جانب !!
فسألته سارة باهتمام : وماذا حصل لبطلنا ؟ هل مازال مُختبئٌ بيننا؟
فأجابها الجندي بتهكّم : وما دخلك انت ؟!!
العجوز : رفقاً عليها يا رجل ! هي تطمئن فحسب 

فاقترب الجندي من السيدة ذات الملامح الأجنبية وقال : 
- لحظة ! يبدو من هيئتك انك لست من منطقتنا .. هاتي هويتك!!
فأجابت سارة بعصبية : بربّكم !! يعني نسيت إحضار الطعام لإبني , فهل سأتذكّر ان أحضر هويتي ؟! 
الجندي (بعد ان لاحظ حقيبتها الشخصية امامها) قال ساخراً : 
- لكن يبدو انك لم تنسي إحضار حقيبتك 
فأجابت سارة بارتباك : كانت قرب الباب , وأخذتها من أجل المفاتيح .. ثم انا من أهل المنطقة .. فلا تخفّ , النسوة حققنّ معي قبلك 
العجوز : إترك المرأة وشأنها , يا بنيّ .. هداك الله

الجندي : اليس من واجبنا حمايتكم ؟ فما يدرينا ان لا تكون جاسوسة بيننا !
فأجابت سارة بعصبية : بالله عليكم !! وهل سأجازف بإبني ؟!
الجندي مُستنكراً : وهل هو ابنك اصلاً ؟ انا لا أرى شبهاً بينكما 
وهنا لاحظ الجميع إرتباكها ! 

في هذه اللحظات , ناداه مجندٌ آخر من امام باب الملجأ : 
- أحمد تعال !! نحن نريدك
فأخرج الجندي أحمد مسدسه ليتأكّد من الرصاصات قبل لحاقه بصديقه , فقالت له إحدى الأمهات وهي تحمي رضيعها مُعاتبة :
- إنتبه يا أخي , قد تُصيبنا رصاصةً طائشة !
الجندي بعصبية وهو يلوّح بمسدسه بفخر : 
- هذا بدل ان تشكرونني لأني أحميكنّ !
العجوز بحزم : البطولات تكون في الخارح يا أحمد , وليس هنا !!
فأصرّ على أسنانه بغيظ , لكنه أعاد المسدس مكانه .. وقبل ان يخرج من الملجأ قال لهنّ :
- عليكنّ التحققّ جيداً من الناس الجدّد التي تنضمّ للملجأ 

بهذه الأثناء ..وصلته مكالمة على اللاسلكي تقول :
((الزعيم أُصيب في المنطقة الفلانيةّ في المبنى الخامس .. ليتجمّع الجنود هناك لإخراجه من تحت الأنقاض , فهو مازال حيّاً ويتواصل معنا عبر اللاسلكي .. هيا بسرعة !!))
وأسرع الجندي أحمد وصديقه الى هناك ..
***

في الملجأ .. وبعد ان سمعنّ الخبر المحزن , قالت العجوز بقلق :
- حمى الله بطلنا
وبدأنّ يدعون له.. 
وهنا تساءلت صبيةّ بقلق : ماذا سيحصل أن قُتل فعلاً ؟
سيدة أخرى : سيقوم الأعداء بعمل مجازر في مناطقنا , كما فعلوا سابقاً

وهنا انتبهت امرأة كانت تجلس بجوار سارة على وشمٍ صغير على طرف ذراعها , فسألتها : 
- ماهذا ؟!
سارة بارتباك وهي تحاول إخفاء الوشم بقميصها : لا شيء
- لا انه وشم , ونحن كمسلمين نُحرّم الوشوم ..فهل انت مسيحية ؟
وبدأنّ ينهلنّ عليها بالأسئلة , لأنهنّ أردنّ التأكّد من هويتها بعد ان شكّكهم الجندي بأمرها !

فقالت سارة بعصبية : نعم انا مسيحية !! لكنني متزوجة من مسلم من أهل المنطقة ..وقد مات كما أخبرتكم وأتيت لأحتمي بكم ..فهل هذا جزائي ؟!! 
فسألتها سيدة أخرى بقلق : وماذا لوّ كنت جاسوسة فعلاً , ونقلت أخبارنا للأعداء ؟
سارة بتهكّم : وكيف سأفعل ذلك والهواتف مقطوعة ؟ كما هل يُعقل أن أجازف بالتجسّس عليكنّ برفقة إبني الصغير ؟! 

العجوز : لحظة ! ابنك منذ قدومك لم يتحرّك , حتى عندما حاولتي إطعامه .. لهذا دعيني أراه قليلاً
لكن سارة أبعدته عنها بعصبية : لا تلمسيه !!
فقالت لها إحدى الأمهات : أعطها الولد , فهي خبيرة بهذه الأمور
وما ان حملته العجوز حتى قالت بدهشة :
- هذا الولد ميتٌ منذ مدة !
الجميع بصدمة : ماذا !
فصرخت العجوز : انه ليس ابنك يا سارة , اليس كذلك ؟!! هل خطفته ؟ ام وجدته ميتاً في الشارع فأخذته , ليكون حجّة تدخلين به علينا ؟ ..هيا تكلمي  ؟!!!
واجتمعنّ حولها بغضب .. 

وهنا قالت لهم سارة وهي ترفع حقيبتها :
- لحظة ! سأريكنّ شيئاً يهدّأ شكوكنّ نحوي
وإذّ بها تُخرج قناعاً عسكرياً ثبّتته فوق أنفها , قبل ان تُلقي قنبلة دخانية سامّة وهي تصرخ قائلة : 
- تحيا إسرائيل !!!

وأسرعت سارة هاربةً من الملجأ , تاركةً النسوة تتساقطنّ تباعاً وهنّ يحاولنّ إلتقاط انفاسهنّ من بين دخان القنبلة الجرثومية التي إخترقت صدورهنّ , بينما إنتقض أطفالهنّ إنتفاضتهم الأخيرة ! 
***

وحين وصلت سارة الى خارج المبنى .. إلتقت بالشحاذّ الذي تكلّم معها بالعبريّة قائلاً : 
- هل علمتي بمكان الزعيم ؟
- نعم كولونيل .. سمعت العنوان , لكن علينا قصف المكان ثانيةً قبل نجاته من بين الأنقاض .. هيا بنا سيدي 
***

لاحقاً ..عادت سارة والشحّاذ الى اسرائيل كبطليّ حرب بعد قصفهم للمنطقة المذكورة , ليموت البطل مع رفاقه ..وتنقلب موازين اللعبة السياسية , ويخسرون الحرب أمام الإحتلال !
********

ملاحظة :
هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية حصلت أيام الحرب الأهلية اللبنانية : حين إختبأ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في منطقة شعبية ببيروت , أدّت الى تدميرها بالكامل بقصف طيران العدو ..وكانت السبب لبدء الإجتياح الإسرائيلي للبلاد , والذين أعتمدوا على معلومات الكولونيل المُتخفّي بزيّ الشحاذّ الذي عاش لسنواتٍ طويلة في لبنان بهذه الشخصية المُبتذلة ! 

الفرق بين القصتين : ان ياسر عرفات بالحقيقة نجى بإعجوبة من تلك المجزّرة التي راح ضحيّتها مئات المواطنين اللبنانيين الأبرياء!

الغزو الفضائي

تأليف : امل شانوحة حربٌ بين البشر ووحوش الفضاء - سيدي .. إسمع بنفسك ما قاله الولد عندما سألته عمّن سرق طعامي   فاقترب قائد وحوش ا...