الخميس، 13 سبتمبر 2018

كشّافة الصحراء

تأليف : امل شانوحة



مصير الأولاد بخطر !

في تسعينات القرن الماضي .. إنطلقت مع تباشير الصباح رحلة للكشّافة في بداية العطلة الصيفية بقيادة استاذهم الذي حلّ محلّ السائق الذي اعتذر عن الرحلة بسبب مرضه المُفاجىء , حيث تراوحت أعمار الطلّاب الثلاثون بين 11 و14 سنة , امّا أكبرهم فكان أحمد (عريف الطليعة) وهو طالب بالثانوية بعمر 16 سنة .. 

وكانت وجهتهم الوصول الى المحيط الأطلنطي لرؤية البحر لأول مرة في حياتهم .. وتستغرق الرحلة الى هناك قرابة يومٍ كامل على الطريق العام المحاذي للصحراء الغربية التي لا يسكنها سوى قبائل البدو الذين إعتادوا على العيش في ظروفها الصعبة !

وتضمّنت خطة الرحلة : التخييم على الساحل لمدة خمسة ايام قبل العودة الى منازلهم بنهاية الأسبوع , لهذا أخذوا معهم كل ما يلزم من ملابس وأثواب سباحة وطعام وشراب بالإضافة لخيمهم الصغيرة .
***

بعد ساعة من بداية الرحلة .. ضجّت الحافلة بتصفيق الأولاد مع الأناشيد الكشفيّة التي وضعها لهم استاذهم في المسجّل وهم يغنون كلماتها بكل فرحٍ وحماس , ماعدا ولدين لم يشاركا بقيّة الأولاد الإحتفال , لأنهما لا يتمتّعا بشعبيةٍ بينهم : أحدهم بسبب سمنته الزائدة , والثاني لإنطوائه بسبب تربية والده العنيفة , لذا فضّلا تأمّل المناظر الطبيعية من نافذتهما بصمتٍ وهدوء 
*** 

وحلّ المساء .. ونام الطلبة في مقاعدهم , بينما ظلّ استاذهم يقود رغم شعوره بالإعياء الشديد لإنه كان يأمل ان يفاجئهم بمنظر البحر فور استيقاظهم , لذلك رفض أخذ القيلولة بناءً على نصيحة العريف الذي نام بدوره من التعب بعد إشرافه منذ الصباح على بقيّة الطلاب .. 
*** 

وفي صباح اليوم التالي ..كان العريف اول من استيقظ منهم بعد ان أحسّ بارتجاجات الحافلة , ليتفاجأ بأنها توقفت عن السير بعد إنغرازها برمال الصحراء التي تُحيط بهم من كل جهة ! 
فأسرع ناحية استاذه ليجد إنه أسند رأسه للأمام بينما ارتخت ذراعيه على جنبيه , فظنّ بأن نومه على المقود جعل الحافلة تنحرف عن طريقها وتتعمّق في الطريق الصحراوي !

وبعد قليل .. إستيقظ الطلاب على صراخ العريف وهو يهزّ استاذه بعنف محاولاً إيقاظه , لكنه أدرك لاحقاً بأنه مات منذ ساعات ! ليدبّ الخوف في قلوب الأولاد بعد ان عرفوا بأنهم عالقون وحدهم في أطراف الصحراء الكبرى المعروفة بظروفها المناخية القاسية!

وكان على العريف أحمد مسك زمام الأمور بما انه كبيرهم , فصرخ عليهم بحزم :
- توقفوا فوراً عن البكاء !! فبإمكاننا حلّ المشكلة
فقال أحدهم بارتباك : الم تقل ان جوّال الأستاذ لا يعمل في هذه المنطقة المقطوعة ! فكيف سنتصل بالشرطة او بأهالينا لينقذوننا ؟!
العريف : بدايةً تعالوا وساعدوني في إزاحة الأستاذ , لربما استطعت قيادة الحافلة 
فقال الولد الثاني : وكيف ستعرف الطريق ؟!
أحمد : أتتبّع آثار الحافلة .. هيا بسرعة !! قبل ان تُخفي الرياح أثر العجلات

فأسرع بعضهم وهم حزينون على موت استاذهم المحبوب ليضعوا جثمانه في آخر الحافلة بعد ان غطّوا كامل جسمه بالملاءة , بينما جلس العريف امام المقود محاولاً تشغيل المحرّك ..لكن الحافلة كانت مغروزة بقوة في التراب ! 

فأمرهم ان ينزلوا جميعاً لدفع الحافلة من الخلف .. وما ان نزلوا من الحافلة المكيفة حتى شعروا بحرارة الشمس تحرق رؤوسهم فأسرعوا بتغطيتها بقبعاتهم .. ولم يستطيعوا لمس مؤخرة الحافلة لسخونتها الا بعد ان خلعوا قمصانهم لتغطية ايديهم , ومن ثم قاموا بالدفع معاً عند إشارة العريف الذي كان يصرخ لهم من الداخل : 
- الآن !! إدفعوا بقوة

وبعد محاولاتٍ كثيرة فاشلة لم تتحرّك الحافلة من مكانها ! 
فعادوا مُحبطين الى الداخل , لكنهم لاحظوا ان احدهم ظلّ بالخارج ..فنادى عليه العريف :
- سعيد !! إدخل قبل ان تُصاب بضربة شمس
فردّ عليه بصوتٍ عالي :
- اريد دخول الحمام !!
أحمد : حسناً , لكن لا تبتعد كثيراً 
- لا ادري الى اين أذهب , فالمكان مكشوف !!
- إذهب خلف الحافلة يا سعيد .. وانتم !! أغلقوا جميع الستائر  

وبعد قليل .. سمعوا صرخته !!!
فنادى العريف بصوتٍ عالي : سعيد !! ما بك ؟
فعاد الصبي الى الحافلة وهو يبكي ويترنّح بألم , فسأله العريف بقلق :
- ماذا حصل ؟!
- لدغني عقرب  
- ماذا !
وارتعب الجميع حين علموا بأنه كان يوجد عقرب في نفس المكان الذي كانوا فيه قبل قليل , ولسوء حظ سعيد انه لم يُلدغ غيره ! فأسرعوا بقفل الباب خلفه , خوفاً من دخول الحيّات والعقارب الى داخل الحافلة .. 

وبدأت قدمه تحمّر مكان اللدغة , كما بدأ يشحب لون وجهه ! 
فقال سعيد بتعب : أشعر بدوار والغثيان 
فعرف العريف ان عليه الإسراع بإسعافه .. فجعله يستلقي على ارضيّة الحافلة بعد ان فرشها بملاءة , ثم أخرج المعقّم من حقيبة الإسعافات وقام بتطهير الجرح .. فسأله أحدهم :
- الن تجرح ساقه لتخرج السمّ بفمك ؟ 
فقال أحمد وهو مازال يعالج سعيد : 
- لا , وايّاكم ان تصدّقوا ما تشاهدونه بالأفلام , فأنا درست الإسعافات الأولية وكل ما نستطيع فعله هو تهدئة المريض وإعطائه السوائل وتطهير الجرح حتى نقله للمستشفى
أحد الأولاد بقلق : الى ان يجدنا أحد وننقله للعيادة يكون سعيد ..
فقاطعه أحمد بنظرة معاتبة : كفى تشاؤماً !! بالنهاية هي لدغة بسيطة وسيُشفى منها .. اليس كذلك يا بطل ؟

لكن سعيد كان يتأّوه من الألم بعد ان ازدادت حرارته بشكلٍ ملحوظ , فوكّل أحمد صديق الولد المصاب بتغير الضمادات المبلولة على جبينه وهو يعلم انها ليست كافية لإنقاذ حياته , لكن ليس باليد حيلة! 
*** 

بعد ساعة .. قال أحد الأولاد للعريف بضيق : 
- اريد دخول الحمام ..لكني لن انزل الى هناك , كيّ لا أتأذّى مثل سعيد !
فأجابه العريف : أظننا جميعاً نريد دخول الحمام , لذلك سأنزل وأصنع واحداً لنا
فصرخ الطلاب بقلق : لا !! لا تذهب وتتركنا وحدنا
- لن أتأخر

وأخذ رفشاً صغيراً وعلبة قطران , وذهب الى خلف الحافلة وهو يلهج بالدعاء في سرّه : 
- ((بسم الله الذي لا يضرّ مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)) .. إلهي ساعدني ارجوك , فأنا كبيرهم ولا اريد الموت دون إنقاذهم فهم مسؤوليتي , فاحمني بقدرتك من شِرار الحيوانات والحشرات.. اللهم آمين

ثم بدأ بحفر حفرةً عميقة , غطّاها بلوحين من الخشب بعد ان باعد بينهما ليصبح كالحمام الأرضي , ثم وضع حوله الكثير من القطران الذي بالعادة رائحته تُبعد الزواحف الضارة عن المكان .. 


وبعد انتهاء هذه المهمّة بسلام , أتت مشكلة ثانية حين بدأ الجميع يشعر بالجوع مع منتصف الظهيرة .. 
فسألهم العريف : الم يتبقى معكم سندويشات نتقاسمها فيما بيننا ؟
لكنهم أجابوا بأنهم أنهوها في ليلة البارحة .. الا ان الولد السمين فاجأهم بإخراجه من مؤن رحلته شوالاً من البطاطا وزيت للقلي وطنجرة !
العريف بدهشة : ولما أتيت بكل هذا وانت تعرف بأنه يوجد مطاعم على الساحل ؟! 
فأجاب : امي قلقت ان يُجبرنا المعلم على الإعتماد على أنفسنا حين نخييم هناك , فأصرّت أن آخذهم معي لأنها تعرف عشقي للبطاطا
فابتسم العريف براحة : من الجيد انها فعلت .. وأذكر انني رأيت الأستاذ يشتري ثلاث ربطات من الخبز قبل تحرّكنا , سأبحث عنها في حقيبته 

وبالفعل وجد الخبز مع اربع معلّبات من الفاصوليا كانت كافية لإسعاد الجميع 
ثم سأل العريف الطلاب : من منكم سيطبخ لنا ؟
فأجاب الولد السمين بحماس : انا طبعاً !! لكني اريد أثنين على الأقل ليساعدونني بتقشير البطاطا 
العريف : لا اريدكم ان تقشّروا كل البطاطا , فنحن لا نعرف كم سنبقى هنا .. إطبخوا فقط علبة فاصوليا وعشر حبات بطاطا بحيث يحصل كل واحداً منا على صحنٍ صغير 
فسأله ولدٌ ثاني : وماذا عن الماء ؟
العريف : ليحافظ كل واحداً منكم على زمّزميّته
فردّ أحد الأولاد بقلق : لكنني أنهيتها البارحة !
ووافقه اربعة أولاد آخرون !

العريف بقلق : هذه مشكلة .. اذاً اريدكم ان تحضروا كل قناني الماء اليّ , وأنا أقسمها عليكم بالتساوي وبكمياتٍ صغيرة
وهنا سأله الولد المنطوي (مروان) الذي يُشاركهم الرأيّ لأول مرة منذ بداية الرحلة :  
- والى متى يا أحمد سنبقى هنا ؟ على أحدِنا ان يذهب ويطلب مساعدة
فردّ العريف أحمد بحزم : لا !! إيّاكم ان يبتعد أحدٌ عن الحافلة , فأهالينا حتماً سيقلقون حين لا يُطمئنهم أستاذنا المرحوم بوصولنا الى الساحل  وحينها سيطلبون من الشرطة البحث عنّا بحيث سيكون أسهل عليهم البحث من طائرة الهليكوبتر على حافلةٍ صفراء , على أن يبحثوا عنّا فرداً فرداً مشتّتون بالصحراء الشاسعة .. فهل استوعبتم المشكلة ؟!!

فسأله ولدٌ آخر : والى متى سننتظر هنا ؟
العريف : على أبعد تقدير ...اسبوع
فشهق الطلاب برعب : اسبوع !
العريف : قلت !! على أبعد تقدير , لأن أهلنا يتوقعون عودتنا بنهاية الإسبوع
فقال الولد السمين بقلق : لا أظن طعامنا سيكفي كل هذه المدة ! والمشكلة الأكبر هي الماء فنحن ليس معنا سوى ثلاثة قناني كبيرة وسبع عشر صغيرة , وأكيد الظمأ سيشتدّ مع هذا الحرّ القاتل بعد ان أطفأت المكيف 
العريف : أطفأته خوفاً على البطارية , فنحن بحاجة للإنارة في المساء.. كل ما اريده منكم ان تقلّلوا من شرب الماء قدر المستطاع وتحمّل العطش قليلاً  

فقال صديق المريض سعيد بقلق : وماذا عنه ؟ فهو نائم منذ ساعات وحرارته في ازدياد , كما تورّمت قدمه كثيراً !
فسكت العريف مُحتاراً .. فسأله الولد المنطوي :
- وماذا عن جثة الأستاذ ؟ ...اليس من المفترض دفنه قبل ان يتحلّل بالحرارة ؟!
العريف : معك حق مروان .. من الأفضل ان نفعل ذلك قبل حلول المساء 
فسأله ولدٌ ثاني بقلق : وماذا عن عائلته ؟  
العريف : في حال انقذونا نُخبرهم بشأنه , فينكشوا قبره ويرسلوا بجثته لأهله .. اما الآن سننقسم الى فريقين : فريق يطبخ لنا , وفريق يساعدني بعملية الدفن .
فقال أحدهم بحزن : انا لا استطيع رؤيتكم وانتم تلقوا التراب فوق وجه استاذي العزيز , لذلك سأساعد في تحضير الطعام 
وقال الثاني وهو يمسح دموعه : وانا سأكون معك 
***

بعد قليل .. قام البعض بمساعدة العريف في إخراج جثمان الأستاذ الى الخارج , ثم بدأوا بالحفر على بعد امتارٍ من مكان الحافلة مُستخدمين الرفش الصغير وأيديهم بعد ان خفّت حرارة الرمال عصراً ..

وقبل الدفن ..قام العريف بإخراج اوراق الأستاذ الثبوتية وحفظها داخل كيس بلاستيكي مع مفاتيح منزله ليُعيدها (ان حالفه الحظ) لأهله , كما أخرج القدّاحة للإستفادة منها لاحقاً ..
وهنا مازحه مروان قائلاً : 
- أعطني علبة دخانه لأجرّبها 
لكن العريف نظر اليه بعتاب بعد سحقه لعلبة السجائر بيده ورميها بعيداً , قائلاً له : 
- لا تُفسد رئتاك بهذه القذارة 

الا انه في هذه اللحظات إنتبه بأن المحفظة وكذلك جيوب الأستاذ كانت خالية من المال ! رغم انه رآه يشتري من الإستراحات التي توقفوا عندها البارحة ..  
فصرخ العريف غاضباً في وجه زملائه :
- من سرق الأستاذ ؟!! 
فاندهش الجميع من الأمر والتزموا الصمت ! فمعلمهم كان أخبرهم في بداية الرحلة إنه أحضر ربع معاشه ليعزمهم على مطعمه المفضّل عند الشاطىء .. 

وحينها عاتبهم العريف قائلاً :
- هل يُعقل ونحن في ظلّ هذه الأزمة الصعبة ! حيث الله وحده يعلم ان كنّا سننجو منها ام لا , يقوم أحدكم بهذه المعصية ؟! كيف اذاً سيُستجاب دعائنا وفينا من لا يخاف ربه ؟! .. إسمعوني جيداً !! سأعطي السارق فرصة حتى الغد , إن لم يُعيد المال داخل هذه المحفظة التي سأضعها فوق مقعد السائق , سأقوم بتفتيشكم الواحد تلوّ الآخر الى ان أجدهم , وحينها سأطرده خارج الحافلة لينام وحده بهذا الجوّ الحارق !! فهذه الأموال من حقّ عائلة الأستاذ .. وفي حال عدنا سالمين الى الديار , سأعيده لهم مع أغراضه الشخصية .. هل كلامي مفهوم ؟!! 

وسكت العريف قليلاً محاولاً تمالك أعصابه .. ثم نادى الجميع ليصطفّوا بجانب الجثة :  
- والآن دعونا نصلي صلاة الجنازة , ومن ثم ندفنه ..
فسأله أحدهم : وكيف ستعرف اتجاه القبلة ؟!
- معي بوصلة الأستاذ , وهي تشير الى هذا الإتجاه .. فهيا تيمّموا بالتراب لأننا سنترك ماء الإستخدام للشرب , فهي حتى لوّ كانت غير معقّمة تبقى أفضل من الموت عطشاً
*** 

وبعد الدفن وقراءة الفاتحة عليه .. ألقوا السلام الكشفيّ امام قبره وهم ينشدون له أغنية الكشّافة ويبكون حزناً لفراقه .. 
ثم عادوا مُكتئبين الى الحافلة ليجدوا الولدين يحاولان مساعدة الولد السمين في إشعال موقد الغاز الصغير لقلي البطاطا , فعاتبهم العريف :
- أتريدون حرق الحافلة ؟! هيا انزلوا وأقلوها في الخارج !! 
الولد السمين بقلق : وماذا عن العقارب ؟!
ففكّر العريف قليلاً , قبل ان يقول :
- لك الحق ان تخاف .. لكن بجميع الأحوال سيحلّ المساء بعد قليل ولا يمكننا النوم طوال الوقت فوق مقاعدنا فهذا سيؤذي عظامنا , لذلك سنقوم بالتخييم في الخارج بعد ان نضع القطران حول خيمنا لتحمينا من الحشرات .. فهيا جميعاً !! إنزلوا حقائبكم وابدأوا بنصب الخيم , فالجوّ بدأ يبرد قليلاً 

فرضخوا لأوامره رغم تفضيلهم البقاء داخل الحافلة مع سعيد الذي كان يستيقظ من وقتٍ لآخر للخروج من الحافلة بمساعدة صديقه لتقيؤ او لإصابته بإسهال , ممّا أقلق العريف على صحته التي تدهوّرت بشكلٍ ملحوظ بعد فقدانه لشهيته وتورّم قدمه بشكلٍ خطير! 
*** 

في الخارج .. أسرع الأولاد بنصب خيمهم وتجميع الحطب لإيقادها مساءً في حال ازدادت برودة الجوّ , كما انهم أنهوا آخر علبة قطران في مكانٍ آخر امام الحافلة ليكون مطبخهم حيث وضع فيه الولد السمين خالد أغراض المطبخ لقليّ البطاطا وتسخين المعلبات .. 

فاقترب منه العريف ليجده غاضباً :
- ما بك يا خالد ؟
خالد وهو يلوّح بيده بعصبية : الذباب اللعين !! لقد أتعبني ..والحرارة هنا مرتفعة أمام النار .. كما انني خائف من انتهاء عبوة الغاز الصغيرة قريباً 
- المهم ان تُنهي بها القلي , وغداً نطبخ على الحطب ..خذّ إمسك ..هذه ولاعة الأستاذ ستحتاجها غداً لإيقاد النار , وحاول ان لا تضيعها 
- لا تقلق , سأحافظ عليها 
- سأتركك لتُكمل عملك , لكن استعجل قليلاً فقد جعنا كثيراً
- أوشكت على الإنتهاء مع انني أجد الكمية قليلة جداً , وبالكاد تكفيني وحدي
- لا رجاءً ! عليك التقليل من شهيتك , فنحن بحالة طوارىء
- لا تقلق , سأتخيّل نفسي أقوم بحميّةٍ غذائية .. لكن بعد خروجنا من هذه الورطة , أحلف انني سأغزو مطاعم الوجبات السريعة
فضحك العريف : في حال خرجنا من هنا سالمين , أعدك أن أعزمك على المطعم الذي تختاره من مصروفي الخاص 
الولد السمين خالد مبتسماً : إتفقنا إذاً 
***

وبعد انهائهم للطعام , جلسوا يتحادثون سويّاً قرب خيمهم ..فلاحظ العريف الولد الإنطوائي فوق سطح الحافلة يبحث في الإرجاء .. فناداه بصوتٍ عالي :
- مروان !! ماذا تفعل فوق ؟!
فأجابه : الرياح ازدادت مع اقتراب المساء وأخاف ان تُمحى آثار عجلات الحافلة , لذلك أقترح ان يتتبّعها أحدنا الى ان يصل للطريق العام , ويُوقف أحد السيارات المارّة لتنقذنا
العريف بغضب : قلت ألف مرة !! لا أحد سيبتعد عن الحافلة
فقال مروان بعناد : إذا كنت خائفاً من المخاطرة فسأذهب وحدي لإيجاد المساعدة , فأنا لن أبقى هنا الى ان ينتهي الطعام والماء ونأكل بعضنا البعض من شدة الجوع !
العريف بعصبية : ماهذه الدراما التي تعيش فيها ! بالتأكيد أهالينا لن يسكتوا على غيابنا , وربما يتصلون غداً بالشرطة .. وأظن انه بإمكاننا تدبّر أمورنا في اليومين التاليين .. فلا تنشر التشاؤم بيننا , فنحن بألف خير 

وهنا ! سمعوا جميعاً صرخات صديق سعيد من داخل الحافلة حين دخل لإطعامه بنفسه ..
- تعالوا بسرعة !!
العريف بقلق : ماذا هناك ؟
فوقف عند باب الحافلة وهو يبكي :
- إسرعوا !! سعيد يحتضر !

فأسرعوا جميعاً الى الداخل ليجدوا سعيد يلفظ أنفاسه الأخيرة !
فتمّتم العريف في نفسه بضيق : يا الهي ! جثةٌ أخرى
بينما انهار صديق سعيد بالبكاء : سنموت جميعنا هنا !!

ولم يعد في مقدور مروان الإنتظار أكثر .. فقام بأخذ قنينة ماء كبيرة وعلبة فاصوليا ..كما وضع كشّافاً صغيراً في جيبه , بعد ان لفّ غترة الأستاذ على رأسه ..
العريف بقلق : ماذا تظن نفسك فاعلاً ؟!
مروان بتصميم : انا لن أبقى هنا أنتظر دوري لأموت , سأذهب حالاً لإحضار المساعدة لكم ..أعدكم بذلك !!
أحدهم صارخاً بخوف : لا تفعل يا مجنون !! 

لكنه خرج من الحافلة مُبتعداً وهو يتتبّع ما تبقّى من آثار الحافلة التي حُفرت بالأراضي الصلبة , بينما أختفى معظمها بالرمال !
فقال ولد وهو يراقبه من النافذة بحزن : وهآقد مات شخصٌ آخر !
العريف صارخاً , ومتجاهلاً قرار مروان الذي عصى أمره : 
- كفّوا عن التشاؤم !! ولنعود الى خيمنا , فبعد قليل سيعمّ الظلام .. لكن علينا اولاً دفن سعيد
***

وبحزنٍ وببكاء دفنوه بجانب الأستاذ , ثم ناموا في خيمهم .. الا ان بعضهم أصرّ على النوم داخل الحافلة 
***

في منتصف الليل .. استيقظوا على نباح كلاب يقتربون من المكان مع اشتداد البرودة
فرفع العريف صوته : استيقظوا جميعاً وتوجهوا للحافلة بسرعة !!

فأسرعوا للداخل وأغلقوا الباب والنوافذ خلفهم , ليتفاجئوا بثلاث كلاب ضّالة إحتلت المكان .. حيث قام أثنين منهم بتمزيق الخيم بحثاً عن الطعام , بينما اشتمّ الثالث رائحة الجثتين وبدأ ينبش قبرهما !

فأسرع العريف بفتح شقّ من نافذته وبدأ برمي عليه بعض قناني الماء الفارغة وهو يصرخ بعلوّ صوته كيّ يخيفه ... 
فابتعد أخيراً عن القبرين لينضمّ الى الكلبين اللذان ظلاّ ينبحان أسفل النوافذ التي اجتمع خلفها الطلاب وهم يراقبون الوضع بخوفٍ شديد !
 فقال أحدهم برعب :
- انظروا كيف تُضيء أعينهم ! هل هم من الجن ؟!
الا ان العريف فاجأهم قائلاً :
- لا , بل هم كلاب حراسة مدرّبة
الطباخ خالد : أتقصد اننا قريبون من إحدى القرى ؟!
العريف : ليست قرية , بل أظن ان قبائل البدو لا تبعد كثيراً من هنا .. فهذه الكلاب عادةً تستخدم في الصيد لكن ربما تاهوا عن صاحبهم او استغنى عنهم بعد ان كبروا في السن لذلك أصبحوا شرسين من الجوع 
فقال خالد : أتظن ان مروان سيجد قبائل البدو ليساعدونا ؟
العريف : ان سار باتجاه خيمهم , فسيجد أحدهم حتماً .. فهذه الكلاب جعلتني أتفاءل بالنجاة من هذه المصيبة , رغم تمزيقهما لخيمنا !
***

بعد ساعة .. ابتعدت الكلاب عن خيمهم الممزقة للبحث عن الطعام في مكانٍ آخر ..
فقال أحدهم : أرأيتم !! كان قراري صائباً في النوم داخل الحافلة , فالوضع بالخارج غير آمن خاصة مع ازدياد البرودة
فردّ الآخر : لكننا على الأقل بالخارج إستطعنا إشعال النار للتدفئة , اما هنا ماذا سنفعل لتجنب هذا البرد القارص ؟
العريف : إلبسوا جميع غيارات الملابس التي أحضرتموها معكم , لكن إخلعوها صباحاً قبل ارتفاع الحرارة
فتنهّد أحدهم بضيقٍ ويأس : ما هذه الحالة التي نحن فيها ؟! جحيمٌ في الصباح وزمهريرٌ في الليل !  

وهنا فاجأهم أصغرهم قائلاً وهو ينظر نحو السماء من نافذته : 
- تعالوا وانظروا الى القمر !!
العريف : ماذا هناك ؟!
وتجمّعوا الطلاب حول النوافذ ليروا القمر ..
فقال الصغير بحماس : انظروا كم هو واضحٌ وجميل ! كما ان اعداد النجوم بالمئات .. بل بالملايين !! 
فعاتبه أحدهم : هذا ليس وقت الشاعريّة ايها الصغير 
وقال الثاني ساخراً : أظنه متأثّر برسوم الكرتون
لكن العريف فاجأهم قائلاً : لا معه حق , فالمنظر جميلٌ جداً وعلينا جميعاً تأمّل جمال الطبيعة  

فعمّ السكون الحافلة بعد ان انبهروا بمنظر السماء الذي أضاءت ظلمته النجوم والقمر المنير 
وأثناء مشاهدتهم لإبداع الخالق , إستغلّ الولد السارق إنشغالهم ليقوم بإعادة مال الأستاذ الى المحفظة (الموضوعة فوق كرسي القيادة)..وكان العريف الوحيد الذي لاحظه , لكنه فضّل تجاهل الأمر كيّ لا يفضحه .. 

وبعد ان عاد الطلاب الى مقاعدهم ليرتّبوا نومهم , قام العريف بوضع المحفظة الممتلئة بالمال مع بقيّة الأغراض الشخصية للأستاذ في درج القيادة .. 
ثم سألهم العريف :
- هل ستنامون فوراً , ام أخبركم بقصة جميلة ؟
فأجابوه بحماس : إخبرنا بقصة !! 
لكن الطباخ قال له : لكن رجاءً لا نريد قصص جن وأشباح فوضعنا لا يحتمل المزيد من الخوف 
العريف مبتسماً : بالطبع لن أفعل يا خالد .. بل هي قصص جميلة أخبرني بها جدي حين كنت صغيراً .. وحكايتنا الأولى عن صديقه البخيل .. بالحقيقية هي مضحكة قليلاً .. اسمعوا ..

وبدأ يسرد لهم القصص : بعضها أضحكتهم , وقصصٌ أخرى كانت فيها دروساً أخلاقية سامية , أعجبتهم كثيراً .. 
وقبل ان يُنهي قصته الأخيرة , نام آخر ولدٌ فيهم .. ليعود العريف الى مقعده وهو يتمّتمّ :
((وهآقد إنتهى هذا اليوم الطويل .. كم أتمنى من الله ان يوفقك يا مروان بإيجاد المساعدة .. وكان الله في عونك بنومك وحدك بالعراء ايها البطل الشجاع))
*** 

في جهةٍ إخرى من الصحراء .. وبعد ان أكل مروان علبة الفاصوليا باردة , نام متكوّراً على نفسه وهو يتألّم من شدّة البرد , ويستيقظ مع كل حركة يسمعها بجواره ..
فتمّتم قائلاً بتعبٍ وقلق : 
((ماذا فعلت بنفسي ؟! كان الأفضل لوّ واجهت مصيرهم بدلاً من الموت وحدي في العراء لتأكل جثتي السباع ولا يجد اهلي شيئاً من أثري ليدفنوه .. (ثم مسح دمعته) .. لا !! كفّ يا مروان عن التشاؤم .. اساساً لا أحد من الطلاب يحبني .. حتى والدي .. 

ثم فجأة ضحك بألم , وقال بصوتٍ مسموع : ابي !! هل تسمعني ؟ لطالما عاملتني بقسوة بحجّة انك تريدني ان أصبح رجلاً , وهآ انا الآن مُجبر على مواجهة مصيري لوحدي .. لكنني أعدك ان أجعلك فخوراً بي وأنقذ الجميع .. ربما حينها تُحبني كما كنت تفعل قبل وفاة امي ! .. ستحبني , اليس كذلك يا ابي ؟ ام انني أهذي .. 
وظلّ يبكي الى ان غفى من شدّة التعب والإرهاق  
***

في الصباح الباكر .. استيقظ الكشّافة على اهتزاز الحافلة بسبب عاصفة رملية مفاجئة , فأسرعوا بالتجمّع في الوسط وهم يدعون ربهم ان تمرّ العاصفة بسلام !
*** 

وفي الجهة المقابلة من الصحراء .. كان وضع مروان اسوأ بكثير حيث حاول التشبّث بجزع شجرةٍ يابسة كيّ لا تطيّره العاصفة .. وقد أوشك على الهلاك بعد ان أبعدت الرياح قاروة مياهه ! 
فصرخ بعلوّ صوته وهو مُغمض العينين لحمايتهما من الرمال المتطايرة : 
- يارب ساعدني !!!!!  
***

بعد ساعة , هدأت العاصفة .. ولم يُصبّ من الأولاد الا ولداً واحد أصابته حجرة صغيرة إخترقت زجاج نافذته لتشجّ رأسه , لكنه لم يُدرك ذلك الا بعد ان لاحظ الولد الذي بجانبه تلوّث قميصه من الخلف بالدماء .. فقام العريف بتضميد جرحه وهو يهدّئه قائلاً : 
- هيا كفّ عن البكاء , انه جرحٌ بسيط
- لا اريد ان اموت , كما مات الأستاذ وسعيد ..ومروان ايضاً
العريف : مروان لم يمت بعد , بل عندي احساس إنه وجد من يساعدنا .. فقط إدعوا له  
فقال ولدٌ آخر بيأس : أحقاً تظن انه نجى من هذه العاصفة الهوجاء؟!
فسكت العريف بعد ان أدرك معهم ان نجاته مستحيلة , لكنه لم يكن يرغب في فقدان الأمل ! 
***

بعد انتهاء أزمة العاصفة .. نزل الطلاب من الحافلة لتجميع الحطب اللازمة لتدفئة المساء كما لطبخ ما تبقّى من البطاطا .. 
وقام العريف بإرسال إثنين من الطلاب للبحث عن المياه في الجوار , او عن أيّ شيءٍ يؤكل سواءً صبير او ارنباً برّي مثلاً ..

فجأة ! سمع الجميع صراخ الطباخ خالد على صديقه الذي كان يساعده بتقشير البطاطا ..  
- يا غبي !! لقد أحرقت الطعام  
فردّ عليه صاحبه : انت تأخّرت في الحمام كثيراً
- أصابني اسهال..الم أخبرك ان تُبعد الطنجرة عن النار بعد دقيقتين ؟!  

وهنا اقترب العريف منهما , ليسأل الطباخ بقلق :
- ماذا حصل يا خالد ؟!
فأجاب بعصبية : كما ترى .. لقد إسودّت البطاطا بالكامل أثناء إنشغال الغبي بالحديث مع صديقه 
العريف بغضب : اللعنة !! الا تدركان انه كان طعامنا الأخير ؟!
ووسط معاتبة الأصدقاء لهما , صرخ أحدهم من بعيد قائلاً :
- ضبّ !! هناك ضبّ تحت الحجر .. انه كبير !!

فأرسل العريف اليه ولداً آخر , إختاره لهذه المهمّة : لأنه يعلم بأنه عادةً ما كان يذهب لصيد البرّ مع والده , فهو لديه الخبرة بهذه الأمور.. 

وبالفعل !! قام الصبي باصطياد الضبّ بمهارة , وأحضره اليهم .. 
فقال أصغرهم بقرف : وهل بتنا نأكل السحالي ايضاً ؟!
فأجابه العريف مُعاتباً : وهل تفضّل الموت جوعاً ايها الصغير ؟!
فسكت بضيق .. ثم قال العريف للجميع :
- إسمعوني جيداً !! نحن في ظروفٍ استثنائية ولا وقت لدلال .. إعتبروا أنفسكم في ساحة حرب وعلينا ان ننضج بسرعة .. لذلك نحن مضّطرون لأكل أيّ شيء يتحرّك في سبيل البقاء أحياءً .. هل فهمتم ؟!!
***

وفي الجهة الأخرى من الصحراء .. وصل مروان أخيراً الى بئرٍ قديم بعد ان لحق سراباً ظنّه واحة .. لكنه صرخ يائساً حين رآه مُتهدّماً وجافاً تماماً ..ولم يعد باستطاعته تحمّل المزيد , ورفع أصبعه مُتشاهداً بعد ان أدرك قُرب أجله .. ثم انهارت قواه , ليقع على الأرض دون حراك ! 
***

في هذا الوقت .. اقترب العريف من خالد الذي كان ينظّف الضبّ بقرف , وقال له مُمازحاً : 
- الم تقل ان حلمك ان تصبح طباخاً ؟
فأجابه بعصبية : نعم في فندقٍ فخم ..فهل رأيت أحد الأغنياء يأكل ضبّاً ؟
- الا يأكلون الكافيار والأخطبوط والسلطعون ؟ إعتبره أحد طبخاتهم الغريبة
خالد وهو يتنهّد بضيق : حسناً .. سأحاول 
وقام بتنظيفه , ومن ثم شويه .. فأكل الأولاد بضع لقيمات منه وهم مُتقرّفين , ما عدا الولد الذي اصطاده حيث كان مستمتعاً بطعمه الذي لم يكن غريباً عليه ! 
***

لكن بعد ساعة .. أُصيب أصغرهم بتسممٍ غذائي حيث تقيّأ أكثر من مرة وارتفعت حرارته .. وصار يلوم العريف وهو يبكي بغضب :
- قلت لك انني لا اريد أكل الضبّ !! لكنك أجبرتني على تذوقه .. والآن سأموت بسببك 

وخاف الجميع ان يمرضوا مثله , لذلك أبعده العريف عنهم بوضعه داخل الحافلة حيث حاول هناك علاجه قدر المستطاع ..
العريف : جيد ان الأستاذ أحضر معه الشايّ الأخضر .. هيا اشربه ليخفّ ألمك
الصغير وهو يمسح دموعه بخوف : عدّني انني لن اموت هنا , فأنا أخاف من البقاء وحدي بالصحراء 
فقال له مُهدّئاً : لا تخفّ , لن يموت أحداً ثاني هنا

وقبل ان يُكمل جملته , سمع صراخاً من خارج الحافلة !!! 
فركض العريف الى هناك ليرى من بعيد أحد الأولاد الذي أرسله للبحث عن الماء غارقاً الى نصفه بالتراب ! 
بينما وصل صديقه الآخر اليه لاهثاً : 
- أحمد !! ساعده ارجوك 
العريف بقلق : ماذا حصل له ؟! 
- رأى أرنباً برّي وأسرع باللحاق به , لكنه غرق في الرمال ولم أستطع سحبه !
العريف بقلق : ربما هي رمال متحرّكة .. لا أحد يقترب منه !!
صديق ذلك الولد : لكنه يغرق !
فصرخ العريف آمراً : ليُسرع أحدكم ويحضر لي الحبل من داخل الحافلة .. هيا بسرعة !!

فأحضر أحدهم حبلاً طويلاً , قام العريف بربط حجرة في طرفه .. ومن ثم ذهبوا جميعاً قرب الوحل .. ورماها بكل قوته للولد الذي أمسكها في المحاولة الرابعة , بينما حاول رفاقه سحبه من الجهة الأخرى قبل وصول الرمال الى فمه .. الا ان ثقله تضاعف بسبب الوحل ! لكنهم ظلّوا يشدّونه بكل قوتهم الى ان أخرجوه من هناك بصعوبة .. لينهار باكياً بعد ان رأى الموت بعينيه !

فقام العريف بتهدئته , بينما ساعده صديقه بتغير ملابسه المُوحلة ..
ثم قال العريف للجميع :
- إيّاكم ان يبتعد أحد عن الحافلة !! فنحن لا نعرف الصعوبات التي بالجوار .. فأنا لا اريد موتى آخرين ..

وبهذه اللحظات .. سقط أحد الأولاد أرضاً : 
العريف : يا الهي ! ماذا به ايضاً ؟ 
وحين لمس جبينه , وجد حرارته مرتفعاً ..
العريف : ضربة شمس .. كنت متوقعاً ان أحدنا سيُصاب بها .. هيا إحملوه الى داخل الحافلة .. والأفضل ان ندخل معه , لأن الحرارة الآن في ذروتها مع انتصاف الظهيرة ..
***

وفي الداخل .. وضعوا قماشة مبلولة على رأسه , بالوقت الذي كان فيه الصغير استفاق من نومه بعد ان خفّت أعراض تسمّمه ..
وبعد ان إطمئن عليهما العريف , تهالك فوق مقعد السائق وهو يقول في نفسه : 
((يارب ..عجّل بالفرج , فالأمور خرجت عن السيطرة.. ولم أعدّ استطيع تحمّل كل هذه المسؤولية لوحدي ... كم أتمنى ان تكون يا مروان بخير , وفي طريقك لإنقاذنا .. فجسمي يكاد ينهار من التعب !)) 
*** 

وبهذه اللحظات , وفي مكانٍ آخر من الصحراء ... نادى شاب بدوي على صديقه : 
- تعال الى هنا !! واحضر معك الماء فوراً  
وأتى صديقه ليجد مروان يحتضر , فقاموا بإشرابه الماء على مهل  

وفور استيقاظه حاول إخبارهم بشأن الكشّافة , لكن لسانه كان ثقيلاً من شدة الإعياء .. فقال له البدوي :
- لا تتعب نفسك في الحديث , ستُخبرنا كل شيء بعد ان نصل الى خيمنا ..
ثم حملاه فوق ناقتهما متوجهان الى خيم البدو
***

استيقظ مروان مساءً ليجد الطعام بجانبه , فانقض عليه يأكله بشراهة بعد أن هدّه الجوع .. 
وبعد انهائه للطعام , حمد ربه على بقائه حيّاً بعد هذه المغامرة المجنونة .. 
ثم دخل عليه الشاب البدوي وهو يقول : 
- الحمد الله على السلامة .. والآن إخبرني , ما اسمك ؟ ومالذي أحضرك وحدك الى  الصحراء ؟!
مروان : هل انت من الطوارق ؟
- نعم ..نحن من قبائل الأمازيغ والبربر , وهناك قسمٌ منا يسمّى الصحراوة... لكن هناك شعوباً أخرى تعيش الصحراء غيرنا مثل : التبو ، النوبيون ، الزغاوة ، الكانوري ، الهوساوة ، السونغاي ، والفلان او الفولاني.. فالصحراء الكبرى هي أكبر صحاري القارة الأفريقية وتمتدّ كثبانها في معظم شمال افريقيا .. المهم الآن .. إخبرني ماهي قصتك ؟

فأخبره مروان بما حصل لفريق الكشّافة , وطلب منه إخبار بقيّة البدو للإسراع بمساعدتهم .. 
فردّ عليه : سنفعل ذلك ان شاء الله مع تباشير الصباح 
مروان باستغراب : غداً ! ولما ليس الآن ؟!
- لأننا نحتاجك معنا لتدلّنا على طريق الحافلة , وجسمك مازال ضعيفاً .. لذا حاول ان ترتاح قليلاً .. وانا سأذهب لإخبار الجميع بتجهيز الطعام والشراب لرفقائك لأخذها معنا على ظهور أحصنتا ..فهيا عدّ للنوم , لأننا سننطلق لرحلتنا باكراً
***

اما الوضع في الحافلة فكان سيئاً بعد ازدياد البرودة عن الليلة السابقة ! .. فاضّطر العريف لإنزال الجميع الى خارج الحافلة وإشعال الحطب لتدفأتهم .. فجلسوا في حلقة حول النار مُستفيدين من القطران التي وضعوها سابقاً حول خيمهم , وهو يتغطّون بلحافاتهم الخفيفة التي بالكاد تدفئهم .. 
وصاروا يردّدون سويّاً بصوتٍ واحد : آمين !!! خلف أدعية العريف وهو يستغيث الله طالباً النجاة له ولأصدقائه من هذه المصيبة.. 
ومن ثم ناموا جنباً الى جنب محاولين الحصول على التدفئة قدر الإمكان 
*** 

في صباح .. استيقظ الأولاد على صوت صهيل الأحصنة الثلاثة للطوارق وصلوا اليهم برفقة مروان الذي ناداهم بفرح وبنبرة المنتصر :  
- هآقد عدّت بالمساعدة كما وعدتكم يا اصدقاء !!
فهجموا عليه يحتضنونه بفخر وامتنان ..وكان العريف أكثرهم فرحاً برؤيته سالماً , وقد هنّأه على شجاعته النادرة 
- أحسنت يا بطل , انا فخورٌ جداً بك .. ووالدك ايضاً سيفخر بك 
مروان بابتسامةٍ مُنكسرة : أتمنى ذلك يا أحمد 

وقد قام الطوارق بإشرابهم الماء وإعطائهم اللحم المقدّد الذي أكلوه بنهمّ ..في الوقت الذي أطلعهم فيه العريف على مكان الجثتين .. 
فقال له البدوي :
- يبدو ان موت استاذكم كان من فرط الإجهاد .. امّا موت الولد سعيد فمحزنٌ حقاً , لأن لدغة العقارب بالعادة غير مميتة ويمكن علاجها بوضع نوع من الأعشاب على الجرح , لكن يبدو اننا تأخّرنا عليه 
فقال البدوي الآخر لصاحبه :
- ولا تنسى عامل الخوف الذي ساعد في إسراع نبضات قلب الولد 
العريف بدهشة وحزن : أتقصد ان خوف سعيد من لدغة العقرب كان المُتسبّب في موته , وليس السمّ بحدّ ذاته ؟!
فأجابه البدوي الثالث : 
- نعم , لأنه لم يقاوم بل استسلم لقدره .. رحم الله الفقيدين .. المهم الآن .. بعد ان اطمأنيت عليكم , سأذهب فوراً الى قسم الشرطة للقدوم اليكم .. فعددكم أكبر من أن نحملكم على أحصنتنا .. وانتم ..(موجهاً كلامه الى صديقيه البدو).. ابقوا معهم الى حين عودتي بالمساعدة
***

وبعد ذهابه .. تجمّعوا الأولاد حول البدوين اللذان أخبروهما بالكثير من قصص البدو الغريبة التي حصلت في الصحراء , وهم بدورهم استمعوا اليهما باهتمامٍ وذهول ! ولم يشعروا بمرور ثلاث ساعات كانت كافية لوصول الشرطة اليهم مع حافلة جديدة لإعادة الأولاد فيها الى منازلهم .. 
حيث استقبلهم الأهالي بالبكاء والأحضان بعد معرفتهم بما واجهه اولادهم في اليومين الصعبين بعد موت استاذهم ! 
لكن أشدهم حزناً كانت عائلة المعلم والطفل سعيد اللذان طالبا الشرطة بإعادة جثتهما لدفنها بشكلٍ لائق في عزاءٍ كبير أُقيم بعد أيام , حضره جميع الأولاد الكشّافة لتوديعهما من جديد 
***

وبعد العزاء ..إقترب العريف من والد الصبي سعيد حزيناً : 
- والله حاولت المستحيل لإنقاذ ابنك , لكنه ..
الأب مقاطعاً وهو يربت على كتفه : لا تشعر بالذنب يا بنيّ , فأنت قمت بعملٍ جبّار وبطولي لإنقاذ 29 طالباً .. 
فقال العريف أحمد وهو ينظر الى مروان الذي اقترب ايضاً لتقديم العزاء لوالد سعيد : 
العريف : والله ما كنّا لننجوا لولا البطل مروان .. 
فسلّم ابو سعيد على مروان بفخر : وانت ايضاً أحسنت , ايها المغامر الشجّاع
مروان وهو يشعر بالذنب : مع اني كنت أتمنى أن أنقذ ابنك , فهو كان محبوباً من الجميع
والد سعيد : لا عليكما فهذا قدره .. وسأظلّ فخوراً به وبكما 

وهنا اقترب ابو مروان منهم بعد ان سمع الحوار ووضع يده فوق رأس ابنه , قائلاً لوالد سعيد : 
- وانا ايضاً فخوراً بإبني البطل
فاندهش مروان لأنها المرة الأولى التي يمدحه فيها والده منذ مدةٍ طويلة ! بينما اكتفى العريف بالإبتسامة لصديقه وهو فرحٌ لانتهاء التوتّر بين الأب وابنه الذي دام لسنوات بعد وفاة زوجته ..  
***

مع بداية السنة الدراسية الجديدة .. تفاجأ الطلاب 29 بحفلٍ مدرسيّ ضخم تكريماً لبطولاتهم ..حيث حصل العريف أحمد على الدرع التكريمي لتحمّله كامل المسؤولية , كما لقراراته السديدة في تلك الرحلة التي ساهمت بإنقاذ حياتهم ..
كما أعطوا مروان شارة الشجاعة , لأنه خاطر بحياته لإنقاذ اصدقائه.. 

اما الطباخ خالد فقد ازدادت شعبيته بين الطلاب , خاصة بعد ان فاجأهم بعودته الى المدرسة وقد نقص كثيراً من وزنه بعد إتخاذه قرار الإنضمام لنادي رياضي في شهرين العطلة الماضية

اما بقيّة أعضاء الكشّافة فقد ازدادوا نضوجاً وتحمّلاً للمسؤولية بعد تلك التجربة , وقد لاحظ ذلك عائلاتهم ومعلميهم الذين كانوا فخورين بهم 
***

بعد انتهاء حفلة استلام شهادات التقدير .. اقترب الولد السارق من العريف وهو مازال يشعر بالذنب :
- كلكم ابطال ما عدايّ ! لكنني والله أخذت مال الأستاذ رحمه الله لأعطيه لأمي , لكنني نسيت انه من حقّ عائلته .. انا اعتذر عن تصرّفي وأعدك انني لن أسرق ثانيةً .. وأشكرك من جديد لأنك لم تفضحني امام اصدقائي
العريف مبتسماً : جميعنا تعلّمنا دروساً مهمّة في الحياة بعد تلك الحادثة .. المهم عندي ان تخاف الله في أفعالك , وليس فقط من كلام الناس
فأومأ الولد برأسه موافقاً..
*** 

ولاحقاً لقّبت الصحافة هؤلاء الأولاد الشجعان (بعد ان ذاع صيتهم في البلاد) : بكشّافة الصحراء , ليصبحوا قدوة للطلاب في جميع مدارس المغرب .
******

ملاحظة :
اولاً أشكر الأستاذ (حسين هاشم زاده) الذي أوحى لي بالفكرة .. 

وانا بدوري حاولت الإستفادة من قصة حقيقية رأيتها سابقاً في قناة ديسكفري حصلت لعائلة أجنبية : 
((حين رفض الأب الإنجليزي دفع المال لسائقٍ مغربي مُتخصّص بالأماكن السياحية , وفضّل استئجار سيارة بنفسه .. 
ليظنّ لاحقاً بأن باستطاعته اختصار الوقت باجتياز الصحراء , دون ان يُدرك بأنها من أكبر صحاري العالم ! 
وبعد ان غرزت سيارته هناك .. ودّع زوجته وولديه الصغار على أمل ان يجد قبيلة بدو تساعده .. 
ومشى ليومين كاملين , الى ان وجد بئراً جافاً ..فانهار باكياً , ليسمع بكائه بدوي كان يمرّ من هناك بالصدفة ..
وبعد إنقاذه , دلّه على مكان سيارة عائلته ..ليتفاجأ بأنها مدفونة بالكامل بالرمال , بعد ان ضربت زوبعة رملية المكان.. 
وحين فتحا باب السيارة بصعوبة , وجد عائلته جميعهم ميتون ! 
فأعاده البدوي الى الطريق العام , ومن هناك عاد الى الفندق وهو يلعن نفسه على  بخله الذي كلّفه حياة عائلته)) 

فهي قصة مستوحاة من أحداث حقيقية , أتمنى ان تعجبكم

الغزو الفضائي

تأليف : امل شانوحة حربٌ بين البشر ووحوش الفضاء - سيدي .. إسمع بنفسك ما قاله الولد عندما سألته عمّن سرق طعامي   فاقترب قائد وحوش ا...