الثلاثاء، 7 نوفمبر، 2017

البالونات السحرية

تأليف : امل شانوحة


لقد جمعنا القدر !

في عصر ذلك اليوم .. جلس رجلٌ عجوز في شرفته , يرتشف فنجان الشايّ الذي أعدّته له خادمته .. 
وكان شارد الذهن , حيث قال في نفسه بيأس :
- كل يومٍ كسابقه , لا جديد في حياتي .. (ثم تنهّد بحزن) .. يارب ! لما انا حيٌّ الى الآن ؟ لما لا تأخذني اليك لأرى زوجتي بعد ان سافر اولادي وتركوني وحيداً ؟! يا الهي ..لقد انهيت مهمّتي الدنيوية , فلما تبقيني في هذه الحياة الكئيبة ؟!

ثم عاد بذكرياته .. وتذكّر زوجته وهي تسقي الزرع في الشرفة , واولاده الصغار يلعبون من حولها .. 
فقال بحزن : اللهم لا إعتراض على حكمك .. لكني أتمنّى ان تُسخّر ما تبقّى من قوتي لفعل الخير .. 
وهنا أتت خادمته ومعها الصحيفة اليومية .. 
***

وبعد ساعة ..
وقبل ان يعود العجوز الى غرفته بعد انتهائه من قراءة الصحيفة , لاحظ بالوناً من الهيليوم يرتفع من الأسفل , ثم يعلق بقفص طائره (المعلّق بسقف الشُرفة) .. 

وعندما اقترب منه ..لاحظ ورقة معلّقة بذيل البالون , وكانت عبارة عن رسالة مكتوبة بخط طفلٍ صغير , قال فيها :
(( الهي !! ارجوك خذني اليك لأعيش مع امي .. فأنا لا اريد البقاء مع زوجة ابي , لأنها تضربني كثيراً .. وأعدك يا ربي بأن أكون فتاةً مطيعة في السماء))

فأطلّ العجوز الى أسفل عمارته , لكنه لم يرى أيّ طفلٍ في الشارع بعد ان قارب وقت غروب الشمس , فعرف بأن البالون إنطلق من أحدى الشقق التي تحت بيته ..

ولم يستطع العجوز النوم تلك الليلة , بعد ان إنشغل باله كثيراً بمشكلة هذه الطفلة المجهولة !
***  

وفي صباح اليوم التالي .. طلب العجوز من خادمته ان تنادي له البواب .. 
وبعد ان قدِمَ الى شقته , سأله :
- ابو علاء .. هل يوجد اطفالٌ في عمارتنا ؟
- بالطبع سيد احمد , هناك الكثير
- وكم طفل عندنا دون سن العاشرة تقريباً ؟
- لحظة دعني أفكّر....(وسكت قليلاً) .. أظن هناك 3 اطفال في العمارة .. فسكّان الطابق الرابع لديهم طفلان : أحدهما في سنته الأولى , والثاني اربع سنوات تقريباً
العجوز : وماذا عن الطفل الثالث ؟
البواب : هي بنت في الثامنة من عمرها , تعيش مع والدها وزوجته
العجوز بحماس : نعم , هذه هي !! 
البواب بقلق : ماذا تقصد ؟! 

- لا يهم , فقط إخبرني : ما اسمها , واين تسكن ؟
- اسمها لينا , وهي تسكن أسفل منك ..
- أتقصد في الشقة التي تحت بيتي ؟
- بالضبط .. لكن مالموضوع سيد أحمد ؟
- إخبرني اولاً ..هل صادف انك سمعت صراخ وبكاء هذه الصغيرة ؟ 
- نعم كثيراً .. حتى انني وجدتها مرة تجلس بحزن امام باب شقتهم .. وأعتقد انه في ذلك اليوم , قامت زوجة ابيها برميها الى الخارج  
العجوز بضيق : ألم يحاول أحداً من الجيران مساعدتها ؟!

- لا , لأن زوجة ابيها امرأة سيئة الطباع , وجميع من في المبنى يتجنّبها قدر المستطاع .. الم تسمع صراخ السيدة قبل ايام ؟
- أكانت هي ؟!
- نعم , ومن غيرها .. فهي اسوء شخص في العمارة كلّها , ولا ادري كيف يتحمّلها زوجها .. كان الله في عونه !
- وماذا عن والدة الطفلة , كيف كانت ؟
- كانت رائعة وطيبة والجميع يحبها .. رحمها الله 
- حسناً يمكنك الذهاب يا ابو علاء .. وشكراً لك

وظلّ العجوز طوال الليل يجمع المعلومات حول الطفلة لينا , بعد ان علِمَ بأن ابنة صديقه تعمل معلمة في مدرستها , والتي أكّدت للعجوز : بأنها لاحظت أكثر من مرّة آثار الضرب على جسمها .. هذا عدا عن نفسية الطفلة المتعبة من محاولة إخفاء مأساتها عن الجميع حتى عن والدها , ربما خوفاً من تهديدات زوجة ابيها لها , في حال عرِفَ أحدٌ بالموضوع !
*** 

وبعد اسبوع .. اراد العجوز ان يتمشّى لوحده حول المبنى ليحرّك عضلاته , بعد ان وعد خادمته بأن لا يبتعد كثيراً عن المكان .. 

وبعد ساعة .. عاد الى المبنى ودخل المصعد وهو يتكأ على عصاه , فأوقفته الطفلة لينا التي عادت من مدرستها :
- توقف يا عمّ !! اريد ان أصعد معك
- تعالي يا ابنتي
وبعد ان دخلت معه المصعد , سألها :
- هل انت لينا ؟
- وكيف عرفت اسمي يا عم ؟!

وكان على وشك ان يُخبرها برسالة البالون التي قرأها , الاّ ان الكهرباء إنقطعت فجأة ! ليعلق المصعد بهما .. 
فصرخت البنت بفزع !!! 
وحاول العجوز تهدأتها بعد ان أضاء نور جواله , قائلاً :
- لا تخافي يا لينا , سيُصلحه البواب بعد قليل ..اهدأي قليلاً
وهي مازالت تبكي : انا أخاف كثيراً من الظلام يا عمّ

ففاجئها بسؤاله :
- وهل زوجة ابيك تحبسك في غرفةٍ مظلمة ؟
البنت بدهشة : وكيف عرفت ذلك ؟! فأنا لم أخبر احداً بالأمر !
- لقد أخبرتني العصفورة وقالت لي : بأنك حزينة جداً بسبب قساوتها معك , فهل هذا صحيح ؟
فأجابته بحزن : هي لا تحبني , لأنني لست ابنتها 
- ولما لم تخبري والدك بالأمر ؟
- أخبرته سابقاً لكنه لا يصدّقني , وقال : بأن عليّ إطاعة اوامرها لأنها في مقام امي .. (ثم تسكت قليلاً) .. لكنها في العادة لا تضربني الا بعد سفره  
- وكم مرة يسافر والدك ؟ 
- مرة كل اسبوعين , وعادةً يغيب عنّا يوم الى اربعة ايام .. وهي تعاقبني دائماً في غيابه , حتى دون إرتكابي ايّ ذنب !  
- وماذا تفعل بالضبط ؟

فتنهّدت الطفلة بحزن , ثم قالت : تحبسني في الحمام بعد ان تُطفأ عليّ النور , فمكبس الإضاءة من الخارج , وأجلس هناك في الظلام لساعاتٍ طويلة .. وأحياناً تُمزّق كتبي , او ترمي الألعاب التي يُحضرها لي ابي من السفر .. هذا عدا عن الضرب والقرص وخربشة اظافرها في جسمي , فهي تتعمّد ان لا تجرح وجهي كي لا يلاحظ ابي ذلك .. لكن ما يحزن قلبي هو عندما تشتم امي المرحومة .. فأسوء يوم في حياتي : كان حينما مزّقت كل صوري القديمة  
ثم بكت الصغيرة قائلة : لم يعدّ لديّ ايّةِ صورة لأمي المرحومة , وانا خائفة كثيراً ان أنسى شكلها ! 

فربت العجوز على كتف الطفلة , وهو يشعر بالغضب الشديد اتجاه تلك المرأة الشريرة التي تحاول وبكل الطرق تدمير نفسيّة الصغيرة!

لكن فجأة ! أتته فكرةً غريبة , فسأل الصغيرة : أتذكرين اين كانت امك تتصوّر ؟
فأجابته بحزن : آخر صورة تصوّرتها معها , كانت قبل ان تدخل المستشفى منذ سنتين .. ومن ثم ماتت هناك 
- رحمها الله .. المهم إخبريني .. بأيّ محل تصوّرتما فيه ؟
- المحل الذي بآخر الشارع .. 
- نعم عرفته ..
- لما تسأل يا عم ؟

وهنا !! عاد المصعد الى العمل .. فخرجت الفتاة سريعاً بعد ان وصلت الى بيتها , حيث استقبلتها زوجة والدها على الباب بوجهٍ عابس , وقد لمحها العجوز الذي أكمل طريقه الى بيته (الذي فوقهم) وهو يقول في نفسه :
((عليّ فعل شيء لأنقاذ لينا من تلك اللعينة !!))
***

وبعد ايام .. شاهد العجوز لينا ترسم في شُرفة غرفتها (فهندسة العمارة تسمح لكل شقة برؤية نصف شُرفة الشقة التي تحتها) وفي نفس الوقت شاهد زوجة والدها تخرج من العمارة نحو الشارع , تاركةً الصغيرة لوحدها بالشقة , حيث كان البواب أخبره هذا الصباح : بأن والد الصغيرة سيغيب طوال الأسبوع القادم في رحلة عمل !
***

ولكم تفاجأت لينا بالبالون (العادي) الذي سقط فجأة في شرفتها بعد ان أثقله الكيس المعلّق به , والذي إمتلأ بالحلويات اللذيذة ! هذا عدا عن الرسالة المهمّة التي كانت بداخله .. والتي فيها : 

((حبيبتي لينا .. انا والدتك .. لقد وصلتني رسالتك , وحزنت كثيراً .. فأنا لا اريد لصغيرتي ان تفكّر بالموت ..صحيح انني بالجنة , واشتاق اليك كل يوم .. لكني مع هذا لا اريدك ان تأتي اليّ الا بعد ان تصبحي امرأةً عجوز ..اما الآن فأحتاج منك ان تنتبهي على والدك .. اما زوجته : فأنا سأعاقبها على طريقتي , لا تقلقي بشأنها .. فقط إهتمي بدراستك ..وان كنت تحبيني فعلاً , فلا تبكين بعد اليوم مهما كانت الأسباب ..عديني بذلك حبيبتي .. 
ملاحظة : 
ارسلت لك صورتنا معاً كيّ تحتفظي بها , ولا تدعي تلك الشريرة تراها .. كما ارسلت لك بعض الحلوى , أتمنى ان تعجبك ... 
توقيع : 
امك التي ترعاك وتحرسك من السماء))

ففرحت الفتاة كثيراً بالرسالة والصورة !!! 
وقد شاهدها العجوز وخادمته (من فوق , خلف الستار) وهي تقفز بفرحٍ وسعادة , وتضحك من قلبها كما لم تفعل منذ وقتٍ طويل 

فابتسم العجوز : ارأيتي كيف فرحت بصورة امها المتوفاة ؟ 
الخادمة : جيد ان صاحب محل التصوير قَبِلَ بإعطائك نسخة من صوره القديمة 
- لقد أخبرته بأنني جدّ لينا , وهو صدّق كلامي .. المهم الآن !! ان خطتنا نجحت والحمد الله 
الخادمة : ليس بعد
- ماذا تقصدين ؟!
- ستعرف بعد قليل
***

وقبيل غروب الشمس .. سمع العجوز صراخاً قادماً من الأسفل ..ثم رأى خادمته تأتي فرِحة من الخارج..
العجوز : ماذا حصل ؟!
وبإبتسامةٍ عريضة تعلو وجه الخادمة , أجابته بحماس : اظنّ ان زوجة والد لينا كسرت يدها للتوّ !! فقد رأيت جارنا وهو يأخذها الى المستشفى 
- ولما انت سعيدة هكذا ؟!
- الم يخبرك البواب ان المصعد معطل لهذا اليوم ؟ 
- نعم
- لهذا أسرعت بوضع الزيت فوق الدرج الموصل الى بيتها 
بدهشة وغضب : ماذا ! لما فعلتي ذلك ؟!!

الخادمة : الم تكتب في رسالتك للطفلة : بأن امها ستعاقب زوجة والدها على طريقتها ؟ ففعلت ذلك , كيّ تتأكد الطفلة بأن امها تحرسها بالفعل  
العجوز بعصبية : يا مجنونة ! إذهبي فوراً واغسلي مكان الزيت قبل ان تعود الشريرة وتظنّ بأن لينا هي من قامت بذلك , فتعاقبها بقسوة 
- آه ! لم افكّر في هذا .. حسناً سأذهب لأخفي الدليل حالاً
- ولا تتركي ايّ أثر ..مفهوم !!  

وبعد ان ذهبت الخادمة , حاملةً الممسحة وبعض المنظفات ..قال العجوز في نفسه (بعد ان هدأ قليلاً) :
- من يدري ؟ لربما كسر يد الملعونة يمنعها من ضرب الصغيرة .. (ثم يبتسم قائلاً) .. يالا خادمتي المجنونة !
***

وبالفعل !! لم تستطع السيدة إثبات الجرم على الطفلة او البواب بعد ان رأت الدرج سليماً لا يشكو من ايّ كسر , او ان به مادة زالقة كما إدّعت مُسبقاً  

كما ان الخادمة كانت على حق , لأن العجوز التقى بالطفلة في اليوم التالي عند باب العمارة وكانت السعادة واضحة عليها , حيث بدتّ نفسيتها مُتحسّنة بشكلٍ ملحوظ ! وكيف لا ؟ بعد ان تأكّدت بنفسها بأن فحوى الرسالة صحيح , وبأن امها ستكون ملاكها الحارس للأبد
***

وعلى مدى اسابيعٍ طويلة .. ظلّ العجوز وخادمته يرسلان بعض الحلوى والألعاب بالبالونات (العادية) لتسقط في شرفة غرفة الطفلة , ولهذا لم يلاحظ والدها او زوجته تلك الرسائل التي كانت تخبئُها في صندوقها الزهريّ الصغير لتقرأها من وقتٍ لآخر .. ومن وقتها , لم تعدّ مضايقات زوجة والدها تؤذيها.. وقد لاحظت الملعونة ذلك , لكنها لم تفهم السبب !
***

وفي إحدى الليالي .. استيقظ العجوز في منتصف الليل .. فقرّر الجلوس في شرفته ومراقبة الشارع الذي خلا من المارّة الاّ من بعض السيارات .. 

وبعد دقائق .. شاهد شيئاً فاجئه ! حيث رأى تلك المرأة بثيابها الفاضحة تصعد الى سيارة يقودها شابٌ صغير !
كان من الممكن ان يكون مشهداً عادياً .. لكن العجوز يعلم بأن والد الطفلة خارج البلد , كما ان الوقت تعدّى الواحدة مساءً .. والأهم من ذلك هي الطريقة المشبوهة التي حضنت فيها الشاب .. 

فتمّتم العجوز في نفسه قائلاً : 
((وأخيراً وقعت في يديّ ايتها الخائنة .. الآن اصبح لديّ دليل يُخلّص لينا ووالدها من شرّك للأبد .. (ثم فكّر قليلاً) .. المهم الآن !! ان أبقى مستيقظاً الى حين عودتها , كيّ أصوّرها بالجوال .. فهي حتماً ستعود قبل شروق الشمس , حتى لا يلاحظ الجيران غيابها طوال الليل))
*** 

ومرّت الساعتين والنصف ببطءٍ شديد , كان يقاوم فيهم العجوز رغبته في النوم .. 

لكن ما ان عادت تلك السيارة المجهولة .. حتى أسرع العجوز بتصوير لحظة إحتضانها لعشيقها بشوقٍ كبير .. ثم نزلت من سيارته وهي تترنّح في سكرٍ واضح , أثناء دخولها العمارة ..
فقال العجوز في نفسه مُحتاراً :
((والآن لم يبقى سوى إيجاد الطريقة لتوصيل هذا الفيديو الفاضح الى يد زوجها.. لكن كيف ؟)) 
***

الاّ ان العجوز تردّد كثيراً بعد عودة والد لينا من سفره , فهو بالنهاية لا يرغب في خراب بيت الرجل ! 

وقد لاحظت خادمته توتّره على مدار ايام .. وبعد اصرارٍ منها لمعرفة السبب , أخبرها بما صوّره تلك الليلة..
الخادمة بارتياح : ممتاز !! اذاً إنقل لي الفيديو على جوالي , وانا أريه لجارنا
بعصبية : لا طبعاً !! 
- حرامٌ عليك سيد أحمد ! فالملعونة تخونه , ومن واجبك إنقاذه 
- لكن الله أمرنا بالستر 
- الا تفكّر بالصغيرة لينا ؟ هل ترضى بأن تربّيها هذه المرأة الفاسقة ؟ الا تخاف أن تُفسد اخلاقها حينما تكبر ؟

العجوز : طيب في حال طلّق زوجته , فمن سيبقى مع الصغيرة عندما يسافر والدها ؟
الخادمة بحماس : تبقى معنا !! لا أظنّ ان والدها سيرفض مثل هذا العرض.. هيا رجاءً إعطني الفيديو , وانا سأقوم بالأمر 
فيسكت قليلاً ثم يقول : لا , ليس الآن ..
ثم يدخل غرفته وهو يفكّر بطريقة لحلّ هذه المشكلة ..
***

وبعدها بإسبوعين .. دخلت الخادمة بيت السيد احمد ومعها الطفلة لينا .. وبعد ان وضعت لها الغداء في المطبخ .. دخلت غرفة العجوز وأخبرته بأنها وجدت الطفلة جالسة امام باب شقتها , لأن زوجة والدها غارقة في النوم , لهذا لم تسمع جرس الباب ..
العجوز بغضب : طبعاً ستكون نائمة , فهي تقضي الليل كلّه مع عشيقها
الخادمة : والآن !! أمازلت تصرّ على عدم فضح الملعونة , وتخليص الصغيرة من هذا العذاب ؟
فسكت العجوز مُحتاراً , فقالت له الخادمة بعصبية :
- ارجوك جدّ حلاً سريعاً لهذا الموضوع , أو سأفعل انا !!
***

وعندما حلّ العصر .. نزلت الصغيرة برفقة العجوز الى بيتها , لكنه صادف والدها هناك ومعه شنطته (بعد ان عاد من سفره) ..فأخبره العجوز بأن ابنته تغدّت عندهم .. فشكره الأب على كرمه 

لكن مشهد الزوجة الخائنة وهي تستقبل والد لينا بالأحضان , إستفزّ العجوز كثيراً .. وحينها فقط !! قرّر فضح الموضوع الذي أخفاه لأسابيع
***

في المساء .. إشترى العجوز رقم جوالٍ جديد , وأرسل منه فيديو الخيانة الى جوّال والد لينا , بعدما إستطاعت الخادمة أخذ رقمه من ابنته ..

وماهي الا دقائقٍ معدودة حتى اشتعل شجارٌ عنيف بين الزوجين , سمعه سكّان العمارة بأكملها .. 
كما شاهدها الجميع وهي تهرب باكية الى خارج المبنى .. 

وهنا ربتتّ الخادمة على كتف العجوز , قائلةً بابتسامة : 
- كنت أعرف إنك ستفعل الصواب
لكن العجوز شعر بندمٍ شديد ! 
وظلّ لأيامٍ طويلة يُعاتب نفسه على تدميره عائلة لينا 
***

وبعدها بإسبوع , وفي الصباح الباكر .. التقى صدفةً بوالد لينا عند المصعد 
العجوز : مابك ؟ أراك مهموماً يا ولدي ؟  
والد لينا بقهر : أتدري يا عمّ ..رغم انني مازلت حزيناً على تلك الفضيحة , لكني اتمنى ان اعرف الشخص الذي فضح طليقتي كيّ أشكره بنفسي 
العجوز بدهشة  : أحقاً ! 
الرجل : طبعاً , فهو أنقذني من تلك الملعونة .. كما أخبرتني نّسوة العمارة لاحقاً بأنها كانت تضرب ابنتي دائماً ! ووالله لوّ كنت اعرف هذا , لطلّقتها على الفور , فوالدتها المرحومة أوصتني بها

وهنا شعر العجوز بارتياحٍ شديد .. ثم قال له : 
- أعرف انك تسافر من وقتٍ لآخر..
الرجل مقاطعاً : لا أظنني سأسافر بعد اليوم , وسأحاول إيجاد وظيفةٌ أخرى
- لا , لا تفعل .. إسمعني يا بنيّ .. انا اعيش وحدي مع خادمتي , فأبنائي تزوجوا وسافروا الى الخارج , ولديّ الكثير من وقت الفراغ ومستعد انا وخادمتي ان نهتم بإبنتك طوال فترة غيابك ..ما رأيك ؟ 
- الن يتعبك وجود الصغيرة في بيتك ؟ 

- بالعكس تماماً , ستونّس وحدتي ..وسأعاملها كإحدى حفيداتي
الرجل بارتياح : والله لا تدري يا عمّ كم أرحتني بإقتراحك هذا
- ومتى كنت تنوي السفر ؟
- غداً صباحاً , ولأربعة ايامٍ متتابعة 
العجوز : اذاً احضرها الينا اليوم مساءً , مع حقيبة دراستها وبعض الغيارات .. ونحن سنعتني بها جيداً , لا تقلق ابداً 

الرجل : سأخبر لينا بالأمر بعد عودتي من العمل 
العجوز : وهل هي في المدرسة الآن ؟ 
- لا في البيت , فاليوم لديها عطلة .. لكنني حذّرتها أن لا تفتح الباب في غيابي 
- آه فهمت 
***

وعلى الفور !! طلب العجوز من خادمته (بعد عودته الى منزله) ان تنزل الى البقالة , وتحضر له بعض الحلوى مع بالونٍ عادي .. 

ثم قاموا بالخطة نفسها : وأرسلوا كيس الحلوى المربوط بذيل البالون الى شرفتها , ثم راقبوا الصغيرة (من فوق) وهي تقرأ الرسالة التي كان فيها : 

((هذه رسالتي العاشرة لك يا ابنتي .. وانا سعيدة لأنني إستطعت إبعاد المرأة الشريرة عنك , لكن بنفس الوقت اريد ان اطمئن عليك .. ولهذا طلبت (بطريقتي الخاصة) من جاركم العجوز الطيب الذي يسكن فوقكم بأن يهتم بك طوال فترة غياب والدك .. لذا رجاءً ابنتي ..عامليه باحترام وكأنه جدك .. وهو سيحبك ايضاً كأنك حفيدته .. وانا سأراقبكما من فوق 
التوقيع : 
امك التي سترعاك طوال حياتك .. وقبلة شوق كبيرة مني , أرسلها لك من السماء .. يا حبيبتي لينا)) 
***

وفي المساء .. تفاجأ الأب بقبول لينا البقاء مع الجيران طوال فترة غيابه دون ايّ اعتراضٍ منها ! بل حتى انها حزمت أمتعتها وسبقته الى فوق بحماسٍ شديد , وسط استغراب الوالد !
***

ولسنواتٍ طويلة , والى يوم تخرّجها من الجامعة .. عاشت لينا مع العجوز وكأنه جدّها بالفعل .. بل انه أصرّ على حضور زفافها (برفقة خادمته المخلصة) رغم مرضه الشديد .. 

وبعد ان شاهدها تُزفّ الى عريسها , قال لخادمته (التي كبرت في السن ايضاً) : 
- الآن انهيت مهمّتي في هذه الدنيا , وانا مستعدٌ للحاق بزوجتي
فقالت له الخادمة : أطال الله في عمرك يا ابو احمد , لقد قمت بواجبك اتجاه لينا على أحسن وجه
***  

وبعدها بشهرين .. زارته لينا وعريسها في المستشفى , والتقت هناك بأولاده الذين عادوا من الخارج لرؤيته ..

وظلّت تزوره من وقتٍ لآخر , حتى توفّاه الله 
***

وبعد انتهاء أيام العزاء .. زارتها الخادمة في بيتها الجديد (في الوقت الذي كان زوج لينا في عمله) وأعطتها رسالة العجوز الأخيرة , التي قال فيها : عن كل ما فعله لأجلها , وكيف خلّصها من زوجة ابيها , كما أخبرها بسرّ البالونات السحرية التي كانت تقع فجأة في شرفتها 

وبعد ان انتهت لينا من قراءة رسالته , ابتسمت قائلة :
-   كنت اعرف ان له يدّاً في الموضوع .. آه يا جديّ الماكر

وبعد توديعها للخادمة .. وضعت رسالة العجوز الأخيرة في صندوقها الصغير الزهريّ الذي امتلأ برسائل امها الوهمية .. 
***

ثم ذهبت لينا الى الحديقة العامة واشترت مجموعة من بالونات الهيليوم , وكتبت رسالتها الأخيرة للعجوز , قالت فيها :

((شكراً لأنك كنت ملاكي الحارس .. وحينما ترى والدتي إخبرها : بأن ابنتها أصبحت بخير , بفضل حكمتك وحنانك .. 
في رعاية الله وحفظه يا جدي الغالي))

ثم أطلقت البالونات نحو السماء , مع هذه الرسالة التي كان عنوانها:  
((الى إحبّائي في الجنة))

طريق الرحمة

تأليف : امل شانوحة   لم يكنّ ولداً شقياً ! - دوريات !! دوريات !! .. من الأقرب منكم الى شارع 212 ؟ فاستلم الشرطي ادوارد هذه المهم...