الجمعة، 13 أكتوبر 2017

ألحانٌ من عالمٍ آخر !

مُقتبسة من مقالة في مجلة الكواكب
كتابة : امل شانوحة



كائنٌ مريب يُعزف بدلاً منّي !

- ماهي النوتة المناسبة ؟! وكيف ألحّن هذا المقطع الغنائي ؟ أكاد أفقد أعصابي !!
فهذا الملحّن الشاب كان لديه موعداً محدّد لإرسال اللحنّ النهائي الى فنان يعمل معه , ولا يمكنه الإعتذار عن مهمّته فهو مازال في بداية مشواره الفنّي .. وبصعوبة سمح له أحد المغنين الناشئين بتلحين إحدى اغانيه لألبومه القادم , والتي سيُغنيها في حفلة نهاية الأسبوع .. ولم يتبقى امامه سوى يومين فقط لتسليمه المعزوفة كاملة 

وبدأ يشعر الملحّن (عمر) بالقلق , حيث قال في نفسه : 
- لقد انتهيت من تلحين كل الأغنية رغم صعوبة كلماتها , الاّ ان هذا المقطع اللعين لم اعرف بعد كيف أدمجه مع المقطع الأخير .. واعصابي تعبت كثيراً من التفكير ومن كثرة المحاولات الفاشلة .. (ثم تنهّد يائساً) .. من الأفضل ان أخلد الى الراحة , فعسى ان يأتيني الإلهام في منامي ..
*** 

وفي الصباح .. قفز عمر من سريره راكضاً نحو جيتاره الآليّ .. 
وعلى الفور !! عزف النوتات الصحيحة , التي تراقصت بين اصابعه على اوتار جيتاره .. وكان الأمر أشبه بالخيال ! 
فأسرع بكتابة ما الّفه قبل ان ينسى هذا اللحن السحري , وقد رسم على وجهه ابتسامةٌ عريضة .. 

وبعد ان انتهى .. بدأ بعزف الأغنية كاملة من بدايتها حتى نهايتها , لتخرج مُتناسقة دون ايّ شائبة , وكأنها من تلحين أحد المحترفين الكبار ! 
فصار يرقص بسعادة على إنجازه العظيم .. وبينما كان في ذروة سعادته لمح شيئاً أفزعه من خلال مرآته الكبيرة الموجودة في وسط جدار مكتبه ! وكان إنعكاساً لشخصٍ يشبهه , يلامس جسمه وكأنهما توأماً مُلتصق ! 

فتعثّر عمر ليسقط على الأرض بعد ان أرعبه المشهد .. 
وكان على وشك الهروب من منزله , قبل ان يرنّ جرس الهاتف الأرضي .. فرفع السمّاعة وهو مازال يلهث برعب :
- من معي ؟
فسأله المغني (الذي يعمل عنده) : 
- مابك عمر ؟ انا سمير .. لما صوتك يتهدّج يا رجل ؟! 
فأجابه بتلعّثم : أظنني رأيت قريني قبل قليل ! 
فضحك الفنان قائلاً :
- بل قلّ شيطانك ..
فسأله عمر بدهشة : ماذا تقصد ؟!

- الا يقولون ان مهنتنا هي مهنة الشياطين .. لا يهمّ .. إخبرني الآن.. هل انتهيت من تلحين أغنيتي ؟ فالحفلة ستقام مساء الغد , وفرقتي لم تتدرّب بعد على الجزء الذي أوكلتك بتلحينه
- نعم نعم , انتهيت منه قبل قليل .. أساساً كنت ذاهباً الآن الى الأستديو لنتدرّب عليه جميعاً
- حسناً سنكون في انتظارك ..(ثم قال ساخراً).. لكن إترك صاحبك الجنّي في بيتك , فنحن لا تنقصنا المصائب 

وأغلق الفنّان السمّاعة وهو مازال يضحك , دون ان يكترث بالتجربة المخيفة التي مرّ بها عمر قبل قليل
***

وبالفعل !! نجحت الأغنية نجاحاً باهراً .. وقد أثنى النقّاد على اللحن المنفرد للجيتار الآلي الذي عزفه عمر بتميّزٍ شديد , مما لفت اليه انظار الوسط الفني بعد تقديرهم لموهبة العازف الشاب الفريدة  
ومع الأيام , تهافتت عليه العروض المغرية من كل حدبٍ وصوب  
***

ورغم سعادة الملحّن عمر بالفرص التي جمعته مع كبار النجوم , الاّ ان شهرته المفاجئة زادت عليه من ضغط العمل , فاعتزل الناس وأهمل صحّته حيث صار يكثر من شرب السجائر والكافيين للسهر طوال الليل في محاولة منه لتأليف أجمل الألحان التي تتناسب مع شهرة الفنانين الذي يتعامل معهم .. 

والمشكلة انه دائماً ما كان يعترض طريقه جزئيّة معينة في اللحن تمنعه من إكمال الأغنية , او انه يجد صعوبة في ربط مقطعين ببعضهما , ممّا كان يدمّر أعصابه .. 
***

وذات ليلة وفي ذروة انشغاله بالتلحين , إنقطعت الكهرباء !
عمر بضيق : اللعنة !! ليس الآن .. اين وضعت الشموع ؟
وبعد ان وجد شمعة في درج مطبخه , أضاءها فوق مكتبه ليُكمل كتابة النوتات .. لكنه شعر فجأة بوحشة المكان , وكأن هناك روحاً تشاركه الغرفة ! فاعتراه الخوف .. 
ثم سمع شيئاً يشبه الدنّدنة قادمة من ركن الغرفة .. 

فوقف مُبتعداً عن جيتاره , وحمل الشمعة مُقترباً من المرآة الكبيرة (المعلّقة على الحائط) .. وحاول ان يستجمع قواه لرؤية نفسه داخلها , خاصة بعد ان تذكّر ما حصل معه في المرة السابقة .. الاّ ان الشمعة انطفأت فجأة ليعمّ الظلام المرعب داخل الغرفة ! 
فأسرع بإخراج علبة الكبريت من جيبه , بيده التي كانت ترتجف بقوة , وهو يقول بصوتٍ منخفض :
- هل يوجد جنّي معي هنا ؟

وما ان أشعل الشمعة من جديد ..حتى شعر بمخلوقٍ صغير يتلصّص عليه من طرف الباب وكأنه يراقبه من بعيد .. 
وكردّة فعلٍ من الملحّن إلتفت سريعاً ناحيته , ليلمح بثواني هيئته المخيفة , حيث كان قزماً برجلين مشعرّتين وعيوناً حمراء وقرنيّ التيس ! نعم لقد صدق كلام صاحبه المغني حين أخبره : بأنه لم يرى قرينه بل احدى الشياطين ! 

ولم يعيّ الملحّن بنفسه الا وهو يقود سيارته مُبتعداً عن شقته المسكونة , بعد ان إرتعدت فرائصه ممّا شاهده هناك

لكن المفاجأة كانت حينما عاد لأخذ حاجياته من شقته في عصر اليوم التالي , حيث وجد الشمعة مازالت متوهجة دون ان تنصهر!  
فأسرع بأخذ نوتات العمل وجيتاره , لكن شيئاً كان يمنعه من مغادرة المنزل , حيث صار يدور بداخله مُتنقلاً من غرفة الى اخرى حتى حلّ المساء .. 

وعندها سمع صوتاً يقول له :
- لا تخفّ مني يا عمر , فقد إخترتك انت بالذات كيّ أخدمك
فصار يتلّفت الملحن من حوله بفزع : 
- من هناك ؟!! من يكلّمني ؟!!

وهنا خرج من مرآة مكتبه دخاناً اسوداً , تجمّع عند زاوية الغرفة على شكل زوبعةٍ سوداء .. ومن بعدها تشكّل ذلك المخلوق على هيئة رجلٍ عجوز يتكأ على عكازه !
فتجمّد الملحّن في مكانه من شدّة الرعب , فقال له العجوز :
- أتيتك البارحة بشكلي الحقيقي لكنك فزعت مني , لهذا قرّرت اليوم ان آتيك على حسب عمري , فأنا جني كبير في السن وعمري  1700 سنة 

فسأله عمر بخوف : وماذا تريد مني ؟
- اريد ان اساعدك
فردّ الشاب بعصبية : 
- انا لا اريد شيئاً منك او من عالمك .. هيّا انصرف من بيتي!! 
الجني : أحقاً يا عمر ! هذا بدل ان تشكرني لأنني ساعدتك بتلحين تلك المعزوفة التي شهرتك بين أقرانك
- عن ماذا تتكلم ؟! فأنا ألّفت جميع ألحاني  

- لا يا عزيزي , انا بنفسي دنّدنتها في أذنك قبيل إستيقاظك ..وكل ما فعلته انت , هو انك دوّنت النوتات التي لقّنتها لك .. وان كنت لا تصدّقني , فدعني ألحّن لك الجزئية العالقة من الأغنية التي تعمل عليها هذه الأيام
- قلت لا اريد شيئاً منك , الا تفهم ؟!!
- حسناً كما تشاء .. اذاً سأدعك تحاول بنفسك .. لكن دعني اخبرك بشيء عن عالم الجن .. فالزمن الذي نعيش به يسبقكم بسنين , لهذا يمكننا التنبوء بمستقبلكم .. ويحزنني ان أرى نجمك ينطفأ قريباً 

فسكت الملحّن محتاراً , فاستغل الجنّي إرتباكه قائلاً :
- دعني أسمُعك تلحيني للمقطع الذي وقفت عنده , فماذا ستخسر ان فعلت ؟  
وبعد تفكير مطوّل من عمر قال له : حسناً , لكن في حال لم يعجبني..
فأكمل عنه الجني قائلاً : حينها أخرج من حياتك نهائياً , أعدك بذلك

- حسنا , إسمعني ما عندك
- اولاً إسمح لي ان اتلبّس في جسمك
فانتفض عمر بخوف : ماذا ! لا طبعاً 
العجوز : إسمعني يا بنيّ .. انا الآن بهيئتي الهلامية , يعني لا استطيع التحكّم في اصابعي كي أعزف على أوتار جيتارك , ولهذا احتاج الى استخدام يديك .. لا تقلق , سأخرج منك فور إنتهائي من المعزوفة 

وبترددٍ كبير قبِلَ الملحّن بدخول العجوز في داخله .. 
وعلى الفور !! شعر عمر بحماس لا مثيل له , حيث صارت اصابعه تلعب بخفّة ومهارة على الجيتار , مُطلقاً لحناً خيالياً لم يسمع مثله من قبل .. 

ومن ثم خرج الجني منه وهو يقول :
- هآ , ما رأيك بتلحيني ؟ هل اعجبك المقطع ؟
لكن الشاب لم يجيبه , بل أخذ دفتره على عجل وبدأ بتدوين النوتات التي سمعها ..
فابتسم الجنّي قائلاً : لا تقلق يا عمر , فأنت لن تنساها لأنني سجلّتها في دماغك .. والآن استميحك عذراً , لأنه عليّ العودة الى عالمي
فقال الشاب بقلق : لكن بقيّ مقطعين آخرين في الأغنية عليّ تلحينهما

فضحك الجني قائلاً : قبل قليل كنت تأمرني بالرحيل من بيتك , والآن تريدني ان ابقى معك لأساعدك على إنهاء المعزوفة 
الشاب بإلحاح : رجاءً , انا بحاجة الى مساعدتك 
فابتسم الجني : نعم , هكذا أفضل .. اذاً سآتي اليك غداً مساءً لنعمل سويّاً على إنهاء الأغنية ..ولا تقلق , فأنا رأيت مستقبلك واعرف ان نجمك سيلمع كثيراً بعد هذه الأغنية لتصبح أفضل عازف جيتار في البلد 
***

ومع الأيام ..توطدّت العلاقة بين الملحّن الشاب وبين صديقه الجنّي الهرم , لينتجا سويّاً أجمل الألحان التي وصلت صداها الى كل العالم العربي ..
الى ان أتى ذلك اليوم الذي ظهر فيه الجني العجوز في بيت الملحّن حزيناً
عمر : مابك حزين يا صديقي ؟ هل لأني طلبت منك الا تحضر الى بيتي الجديد .. رجاءً لا تغضب منّي , لكني لم اردّ ان تفزع عروستي (مها) منك
فابتسم الجني : وكأنها اول عروسٍ لك ! فهذه رابع مرّة تتزوج فيها يا رجل ؟!
فابتسم عمر قائلاً : أتغار عليّ ؟

فعاد الحزن يخيّم على وجه العجوز حيث قال : لا ليس هذا , بل انا حزينٌ عليك 
بقلق : لم افهم , لماذا ؟!
- لأني عرفت ما يُخبّئه لك المستقبل قبل قليل 
فأجابه عمر بفخرٍ وغرور : مستقبلي أصبح رائعاً بفضلك .. فأنا رغم انني لم اصل لسن الأربعين بعد , الا انني عزفت لأهم المغنيين في البلد ..وصار الجميع يعرفني بعد تلك الأفلام التي مثّلتها

فسكت الجنّي قليلاً , ثم قال : 
- رأيت وجهك معكوساً على شظايا الزجاج ، وعليه بركانٌ أحمر , يتلألأ فوق جبالٍ قاتمة وسوداء
ثم أسرع الجني بالإختفاء قبل ان تنزل دمعته .. 

ولم يفهم الشاب عبارته الأخيرة الغامضة , الاّ بعد ايام ..
حيث كان يقود سيارته برفقة زوجته الأخرى (دينا) , بينما كانت صديقته الممثلة (مديحة كامل) تجلس في الخلف .. وكانوا يغنون سويّاً بسعادةٍ غامرة قبل ان تعترض طريقهم سيارة غامضة , ظلّت تلاحقهم : مرّة عن اليمين ومرّة عن اليسار .. وقد ظنّوا في البداية انها لإحدى المعجبين المهوسين بوسامة وتفوق الملحّن الشاب 

لكن الوضع إنقلب الى رعب بعد ان بدأت بمهاجمة سيارتهم من الجوانب , فعرفوا ان الأمر تحوّل الى محاولة إغتيال 
وحاول عمر قدر المستطاع الإبتعاد عن السيارة المجهولة.. وحينها تذكّر عبارة الجني التي تردّد صداها في أذنه ..
((رأيت وجهك معكوس على شظايا الزجاج ، وعليه بركانٌ أحمر يتلألأ فوق جبال قاتمة سوداء))

فارتعب عمر بعد ان فهم ان الجملة الأخيرة للجني كانت ماهي الا تنبؤه لطريقة موته , فأيقن قرب أجله وصار يردّد التشهّد بصوتٍ عالي , ممّا أفزع زوجته وصديقته مديحة التي صرخت برعب :
- عمر !! ماذا هناك ؟ هل تعطّلت الفرامل ؟! إخبرنا رجاءً !!!

لكنه ظلّ يتشهّد بخوفٍ شديد , حتى لمح صديقه الجنّي امامه مباشرةً , وهو يبتسم بخبث قرب عامود الإنارة , رافعاً يافطة (لم يرها سواه) مكتوبة بالأنجليزي عبارة : 
Game Over
***  

وفي اليوم التالي .. تناقلت الصحف خبر وفاة الملحّن المشهور ((عمر خورشيد)) حيث لقيّ مصرعه في يوم 29 مايو 1981 , عن عمرٍ يناهز 36 سنة , بعد إصطدامه بعامود الإنارة , وإختراق رأسه الزجاج الأمامي جرّاء حادث تصادم مروري .. وذلك عقب خروجه من الرولاند هو وزوجته اللبنانية «دينا» , الموجود في نهاية شارع الهرم أمام مطعم «خريستو».
***

وقد صُدِمَ العالم أكثر بعد قراءتهم لمقالة في مجلة الكواكب , لصديقه الكاتب ((حسن الحفناوي)) الذي كان الوحيد الذي أخبره عمر عن صديقه الجني وعن عبارته المقلقة الأخيرة , والتي فهمها الصحفي أيضاً بأنها كانت تنبوءاً بطريقة وفاة الملحّن الشاب

وقد ختم مقالته بقوله : 
فهل كان الجنّي العجوز صديق (عمر خورشيد) بالفعل , ام كان مجرد شيطانٍ قاده نحو مصيره المشؤوم ؟!
********

ملاحظة : 
- أعتذر مُسبقاً من أهل الفنّان الراحل (عمر خورشيد) في حال أساءت قصتي لأحد المقرّبين من المرحوم , فكل ما فعلته هو إنني تخيّلت ما حصل معه بناءً على مقالة صديقه الصحفي 
- وشكر خاص الى صديق المدونة (محمد آل غلّاب) الذي ألهمني كتابة القصة  

الغزو الفضائي

تأليف : امل شانوحة حربٌ بين البشر ووحوش الفضاء - سيدي .. إسمع بنفسك ما قاله الولد عندما سألته عمّن سرق طعامي   فاقترب قائد وحوش ا...