الجمعة، 15 سبتمبر 2017

مربّية الأطفال

فكرة : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

مربية,اطفال,اهل,حنان,حب

هي أحنّ على اولادي من امهم !

في ليلة السنة الميلادية , استطاعت امرأة بصعوبة حجز طاولة للإحتفال وحدها بقدوم السنة الجديدة .. وقبيل منتصف الليل , إزدحم المطعم بالعوائل .. وهنا اقترب منها النادل قائلاً :
- هل من الممكن يا آنسة ان تسمحي لهذا الرجل بالجلوس معك على طاولتك طالما انك لوحدك ؟

فنظرت الى الرجل الذي معه , فوجدته شاباً انيقاً وحسن الهندام .. 
فأومأت برأسها موافقة , ليقوم هذا الرجل بسحب الكرسي المقابل لها  ويجلس عليه قائلاً :
- أعتذر لتطفّلي عليك , لكني لم اجدّ ..
فقاطعته وهي تنظر الى قائمة الطعام : لا يهمّ يا سيد , فأنا سأتناول طعامي سريعاً وأعود الى المنزل
- الن تبقي لحين الأحتفال برأس السنة ؟!
- لا اظنّ , فالأعياد عادةً تصيبني بالأحباط

و بعد قليل .. أحضر النادل طعامهما .. 
وقبل ان تُنهي صحنها , أتاها اتصال جعلها تتأفّف فور معرفتها بهوية المتصلّ , حيث قامت بالردّ عليه ببرود :
- نعم , ماذا تريد الآن ؟
وبعد دقائق من حديثها معه .. وضعت جوالها على الطاولة , وأكملت طعامها غير مبالية بالمتصلّ الذي ظلّ يتكلّم (وحده) بنبرةٍ تبدو غاضبة 

وبعد ان سكت .. تأكّدت السيدة من اغلاقه للهاتف , ثم اقفلت جوالها وسط دهشة الرجل الذي كان يشاركها الطاولة !
فلاحظت هي نظراته الحائرة لما حصل , فقالت السيدة عن ذلك المتصلّ :
- كان يشتمني كعادته , ولم ارغب في افساد ليلتي .. لا تقلق , هو بالتأكيد سيعاود الإتصال بي لاحقاً
- حسناً فعلتي , أحياناً الأبتعاد عن هكذا بشر أفضل من مواجهتهم .. فأنا مثلاً قبل قليل , أوصلت زوجتي وابنائي لمنزل جدتهم وأتيت هنا لأحتفل وحدي , لأني لا أطيق مشاجرات حماتي معي كما في كل مرة  

- الن يحزن هذا ابنائك ؟
- ابنتي مازالت طفلة في الثانية من عمرها .. وابني ستّ سنوات , وهو يتعبني كثيراً لأنه يكره مدرسته 
- اذاً احضر له معلمة
- فعلت .. وقبل ايام استقالت , وهي رابع معلمة ترفض التعامل معه
- هل هو مشاغب لهذه الدرجة ؟
- نعم , لكن الطبيبة النفسية اخبرتنا بأنه يفعل ذلك عن قصد ليلفت اهتمامنا 
- اذاً اهتموا به قليلاً
- انا مشغول في عملي بشركة المحاماة , واحياناً اضّطر الذهاب الى مناطق بعيدة والمبيت في الخارج 
- وماذا عن امه ؟

يتنهد بضيق : هي إساس المشكلة .. فهي صحفية تُجري مقابلات تلفزيونية مع مشاهير الفن , ولهذا تبقى مشغولة بسهراتهم واحتفالاتهم .. هذا طبعاً بعد ان تمضي النهار كلّه في تحسين مظهرها , ولذلك لا تهتم بالبيت او لأبنائنا , وهذا يفقدني صوابي ولا اعرف مالحلّ معها !
تفكّر السيدة قليلاً ثم تقول : ربما الحلّ عندي , فأنا اعمل مربيّة للأطفال منذ خمس سنوات , لكن العائلة التي كنت ارعى ابنائها سافرت الى الخارج قبل اسبوع , بعد ان اعطوني راتبي وجميع مستحقّاتي .. وكنت سأبحث عن عملٍ لي بعد انتهاء العطلة الرسمية 

الرجل بارتياح : هذا ممتاز !! وهل كنت تذاكرين لهم دروسهم ؟
المرأة : بالتأكيد , دروس المرحلة الإبتدائية وكذلك المتوسطة 
الرجل بابتسامة : وكأن القدر جمعني بك .. 
ثم يمدّ يده اليها مُصافحاً : اسمي اريك .. وانت ؟
- انا ايلين 
- تشرّفنا بمعرفتك .. سأكتب لك الآن عنوان منزلي , واتمنى ان تزورينا غداً لتقابلي زوجتي وتتفقي معها على كل شيء
وبعد ان أخذت منه الورقة التي بها العنوان , سألته : لكن عندي سؤال .. هل سأبيت عندكم , ام ابقى فقط لساعات ثم اعود الى منزلي ؟
الرجل : والله اتمنى ان تبقي عندنا , فأنا كما قلت لك اسافر كثيراً , وزوجتي ليست متواجدة في البيت معظم الوقت
- حسناً اذاً , سأرتّب اموري لذلك
***

وفي اليوم التالي .. قامت زوجة اريك بعمل مقابلة مع المربيّة ايلين , ورغم انها لم تعجبها لهذه الدرجة الا انها وافقت على تجرّبتها , بعد ان أقنعها زوجها بذلك ..
وبعد ان وضعت ايلين حقيبة ملابسها في غرفة الضيوف (التي حضرّتها لها العائلة) التقت بطفلتهما الصغيرة (جنيفر) والتي بدى عليها الإرتياح مع مربّيتها الجديدة .. 

وعند الظهيرة .. عاد ابنهم البِكر (جاك) من المدرسة ليلتقي بها , وكعادته مع المربّيات الجدّد لم يستقبلها بحفاوة , حيث ذهب الى غرفته رافضاً التحدّث معها ..
الأب اريك بإحراج : انا آسف سيدة ايلين .. لكني متأكّد انه سيتقبّل وجودك مع الأيام
ايلين : لا بأس , انا متعوّدة على تصرّفات الصغار .. والآن , هل تسمحان لي بدخول المطبخ لتحضير غداء الأولاد ؟

ديانا (الأم) : وهل تجيدين الطبخ ايضاً ؟
ايلين : بالتأكيد , أيّ شيء متعلّق بالطفلين هو اختصاصي منذ اليوم يا خانم 
الأم بازدراء : بما فيها تنظيفهم وتنظيف غرفهم ؟
وهنا لاحظ الأب تضايق المربية من كلام زوجته , فأسرع قائلاً :
- سيدة ايلين , البيت بيتك .. والأولاد سيكونون في رعايتك منذ الساعة , لأنني ذاهبٌ مع زوجتي الى منزل اصدقائنا .. (ثم وقف قائلاً لزوجته) .. هيا ديانا , تجهزي لنذهب الى هناك 
ومن ثم تركوها وحدها مع الأولاد , وذهبا سويّاً الى حفلتهم ..
***

وبعد ساعة .. كانت المربّية قد انتهت من تحضير الطعام للأطفال , لكن جاك الصغير رفض حتى الخروج من غرفته .. فتركته على راحته وأطعمت اخته الصغيرة .. 

ثم وضعت شريطاً للأطفال في المسجّل ورفعت صوته , لتتراقص على انغام الأغنية مع الطفلة .. 
فتلصّص جاك عليهما من شقّ الباب بعد ان أثارت المربّية اهتمامه ..  وما ان انتبهت عليه واقفاً هناك , حتى نادته بصوتٍ عالي :
ايلين : جاك !! تعال وشاركنا حفلتنا
لكنه صفق باب غرفته بغضب ..
فقالت المربية لإخته : يبدو ان اخاك صعبٌ يا جنيفر
فضحكت الطفلة دون ان تفهم كلامها .. 
***

وبعد قليل .. وضعت المربية ورقةً بيضاء كبيرة واقلام ملونة على الطاولة , وبدأت ترسم مع الصغيرة وهي تحادثها بصوتٍ عالي كي يسمعها الصبي الذي كانت تلاحظ اصابع قدمه من تحت باب غرفته , وتعرف انه يتلصّص عليهما من فتحة المفتاح .. فرفعت صوتها قائلة : 
- انها رسمةٌ رائعة يا جنيفر !! لكني اعتقد بأن اخيك جاك في استطاعته رسم الطائرة أفضل منك ومني , اليس كذلك ؟ 

وهنا فتح جاك الباب , واقترب منهما بحذر .. فوضعت المربّية علبة الألوان بقربه (دون النظر اليه) .. وأكملت الرسم مع الصغيرة .. 
فجلس جاك بهدوء قرب اللوحة البيضاء , ثم امسك القلم الملون وبدأ بالرسم .. فابتسمت المربية لنجاحها بجعله يرتاح لوجودها معهم .. 

وبعد ان انشغل الولدان بالرسم , ذهبت الى المطبخ واحضرت سندويشاً وكوب عصير , ثم وضعته قرب الصبي .. وعادت لترسم مع الطفلة وهي تراقبه بطرف عينها , لتجده بعد قليل يأخذ السندويش ويأكله وهو مازال يرسم باليد الأخرى .. فارتاحت المربية لأنها استطاعت إطعام الولدين دون مشاكل .. 

وقبل عودة الأهل من الخارج .. قامت بتنظيف كل شيء , بينما عاد الولد الى غرفته دون ان يتحدّث معها .. 
فحملت ايلين الطفلة الناعسة الى مهدها , وظلّت تغني لها حتى نامت 
***

وبعد ساعة .. عاد الوالدان الى المنزل , فأخبرتهما عن يومها مع الأطفال 
الأم بضيق : يعني أفهم من كلامك انك لم تدرّسي جاك دروسه , وكل ما فعلته انك أضعت اليوم بالرسم ؟!
ايلين : اليوم كان يوم تعارف لتوطيد العلاقة بيننا .. وفي الأيام المقبلة سيتقبّل جاك وجودي معكم , وسيسمح لي بتدريسه والأهتمام به اكثر
فيقول الأب لزوجته : ديانا , اتركيها تتصرّف معهما كيفما تشاء , فهي أدرى بعملها
الزوجة بلؤم : اتقصد انها تجيد عملها مع الولدين اكثر مني ؟
الزوج : يا الهي ! أكل شيء تحولينه الى المشكلة ؟!

ولم تردّ المربية التواجد بينهما وهما يتجادلان , فأسرعت قائلة : 
- آسفة على المقاطعة , لكن عليّ النوم باكراً كيّ أوصل جاك الى مدرسته في الصباح
الأب : الأمر لن يكون سهلاً , فهو يقاوم الإستيقاظ في الصباح ويتعبنا كثيراً 
ايلين : لا تقلق سيد اريك , فهذا عملي .. تصبحون على خير

ثم ذهبت ايلين الى غرفتها , وهي مازالت تسمع الجدال القائم بين الزوجين .. فقالت في نفسها : 
- يبدو ان الأم مُتعبة أكثر من ابنها ! أعانك الله يا سيد اريك
***

وبالفعل !! كان ايقاظ جاك مع كل صباح مُتعباً جداً للمربية , لإصراره بعدم الذهاب الى المدرسة .. 

وفي احدى الأيام .. وعند توصيله الى حافلة المدرسة , سمعت ولداً (بعد ان اخرج رأسه من داخل الحافلة) يهدّده قائلاً :
- جاك !!هل أحضرت طعامي معك , ام اني سأضربك كما كل مرة ؟
فأخذته المربية جانباً وسألته بقلق :
- جاك , هل يضربك هذا الولد ؟!
لكن جاك أبعد يدها قائلاً بغضب : لا شأن لك بي !!
وبهذه اللحظات , فهمت المربية سبب كرهه للمدرسة .. 
***

وفي احدى الأيام .. مرض جاك ولم يذهب الى مدرسته .. فاستغلّت المربية غيابه وذهبت الى هناك بوقت الظهيرة .. ثم انتظرت خروج الولد البدين (المتنمّر) .. وعندما رأته , أخذته جانباً وسألته بحزم :
- لما تضرب جاك يا ولد ؟!!
الولد البدين بعصبية : وما دخلك انتِ بالموضوع ؟
المربية : طيب اخبرني مالذي تريده منه , وربما احضره لك 

لكنه لم يجبها , بل تركها واسرع في ركوب حافلة المدرسة ..وهنا اقتربت منها فتاةٌ صغيرة , وقالت لها :
- الولد البدين اسمه جيم وهو يعيش عند جدته العجوز , وهي لا تطبخ له الطعام لأنها مريضة , ولهذا يسرق أكلنا كيّ يُطعم نفسه واحياناً يُطعهم جدته ايضاً 
المربية : آه فهمت .. شكراً لك يا عزيزتي

ثم صعدت المربية الى الحافلة (التي لم تتحرّك بعد) , فقال لها السائق :
- الى اين يا خانم ؟!
المربية : لا تقلق , اريد التحدّث قليلاً مع الصبي جيم 
ثم جلست بقرب الولد البدين , وقالت له بصوتٍ منخفض :
- دعنا نتفق على شيء
- ماذا تريدين ؟
- سأقوم بإرسال مع جاك كل يوم , سلّة مليئة بالطعام اللذيذ الذي سيكفيك انت وجدتك .. لكن عندي شرط !! بأن لا تسرق طعام الأطفال بعد اليوم .. هل تعدني بذلك ؟
فيفكر الولد المتنمّر قليلاً , ثم يقول لها :
- وهل طعامك لذيذ ؟
- نعم جداً , وسيُعجب جدتك ايضاً
الولد بابتسامة عريضة : حسناً اتفقنا
***

ومرّت الأيام .. وصارت المربية تُحضّر الطعام للمتنمّر جيم مساءً , ليأخذه جاك له في الصباح (دون ان تُخبر الأبوين بذلك) مما جعل جاك وبقية اصدقائه سعداء , بعد ان تحسّنت معاملة جيم البدين معهم , كما احتفاظهم بطعامهم من السرقة .. مما وطّد العلاقة بين جاك والمربية , حيث صار يستيقظ بنشاط الى المدرسة دون ان يُتعبها , كما انه سمح لها بتدريسه , وبدأ يستمتع مع اخته الصغيرة بسماع قصصها قبل النوم 

وقد تعلّقت الطفلة بها كثيراً حتى انها صارت تناديها (ماما) , ممّا اغضب الأم التي طلبت منها ان تُفهم الصغار بأنها تعمل مؤقتاً عندهم وبأنها ليست امهم .. فحزنت ايلين لأنها شعرت بأنها ستُطرد قريباً , بسبب غيرة الأم من اهتمام الأولاد بمربيتهم الجديدة 
***  

وفي احدى الأيام .. مرض الأب بالزكام ولازم الفراش .. 
وفي المساء .. سمعت المربية بالصدفة حوار الزوجين , عند مرورها قرب باب غرفتهما :  
الزوج : أستتركينني وانا في هذه الحالة المزرية ؟!
زوجته : انت تعرف منذ اسبوع ان اليوم هو عيد ميلاد صديقتي , وبالتأكيد لن افوت عليّ الحفلة بعد ان اشتريت فستاناً فخماً للمناسبة
زوجها بغضب : وهل تظنين انني تعمّدت المرض اليوم , كي لا تذهبين الى حفلتك ؟!! 
فتأفّفت الزوجة بضيق : اريك رجاءً !! لا تُفسد عليّ فرحتي .. انا ذاهبة الآن , وسأعود في منتصف الليل 

وخرجت الأم من غرفتها (وهي بكامل اناقتها) ناويةً الذهاب دون توديع ابنائها , لأنه حين ركضت اليها ابنتها (التي تحمل الشوكولا) نادت المربية بقلق : 
- احمليها بسرعة يا ايلين !! قبل ان توسّخ فستاني بيديها القذرتين 

ثم ذهبت الى حفلتها غير آبهة ببكاء ابنتها التي كانت ترغب كثيراً في احتضان امها والذهاب معها 
***

وبعد ساعة .. دخل جاك غرفة المربية قائلاً بقلق : 
- ارجوك ايلين , إذهبي فوراً الى ابي !!
- ما به ؟!
- يبدو انه مريض جداً , لأنه يتأوّه بألم !

فدخلت المربية غرفة الزوجين , لتجد بأن حالة الأب ازدادت سوءاً حيث ان حرارته ارتفعت كثيراً ولم يعد يعيّ بمن حوله ! 
فأسرعت (ايلين) بالإتصال بالطبيب .. الذي قدم وفحصه , ثم اعطاه حقنة لإنزال حرارته .. ومن ثم وصّاها قائلاً :
الدكتور : عليك ان تضعي له الكمّادات الباردة طوال الليل , الى ان تخفّ حرارة زوجك
فابتسم اريك بتعب , دون ان يُعلّق على كلام الطبيب (الذي ظنّها زوجته) .. بينما قالت المربية للطبيب بارتباك :
- حسناً سأفعل كل ما بوسعي لتخفيف مرضه

وبعد ذهاب الطبيب , بقيت بجانبه لساعةٍ اخرى وهي تغير له الضمّادات الباردة .. وفجأة ! امسك بيدها قائلاً بإرهاق :
اريك : الحمد الله انك معنا يا ايلين .. لا ادري ماذا كنّا سنفعل من دونك
ولم ينتبها للدخول المفاجىء للزوجة , التي غضبت كثيراً بعد رؤيتهما بهذا المنظر .. فقالت بعصبية :
- الله الله ! هل صار زوجي من ضمن إهتماماتك يا خانم ؟!!
فوقفت المربية مُبتعدة عن السرير بارتباك : لا يا سيدتي , كنت فقط اقوم.. 
وأكمل اريك عنها قائلاً : هذا بدل ان تشكريها على اهتمامها بزوجك المريض
الزوجة تصرخ بغضب : اسكت انت !! ..وانتِ !! اخرجي من غرفتي , وحسابك فيما بعد

فعادت ايلين الى غرفتها مُتضايقة , وهي مازالت تسمع عراك الزوجة (الغير مراعية لمرض زوجها) والتي كانت تلحّ عليه بطرد المربية من منزلها بأسرع وقتٍ ممكن 

وهنا شعرت ايلين بأنها على وشك ان تهدم بيتهم , فخافت على نفسيّة الأطفال , ولذلك قامت بترتيب ملابسها في شنطتها الكبيرة وهي تنوي العودة الى منزلها في الصباح الباكر الذي صادف يوم الأحد (عطلة) 
***

وفي ساعات الفجر الأولى من اليوم التالي .. استيقظ الأب بعد ان شعر بتحسّن حالته , لكنه تفاجأ برؤية المربية وهي تتسلّل بحقيبتها الى خارج المنزل .. فلحقها قبل ان تدخل المصعد
- لحظة ايلين ! الى اين انت ذاهبة ؟!
- آسفة سيد اريك , لم اردّ ايقاظكم .. لكنّي أفضل العودة الى بيتي
اريك بإصرار : لا لن تذهبي !! فنحن لا نريد خسارة مربّية جيدة مثلك .. كما ان ابنائي تعلّقوا بك كثيرا , فكيف ستذهبين دون توديعهم ؟

فتفكّر المربية قليلاً ثم تقول : اذاً لا داعي للمبيت عندكم .. اقصد يكفي ان احضر ساعتين كل يوم لمراجعة دروس جاك بعد عودته من المدرسة , وسأقبل بتخفيض راتبي 
بنبرةٍ حزينة : أهذا قرارك النهائي يا ايلين ؟
- صدّقني هذا أفضل لي ولكم
فسكت قليلاً ثم قال بضيق : حسناً كما تشائين , لكن دعيني اوصلك بنفسي الى بيتك
- لا رجاء ! فأنت مازلت مريضاً
الا انه اصرّ على توصيلها .. فانتظرته قرب سيارته بموقف العمارة حتى لبس ثيابه ونزل اليها .. 

وقد حاول اريك طوال الطريق ان يُثنيها عن قرارها , لكنها اصرّت على رأيها  
***

وبعد نصف ساعة .. واثناء مرورهما من بين المباني السكنية الشعبية , قالت له :
- نعم توقف هنا , فأنا اسكن في طابق الخامس من هذا المبنى 
- حسناً , دعيني أخرج حقيبتك
- لا داعي لذلك , هي ليست ثقيلة .. سيد اريك .. اليوم هو يوم عطلة لذلك سأمضي يومي في ترتيب منزلي , وغداً في وقت الظهيرة آتي لرؤية الأولاد
- حسناً كما تشائين

ولم تكون المربية تعرف بأن طليقها كان يمرّ من هناك بالصدفة , وبأنه  غضب كثيراً حين رآها تنزل من سيارة رجلٍ غريب وهي تحمل حقيبة ملابسها .. 

وقد انتظر لحين صعودها الى بيتها وذهاب اريك , ليلحقها الى فوق  ويطرق بابها بعنف :
- افتحي الباب ايتها الساقطة !!! 
فارتعبت ايلين كثيراً لقدومه , حيث اكتفت بالكلام معه من خلف الباب المقفل :
- اذهب من هنا يا آدم , والا أتصلت بالشرطة !!
طليقها بغضب : لن اذهب قبل ان تخبريني عن الرجل الذي كنتِ معه 
بصوتٍ مرتجف : انا اعمل مربّية لأبنائه .. الا تريدني ان أعمل لأسددّ ديونك ؟
- وهل ضروري ان يعرف ربّ عملك عنوان منزلك ؟ 
فأجابته بهستيريا : وما دخلك انت ؟!! اذهب فوراً والا اتصلت بالشرطة 
فردّ مُهدّداً : سأذهب الآن , لكني سأعود حتماً 
وذهب غاضباً , تاركاً ايلين ترتجف بخوف
***

وفي اليوم التالي .. لم تذهب ايلين الى عملها خوفاً من ان تكون مراقبة من قِبل طليقها , فاعتذرت لأريك عن غيابها بسبب اصابتها بالمرض 
اريك : يبدو انني نقلت العدوى لك , اليس كذلك ؟ 
فادّعت ايلين التعب , واجابته بصوتٍ مبحوح : يبدو ذلك , والأفضل ان ابتعد عن ابنائك في الثلاث الأيام القادمة , كي لا اعديهم
- حسناً لا عليك , وحاولي ان ترتاحي .. ولا تقلقي , فهذه العطلة لن تُؤثر على معاشك
- شكراً لك
***

وبعد ثلاثة ايام .. اتصلت مديرة المدرسة بها واخبرتها : بأن جاك دخل في عراك مع الولد البدين (جيم) , وهو من اعطاهم رقم جوالها 
فعرفت ايلين ان سبب المشكلة : هي لأنها لم ترسل الطعام مع جاك للمتنمّر منذ ايام 

فذهبت فوراً الى هناك , وحاولت التفاهم ثانيةً مع الولد البدين .. لكنها هذه المرّة هدّدته بأنها ستُخبر جدته بتنمّره على باقي الأطفال , وقد اخافه تهديها بالفعل  

وبعد قليل .. خرجت من المدرسة برفقة جاك .. 
وامام موقف السيارات , التقت بوالده اريك.. 
اريك بدهشة : آه ! أأنت هنا سيدة ايلين ؟!
ايلين : نعم فقد اتصلت بي الأدارة
اريك : وانا قبل قليل حتى انتبهت على رسالة المديرة .. (ثم نظر الى ابنه وسأله معاتباً) .. وانت !! ماذا فعلت هذه المرة يا شقيّ ؟
لكن ايلين دافعت عن جاك , وأفهمت والده عن معاناته مع المتنمّر البدين
  
وبعد ان هدأ الموقف .. اصرّ اريك على توصيلها الى منزلها , فوافقت دون ان تدرك بأن خطيبها لحق بها الى المدرسة .. ومن هناك , قام بتصوير الصبي جاك واريك ورقم السيارة , ثم قال في نفسه بغضب :
- سأربّيك انت وعشيقك يا ايلين .. سترين !! 
***

وفي اليوم التالي .. تفاجأ اريك بزجاج سيارته مُحطّماً , وعليها ورقة , كُتب فيها : ابتعد عن زوجتي ايها الحقير !!!
ولسوء الحظ ! كانت زوجته بجانبه , والتي ما ان قرأت الملاحظة حتى قالت لزوجها بغضب :
- ماذا يعني هذا ؟! هل تخونني يا اريك ؟!! 
اريك بدهشة : لا طبعاً !! ولا اعرف من هذا , او عنّ من يتكلّم ! 
وسمعتهما المربية (التي كانت خلفهما) لكنها خافت ان تخبرهما عن تهديدات طليقها .. وسكتت عن الموضوع , حتى بعد ان رفع اريك شكوى اعتداء للشرطة
***

وفي احدى الأيام , كانت المطر يهطل بغزارة .. فأصرّ اريك على توصيل ايلين الى بيتها , رغم اعتراضها الشديد (خوفاً عليه من طليقها)  
وبعد توصيلها .. وصلت صورة جاك الصغير كرسالة على جوال ايلين !
ثم ارسل طليقها عبارة تهديد قائلاً : هل يُهمّك أمر هذا الصغير ؟
وفي تلك اللحظة , قرّرت ايلين اخبار اريك بكل شيء  

وذهبت الى مكتب المحاماة التي يعمل بها , لكنها تفاجأت بوجود زوجته هناك على غير عادتها ! ولهذا اضّطرت ان تخبرهما سويّاً عن افعال طليقها  
اريك : ولما لم تخبرينا بأنه يهدّدك , ويهدّد ابني ؟!
ايلين وهي تشعر بالإحراج : آسفة حقاً .. القصة هي ..(ثم تنهدت بضيق) .. انني من عائلة فقيرة جداً , وقد قام اللعين باستغلال ذلك ودفع كل ديون والدي , بشرط ان يتزوجني .. وقد استطعت خلال السنوات الماضية اعادة نصف المبلغ له .. وهو في المقابل وافق على تطليقي , لكن بعد ان جعلني أوقع على كمبيالات بباقي المبلغ 

الأم بغضب وقلقٍ شديد : لا تهمّنا مشاكلك يا امرأة !! فقط ابتعدي عنّا , قبل ان تتأذّى عائلتي بسببك 
ايلين بحزن : فهمت سيدتي .. وانا اتيت اصلاً لأقدّم استقالتي
فأسرعت الأم بالقول (دون ان تنتظر جواب زوجها) : ونحن قبلنا استقالتك .. هيا اذهبي من هنا , ولا تنسي ان تخبري زوجك بأنك استقلت , كيّ يبتعد عنّا .. أفهمتي ؟!!

فقالت ايلين والدموع في عينيها : سأفعل , لكنّي كنت اودّ توديع الأطفال قبل رحيلي
الأم بحزم ولؤم : بالطبع لا !! فنحن لا نريد لذلك المجنون ان يلحقك ويعرف عنوان منزلنا ايضاً 
فنظرت ايلين لأريك بحزن , لكنه فاجأها قائلاً : 
- زوجتي معها حق , من الأفضل ان تذهبي .. وسأرسل لك باقي مرتّبك عن طريق البريد .. مع السلامة سيدة ايلين 
وخرجت ايلين حزينة من المكتب 
***

بعد الظهر , وفور عودة جاك الى البيت .. أخبرته امه برحيل المربية .. فأصيب الصغير بخيبة امل كبيرة جعلته يصرخ باكياً :
- انتما تفعلان بي ذلك كل مرة !!!
امه : وماذا فعلناه لك ؟!
جاك بعصبية : تُحضران لي المربية , وبعد ان احبها تطردانها .. انا اكرهكما جداً !!
وذهب باكياً الى غرفته .. 
***

وقد ساءت حالة جاك مع الأيام , حيث أهمل دراسته كثيراً .. حتى ان اخته الصغيرة شعرت بغياب المربية , وقد لاحظ والداها فقدان شهيتها للطعام ورغبتها في اللعب 

فبدأ ابوهما يفكّر بحلّ لهذه المشكلة , حيث قام بالإتصالات اللازمة للوصول الى طليق المربية .. 
وبعد ان اقنعه بمقابلته في المكتب .. اتفق معه على دفع باقي مستحقاته , بشرط اعطائه كافة الكمبيالات التي معه ضدّ ايلين .. لكن طليقها لم يقبل بطلبه الثاني : وهو تثبيت الطلاق بالمحكمة والإبتعاد عن ايلين تماماً , الا بعد ان دفع اريك له ضعف المبلغ المطلوب .. وقد اعطاه اريك كل ما اراده , دون ان تعرف زوجته بذلك 
***

وبعد اسبوعين .. حصلت ايلين على ورقتين من المحكمة .. ورقة طلاق رسمية , وورقة تعهّد من طليقها بعدم الأقتراب منها .. 
فذهبت فوراً الى مكتب اريك لتستفسر منه عمّا حصل ! 

وبعد ان اخبرها باتفاقه السابق مع طليقها , قالت ودموع الفرح في عينيها: 
- لا ادري كيف اشكرك سيد اريك.. لكنّي اعدك بأن أجدّ عملاً في القريب العاجل , كيّ ادفع ديوني لك 
- وانا اريدك ان تسدّدي ديني , لكن ليس بالمال 
- ماذا اذاً ؟
- بأن تعودي الى العمل عندي , فالجميع افتقدك
فقالت مُمازحة : حتى زوجتك ؟
فسكت اريك بابتسامة..
ايلين : انا أخاف ان تحصل مشاكل بعودتي
اريك : عودي اولاً , ومن ثم تُحلّ المشاكل مع الوقت 
***

وبالفعل !! عودتها أغضبت الأم كثيراً , حتى ان شجار الزوجين وصل الى ان تُخيّر زوجها بينها وبين المربية !
ففاجئها زوجها قائلاً : اذاً لنسأل الأولاد عن ذلك 
ثم نادى ابنه جاك وسأله : 
- هل تريد المربية ايلين ان تبقى معنا , ام نُعيدها الى بيتها ؟
فأجاب جاك بحماس : انا اريدها ان تعيش معنا للأبد !!
والده : والآن دور ابنتي الصغيرة ..

ثم نادى ايلين التي كانت تحملها , وأخذ منها الطفلة التي اعطاها قطعة حلوى ..ثم قال لها : حبيبتي .. اعطها لماما 
فأسرعت الطفلة بإعطاء الحلوى للمربية , وهي تناديها بفرح : ماما !!
وهنا قال اريك لزوجته : وهآقد رأيتي وسمعت بنفسك جواب اولادك 
زوجته بقلق : وماذا يعني ذلك ؟!
فقال اريك للمربية : لو سمحت ايلين , خذي الأولاد واتركينا لوحدنا

وبعد قليل ..
ارتفع الصراخ بين الزوجين مجدّداً .. 
لكن لأول مرةّ يصرخ اريك في وجه زوجته غاضباً : 
- لا !! لقد طفح الكيل .. اعطني سبباً واحداً لبقائنا سويّاً 
فأجابته بدهشة : أتريد تطليقي من اجل خادمة ؟!
فقال بغضب : اولاً ايلين مربية اطفال وليست خادمتك يا خانم , وثانياً : ليست هي السبب بل انت !! 
- وما مشكلتي انا ؟ 

- مشكلتك انك زوجة وام فاشلة !! فأنتِ لم تهتمّي ابداً لعائلتك ..لا بإعداد الطعام لنا , ولا حتى بمرضنا ..اخبريني متى آخر مرة حضنتي فيها اولادك , او اخذتهم في نزهة , او امضيت امسية معنا ؟ .. اما ايلين فهي ..
مقاطعة بغضب : ومن ايلين هذه لتقارني معها ؟!!
اريك : ايلين اعطتنا كل شيء افتقدناه معك .. اعطتنا شعور الأمان والإستقرار ..والأهم انها اعطت الحنان لأولادنا .. ليتك شاهدت اطفالك وهم ينامون بجانبها , وهي تقرأ لهما القصص 
- آها !! الآن بانت الحقيقة ..هل كنت تدخل غرفتها في المساء؟ 
لكنها تفاجأت بصفعة قوية على وجهها , وهو يصرخ فيها قائلاً :
- الن تكفّي عن تفكيرك الوسخ بالناس ؟!! أنت اصلاً لا يهمّك سوى السخفاء امثالك من المشاهير
وهي تبكي : لا اسمح لك ان تُهين عملي
غاضباً : عملك اتفه منك .. هيا اخرجي من حياتنا , فنحن افضل حالاً من دونك

- يبدو انك كنت تنوي فعل ذلك منذ مدة ؟ 
اريك بازدراء : وبماذا انوي ؟
زوجته : ان تطلقني كي تتزوج من المربية
فقال بلؤم : والله كنت افكّر بالطلاق فقط.. لكن أتدرين ...(ويسكت قليلاً) انها فكرةٌ جيدة .. سأطلب يد ايلين للزواج بعد ان اتخلّص منك

فعاد الصراخ بينهما من جديد , بينما كانت ايلين (في غرفتها) تحاول إلهاء الطفلين بالقصص , كي لا يحزنا من شجار اهلهما
***

وعند صباح .. استيقظت ايلين مُتأخرة عن موعد المدرسة ولم يكن الوالدان في المنزل .. ولهذا قبلت بغياب جاك , الذي رفض الذهاب الى مدرسته بعد ان فاته نصف الحصصّ .. 
***

وفي وقت الظهيرة .. عاد الأب سعيداً وهو يلّوح بورقةٍ رسمية في وجه ايلين التي كانت تعدّ الطعام في المطبخ  
ايلين : ما هذا سيد اريك ؟
فأجاب بسعادةٍ غامرة : لقد طلقتها اخيراً !!!
فحاولت كتم فرحتها قائلة : أبهذه السرعة ؟! اقصد ..الم يكن بوسعكما حلّ المشكلة ؟
فقال بضيق : كيف وهي حتى لم تمانع بالتخلّي عن ابنائها , بعد ان أقنعتها حماتي الخبيثة بأن ذلك سيجعلها متفرّغة اكثر للسفر مع المشاهير من أجل عملها السخيف ! 
المربية بدهشة : وانا التي ظننت بأن امها ستحلّ المشكلة , لكنها تبدو اسوء من ...

وقبل ان تكمل كلامها , تفاجأت به يركع امامها ويُخرج خاتماً من جيبه : 
- ايلين ...هل تقبلين الزواج منّي ؟

فانصدمت المربية وارتبكت وتلعثمت بالكلام , وهنا سمعت جاك (الذي كان يطلّ من الباب) قائلاً بحماس :
- نعم اقبلي !! ارجوك اقبلي يا ايلين !!!
وصار يقفز بسعادة هو واخته الصغيرة التي كانت تقلّد حركات اخوها بحماس

فقال اريك ممازحاً , وهو مازال يركع امامها : هيا ايلين .. ركبتي بدأت تؤلمني
فأجابته مُبتسمة : نعم , أقبل ان تكونوا عائلتي
فحضنها اريك , ليركض الولدين ويحضنانها ايضاً بفرحٍ غامر

وهنا همس اريك في اذنها قائلاً : الآن اصبحت لديّ عائلةٌ سعيدة , كما كنت احلم دائماً 

الولد الخارق

تأليف : امل شانوحة سأساعد الأطفال اللقطاء في كل مكان - امي .. رأسي يؤلمني - إصابةٌ ثانية ! الم أقل لك ان تنتبه وانت تلعب مع أص...