الأربعاء، 30 أغسطس 2017

بين عالمين

فكرة : ياقوت الشرق
كتابة : امل شانوحة



ماذا بعد الموت ؟!

انتهت مراسم الدفن .. ذهب الجميع ما عداه .. جلس امام قبر معلّمه و بدأ يهمس له :
- معلّمي .. هل تسمعني ؟ هيا إخبرني .. كيف هي حياة الأموات ؟
ووضع إذنه ليتنصّت على القبر , لكنه لم يسمع شيئاً .. فعاد ورفع صوته :
- معلّمي !! هيّا قلّ ايّ شيء , رجاءً .. انت وعدّتني ان تخبرني عن عالم الأموات

ومن بعيد .. كان حفّار القبور وأحد الرجال المارّين بالمقبرة يراقبان هذا الشاب باستغراب !
الرجل بدهشة : أيتكلّم مع القبر ؟! هل هو مجنون ؟
الحفّار : أكيد مجنون كمعلّمه (جورج ديفيد)
- اتقصد الفيلسوف الذي يعيش وحده في اعلى الجبال ؟
- ايّ فيلسوف يا رجل .. بل قلّ : عجوزٌ خرِف .. (ثم يسكت قليلاً) ..هو ربما كان معلّماً محترماً قبل ذهابه الى افريقيا 
الرجل باهتمام : وماذا حصل له هناك ؟!

- لا أحد يعلم .. كل ما سمعته عنه : ان بعد عودته الى هنا , بدأ يُخبر تلاميذه بأنه تعلّم طريقة في افريقيا تسمح له بالتنقّل في عالم الأموات وهو على قيد الحياة 
الرجل بسخرية : أحقاً ! اذاً ليخرج الآن من قبره ان كان بطلاً
وابتعدا وهما يضحكان باستهزاء على البروفيسور الميت ونظريّاته الغبيّة

اما تلميذه المخلص فظلّ لساعةٍ اخرى يحاول التواصل مع معلّمه من فوق القبر , الى ان بدأ اليأس يسري في قلبه .. وقبل ان يهمّ بالعودة الى بيته .. اقترب منه شابٌ آخر و سأله :
- أأنت الطالب الجامعي (مايكل) الذي كان يذهب لأعلى الجبل بنهاية كل اسبوع لرؤية هذا المعلّم ؟ 
وأشار الى قبر الأستاذ ..
التلميذ مايكل : نعم .. أظنني لمحتك هناك , اليس كذلك ؟
الشاب : نعم , تقابلنا مرّة عندما كنت أرعى غنمي على سفح ذلك الجبل

مايكل باهتمام : وهل كنت آخر من رأى معلّمي حيّاً ؟
الراعي : هذا صحيح .. لأني بالعادة أحضر له حليباً كل يوم .. لكني وجدته هذا الصباح على آخر رمق , و حاولت مساعدته لكنه مات بين يديّ
مايكل بحماس : وهل قال لك ايّ شيء قبل ان يموت ؟ ارجوك حاول ان تتذكّر , فالأمر في غاية الأهمية بالنسبة لي
الراعي : أعرف هذا , ولهذا اتيت اليك .. فقد اعطاني هذه الورقة و طلب منّي ان اسلمها لك باليدّ .. و قال بأن فيها عنوان الشخص الذي سيجيبك على اسئلتك ..
***

في اليوم التالي .. كان الشاب مايكل يستقلّ اول طائرة ذاهبة الى افريقيا .. لأن الرجل الذي كتب معلّمه عنوانه في الورقة يعيش هناك , وكان اسمه ابو العالمين ..
ووصلت الطائرة بعد ساعاتٍ طويلة من السفر والتنقّل بين عدّة مطارات (ترانزيت) من اوروبا الى افريقيا .. مروراً بركوبه حافلةٍ مهترئة أوصلته الى وسط البلدة الأفريقية .. ومن هناك امتطى حصاناً خلف شخصٍ أوصله اخيراً الى العنوان المطلوب , وكان عبارة عن كوخ مهجور وسط ارضٍ قاحلة .. 

وهنا قال له المرشد السياحي الأفريقي بلغة انجليزية ركيكة , وهو يتلعثمّ برعب :
- لقد وصلنا .. هذا هو بيت المشعوذ (نونو شيكي) الملقّب بأبو العالمين 
وما ان ترجّل مايكل , حتى أنطلق المرشد بالحصان مبتعداً عن المكان .. فناداه مايكل بفزع :
- هاى !! الى اين انت ذاهب ؟ ارجع ارجوك !! كيف سأتكلّم مع الرجل دون ترجمتك ؟ 

لكنه سمع شخصاً يجيبه من الخلف :
- لا تقلق .. أنا افهم كل اللغات 
و كان رجلاً عجوزاً .. عيونه مخيفة .. وذقنه وشعره تصلان الى ركبتيه , و اظافره وسخة وطويلة .. 
ثم قال لمايكل و هو يدخله الى كوخه المصنوع من القشّ :
- هيا ادخل ولا تخفّ .. فأنا اعرف طلبك

و في الداخل ..
فاجئه العجوز بسؤاله :
- هل أتيت لتعيش عالم الأموات دون ان تموت ؟
مايكل بدهشة : وكيف عرفت ذلك ؟!
- معظم من يأتون اليّ لديهم نفس الطلب 
- وهل جميعهم انتقلوا الى هناك ؟
- بالتأكيد !! اتريد ان تجرّب
مايكل بحماس : طبعاً !! لكن بشرط ان اعود الى الحياة من جديد.. فأنا اريد فقط معرفة ما يوجد في حياة الآخرة
العجوز : اذاً اعطني الفين دولار ثمن المحلول الذي سيُنقلك الى هناك

فحاول الشاب مفاوضته على المبلغ , لكن العجوز اصرّ عليه .. فلم يكن امام مايكل الا ان اعطاه ما اراد , وكان تقريباً نصف المبلغ الذي جلبه معه لهذه المغامرة 
العجوز بعصبية : ماذا تظنّ نفسك فاعلاً ؟!!
مايكل باستغراب : سأشرب المحلول !
العجوز بحزم : لا ليس هنا !! عدّ الى القرية واشربها هناك .. و ايّاك ان تجادلني في الموضوع
***

وبسبب هروب المرشد السياحي الجبان , اضّطر مايكل للعودة الى القرية الأفريقية سيراً على الأقدام ..
ووصل الى هناك في المساء بعد ان أرهقته الرحلة .. وكان هناك احتفالاً بزواجٍ قروي .. وبعد إنخراطه بينهم , اخرج المحلول الأخضر من جيبه و شربه .. وأول ما شعر به كان مغصاً في معدته .. ثم تحوّل لغثيان .. دوار وصداع .. سخونة وبرودة اطراف .. رؤية مغبّشة .. وآخر ما تذكّره هو وجوهٍ افريقية تقترب منه بعد ان سقط على الأرض .. ثم تعالا صياحهم وكأنهم ينادون على من يسعفه .. 

وبعد وقتٍ مرّ عليه ببطء , شعر بماءٍ ساخن يحرق جسده .. فصار يحدّث نفسه :
((مالذي يحصل ؟ اين انا ؟ ولما تغسلني هذه النسوة ؟ يا الهي الماء ساخنٌ جداً ..هل يطبخونني حيّاً ؟!)) 
و حاول المسكين الحراك لكن اطرافه كانت مشلولةٌ تماماً , حتى انه لم يستطع اصدار ايّ صوت من فمه ! 

وظلّ يحاول هكذا حتى اخرجوه من الحوض الحديدي الساخن .. و بدأوا بتغطيته بملاءةٍ بيضاء .. 
((لحظة ! لما يغطّون وجهي ؟! لا الأغبياء , سيكتمون انفاسي !!)) 

ثم شعر بأصوات رجالٍ تحمله على الأكفّ وسط حدادٍ وترانيم حزينة النغم .. وقرع الطبول كأنها تعزف لحن الموت ! 
((انهم يدخلونني داخل شيءٍ عميق وضيق .. هل هذا قبري ؟! لحظة ! لا !! لا ترموا عليّ التراب .. انا لست ميتاً !! الا تسمعون صراخي ؟! انتم تدفونني حيّاً .. ارجوكم !! لا اريد الموت !!!!))

لكن لم يسمعه احد .. وبدأ يلاحظ (من الأسفل) إنخفاض صوت الضجيج شيئاً فشيئاً عن المكان.. حتى عمّ السكون المخيف ! 
ثم تبعه اصوات حشراتٍ صغيرة تنخر في التراب و تدبّ فوق كفنه .. 
((قريباً جداً سيتمكنون من اختراق كفني , ليدخلوا الى جسدي وينهشوه دون رحمة.. يا الهي ! مالذي فعلته بنفسي ؟ .. انا بالفعل أحمق .. لما اردّت تجربة شيئاً مرعباً كالموت ؟!)) 

و قبل ان يستسلم الشاب لمصيره بعد ان أتعبه الصراخ والبكاء .. سمع فجأة ! صوت مجرفةٍ تنكش فوق رأسه تماماً ... فصار يصرخ بما تبقّى له من قوّة :
- نعم رجاءً احفروا بسرعة !! انا مازلت حيّاً !! اخرجوني من هنا !!!!

ثم شعر بيدين تزيلان الملاءة عن وجهه , ليرى معلّمه (المرحوم) الفيلسوف فوق الحفرة التي بها جثمانه
تلميذه مايكل بدهشة وبتلعّثم : أهذا انت معلّمي ؟! لكن كي ...يف ...كيف يعقل هذا ؟!
معلّمه (الميت) بفخر : لقد نجحت يا مايكل .. وأصبحت في عالم الموتى كما كنت ترغب

وبعد ان أخرجه معلّمه من القبر .. واستردّ مايكل انفاسه , سأله :
- يعني معلّمي .. انا الآن ميت ام حيّ ؟!
المعلّم : انا الآن ميت , لكنك الحيّ الوحيد بيننا .. انظر خلفك

فنظر الشاب الى حيث أشار معلّمه , ليجد اولاداً صغار ونساءً ورجال يحيطون به من كل جهة وعلى وجوههم فرحةٍ عارمة , حيث بدأوا بالتصفيق والصفير له مُحيّين شجاعته لخوض هذه التجربة المرعبة
المعلّم : ارأيت يا مايكل ..جميعهم فخورين بك , لأنك الوحيد الذي نجح في إيجاد الحاجز الذي يفصل بين العالمين 
- تقصد انا الآن في حياة البرزخ ؟ 
- نعم , وبذلك تستطيع ان تكون مبعوثنا الى عالم الأحياء

وهنا اقتربت منه امرأة سمراء حسناء قائلة :
- رجاءً ايها الشاب , اريدك ان توصل رسالتي الى زوجي 
ثم قالت له امرأة كبيرة بالسن : وانا الى اطفالي , لو سمحت
ثم طفل : وانا الى امي يا عمّ

المعلّم : رجاءً يا اعزّاء , كلاّ بدوره .. فتلميذي النجيب لم يستردّ انفاسه بعد .. دعوني أعرّفه على عالمنا اولاً .. ومن ثم ينفّذ لكم جميع طلباتكم ..اليس كذلك يا مايكل ؟
بسعادة : طبعاً معلّمي .. سأنفّذ كل ما تريدون
قالها الشاب وهو ما زال لا يصدّق بأن تجربته نجحت أخيراً .. 

لكنه فجأة ! شعر بالدوار .. وبدأ يفرك عينيه بألمّ
***
وما ان فتح عيناه .. حتى رأى المشعوذ (نونو شيكي) يقف قرب جسده المكفّن بالقماش وعلى وجهه ابتسامةٌ ماكرة
ثم صرخ منادياً رجلين يلبسان الزيّ العسكري : 
المشعوذ : زومبي !! لقد وجدتُ زومبيّاً آخر !!!
مايكل محاولاً التحرّر من كفنه الضيق , وهو مازال يشعر بالدوار: 
- لحظة ! ماذا يحصل هنا ؟! 
***

وبعد يومين .. وفي مكانٍ آخر من القرية الأفريقية ..
مدّ الفيلسوف المجنون (جورج ديفيد) يده الى المشعوذ (نونو شيكي) وهو يقول :
- وهآقد اصبح لديك عبداً اجنبياً كما طلبت مني .. فأين هي حصّتي ؟
المشعوذ : امسك يا ملعون .. والآن اخبرني كم مرّة قمت بتمثلية الموت مع صديقك حفّار القبور ؟ 

المعلّم جورج : والله لم أعد اذكر .. لكن عليّ الآن البحث من جديد عن تلاميذ اغبياء يصدّقون خزعبلاتي في بلدٍ أوروبي آخر 
المشعوذ : المهم لا تنسى يا جورج , عليك ان ترسل لي المزيد من محلولك اللعين الذي يشلّ حركتهم مؤقتاً ويصيبهم بالهلوسة .. 
- كلاً بثمنه يا عزيزي 

- لا تقلق , حقك محفوظ .. كل ما عليك فعله : هو متابعة ارسال الحمقى اليّ , لأبيعهم الى اثرياء افريقيا كعبيد مدى الحياة
المعلّم : لكني لا ارسل اليك الحمقى بل هم طلّاب جامعيون ارادوا تعلّم ما وراء المرئيات 
المشعوذ بسخرية : واها  لا بأس من عبيدٍ مثقفين

ويضحكان على ضحاياهم المحبّين لمعرفة خبايا العالم المجهول 

ملاحظة :
يوجد قبائل افريقية يؤمنون : بأن من يخرج من قبره بعد دفنه يعتبر زومبي , ايّ ان جنّياً تلبّس بجسده , فيقومون باستعباده مدى الحياة , وقد يُستعبد حتى من قبل اهله , وذلك بإجباره للقيام بكل الأعمال الصعبة دون ايّ رحمة , دون الأخذ بالإعتبار انه ربما يكون دُفن حيّاً كخطأ تشخيصي لحالته الصحيّة من قبلهم !  

وقد عرضت القناة الثقافية (ديسكفري) حلقة كاملة عنهم .. ولهذا اردّت ان اكتب قصة عن هذا الموضوع الشائك المليء بالشبهات ! اتمنى ان يعجبكم  

العين الحسودة

تأليف : امل شانوحة معاناة من ابتُليّ بهذه الموهبة المؤذية  لم يعلم سمير بقدراته المدمّرة الا في السن التاسعة .. وكانت اول تجاربه مع ...