الاثنين، 28 أغسطس 2017

إختلاف الأجناس

تأليف : امل شانوحة

لن اتركك الى ان تشفى

في غرفةٍ مجهزة بالأدوات الطبّية وقناع الأوكسجين استلقى شابٌ مريض على سريره وحيداً في القصر بعد ان سافر والده الى الخارج 

و في احدى الليالي .. استيقظ من نومه ليجد فتاةً جميلة في غرفته , جالسة على طرف سريره .. 
لؤيّ بدهشة : هل ارسل والدي اخيراً ممرضة لعلاجي ؟!
الفتاة بعصبية : اصلاً انا متفاجئة من تركه لك لفتراتٍ طويلة وانت تعاني من كل هذه الآلام ! 
- وكيف عرفتي انني مريض منذ مدة طويلة وانت قدمتي الآن , هل اخبرك ابي عن حالتي ؟ 
- ربما فعل ...وربما لا 
لؤيّ : لم افهم !

فأجابته بابتسامة : اصلاً انا اعرفك شخصياً .. 
- لكني لم اركِ من قبل ! 
- كيف هذا ؟! حاول ان تتأمّل وجهي جيداً , وستعرفني على الفور 

فحاول لؤيّ التأكّد من ملامحها , بعد ان ازال قناع الأوكسجين عن وجهه 
لؤيّ : اظنّ انني رأيتك فعلاً , لكن في ..(و يسكت)
تبتسم له بخجل : في منامك , صح ؟! اعرف هذا .. لكن رجاءً لا تسألني عن ايّ شيء .. (ثم تقف لتتأكّد من المحلول المعلّق في ذراعه) .. اسمي رؤى .. وانا من سيعتني بك لحين عودة والدك .. 
بحماس : لكن الوقت تعدّى منتصف الليل ! فهل يعني هذا انك ستبيتين معي في القصر ؟
- لا .. لكن بيتي قريبٌ من هنا , وسأزورك كلما سنحت لي الفرصة ..اما من انا بالتحديد , فهذا ستعرفه مع الأيام ..والآن عليّ الذهاب 

ثم تركته ليرتاح قليلاً , لكنه ظلّ يفكّر بها حائراً حتى الصباح 
***

ومع مرور الأيام .. تعوّد لؤيّ على زيارات رؤى له كل مساء .. وامضيا تلك الليالي بالضحك والتحدّث سوياً مما جعل نفسية لؤيّ تتحسّن كثيراً 

لؤيّ : هل ستذهبين ثانيةً و تتركينني .. فأنا لم اعرف حتى الآن سوى اسمك ! 
رؤى : قلت لك سابقاً , لا تستعجل و سيأتي يوم واخبرك بكل ما تريد معرفته .. والآن اغمض عيناك ونمّ قليلاً .. الى اللقاء في الغد
***

وتكرّرت تلك الزيارات داخل غرفته في قصر والده ..الى ان اتى ذلك المساء التي قدمت اليه رؤى حزينة وقلقة , فسألها لؤيّ مُستفسراً بقلق :
- ماذا حصل ؟!
فأجابته بضيق وهي قلقة من ردّة فعله :
- لقد حان الوقت لتعرف من انا .. لكن رجاءً لا تقاطعني واسمعني حتى النهاية
فهزّ رأسه موافقاً وهو يشعر بقلقٍ شديد .. 

فقالت بتردّد وهي تمسح دمعتها : 
- انا .. انا جنية يا لؤيّ .. ارجوك !! لا تقلّ شيئاً قبل ان تسمع كل الحكاية .. فأنا واهلي كنّا انتقلنا الى هذا القصر منذ شهورٍ عدّة .. وقد تعوّدت الدخول الى غرفتك دون ان تراني لأجلس في الزاوية واراقبك وانت تتألّم طوال الوقت .. وكنت استغرب قساوة والدك الذي لم يكن يزورك دائماً .. حتى انني لا اذكر انه عاينك ايّ طبيب او ممرضة طوال فترة مرضك ! فشعرت بالشفقة عليك , وقرّرت زيارتك في احلامك كيّ اخفف عنك قليلاً .. ومع مرور الأيام لاحظت تعلّقي الشديد بك , فشعرت برغبةٍ قوية لأن تراني بالواقع كما اراك ..ولهذا أوهمتك حين قدمت بأنني سأكون ممرضتك لحين عودة والدك من السفر ... وهآ انت بتّ تعرفني جيداً , وحان الوقت كي اسألك .. (وتسكت قليلاً ثم تقول بإحراج) .. هل تتزوجني يا لؤيّ ؟ .. لحظة !! قبل ان تجيبني اريدك ان تعرف , انه في حال قبلت ان تعيش معي في عالم الجن الذي لا يختلف كثيراً عن عالمكم , فإنك ستُشفى تماماً من مرضك المزمن وستعود اليك حيويتك ونشاطك وتستغني تماماً عن كل ادويتك .. فماذا قلت ؟

لكن لؤيّ لم يُجبها بل اكتفى بالنظر اليها بدهشة ! فأكملت كلامها بقلق :
رؤى : اعرف انك مصدومٌ الآن , لكن الأمر ليس سهلاً عليّ ..فأنا لي شهور اعيش صراعاً قوياً مع نفسي .. فالزواج من البشر ليس مُحبّباً في عالمنا بل احياناً نُعاقب عليه اشدّ العقاب ..(ثم تتنهّد قائلة) .. والأسوء من ذلك انني حتى اليوم مازلت اتساءل : هل حبك لي سيجعلك تترك كل الدنيا التي تعرفها من اجلي ؟ وهل ستقبلني كما انا ام ترفضني ؟ لكن اودّ ان اقول لك شيئاً يا لؤيّ .. في حال رفضت عرضي , فأن ابي سيرسلني بعيداً عن القصر وسأُمنع من رؤيتك طوال حياتي ..فماهو قرارك ؟

فسكت لؤيّ و هو مازال ينظر اليها بنظرةٍ غريبة .. ثم عاد واستلقى في فراشه بعد ان غطّى وجهه بالملاءة كيّ لا يراها .. فعرفت انه رفض طلبها و صارت تبكي بصوتٍ مكبوت..
و هنا سمع لؤيّ صوتاً رجولي يقول لها :

- ارأيتي !! كما كنت متوقعاً .. فالبشر لا يحبوننا ابداً .. هيا انزلي فوراً الى البيت .. ورتّبي اغراضك , لأني سأرسلك الى منزل عمك في الساحل 
رؤى وهي تبكي : حاضر ابي

وكان لؤيّ يسترق النظر من تحت ملاءته , فرأى شقّاً في جدار غرفته ! ورؤى تدخل من خلاله , وهي تنظر اليه بنظرة وداعٍ حزينة .. وقبل ان يُغلق الشقّ من جديد ..علا صوت قهقة لؤيّ .. فانصدمت رؤى كثيراً من ردّة فعله الساخرة ..وقال والدها من الجهة الأخرى :
- مالذي يضحك هذا الغبي ؟!
فناداها لؤيّ بصوتٍ عالي وهو مازال يضحك : رؤى !!! تعالي واحضري والدك معك !!

فقدِما اليه وهما مازالا متفاجئين من عدم خوفه منهما , فأردف قائلاً: 
لؤي : لوّ سمحتي رؤى , ازيلي الغطاء عن قدميّ
فتقدّمت من سريره ببطء , ثم ازالت الغطاء لتتفاجأ بأقدامه تشبه حوافر الماعز .. 
فقال والدها بدهشة : ما هذا ؟! هل انت جنّي مثلنا ؟!
فقال لؤيّ ضاحكاً : يالا سخرية القدر .. نعم , كنت جنياً قبل سنواتٍ طويلة 
رؤيّ وهي مازالت لا تصدّق ما يحدث : طيب اخبرنا , ما قصتك؟ 

لؤيّ : القصة باختصار انني احببت بشريّة تسكن هذا القصر قبل مئة وخمسين عاماً , لكن ابي الذي يعمل قاضياً في محكمة الجن منعني من الإقتراب منها , فهربت من سجنه وتزوجتها رغماً عنه .. فحكم عليّ ان اتحوّل الى بشري يعاني من مرضٍ مزمن .. المهم .. هل تدريان كم دام حبها لشخصٍ مريضٍ مثلي ؟ 
رؤى باهتمام : اكيد لسنواتٍ طويلة 

فيعود لؤيّ للضحك : سنوات ! بل هي ثلاثة اشهرٍ فقط , لأنها ملّت من اخذي بين حينٍ و آخر الى المستشفى , والأسوء انها طردتني من قصرها هذا .. وبعد ان عانيت خمسين سنة وانا اتنقّل بين دور الرعاية الصحيّة على حساب الدولة , سمعت بوفاتها بحادث وبأنها تزوجت لكنها لم تنجب وريثاً , وبعد موت اهلها بعدها بسنوات عدّت وسكنت قصرهم .. وهذه الغرفة كانت غرفتنا انا وهي قديماً .. اما والدي فهو يتشكّل بصورة بشري ليعيش معي هنا و يُشرف بنفسه على اتمامي للعقوبة قبل ان يعيدني جنّياً ثانية
والد رؤى : وكم حكم عليك ؟

وهنا ظهر ابو لؤيّ فجأة مُخترقاً الباب المغلق قائلاً : حكمت عليه بمئتي سنة يعيشها كبشري مريض , وبقي لديه خمسين عاماً
لؤيّ بحزن : المشكلة ان سنوات البشر بطيئة للغاية , ولهذا اشعر بمللٍ قاتل 
وهنا احسّ بحزن رؤى , فقال لها لؤيّ : 
- لا تحزني عليّ يا رؤى فأنا استحقيت هذا العقاب .. لكن اريد ان انصحك بشيء : ايّاك ان تقومي بنفس خطأي , فحياتنا كجن اجمل بكثير من حياتهم المرهقة  
رؤى : أحقاً !

لؤي : بالتأكيد .. فحياة البشر روتينية وفيها الكثير من الهموم والمشاكل كما انهم يملّون بسرعة ويرغبون بالتغير المستمر , اما حياتنا كجن فيها الكثير من التشويق ..آه لا تصدّقي كم انا مشتاق الى الطيران مجدداً واختراق الحواجز وعدم الشعور الدائم بالجوع والأرهاق .. اصلاً انا غبي لأنني فضّلت العيش مع بشريّة بشكلها الذي يهرم مع الأيام , ورفضت ان اتزوج امراة جنّية يمكنني تغير شكلها كلما احببت 
فقال والده : هذه اول مرّة اشعر بندمك يا ولد
لؤيّ بحزن : كنت اخفي عنك ذلك يا ابي , لكني بصراحة ندمت منذ اليوم الأول الذي تخلّت فيه عنّي تلك البشريّة  
والد رؤى : برأيّ الشاب عرف خطأه يا ابو لؤيّ ويجب ان تسامحه

فيفكّر ابو لؤيّ قليلاً ثم يقول : حسناً .. يمكنني ان اتفاوض مع لجنة قضاة الجن لإعفائه من بقيّة محكوميته , لكن بشرط !!
لؤي بحماس : اشرط ما شئت يا ابي !!
ابوه : ان تتزوج من رؤى الجنّية 
فينظر لؤيّ لرؤى بسعادة : والله اذا وافق والدها , فأنا مستعد ان أتزوجها فور خروجي من هذا السجن

فأخرج والده العصى السحرية من ردائه والقى تعويذة على ابنه لؤي 
وبثوانيٍ ! صار جسد لؤي يطفو فوق السرير .. 
فصرخ لؤيّ بفرحٍ عارم : واخيراً عدّتُ جنيّاً من جديد !! 

وطاف حول السقف عدّة مرّات بفرح , ثم حلّق باتجاه رؤى يريد احتضانها , لكن والدها وقف في وجهه مُعاتباً :
- الزواج اولاً يا ولد !!
لؤيّ بارتباك : آه عفواً .. انا تحت امرك 
فضحك والد لؤيّ قائلاً : اذاً لنعود الى عالمنا ونحتفل جميعنا بعودة الشابين الى رشدهما , لكن ايّاكما ان تفكرا بالبشر ثانية .. مفهوم !! 
رؤى ولؤي بسعادة : حاضر !! لن نفعل ذلك ابداً

واخترقوا جميعاً جدار الغرفة متوجهين لعالمهم الموازي ,وقد أُغلق شقّ الجدار من خلفهم , ليترك لؤيّ خلفه قصره الكئيب وآلام مرضه وآهاته , متوجهاً الى عالمه المشرق الذي حنّ اليه كثيراً !  

تجارب أداءٍ مُريبة !

تأليف : امل شانوحة ليتني لم أمتلك صوتاً جميلاً ! بعد انتهاء القدّاس .. إقترب رجل بطقمه الرسمي من الشاب جوزيف قائد الجوقة الموسيقية ف...