الجمعة، 11 أغسطس 2017

رفيقة السفر


فكرة : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

حب,غني,فقيرة,طائرة,صدفة

تجربة فريدة لمقصورة الدرجة الأولى في الطائرة

- كيف لا يوجد مكانٌ لي في مقصورة الدرجة الأولى ؟! على فكرة , أنا لا تهمّني التكلفة ومستعد لدفع ضعف التذكرة 
قالها رجل اعمالٍ ثري (في منتصف الأربعينات من عمره) بعصبية

فردّ عليه موظف الحجوزات بارتباك :
- نعتذر منك استاذ جاك , لكنك تستقلّ طائرة ترانزيت وهي بالأساس مليئة بالركّاب وبالكاد وجدنا لك مقعداً بالدرجة الإقتصادية , وإن شئت يمكنك استئجار طائرة خاصة , لكنها ستحلّق بعد ساعة من الآن .
- ساعة ! لا أنا ذاهبٌ لحضور مؤتمر تجاري مهم ولا استطيع التأخّر عنه ... (وتنهد بضيق وهو يفكّر قليلاً , ثم قال) .. حسناً لا بأس .. سآخذ المقعد المتوفّر .. اعطني التذكرة...
***

وقد كانت الصبيّة جاكلين (التي في أواخر العشرينات من عمرها) من اوائل الركّاب الصاعدين الى الطائرة .. حيث ما أن وجدت مقعدها (الذي بقرب النافذة) حتى تهالكت عليه بتعب , فهذه ثالث طائرة تستقلّها منذ مساء البارحة في طريقها من استراليا إلى اميركا .. وبسبب طول مسافة الرحلة كانت ترغب بشدّة بأخذ قسطٍ من الراحة .. فوضعت حزام الأمان كي لا تزعجها المضيفة عند الإقلاع , ثم أخرجت بطانيتها الصغيرة من الحقيبة وغطّت به كامل جسمها بما فيه وجهها كي لا تشعر بالركّاب وهم يدخلون تِباعاً الى الطائرة .. وعلى الفور دخلت في سباتٍ عميق 

حتى انها لم تشعر بالسيد جاك وهو يأخذ مقعده بجانبها , والذي حين سمع شخيرها الهادىء قال في نفسه : 
- جيد ان هذا الراكب غارقٌ في النوم , فأنا لا اريد ازعاجاً من أحد 

وبعد اقلاع الطائرة بفترة .. وبينما كان جاك منشغلاً بمتابعة حركة البورصة من جواله , تفاجأ بذلك الراكب المتلحفّ بالغطاء يتكأ برأسه على كتفه ..

فتأفّف جاك متضايقاً وحاول أن يُبعده عنه باشمئزاز , لكنه عاد ووضع رأسه على كتفه .. فرفع جاك يده منادياً المضيفة كي تُبعد هذا الشيء عنه .. لكن وقبل ان تأتي المضيفة اليه , انكشف الغطاء عن وجهها ليتفاجأ بأنها صبيّة جميلة تحمل ملامح بريئة للغاية , خاصةً وهي تنام بعفويّة على كتفه.

وهنا اقتربت منه المضيفة :
- هل ناديتني يا سيد ؟
- آه ! .. لا بأس , يمكنك العودة الى عملك.

ومرّت نصف ساعة والصبيّة ماتزال نائمة ملىء جفونها على كتفه , وهنا شعر بالنعاس فأطفأ جواله وبدأ يستسلم للنوم , ولم يرى نفسه إلا وهو يضع رأسه فوق رأسها بحنان وينام على الفور.
وهنا انتبهت جاكلين على شيءٍ يتكأ على رأسها فاستيقظت فزعة بعد أن رأته ينام بجانبها فظنّته يحاول استغلال تعبها الشديد , فأبعدته عنها بعنف
- أنت يا هذا !! ماذا تظنّ نفسك فاعلاً ؟!

فاستيقظ مرتعباً : مالأمر ؟!
- بأيّ حق تستند عليّ يا عديم الأخلاق !!
بدهشة : انا عديم الأخلاق ! أساساً انتِ من كنتِ ..
لكنها لم تستمع إلى تبريره , بل قاطعته مناديةً المضيفة بغضب :
- لو سمحتي !!
المضيفة : ما الأمر ؟
جاكلين بغضب : أريد مقعداً غير هذا المقعد .
- آسفة يا آنسة لكن الطائرة مليئة بالركّاب ولا يوجد أيّ مقاعد فارغة.
- ولا حتى بالدرجة الأولى ؟

وهنا انتبهت على ضحكات جاك المكبوتة , فسألته بغضب :
- و مالذي يضحكك يا هذا ؟!!
جاك بسخرية : الدرجة الأولى مرةً واحدة 
جاكلين : نعم , مالغريب في الأمر ؟
وهو ينظر إلى ملابسها المتواضعة ويقول باستخفاف : أظنك تبالغين يا آنسة , فثمن التذكرة يفوق طاقتك..
فتردّ عليه بغضب : وما دخلك انت ؟!!

المضيفة : رجاءً اخفضا اصواتكما , فالجميع نائمون ومازلنا في بداية الرحلة .. ويا آنسة , اعود و اكرّر اعتذاري منكِ لكنه لا يوجد أيّ مكان شاغر , لذا عليكما تحمّل بعض حتى نهاية الرحلة.
ثم ذهبت لتُكمل عملها ..

فحاولا كلاً منهما تجاهل الآخر بطريقته ..فجاكلين أخذت مجلة لتقرأها بينما عاد جاك إلى النوم متكئاً على جنبه الآخر كي لا يراها بعد أن ضايقه تصرّفها الطفولي.

وبعد ساعة .. حان موعد العشاء .. و أُنيرت الأضواء ليستيقظ من كان نائماً من الركّاب ليبدأوا في اختيار وجبتهم من قائمة الطعام .
وحين وصل اليهما مضيف الطيران , سأله اولاً .. فاختار جاك أحد الطبقين .. وبعد ان أعطاه ايّاه , عاد وسأله :
- وماذا تأكل زوجتك ؟
فأجابته جاكلين بتهجّم : لست زوجته والحمد الله !!

ثم تابعت جاكلين كلامها مع المضيف , مُتجاهلةً نظرات جاك الساخرة :
- يبدو ان قائمة طعامكم مكتوبٌ باللغة الفرنسية ! فهل هذا الطبق دجاج ام لحم ؟
فأجابها جاك دون ان ينظر اليها :
- سمك
فقالت له بازدراء : لم اسألك انت !!
فأجابها المضيف : نعم يا آنسة , هي وجبة سمك ..أما الوجبة الثانية فهي دجاج
- اذاً اختار الوجبة الثانية , فأنا لا احب السمك.

و أثناء تناول الطعام ..لاحظت جاكلين دقّة وترتيب جاك بالأكل وحرصه على أتيكيت الطعام .. 
لكنه ما ان بدأ بتقطيع شطيرته بالشوكة و السكين , حتى لاحظ ضحكاتها المكبوتة ..فسألها باستغراب : 
- ومالذي يضحكك ؟!
جاكلين بسخرية : يعني ليس الى هذه الدرجة !
- ماذا تقصدين ؟

- انها شطيرة دجاج يا رجل , كلّها بيديك مثل البشر الطبيعين ولا داعي لتظاهر بأنك من الطبقة الراقية أيها المدّعي ..
فقاطعها بغرور : وهل لأني اجلس هنا وسطكم , أكون من نفس طبقتكم الكادحة ؟
بسخرية  : لا يا رجل ! ما كل هذا الغرور المبالغ فيه .. هيّا كل وانت صامت
- سآكل , لكن حاولي ان لا تصدري اصواتاً مزعجة !
لكنها صارت تتعمّد رفع اصوات مضغها للطعام 
جاك يتأفّف بضيق : يارب صبّرني

وبعد أن أزالت المضيفات بقايا مأكولات الركّاب , أسندت جاكلين رأسها على النافذة بعد أن وضعت على عينيها رباطٌاً مطاطي استعداداً للنوم , حتى إنها لم تلاحظ الرسالة التي سقطت من حقيبتها , والذي التقطها جاك وهو يقول في نفسه : 
(من الذي يُرسل رسائلاً ورقيّة هذه الأيام ؟!)

لكن تاريخ الرسالة القديم والذي يعود لأكثر من عشرين سنة ماضية أثارت اهتمامه , فلم يجد نفسه الاّ وهو يفتحها .. وبعد قراءة محتواها, فهِمَ بأنها رسالة من أم الصبيّة لوالدها : حيث كانت تعاتبه فيها على اختطافه لأبنته والسفر بها لأستراليا بعد طلاقه منها مباشرةً.

وهنا تفاجأ بجاكلين وهي تسحب الرسالة منه بغضب :
- بأيّ حقّ تسرق أغراضي ؟!
- انا لم أسرق شيئاً , هي سقطت منك
- ومن أذن لك بقرائتها ؟!
ولكيّ يخفّف غضبها , أسرع بسؤالها :
- وهل انت ذاهبة لرؤية امك التي لم ترِها منذ صغرك ؟
فأخفضت رأسها بحزن دون أن تردّ عليه , فتابع هو اسئلته :

- حسناً ..هل تعرفين عنوانها ؟
بعصبية : وما دخلك انت ؟!!
- اسمعي ..لديّ معارف كثيرون في اميركا واستطيع مساعدتك في ايجادها , هذا إن كانت ما تزال حيّة
بعصبية : انا متأكّدة بأن امي بخير !!
- رجاءً ! إخفضي صوتك
- اسمع يا هذا .. انا لا اريد مساعدة منك ولا من أيّ أحد , استطيع ايجاد أمي بمفردي.

ثم التزما الصمت .. وانشغل هو بجوّاله بينما اتكأت هي على نافذة , غارقةً بأحداث الماضي بعد ان جافاها النوم .. لكنها عادت للواقع بعد ان مدّ يده اليها وهو يحمل قصاصة من الورق ويقول : 
- امسكي
- ماهذا ؟!

جاك : قمت الآن باتصالاتي مع مجموعة من الأصدقاء على الواتس اب , واستطعت بالنهاية إيجاد رقم مخبرٍ امريكي مُختصّ بلمّ شمل العائلات مع بعضها , وهو محترف بعمله ويمكنه مساعدتك.
بارتباك : إن كان خبيراً فحتماً أجرته ستكون باهظة الثمن بالنسبة لي 
- لا تقلقي , يمكنني مساعدتك في هذا الموضوع.
- لا شكراً , لقد ساعدتني بما فيه الكفاية .. و سأحاول تدبير أموري بنفسي.
- واين ستقيمين في اميركا ؟
- في الفندق.

- أعرف هذا لكن ايّ فندق , لأنني بحكم عملي قمت بالكثير من الحجوزات واعرف ايّاً من الفنادق يصلح لك.
بنبرة ساخرة : وماهو عملك اساساً ؟
بحزم : لا تغيري الموضوع , بأيّ فندق ستحجزين ؟

فأخرجت من حقيبتها منشوراً اعلاني عن فندقٍ ما.
جاك بقلق : لا ايّاك ان تذهبي الى هذا الفندق !!
بدهشة : لماذا ؟ هو على الأقل سعره مقبول.
- بالطبع ستكون الغرفة فيه زهيدة الثمن لأن معظم قاطنيه من تجّار الأسلحة والمخدرات و الأسوء من ذلك .. 
مقاطعة بقلق : ماذا تقصد ؟

- اسمعي .. في العادة يتواجد بعض سائقي سيارات الأجرة قرب المطارات يكونوا بالأساس منضمّين إلى بعض العصابات , ومهمّتهم تتمثّل في رصد السوّاح القادمون لوحدهم الى بلاد الغربة , ومن ثم ينصحوهم بهذه الفنادق الرخيصة , و من هناك يقومون بخطفهم .
بخوف : وماذا يفعلون بهم ؟! 
- يقتلونهم بعد أن يبيعوا اعضائهم الى تجّار الأعضاء البشريّة , لهذا ايّاك ان تذهبي الى ايّ فندق غير مرخّص من الدولة .
- وكيف عسايّ أن اعرف ؟ 

يفكّر قليلاً ثم يقول : 
- دعك من الفنادق .. انا سآخذك الى مكانٍ أفضل.
بتهكّم : وما ادراني ان لا تكون انت رئيس أحد العصابات ؟ 
فيتنهّد بضيق : افّ ماذا اقول .. سامحك الله .. الأفضل ان ندعّ الأمر الى حين وصولنا بالسلامة إلى وجهتنا.
***

وبعد ساعتين .. وصلا الى المطار ما قبل الأخير .
حيث اقترب منها جاك قائلاً : 
- جاكلين .. مازال امامنا رحلةً واحدة ونصل إلى اميركا.
- وهل عرفت كم المدة التي ستستغرقها رحلتنا الأخيرة ؟ لأنني تعبت للغاية.
- اربع ساعات فقط ونكون هناك.
تتنهد بضيق : حسناً , ليكن الله في عوننا.
***

وبعد أن صعدا الطائرة وجلسا في مقاعدهما بالدرجة الإقتصادية , أعلنت المضيفة بمكبّر الصوت عن مسابقة لشركة الطيران , حيث يفوز الشخص الذي يجد بطاقةً ذهبية تحت مقعده بكرسيّن في مقصورة الدرجة الأولى .
جاكلين وهي تنظر تحت مقعدها : لا شيء هنا .

وعندما رفعت رأسها تفاجأت بجاك يحمل البطاقة الذهبية , فشهقت بدهشة : هل فزت بالجائزة ؟!
- بل قولي فزنا كلانا بالجائزة .
بفرح : هل ستختارني انا ؟
بابتسامة : بالتأكيد يا رفيقة السفر.

ثم نادى المضيفة التي اعلنت للجميع اسميّ الفائزين وسط تصفيق الركّاب .. ومن ثم انتقلا إلى المقصورة الدرجة الأولى , وجاكلين تشعر بفرحٍ كبير 

وبعد أن جلسا في مقعدهما الواسع , قالت جاكلين بحماس :
- لا اصدّق اننا نجلس هنا يا جاك ! 
لكنه اكتفى بالإبتسامة ..

وهناك ..لاحظت جاكلين سرعة تعوّد جاك على المكان , فهو بسهولة عرف كيف يبسط كرسيه ليحوّله الى سريرٍ مريح , كما انه لم يجد صعوبة في استخدام الأزرار المناسبة لتغير التلفاز وغيرها من الخدمات.
جاكلين بدهشة : وكأنك جلست في هذا المكان عشرات المرّات ؟!
بغرور : وما يدريكِ .. ربما فعلت.
- يالِغرورك , انا متأكدة انك تطبّق ما شاهدته بإحدى فيديوهات الإنترنت , فلا تمثّل عليّ دور الرجل الغني .
فأجابها بلا مبالاة وهو يفتح المجلة (مستلقياً على سريره) : 
- حسناً , صدّقي ما تشائين .

فحاولت تقليده لكنها لم تعرف كيف تحوّل مقعدها الى سرير , وبعد أن لاحظ ارتباكها قال لها :
- نادي المضيفة ودعيها تساعدك.
جاكلين : ولما لا تساعدني انت ؟!
جاك بغرور : لأنني مشغول.
بعصبية : اصلاً انا لا اريد شيئاً منك .

ثم اخذت السمّاعات ووضعتها في اذنيها و أشاحت بنظرها نحو النافذة كي لا تراه , لكنه لم يهتم لذلك وظلّ يقرأ مجلته.
فقالت في نفسها : مابه تغيّر عليّ ؟! 

وبعد قليل .. ارتجّت الطائرة بسبب المطبّات الهوائية , فنهض جاك من سريره وأمسك بيد جاكلين مهدّئاً ايّاها , بعد أن ارعبها الموقف  
وبعد ان هدأ الوضع .
جاكلين بلؤم : اترك يدي يا جاك , فقد هدأت الطائرة.. مابك تنظر اليّ هكذا ؟ هيا عدّ الى سريرك.
- أهذا ذنبي لأنني خفت عليك ؟!
لكنها استلقت على جنبها الثاني مبتعدةً عنه.

- يا لكِ من فتاةٍ عنيدة ! على كلٍ , جيد اننا بالدرجة الأولى والاّ لكنت شعرت بالمطبّات بشكلٍ أعنف لو بقينا في الخلف.
فأجابته دون ان تنظر اليه : اصلاً اذا سقطت الطائرة فلن يهمّ ان كنت تجلس في الدرجة الأقتصادية او الدرجة الأولى .. فهيّا نمّ ودعني انام انا ايضاً .

وقد فاجئه عدم اهتمامها بالشكليات والماديات كغيرها من النساء , حتى بعد ان تكلّم مع سكرتيره (على الجوّال) وذكَرَ (بصوتٍ مسموع) الأرباح الخيالية لشركته بالبورصة , لم تهتم للأمر ايضاً !
لكن ما لا يعرفه جاك أن جاكلين لم تكترث للموضوع لظنّها بأنه يمثّل عليها دور الثري فقط لكيّ يلفت انتباهها .
***

وبعد ساعة .. نامت جاكلين وهي جالسة على كرسيها , ولم تستيقظ الا ووجهه فوقها تماماً , فأبعدته عنها بفزع : 
- ماذا تفعل ؟!
بعصبية : اهدأي يا غبية !! كنت احوّل لك الكرسي الى سرير كي ترتاحي في نومك
- لا اريد .. ابتعد عني !! 
جاك بغضب : يا الهي !! كم انت فتاةٌ صعبة , لن اساعدك بعد الآن.

فوقفت امامه , بعد ان عاد واستلقى على سريره.
جاكلين بعصبية وتهكّم : أيمكنك يا استاذ ان تعدّل جلستك كي اذهب الى الحمام ؟
بسخرية : الم تذهبي قبل قليل عندما كنّا في الخلف , ام انك تريدين استكشاف حمام الأثرياء ؟
بضيق : وما دخلك انت ؟!! ابتعد قليلاً كيّ أمرّ.
وذهبت الى الحمام وهي تلوّح بيديها بغضب .

وبعد أن عادت , قال لها بسخرية :
- جيد انك رتّبتي شعرك المنكوش , على الأقل لتكوني جديرة بالدرجة الأولى.
بغضب : وهل انت من دفعت لي ثمن هذه التذكرة من جيبك لتحكم على مظهري ؟!

وهنا أتت المضيفة ومعها عربة الطعام المخصّصة لمقصورة الدرجة الأولى , وقالت لجاكلين :
- لو سمحتي يا آنسة , اجلسي في مقعدك كي نضع لكما الطعام 

وبعد أن عدّل جاك كرسيه وجلست جاكلين متضايقة بجانبه , بدءا بتناول طعاماً فاخراً.
فقال جاك دون ان ينظر اليها : بالتأكيد هذه اول مرة تتناولين فيها طعاماً بهذه الجودة , اليس كذلك ؟
فتوقفت جاكلين عن الطعام وقالت له : مابك يا جاك ؟ حقاً مالذي حصل معك ؟ لما تغيّرت معاملتك معي حين انتقلنا الى هنا ؟

لكنه لم يجيبها بل اكمل طعامه دون مبالاة , فتابعت كلامها قائلة :
- انا اعرف ان المال يغير نفوس الناس كما يقولون , لكن ليس بهذه السرعة !
جاك بلؤم : عليك ان تُحسني التصرّف يا جاكلين ان كنّا سنكمل سويّاً ..
مقاطعة : ومن قال لك بأنني اريد ان اكون معك ؟!

ثم نادت المضيفة بعصبية .. وحين قدمت اليها , سألتها :
جاكلين بضيق : لو سمحتي , اريد العودة الى مقعدي بالدرجة الأقتصادية .
فقال جاك ساخراً : برأيّ تمسكي بهذه الفرصة فربما لن تتكرّر معك ثانيةً.
فوقفت جاكلين بغضب وأخذت حقيبتها الصغيرة وهي تقول للمضيفة :
- سأعود الى مقعدي بنفسي , و انت احضري اي رجلٍ عجوز من الخلف ليأخذ مكاني ويجلس بجانب هذا المغرور.

فضحك جاك ساخراً : سامحك الله يا جاكلين .. عجوز ! على الأقل اختاري لي سيدة جميلة أتسامر معها في الوقت المتبقّى من الرحلة 
فقالت جاكلين ساخرة للمضيفة دون أن تنظر اليه : اذاً دعي السيد يتمشّى في ممرّ الفقراء بالخلف , ويختار لنفسه امرأة حمقاء تناسب تفكيره العبقري !!

وهنا !! تفاجأت جاكلين والمضيفة بتشنّجات تصيب جاك الذي قام بالضغط على رأسه بألم .
فقالت المضيفة له : هل عاد اليك الصداع , سيد جاك ؟
فأومأ برأسه موافقاً بألم .. 
فسألت جاكلين المضيفة بقلق : ما به ؟!
المضيفة : هو بالعادة يُسافر على خطوطنا , و قد أخبرنا سابقاً بأنه يعاني من الصداع النصفي ولهذا يترك معنا أدويته احتياطاً .

ثم اسرعت المضيفة لإحضار مسكّناً وبعض الثلج له ..فاضّطرت جاكلين للعودة الى مقعدها بجواره ..لكنها لم تحتمل رؤيته يتألّم بهذا الشكل فبدأت بتدليك رأسه في محاولة منها للتخفيف عنه , بينما كان هو يأنّ من شدة الألم .. وبعد ان تناول الكثير من الأدوية , خفّ وجعه قليلاً ..واستند برأسه على كتف جاكلين , وصار يمسح دموعه بحزن :
- اتدرين يا جاكلين بأن طليقتي كانت تهرب الى السوق حتى لا تستمع الى صرخات المي .. ولهذا اكره النساء .

وبعد قليل .. نام جاك من شدّة التعب , وعادت جاكلين الى مقعدها في الدرجة الأقتصادية بعد ان اطمأنّت على صحته.
***

وقبل هبوط الطائرة .. اقتربت المضيفة من جاكلين وقالت لها :
- على فكرة يا آنسة .. لم تكن هناك مسابقة من الأساس
- ماذا تقصدين ؟
- السيد جاك هو من طلب مني اعلان المسابقة بعد ان دفع لنا ثمن مقعديّ الدرجة الأولى , لك و له .
- جاكلين بتعجّب : اليس ثمنهما باهظاً ؟!
- ليس عليه , فهو تاجر ثريٌ جداً .. والجميع يعرف ذلك , الم تشاهدي الأخبار الأقتصادية من قبل ؟
- وانا التي ظننته منّا ! .. لا يهم الآن .. (وحاولت تغير الموضوع) ..متى نهبط ؟ 
- بعد قليل .. من فضلك , اربطي الحزام .

وبعد أن ذهبت المضيفة ..قالت جاكلين في نفسها :
(انا بالفعل فتاةٌ منحوسة ! كم حلمت في الماضي بأن أتعرّف على رجلٍ ثري .. وهآ انا بعد ان جمعني الله به , قُمت بمضايقته بشتّى الطرق ورفضت مساعدته لي , فلا غرابة اذاً ان ينتقم مني بعدما انتقلنا الى بيئته المعتادة .. (تتنهّد) ..لا يهمّ .. عليّ التفكير الآن في موضوع البحث عن امي)
***

وبعد أن هبطت الطائرة .. انتظرت جاكلين ربع ساعة خارج المطار تحت المطر في انتظار ايّ سيارة اجرة تأخذها الى الفندق .. وهنا توقفت امامها سيارةٌ فارهة .. وحين فتح الباب , طلب جاك منها الدخول 
- هيا جاكلين اصعدي !!
- لا اريد شكراً لك.
- استعاندينني مرّة ثانية , هيا تعالي لآخذك الى الفندق فقد بلّلكِ المطر 
فركبت معه السيارة ..

جاكلين : وإلى اين ستأخذني سيد جاك ؟
- سيد جاك ! (بسخرية) .. ماهذا الإحترام المفاجىء يا جاكلين ؟
لكنها التزمت الصمت طوال الطريق .. 

وبعد نصف ساعة , قال السائق :
- لقد وصلنا سيد جاك 
وعندما نظرت من النافذة , شاهدت قصراً ضخماً.
بدهشة : واو ! أتعمل هنا ؟!
جاك ساخراً : نعم أعمل طباخاً , ولهذا يحضرونني من المطار بالليموزين
- آسفة لم اقصد .. لكن لما احضرتني الى قصرك ؟

- يعني يظلّ أكثر أماناُ من الفنادق .. وفي الداخل حاولي أن ترتاحي في غرفة الضيوف بينما أذهب أنا إلى المؤتمر , وعندما أنهي عملي سأوكل مهمّة البحث عن أمك إلى سكرتيري الخاص .
لكنه تفاجأ بردّة فعلها ! حين فتحت باب السيارة حتى قبل توقفها , 
وهي تقول للسائق بعصبية : توقف هنا !! 
فتوقف السائق بدهشة !

ثم نزلت جاكلين من السيارة وهي تجرّ حقيبتها (متوسطة الحجم) .. فحاول جاك ايقافها .
- يا مجنونة ! لماذا نزلتي ؟!
فاقتربت من نافذته (من الخارج) :
- انا لا اريد ان ابقى في قصرك .
- حسناً , لكن لماذا ؟!

- لقد عرفت انني غريبة في هذه البلد ولا احد ينتظرني هنا , لذلك تريد استغلالي , اليس كذلك ؟ لكنني يا استاذ لست بأمرأة رخيصة ولا احدى جواريك .. فاذهب ودعني بشأني !!
وقبل ان يُفهمها نيّته اتجاهها , قامت بإيقاف سيارة اجرة من الشارع , واستقلّتها مُبتعدة سريعاً عن القصر ..
***

وبعد شهر .. عادت جاكلين حزينة إلى بلدها بعد أن عرفت بوفاة والدتها بالسرطان في السنة الفائتة .. 

وفي الطائرة الثالثة في رحلة الترانزيت إلى استراليا , تفاجأت بجاك يجلس بجانبها في الدرجة الأقتصادية وهو يقول ساخراً :
- كيف حالك يا مجنونة ؟
بدهشة : أهذا أنت ؟! هل تعيش داخل الطائرات يا رجل ؟!
- ماذا افعل , أنا تاجر وأقضي نصف حياتي في السفر. 
بسخرية : ولما لم تحجز في الدرجة الأولى ؟
- لكيّ اراك .
- وهل كنت تراقبني ؟!
- بالحقيقة .. نعم
- وهل انت الذي دفع لي اجرة الفندق ؟
فالتزم الصمت , فقالت له :
- حسناً سأعتبره ديناً عليّ , و سأردّه لك بأقرب فرصة , وايّاك ان ترفض !!
- حسناً كما تشائين ... (ثم سكت قليلاً) آه تذكّرت .. أقدّم تعازيّ بوفاة والدتك.
فقالت بحزن : لم يقدّر لي أن آراها 

- هل يعني ذلك انك لن تعودي إلى اميركا ؟
- لا شيء عندي هناك , فلماذا اعود.
- وماذا عني ؟
- ماذا تقصد ؟
- قبل أن أُجيبك أريد أن ابرّر لك اولاً سبب غطرستي معك في مقصورة الدرجة الأولى بتلك الرحلة.
- لا يهم هذا الآن.
- لا ارجوك دعيني افضّفضّ لك.
- حسناً تكلّم.

- في بداية سفري كنت متضايقاً جداً لأنني لم اجد مكاناً لي في الدرجة الأولى , لكني لم اكن اعرف انها اجمل صدفة جمعتني بك , فأنت يا جاكلين لا تعرفين كم حياة الأثرياء مزيفة , فلا شيء حقيقي بحياتنا
- لم افهم !

- اقصد ان كل النساء الآتي تعرّفت عليهنّ في حياتي كنّ مزيفات , يحاولنّ ارضائي بكل الطرق من أجل المال و المجوهرات بما فيهنّ طليقتي السابقة التي احببتها بجنون .. حتى اصدقائي يا جاكلين يسمعونني كل ما يرضيني دون ان ينصحوني خوفاً على مناصبهم التي اهديتها اليهم ..فلا شيء حقيقي في حياتي , لكنك مختلفة عنهم جميعاً , فأنت امرأة طبيعية , نقيّة وعفوية , رفضّتي منصبي واموالي , ولم يغريك قصري الفخم , وتركتني فجأة ورحلتي , وبصراحة .. عندما تخلّيت عنّي إزدادت رغبتي بكِ

- لكنك لم تجبني بعد .. لما عاملتني بشكلٍ سيء في مقصورة الدرجة الأولى ؟
بتردّد : لأنني خفت.
- من ماذا ؟!
- من أن احبك .
- لم افهم !
- انا تعرّضت في حياتي للكثير من خيبات الأمل , خاصة بتجاربي العاطفية .. لهذا عندما احسسّت بأن قلبي بدأ يميل اليك...
فتُكمل عنه : أبعدتني عنك كي تحمي قلبك من ايّ المٍ مستقبلي , اليس كذلك ؟

- بالضبط !! لكني عدت وندمت على ذلك , ولهذا لحقت بك لآخذك إلى قصري كيّ اعوّضك عن سوء تصرّفي معك.
- طيب والآن ماذا تنوي ان تفعل بشأننا ؟
- اريد أن اعيش معك اجمل ايام حياتي .
- لكني لا اقبل أن اكون صديقتك وحسب.
- وانا اعرف هذا تماماً.

ثم ركع امام مقعدها , بينما تابعته أنظار باقي الركّاب بحماس :
- هل تقبلين الزواج مني يا جاكلين ؟

فسكتت بارتباك , وهنا صاح الركّاب يشجّعونها على القبول : 
حيث قالت لها عجوز كانت تجلس بالمقاعد المجاورة : هيا اقبلي يا ابنتي.
وقال رجلٌ آخر لها : هيا لا تدعي الشاب ينتظر طويلاً .. اقبلي طلبه .

ثم تصاعدت كلمات التشجيع في ارجاء الطائرة , فلم تجد نفسها الا وهي تقول بارتباك وفرحة : نعم موافقة .

وما ان وضع الخاتم الماسيّ في اصبع يدها , حتى صفّق لهما الجميع .. ولم تعي جاكلين ما حصل معها إلا بعد أن حضنها بحنان , وهمس في اذنها :
- اخيراً وجدتك يا نصفيّ الضائع.

تجارب أداءٍ مُريبة !

تأليف : امل شانوحة ليتني لم أمتلك صوتاً جميلاً ! بعد انتهاء القدّاس .. إقترب رجل بطقمه الرسمي من الشاب جوزيف قائد الجوقة الموسيقية ف...