الثلاثاء، 16 مايو 2017

البيت المهجور

تأليف : امل شانوحة

اريد ان اعيش في منزلٍ لائق !!

عادت (رؤى) الفتاة المراهقة , غاضبة الى بيتها (المكوّن من طابقين وحديقة صغيرة مُهملة) قائلة لأمها بغضب :
- علينا ان نجد بيتاً لائقاً نعيش فيه !! فلما الجميع يسكن بيوتاً جميلة ونحن نعيش دائماً في أطلالٍ خِرْبَة ؟!
- كل قومنا يعيش في هكذا بيوت , هذا قدرنا يا بنتي
- لا هذا غير صحيح !! فعمي يعيش مع عائلته داخل مكتبة ضخمة , و ابنة خالتي تعيش مع عريسها في قصرٍ بأعلى التلال
- على الأقل نحن نعيش تحت سقفٍ اسمنتي , و ليس في الغابات او في المجاري كغيرنا !

رؤى مقاطعة وبعصبية : و مالفرق امي ؟ مالفرق ؟!! انظري الى بيتنا , جدرانه خضراء عفنة و ابوابه متآكلة و نوافذه الحديدية صدئة و الهواء فيه مكتوم و رائحته لا تطاق , انا لن اعيش حياتي كلّها هنا يا امي !! 

فسمع الشاب زياد اعتراضات اخته قبل ان تصفق باب غرفتها بقوة , فقال لأمه : 
- امازالت تردّد الموّال ذاته ككل مساء ؟!
- نعم .. لكن هذا حال المراهقات هذه الأيام , لا شيء يعجبهنّ ..المهم هل اكلت ابني ؟
***

و عند فجر اليوم التالي .. تفاجئوا جميعاً بدخول اشخاصٍ الى بيتهم المهجور
فأسرعت ام زياد بخفّة و اوقظت ولديها  
رؤى وهي تستيقظ بخمول : امي ! لقد نمت قبل قليل , فلما توقظيني في الصباح الباكر ؟! 
فتهمس لأبنتها بينما يقف ابنها بجانبها بقلق : اخفضي صوتك , فهناك من يقتحم بيتنا !

و برعب تلصّص الثلاثة من بين اعمدة الأدراج نحو الطابق السفلي ليجدوا بأن هناك اماً و معها ابنتيها , احدهما صبية و الأخرى مازالت طفلة صغيرة في الثالثة من العمر

و حينها كانت الصبية (اماني) تقول لأمها متضايقة :
- لما قدمنا الى هذا البيت العفن يا امي ؟!
- وماذا نفعل بعد ان انهدم جزءٌ كبير من بيتنا بالحرب , ولا نملك المال الكافي للجوء الى بلدٍ مجاور او النزوح الى مكانٍ قريب .. ليكن الله في عوننا ..هيا لنضع اغراضنا هنا , و نفترش الأرض لننام قليلاً بعد طول المسافة التي مشيناها , ولا تنسي ان تربطي العربة بالخارج جيداً كي لا يسرقها احد , فهي كل ما تبقى لنا من ذكرى والدك
- رحمه الله .. جيد ان اختي مازالت نائمة , فنحن لا نملك القوة حتى لفتح معلّبات الطعام التي جلبناها من بيتنا 
- اذاً لنرتاح قليلاً ..و بعد ان نستيقظ من القيلولة , نقوم بجولة داخل هذا البيت
***

في الطابق العلوي.. 
ام زياد بقلق : يبدو ان الغرباء سيشاركونا منزلنا ! 
اخوها : واو ! ارأيتي يا امي تلك الصبيّة الجميلة ؟ تبدو لي فتاةً قوية 
رؤى بعصبية : هل هذا كل ما يشغل بالك ؟! الا يهمّك انهم سيحتلوّن نصف بيتنا ؟!
اخوها بسخرية : الم تكوني البارحة متضايقة من منزلنا العفن , الآن اصبحتِ خائفة من ضياعه ؟!
الأم بحزم : اسكتا يا اولاد !! و تعالا معي الى المطبخ
***

و في ظهر ذلك اليوم .. استيقظت الصبية وامها و الطفلة الصغيرة (في الطابق السفلي) بعد ان اشتمّوا رائحة الطعام الزكية الموضوعة فوق الصوان , في زاوية الغرفة قرب الأدراج
اماني برعب : امي انظري هناك , انه طعام ! .. من احضره الينا ؟! 
امها (وهي تُخفي خوفها) : ربما رآنا احد ونحن ندخل الى هنا , فأراد مساعدتنا ! هيا قرّبيه منّا لنأكله , فقد اتعبنا الجوع 

و اكلوه بنهم , بينما كانت العائلة (التي تسكن الطابق العلوي) تراقبهم بالخفاء 

رؤى وهي تهمس لأمها بضيق : هذا بدل ان نطردهم من بيتنا , اجبرتنا على ان نطبخ لهم ؟!
ام زياد : هم جيراننا , وعلينا ان نساعد بعضنا
زياد : طيب نحن بإمكاننا مساعدتهم , لكن هم كيف سيساعدوننا يا امي ؟!
تبتسم الأم : بأن يرتّبوا لنا بيتنا  
فنظر الأخّان لبعضهما بدهشة !
***

في الطابق السفلي..
ام اماني : الأكل لذيذ , اليس كذلك يا بنات ؟
اماني : لكن ينقصه الملح ! 
امها : قولي الحمد الله أن سخّر الله لنا أحداً يخدمنا , و الآن دعينا نقوم بجولة داخل البيت
الطفلة : اريد دخول الحمام امي
الأم : حسناً ..لنبحث عن الحمام اولاً
***

في منتصف النهار .. قرّرت الأم و ابنتها اماني الصعود الى الطابق العلوي بحذر لأن الأدراج متهالكة , فأسرعت العائلة (التي فوق) بالإختباء داخل غرفة صغيرة في آخر الرواق كي لا تراهما 


اماني بعد ان وصلت الى هناك تسدّ انفها بقوة : يا الهي ! الطابق العلوي اسوأ من السفلي بكثير يا امي
امها : يبدو ان المطر تسرّب من السقف الى كل الغرف العلوية , هيا دعينا ننزل الى الأسفل  
اماني : الن نكمل رؤية باقي الغرف ؟!
- لا , لأن رائحة العفن هنا لا تطاق.. هيا نعود الى تحت , فأختك لوحدها هناك
وعادا الى مكانهما في الأسفل..
***

وبعد ان ابتعدتا , خرجت العائلة المختبئة من الغرفة العلوية وهم يهمسون لبعضهم :
رؤى لأمها واخوها : اسمعتما ما قالته الأم ؟! .. الم اقترح عليكما سابقاً : ان ننزل كلنا ونعيش في الأسفل لأنه افضل قليلاً من طابقنا العفن , لكنكما لم تسمعا كلامي !
زياد بحزن : لقد تأخّرنا اختي , فقد فقدنا الجزء السفلي من بيتنا , واصبح ملكهم الآن !  
***

ومرّت الأيام.. كانت الأم وابنتها اماني يتناوبان في تنظيف وترتيب الطابق السفلي ومسح العفن عن جدرانه و ارضيته , وقد استطاعتا بصعوبة ترتيب الحمام والمطبخ , حتى بات الطابق السفلي قابلاً للعيش فيه
الأم بقلق : اليوم انتهت كلّ المعلّبات التي احضرناها من بيتنا القديم !
اماني : لكني جائعة جداً يا امي بعد تنظيفي للغرف .. ماذا نفعل الآن ؟  ..(ثم تتنهد بحزن) ..آه ليت الذي أطعمنا في المرّة الأولى ان يُطعمنا اليوم ايضاً !
امها : لن نعتمد على الحظ , سأذهب الى الخارج واطرق ابواب الناس , فربما يحنّ احدهم عليّ و يعطوني صحن طعام .. وانت ابقي مع اختك هنا 
اماني بقلق : ارجوك لا تبتعدي كثيراً و تقلقيني عليك , فالحرب مازالت دائرة في الخارج !
الأم وهي تُخفي خوفها : ليحمينا الله
***

بعد ساعة .. بدأت الطفلة الصغيرة تبكي من الجوع , واختها اماني تحاول الهائِها باللعبة القماشية

وقد ضايق صوت بكاء الطفلة ام زياد كثيراً , فقالت لأبنتها رؤى وهي تسترق النظر على الفتاتين من فوق 
الأم بقلق : علينا ان نرسل لهما بعض الطعام , فهما جائعتان وامهما لم تأتي بعد !
رؤى : لكنهما مستيقظتان الآن .. واذا قدّمنا لهما ايّ شيء , فسينكشف امرنا ! وهم ايضاً سيتضايقون من وجودنا بينهم 
زياد : ليت الصبية تنام قليلاً , لأتأمّل وجهها الجميل
اخته معاتبة : ستتأمّله جيداً ايها الرومنسي , عندما تموت البنت جوعاً


لكن فجأة ! ظهر صوت انفجارٍ قوي بالقرب من بيتهم المهجور , فركضت اماني للخارج بفزع بحثاً عن والدتها , تاركةً اختها الصغيرة لوحدها .. وعلى الفور انطلق زياد للحاق بها , غير آبهٍ بنداءات امه واخته 
وبعد ان ذهبا خارج المنزل ..

رؤى : يبدو ان ابنك مغرمٌ بالفتاة !
امه : المسكين ! سينكسر قلبه , فعلاقتهما مستحيلة .. 
رؤى : اخاف ان تلاحظ الصبية ملاحقة زياد لها 
امها : لا تقلقي , فأخوك ذكي ولن يجعلها تنتبه لوجوده .. المهم الآن , ان نستعجل ونضع لهم الطعام في الأسفل قبل عودتهم جميعاً
رؤى : ولما يهمّك امرهم يا امي ؟!
الأم بحزم : تعالي وساعديني دون اعتراض , هيا رؤى !!
***

ثم نزلتا سريعاً نحو المطبخ السفلي (لأنه بعكس المطبخ الموجود فوق يحوي فرناً حجرياً) فقامتا على عجل بعجن ارغفة الخبز مع عمل طبخة سريعة , لكنهما اضطرتا لترك الأكل بالمطبخ والأسراع الى بيتهم (في الطابق العلوي) بعد ان احسّتا بإقتراب بعض الأشخاص من المنزل..لكن الذي قدم لم تكن اماني وامها بل ثلاثة جنود من جيش العدو ومعهم اسلحتهم , وكانوا يتحدّثون فيما بينهم عن رغبتهم بتحويل هذا البيت المهجور الى مركزٍ لهم  

فسمعتهم ام زياد من فوق : اللعنة ! سيحتلّون بيتنا 
رؤى بخوف : امي , ماذا عن الطفلة التي تركناها لوحدها تحت ؟
الأم بقلق : يا خوفي ان يأذوا الصغيرة ! 
رؤى بخوف : و ما العمل الآن ؟!
فتفكّر الأم قليلاً ثم تقول : لابد ان نخيفهم !! هيا رؤى , لنُعيد ما فعلناه مع الأشخاص الذين حاولوا هدم بيتنا قبل سنوات .. اتذكرين تلك الخطة ؟  
رؤى تبتسم بخبث : نعم اذكر تماماً .. سأحضر كل الأدوات اللازمة لتخويفهم 
الأم : ليت زياد كان معنا ليساعدنا
***

في الطابق السفلي ..
لاحظ الجنود على الفور وجود الطفلة , نائمة في وسط الصالة 
الجندي بدهشة : من ترك هذه الطفلة لوحدها هنا ؟!
قائهم يبتسم بخبث : جيد , سنتسلّى بها لاحقاً .. والآن ليصعد احدكما ويرى المكان من فوق ان كان صالحاً للقنص على سكّان المدينة المجاورة 

وهنا يدخل الجندي الثاني من حديقة البيت قائلاً : سيدي , لقد وجدت عربة خشبية قديمة مركونة بالخارج 
القائد : جيد , سنستفيد منها ايضاً ..وانت !! اطلع و استكشف المكان فوق
الجندي : حاضر سيدي
***

وفور وصول الجندي الى الطابق العلوي اشتمّ رائحة العفن القوية , فأغلق انفه بقوة وهو يقول بضيق : اوه يا الهي ! الرائحة هنا سيئة للغاية
ثم بدأ يسمع اصواتاً مريبة تتزايد كلما اقترب ناحية الغرف 
***

وبعد قليل .. تفاجأ القائد والجندي الموجودان في الأسفل بنزول الجندي من فوق وهو يصرخ برعب :
- اهربا !! البيت مسكون !!!!
القائد بحزم : توقف ايها الجندي !! 
لكن الجندي خرج من المنزل راكضاً كالمجنون , غير آبهٍ بتهديدات قائده بالعقاب لمخالفته الأوامر

القائد بغضب : عندما اجد هذا الغبي سأعاقبه بشدة ..وانت !! اصعد الى فوق واستكشف المكان ..هيا !!
الجندي الثاني بقلق : حاضر سيدي
*** 

وعندما صعد الثاني الى فوق , شاهد اشياءً تتحرّك لوحدها بينما الأبواب تُصفق بقوة , فركض هو الآخر نازلاً على الأدراج برعبٍ شديد وهو يصرخ :
- اهرب سيدي و انجو بحياتك !!!
وهرب من المنزل سريعاً , دون ان يتوقف لإفهام قائده بما رآه فوق 


القائد وقد اعتراه الخوف : ماذا رأيا هناك ليخافا هكذا ! سأرى بنفسي
لكن قبل ان يصعد الأدراج , شاهد ملاءةً بيضاء تطير لوحدها من فوق باتجاهه , فركض هارباً من المنزل المهجور بعد ان ترك رشاشه قرب الباب الخارجي

فنزلت رؤى وامها من فوق وهما تضحكان على هرب الجنود 
رؤى : ممتاز !! فخدعة الشراشف تنجح دائماً مع هؤلاء الجبناء
امها بارتياح : المهم انهم لم يأذوا الطفلة الصغيرة , هيا لنضع امامها الطعام قبل ان يعود اهلها
***

وفور وضعهما للطعام قرب الطفلة (التي استيقظت من صراخ الجنود) توقفت الصغيرة عن البكاء بعد رؤيتها لرؤى وامها بجانبها..

وهنا دخل عليهم زياد ..
رؤى بفزع : أهذا انت ؟! اخفتنا يا اخي
زياد بسعادة : لقد استطعت انقاذ اماني , بعد ان إلتمّ حولها بعض الشباب الفاسدين الذين ارادوا اذيتها 
امه بقلق : وهل رأوك ؟! 
زياد : لا طبعاً امي , فقد اختبأت خلف الأشجار وصرت ارميهم بالحجارة هنا وهناك , حتى أفزعتهم وهربوا وتركوها بحال سبيلها .. لكن ليتك رأيتي  يا امي كم كانت المسكينة خائفة , و الله حزنت عليها كثيراً

اخته رؤى معاتبة : احمد ربك انهم لم يأذوك
زياد : وكيف يأذونني يا ذكية ؟ المهم الصبية قادمة خلفي , فلنسرع الى فوق قبل ان ترانا 
***

وبعد ان صعدوا ثلاثتهم الى فوق , رأوا ام اماني تدخل المنزل
زياد وهو يتلصّص على الطابق السفلي من بين اعمدة الأدراج : آه هذه امها ! ..(بقلق) .. طيب اين اماني ؟!
***

وقد غضبت ام اماني من ابنتها لتركها اختها الصغيرة وحيدة في المنزل : آه ! يا صغيرتي , اين اختك الكبيرة ؟! ..هل هي من احضرت كل هذا الطعام ؟!

وهنا تدخل اماني المنزل بملابسها الممزقة وآثار الدموع في عينيها , فأقتربت منها امها بقلق :
- من فعل بك ذلك ؟
اماني وهي تمسح دموعها : لا تقلقي امي ..لم يفعلوا لي شيئاً , لأن مجموعة من الأشخاص رموا عليهم الحجارة من كل مكان ! فهرب الملاعيين وتركوني 
الأم بارتياح : الحمد الله على السلامة , تعالي يا ابنتي
وحضنتها لتبكي اماني بقهر على صدر امها 

وبعد ان هدأت الصبية ..
الأم : الحمد الله الذي سخّر الله لك اناسٍ يحموك من هؤلاء المعتدين , لكن ما كان عليك ان تتركي اختك لوحدها و تلحقي بي ؟
اماني وهي تمسح دموعها : سامحيني امي , لكني خفت عليك بعد الأنفجار
الأم : وانا ايضاً خفت عليكم , ولذلك عدّت سريعاً الى هنا .. (ثم تتنهد) ..من الجيد انك احضرتي معك الطعام  

اماني بدهشة : ايّ طعام ؟! انا قدمتُ بعدك امي ! 
الأم متفاجئة : اذاً من اين اتى كل هذا الطعام الموضوع بجانب اختك ؟!
اماني : ربما هو الشخص ذاته الذي اطعمنا سابقاً , هيا دعينا نأكل يا امي فأكاد اموت جوعاً 

فأكلوا الطعام دون ان تشعر البنتان بخوف امهما من هذا الطعام الذي كان يظهر لهم فجأة من حينٍ وآخر ! 
***

وفي منتصف احد الليالي ..
ام زياد : اين اخوكِ ؟
رؤى : لا ادري ! سأبحث عنه

وبعد البحث هنا وهناك , وجدت اخاها يجلس بالقرب من اماني , التي كانت نائمة فوق لحافٍ على ارضية غرفة من غرف الطابق السفلي 
فهمست لأخيها بدهشة : ماذا تفعل هنا يا مجنون ؟!
زياد بضيق : رؤى , اذهبي من هنا !!
رؤى بنبرة تهديد : والله سأخبر امي عن افعالك 
***

ثم تصعد الى الطابق العلوي.. 
ام زياد : هآ هل وجدت اخاك ؟ 
رؤى : منذ ان انتقلت اماني الى غرفة لوحدها , وهي يبقى عندها طوال الليل يتأمّلها وهي نائمة !
امه بغضب : الغبي سيفضحنا !!
***

وبعد قليل .. يصعد زياد الى غرفته في الطابق العلوي , فتلحقه امه وتبدأ في عتابه ..
زياد : امي .. اظنني بدأت اُغرم بها !
امه : ابني هداك الله , علاقتكما مستحيلة .. انسى الموضوع
زياد بعصبية  : ولما يا امي ؟!! الم يتزوج خالي واحدة منهنّ ؟ 
- هذه حوادث نادرة يا زياد .. كما انك تعلم جيداً ما حصل لخالك , فقد اضطر المسكين للعيش في الغربة طوال حياته بعد ان اهدر قومنا دمه , وانا لن اتحمّل خسارة ابني الوحيد ..افهمت ؟!!
- لكن بلادنا كبيرة يا امي , ونستطيع كلنا ان نعيش بعيداً عن مجتمعنا المتشدّد 

- لا يا زياد , لأنه بالتأكيد سيجدك احدهم ذات يوم , وستكون نهاية علاقتكما سيئة ..ثم ما يدريك بأنها ستتخلّى عن نمط حياتها لأجلك ؟
- وماذا في حياتها غير الحرب و الوحوش البشرية والجوع والألم ؟ 
- الموضوع مستحيل يا بنيّ , فإيّاك ان تفتحه مجدداً
***

في الصباح.. بالطابق السفلي  
اماني : امي ! هذا الخبز طيبٌ جداً
امها : الغريب انني عجنت ثلاثة ارغفة فقط , على ما اذكر ! فمن اين اتى هذان الرغيفان ؟! حقاً لا ادري , لكنهما اطيب من خبزي بكثير !
***

بالطابق العلوي .. و بعد ان سمعت رؤى كلام ام اماني بالصدفة , قالت لأمها مُحذّرة : امي ! ارجوك توقفي عن مساعدة ام اماني بالطبخ , و الاّ أثرتي شكوكهم حولنا
امها : طيب سأحاول
***

في المساء..
تفاجأ كل من في البيت بصوت انفجاراتٍ متلاحقة قوية , هزّت لها اركان البيت المهترىء
اماني بعد ان اسرعت راكضة الى غرفة امها واختها الصغيرة , تقول بفزعٍ شديد : الطائرات تقصف منطقتنا يا امي , ماذا نفعل الآن ؟!!
امها بثبات : انا سأحمل الفانوس , وانتِ احملي اختك والحقاني .. هيا !! 
اماني وهي تبكي فزعاً : لكن الى اين ؟
امها : سننزل ونختبأ في القبو
***

في قبو المنزل .. 
اماني وهي تحمل اختها التي كانت تبكي بفزع : امي ..رائحة العفن في القبو اسوء من الطابق العلوي
امها : ليس امامنا الا ان ننام هنا .. سأعود الى فوق لأحضر لنا لحافين , وانتِ انتبهي على اختك .. سأترك الفانوس معكما

وبعد ان صعدت امها ..قالت اماني لأختها الصغيرة 
- ابقي بقربي , لأن القبو وسخ وربما مليء بالحشرات والفئران.. مفهوم يا حبيبتي 
***

وبعد ساعات..هدأت اصوات الإنفجارات , وابتعدت الطائرات المقاتلة عن المنطقة..
فصعدت رؤى الى الطابق العلوي , حيث عاتبتها امها على طول غيابها
ام زياد بغضب : اين كنت طوال هذا الوقت ؟!!
رؤى : لا تقلقي امي , انا لم اخرج من البيت ..لكن صوت الإنفجارات افزعتني , فاختبأت مع تلك العائلة في القبو
امها معاتبة : اختبأتي معهم ؟! اجننتي !!

رؤى : لم يروني يا امي , فأنا كنت نزلت قبلهم و اختبأت داخل الخزانة القديمة المرمية في الأسفل.. لكن الطفلة الصغيرة رأتني , وقد خافت مني في البداية , لكني صرت اقوم لها بحركاتٍ مضحكة في وجهي من بعيد , فابتسمت لي

زياد : ولما اصلاً خفتي , فالحرب لن تطالنا يا غبية 
رؤى : انت تعلم جيداً ان صوت الإنفجارات يُرعبني دائماً .. لكن من الجيد انني نزلت الى هناك , فقد قتلت جرذاً كبيراً كان متجهاً ناحية الطفلة , لكن لا تقلقا لم يشعروا بوجودي 
امها : جيد , لكن علينا ان نكون اكثر حذراً على تصرّفاتنا يا اولاد
رؤى و زياد : حسناً امي
***

وفي احد الليالي..
اقتربت سيارة اغاثة من المكان , فلمح المسؤول نورَ الفانوس من داخل البيت المهجور , فأوقف سيارته ودخل الى هناك وهو ينادي: 
- ايوجد احدٌ بالداخل ؟!!
***

وبعد حديث رجل الأغاثة مع عائلة ام اماني وابنتيها , طلب منهم ان يأتوا معه ليأخذهم الى المنطقة الآمنة من الحرب
فأسرعت الأم وابنتها بضبّ اغراضهم..

اماني متضايقة : اسنعيش مع باقي النازحين و نُشاركهم خيامهم ؟!
امها : احمدي ربك بأننا سنبتعد اخيراً عن منطقة الحرب 
اماني بحزن : مع اننا عشنا شهراً واحداً في هذا البيت المهجور العفن , الا انني سأشتاق اليه ؟! 
امها : وانا ايضاً .. مع انني احياناً كنت اشعر بأنفاسٍ موجودة معنا في البيت , لكني لم اخبرك بذلك كي لا اخيفك يا ابنتي

اماني : اعرف امي , فأنا كنت اشعر دائماً بوجود احدٍ يراقبني في غرفتي , لكني مع هذا سأشتاق الى هذا المكان , فهو على الأقل كان بيتنا لوحدنا
امها : ماذا نفعل , هذا قدرنا .. (تتنهد) .. هيا بنا , فقد اخذت كل اغراضنا .. والآن احملي اختك والحقيني , فالرجل ينتظرنا بالسيارة 
***

وبعد ان تركت عائلة اماني البيت المهجور ..
وفي الطابق العلوي ..
ام زياد : اين اخوك ؟
رؤى : يجلس حزيناً في غرفة اماني .. المسكين ! لقد احبها بالفعل
امه : وانا حزينة ايضاً , فقد كنت اساعد الأم بالطبخ بالخفاء , و اتسلّى قليلاً
رؤى : وانا كنت الآعب الطفلة احياناً , كما كنت احب سماع قصص الأم لبناتها في المساء .. المهم , سأذهب الآن وارتّب اغراضي
امها : و الى اين ذاهبة ان شاء الله ؟!
رؤى : سأنتقل للعيش في الطابق السفلي , فقد اصبح الآن نظيفاً وخالياً من رائحة العفن 

وهنا سمعها اخوها الذي كان يصعد الأدراج 
زياد : جيد ! يعني قبلتي اخيراً ببيتنا المتواضع يا مغرورة ؟
رؤى بعناد : لا طبعاً !! هذا حلٌ مؤقت .. فطموحي هو ان اعيش مع فتى احلامي بإحدى القصور التي لا يتواجد بها سوى انا و هو
زياد بسخرية : سيأتي يوم وتقتنعي بأنها احلامٌ خيالية

امها : اتركها تحلم يا زياد , وانا بدوري سأدعو لها بأن تتزوج كبنات خالتك وتعيش كالأميرات
رؤى بحماس : نعم هكذا يا امي !! ادعي لي دائماً

ثم اخذت رؤى اغراضها و ذهبت تطفو مُحلّقة بخفّة نحو الطابق السفلي كجنيّةٍ مُتمرّدة

تجارب أداءٍ مُريبة !

تأليف : امل شانوحة ليتني لم أمتلك صوتاً جميلاً ! بعد انتهاء القدّاس .. إقترب رجل بطقمه الرسمي من الشاب جوزيف قائد الجوقة الموسيقية ف...