الثلاثاء، 11 أبريل 2017

اعدام بريء

تأليف : امل شانوحة


اعدام,كرسي,كهربائي,زوجة,خيانة,محقق,قضية,ظلم,ضمير
هل استحق الإعدام بالكرسي الكهربائي ؟!

بعد ان انتهى رجل الدين من ترتيل بعد آيات الأنجيل , خرج من تلك الغرفة الضيقة تاركاً السجين و هو يرتعد فوق الكرسي الكهربائي .. ليقترب منه حارس السجن (الموكل بتنفيذ المهمّة) :
- سيد جيمس .. هل لديك طلبٌ أخير قبل اعدامك ؟

بصوتٍ مرتعش : اريد ان اكلّم المحقق الذي قبض عليّ
- تقصد الضابط جون .. هو يشاهدك الآن من خلف الزجاج المعتم , سأدخله اليك

و بعد قليل .. اقترب منه الضابط و هو يقول بلا مبالاة :
- ماذا تريد مني يا جيمس ؟
- اقترب قليلاً .. هيا لا تخف , فكل جسمي مقيّد بهذا الكرسي اللعين

و عندما اقترب , همس له بغيظ و غضب :
- ابحث عن قاتل زوجتي و اعدمه بهذا الكرسي , و ربما حينها اسامحك على غلطتك الشنيعة بحقي !!

و كان هذا آخر ما قاله السجين قبل ان يطلق صرخته الأليمة التي هزّت صداها اركان عنبر المحكوم عليهم بالإعدام
***

في المساء .. عاد المحقق الى منزله بعد ان كرّمته ادارة الشرطة بميدالية لقبضه على السجين الهارب منذ ثلاث اسابيع (و المتهم بقتل زوجته)

لكن جملة السجين الأخيرة سلبت منه فرحة النصر , و اشعرته بشعورٍ خانق منعه من النوم طوال الليل , حيث صار يردّد في نفسه :
- من الغير معقول ان يكذب الشخص قبل دقائق قليلة من موته ! هل ممكن انني تسبّبت في اعدام شخصٍ بريء ؟! 
***

و قبيل الفجر .. عاد و استيقظ مجدداً 
- لا !! هذه ثالث مرة استيقظ فيها بهذه الليلة الكئيبة ! من الأفضل ان اشرب بعض القهوة , علّها تخفّف قليلاً من الم صداعي 
***

و في غرفة مكتبه .. جلس يتأمّل الصندوق المغلق الذي وضع فيه كل ملفات القضية , ليسلّمه في الغد الى ارشيف الشرطة بعد ان اغلقت القضية بإعدام القاتل .. 

لكن بعد دقائق .. قام بإخراج الملفات من جديد , و جلس يراجعها مراجعة أخيرة , علّه يخفّف من شعوره بالذنب تجاه ذلك الرجل 

- يا ترى اين اخطات ؟! المشكلة ان كل الأدلة تشير اليه .. فموظفة البنك شهدت بأنه سألها عن بوليصة تأمين حياة زوجته قبل يومين من مقتلها.. و ايضاً جارته قالت بأنه كان يعنّف زوجته من وقتٍ لآخر..اصلاً ان كان بريئاً , فلما هرب اثناء نقله الى المحكمة ؟!  لا !! انا اكيد انني لم اخطأ بشأنه .. طيب لما كان يصرّ بالتحقيق بأنه وجدها مضرّجة بالدماء بعد عودته من عمله , و انه حملها الى سيارته بنيّة اخذها الى المستشفى , ظنّا منه انها مازالت على قيد الحياة , لولا ايقافه من قبل الدوريّة التي قامت بتسليمه الى العدالة ... المشكلة ان الدوريّة كانت متواجدة فعلاً على مفرق الطريق المؤدي الى المستشفى , فهل كان يقول الحقيقة ؟! .. اللعنة !! يبدو انني وضعت كل جهدي للقبض عليه بعد هروبه , بدل ان احقّق باحترافية اكثر في القضية !
***

و مرّت الأيام و الأسابيع ..كان المحقق قد اخذ اجازة من عمله كي يعيد البحث في هذه القضية (دون معرفة رؤسائه بذلك) .. لكن بعد ان وصل الى طريقٍ مسدود , طلب من رئيسه ان يسمح له بدخول شقة المغدورة من جديد
- و لما تريد الذهاب الى هناك يا جون , فقد اغلقنا القضية ؟!
- رجاءً سيدي , دعني انهي شكوكي كيّ ارتاح
***

و عندما دخل الى هناك .. بدأ يبحث مجدّداً هنا و هناك و بدقة بالغة الى ان وجد شعرة شقراء اللون , واقعة فوق السجادة الصغيرة الموجودة قرب سريرها
- ما هذه ؟! شعرة شقراء ! لكن كلا الزوج و الزوجة شعرهم اسود ! 
***

و في مكتب التحقيقات .. ظهرت نتيجة تحليل (دي أن ايّ) .. و حين  وضع المحقق البيانات في الكمبيوتر , ظهرت بيانات شابٍ اشقر كان له ملفاً قضائي بتهمة قيادة سيارته تحت تأثير الكحول

و لاحقاً امر المحقق بالقبض عليه .. 
لكن الشاب (آدم) اصرّ في كل جلسات التحقيق انه دخل الى شقة القتيلة قبل ايام من موتها لغرض ترتيبها , فهو يعمل ضمن شركة تنظيف 

الاّ ان سجلاّت الكاميرا اظهرت انه قدِمَ اكثر من مرّة الى المبنى خلال الشهرين الفائتين على مقتل السيدة .. كما لم يظهر من سجلات شركة التنظيف (التي يعمل لديها) بأن احداً من سكّان المبنى اتصل فيهم خلال هذه المدة لأخذ موعد تنظيف , سوى القتيلة قبل يومين من مقتلها 

و على ضوء الأدلة الجديدة اُعيد فتح القضية .. 
***

و بعد شهرين من المحاكمة .. صدر الحكم على آدم بالإعدام , خاصة بعد ان رفض تبرير زياراته المتكرّرة لذلك المبنى
***

و في يوم الإعدام .. انهار الشاب باكياً , بينما كان المحقق يشاهده من خلف الزجاج المعتم
آدم و هو يبكي بحرقة : انا بريء !!! و الله لم اقتل احداً , صدّقوني !!!
و ظلّ يردّد هذه الجملة الى ان اعدم بالكرسي الكهربائي
***

و بعد ان خرج المحقق من بوابة السجن , رأى سيدة تركن سيارتها بتهوّر , ثم تركض باكية باتجاه البوابة .. فأوقفها المحقق :
-هاى !! الى اين تذهبين يا امرأة ؟
بصوتٍ متهدّج و الدموع تسيل على خديها : ارجوك دعني ادخل , يجب ان اوقفهم قبل ان يعدموا شاباً بريئاً 
- اتقصدين آدم ؟
- نعم
- لقد اُعدم قبل قليل

فانهارت على الأرض باكياً بحسرة , فاقترب منها المحقق :
- هل انت قريبته ؟
فقالت بتردّد : لا ..هو عشيقي , و انا اسكن في نفس مبنى القتيلة
المحقق بدهشة : اتقصدين انه كان يأتي الى المبنى لزيارتك ؟!

- نعم .. اظنه لم يخبركم بذلك خوفاً من ان يقتلني زوجي , فأنا كنت اشكي له دائماً قسوة زوجي و غيرته الخانقة 
بصدمة و غضب : و لما لم تخبريني انتِ بذلك , قبل ان نعدمه ؟!!
- كنت مسافرة مع زوجي الى الخارج .. و اليوم صباحاً عدنا لشقتنا , و اخبرنا البواب بالأمر .. اللعنة عليّ !! لقد مات حبيبي و هو يحميني

و تبكي بمرارة .. بينما ابتعد المحقق و هو يتمّتمّ مذهولاً :
- بل اللعنة عليّ , لقد اعدمت شخصين ظلماً !
***

عندما وصل الى بيته وجد رسالة تنتظره , و حين فتحها وجد بداخلها شريطٌ تسجيلي بصوت جيمس (السجين الذي اعدمه اولاً) و الذي قال :

((بما انك تسمعني الآن , فهذا يعني انك تسبّبت في اعدام شخصٍ ثاني .. لأني اوكلت صديقي بأن يرسل اليك هذا الشريط في هذا الوقت بالذات ..  و بصراحة اريد ان اعترف لك بشيء .. كنت محقاً بشأني .. أنا من قتلت زوجتي , طمعاً في مال التأمين على حياتها .. لكنك كشفت لعبتي  و اعدمتني .. و ان كنت تتساءل الآن : لما كنت انكر هذا حتى اللحظة الأخيرة من حياتي ؟ فهذا لكي اعلّمك درساً في الحياة .. اتذكر عندما  كنت تحقق معي , سألتك حينها سؤالاً : الا تشعر بتأنيب الضمير عندما ترسل شخصاً الى الإعدام ؟ و حينها اجبتني بغرور : ((فقط الحثالة امثالك يخطئون !! اما انا و من في مقامي , من المستحيل ان يعذّبنا ضميرنا يوماً لأننا لا نخطأ ابداً)) .. لكنك اليوم فهمت يا عزيزي بأن البشر جميعهم خطّائين بعد ان أعدمت شخصاً بريئاً .. و هآقد اصبحت يداك ملطّختان بالدمّ مثلي , و صار بإمكان روحي ان ترتاح وهي تراقبك تتعذّب بهذا الذنب طوال حياتك .. لقاءنا يتجدّد في الجحيم يا صديقي)) 

و انتهى الشريط بضحكة جيمس المجلّجة و الساخرة , تاركاً غصّة قويّة موجعة في قلب المحقّق 

تجارب أداءٍ مُريبة !

تأليف : امل شانوحة ليتني لم أمتلك صوتاً جميلاً ! بعد انتهاء القدّاس .. إقترب رجل بطقمه الرسمي من الشاب جوزيف قائد الجوقة الموسيقية ف...