الخميس، 30 مارس 2017

اين انت يا ابي !!

كتابة : امل شانوحة


رحلة البحث عن ابن الضابط التركي

(قصة مستوحاة من احداث حصلت في عام 1958 ابّان الحرب الأهلية بين القبارصة الأتراك و القبارصة اليونان) 
***

في ذلك الصباح .. خرج (مراد) لينادي على ابنه ذو 10 سنوات و الذي كان يلعب مع الخراف خارج المنزل , تاركاً زوجته ترتّب له حقيبة السفر و هي تبكي بقلق

- ابني تعال الى هنا , اريد ان اخبرك بموضوع مهم
لكن الأب لم يستطع قول شيء و كان يحبس دمعته بصعوبة حين فاجئه الصغير قائلاً بحزن :
- ستذهب انت ايضاً الى الحرب , اليس كذلك يا ابي ؟
اجابه بدهشة : و كيف عرفت ؟!
- كنت اسمع بكاء امي طوال الليل , كما ان ابن الجيران اخبرني البارحة ان اخاه الكبير انضمّ الى حركة فولفان
- صار اسمها الآن المقاومة التركية
بحزن : ليتك لم تكن ضابطاً يا ابي 
- هذا هو قدري , و عليّ اللحاق بالجيش بعد قليل
- استذهب اليوم ؟!

- نعم .. سيأتي جارنا محمد ليأخذني بعربته الى المدينة و هناك سيرسلوني لقيادة كتيبة في معركتنا ضدّ القبارصة اليونان , و قد نضّطر ايضاً لصدّ الهجمات المباغتة من الملاعين الإنجليز .. كان الله في العون .. المهم اريدك ان تكون رجل البيت بغيابي و ان تنتبه على امك و كذلك الخراف .. و ان رأيت ايّاً من جنود العدو يقترب من هنا , فأقتله على الفور !! و قد وضعت السلاح الذي علّمتك عليه انت و امك في درج المطبخ , استعمله ان احتاج الأمر لذلك .. (بحزم) ..افهمت !!

الولد يحاول ان يخفي خوفه : لا تخف يا ابي , سأدافع عن بيتنا .. وانت حاول ان تعود الينا بالسلامة
فينزع الوالد عقد التميمة الذي يضعه في رقبته و يلبسه لأبنه
الأبن : لا يا ابي , انت تحتاجها اكثر مني
- الله هو الحامي يا ولدي , لكن عدّني ان تعيد لي تميمة جدك عندما اعود من الحرب

الولد بحزم و الدموع تترقّرق في عينيه : سأحافظ عليها بروحي يا ابي , اعدك بذلك
و بعد ان تأتي العربة , يحضن الضابط ابنه و يقبّل رأس زوجته الحزينة , و يتوجه مباشرة الى جُبهة القتال 
***

بعد شهور طويلة قضاها الضابط مراد بقيادة كتيبته ضدّ اليونانيين استطاع اخيراً اعادة بعض المناطق القبرصية للسلطة التركية .. 

و في احد الليالي .. و فور تقهقر جيش العدو من المنطقة , تفاجىء مراد بخروج بعض جنوده من الخندق (الذي كانوا يختبئون فيه) لجمع الغنائم .. فأسرع خلفهم صارخاً :
- ماذا تفعلون يا اغبياء ؟! المكان مليءٌ بالألغام !!! 

و فجأة ! انفجرت عبوّة تحت ارجلهم , فمات جنديٌ على الفور , بينما اخترقت الشظيّة رأس الضابط الذي كان خلفه , فسقط مراد مغشيّاً عليه  و خرجت الدماء من جبهته بغزارة
***

و في ذلك المساء , في منزله بالريف .. خرج ابنه (بولنت) خلف احد الخراف التي هربت من الزريبة دون علم والدته 

و قد وجده اخيراً على مسافة بعيدة من المنزل .. و هناك تناهى الى سمعه صرخات امه , فظنّ بالبداية انها تناديه .. لكن ما ان اقترب اكثر نحو المنزل حتى توضّحت له بأنها صرخات استغاثة , فترك الخاروف و ركض بأسرع ما يمكنه , الاّ ان صوت الطلقتان الناريتنان اوقفته ! فاختبأ خلف الشجرة ليشاهد بقلق جنديّاً انجليزي و هو يساعد صديقه المصاب (بطلقٍ في قدمه) ثم ركبا الدرّاجة النارية و انطلقا بعيداً , بعد ان قام احدهم بفتح باب الزريبة لتهرب منه جميع الخراف 

و بعد رحيلهما .. مشى الولد بخطواتٍ متعثرة و خائفة باتجاه المنزل ليجد والدته مقتولة على ارض المطبخ و ثيابها ممزّقة , ويبدو انها اطلقت النار على احدهما لتحمي شرفها , فقتلوها على الفور
فأمسك بيدها و صار يبكي :
- لم استطع حمايتك , لم افي بوعدي لوالدي .. سامحيني يا امي !! 
***

بعد اسبوعين قضاهما مراد في المستشفى العسكري كان الأطباء قد فقدوا الأمل باستيقاظه من الغيبوبة , و اخبروا رئيسه بأنه من الأفضل ان يخبر اهل الضابط بوفاته
*** 

في هذه الأثناء .. كان ابنه بولنت يعيش عند العم محمد (جارهم الفقير) لكن سوء احواله المادية جعلت زوجته تصرّ على ارساله الى الميتم 
محمد بضيق : لكن يا امرأة , البارحة فقط عرفنا بوفاة والده , فكيف تريديني ان ارميه خارج بيتي ؟! 

زوجته بعصبية : كنا نقوم بواجبه كل هذه الأيام على امل ان يردّ لنا والده ثمن اتعابنا , لكن بعد ان احترق منزلهم بقنبلة قبل يومين و اختفاء خرافهم و موت والده الضابط , فلا حاجة بأن نزيد مصاريفنا على ولدٍ يتيم .. ارسله الى الميتم , و لن يلومك الجيران بعد ان سمعوا البارحة صراخه الهستيري  

- من الطبيعي ان يفقد اعصابه بعد معرفته بخسارة كلا والديه.. علينا ان نصبر عليه قليلاً .. 
زوجته مقاطعة و بحزم : لقد كسّر نصف اطباقي ! و انا لست مضّطرة ابداً لأن اعيش مع هذا المجنون الصغير .. هيا ارسله الى هناك .. و حالاً .. اسمعت !!
***

و بعد عدّة ايام .. دخل رجل بصحبة زوجته الحامل الى المستشفى 
الجندي : يا اخ .. ممنوع الدخول , فهذا مستشفىً عسكري
الرجل بارتباك و قلق : اعرف يا اخي , لكن كما ترى زوجتي تلد الآن  و لا يوجد مستشفى قريب سوى هذا , ارجوك ادخلنا

و في الداخل .. استلقت المرأة على السرير المجاور لسرير الضابط المصاب , بينما راقب زوجها مراد بقلق , فقال له الطبيب  - لا تقلق , هو بالغيبوبة منذ قرابة شهر ..و نحن بانتظار موته كي نزيل عنه اجهزة التنفس 

لكن صراخ المرأة اثناء الولادة و من ثم صراخ الطفل جعلت الذكريات تعود الى ذهن مراد النائم ! فقد تذكّر يوم حمله لطفله اوّل مرة , و هذا ما جعل الدمعة تسيل على خده , و التي لم يلاحظها سوى الممرضة التي قالت للدكتور بدهشة :
- انظر كيف يبكي هذا الضابط و هو ميت !
الدكتور بارتياح : هذا لأنه بدأ يستيقظ .. يالها من معجزة !

و بالفعل بعد ايام ..كان الضابط في طريقه نحو الشفاء من اصابته
***

اما هناك في دار الأيتام ..فكان بولنت يعاني الأمرّين , سواءً من البرد القارص في المهجع , ام من سوء التغذية ..لكن الأسوء كان مشاجراته الدائمة مع رفقائه بالميتم حينما يحاولون اقناعه بموت ابوه , فهو رغم مرور كل هذه الفترة الا انه لم يقتنع بعد بخسارة والده , و كل من يتفوّه بذلك او يحاول نزع التميمة من رقبته كان يضربه بعنف , و هذا ما كان يسبّب له العقوبات القاسية من الإدارة سواءً بحرمانه من وجبة الغداء او حبسه في غرفة الفئران بالقبو , الى ان اصبح بولنت ولداً شاحباً و هزيلاً
***

بعد خروج الضابط من المستشفى كرّمه قادته بوسام الشجاعة الذهبي مع احتفال صغير في غرفة القيادة 
و بعد الحفل ..
اللواء احمد : هآ مراد , ماذا تنوي ان تفعله الآن ؟
مراد : هل تسمح لي بالإستقالة ؟

اللواء متفاجىء : لا طبعاً ! لست مستعداً للتخلّي عن افضل رجالي و نحن في خُضمّ المعارك
- سيدي ارجوك , انا مازالت متعباً .. كما اننا حالياً منتصرون , فدعني اذهب الى قريتي لأرى عائلتي فبالي مشغولاً عليهم , لأن زوجتي لم ترسل لي رسالة واحدة منذ قدومي الى هنا و هذا ليس من عادتها .. رجاءً سيدي

يفكّر قليلاً ثم يقول : اذاً اسمع .. سأعطيك اجازة شهر لتراهم و تطمئن عليهم ثم تعود مباشرةً الى هنا .. ماذا قلت ؟!
يسكت مراد قليلاً ثم يقول : حسناً سيدي كما تشاء .. يكفي ان اراهم بخير
***

في مبنى الأيتام .. يقترب الطبيب من بولنت القابع في القبو المعتم و الذي كان يسعل بألم مع ارتفاع حرارته
و بعد ان فحصه , سأله مدير الميتم بقلق :
- هل هو مصاب بالسلّ ؟!
الطبيب معاتباً : ليس بعد , لكن ان بقيّ في هذا القبو الرطب , فربما يصاب به 
- و ماذا افعل ان كان ولداً مشاغباً و يحتاج الى عقاب من وقتٍ لآخر  

فكتب الطبيب اسم دواء على ورقة و اعطاها للمدير و قال :
- اولاً اخرج الصبي من هنا , ثم اشتري له هذا الدواء و دعه يداوم عليه .. و من الأفضل عزله عن بقيّة الأولاد حتى وقت شفائه  
و بعد ذهاب الطبيب , قال المدير لموظفه 
- اسمع .. خذّ هذا الولد الموبوء و ارمه خارج الميتم 
الموظف متفاجىء : هل ارمه في الشارع و هو مريضٌ هكذا ؟!
بعصبية : و ما دخلي انا !! ارمه للخارج قبل ان يعدينا جميعاً بمرضه اللعين  
***

بعد اسبوع .. كان الضابط مراد يقف عند باب جاره محمد غاضباً 
- هل رميتم ابني في الميتم ؟!
فأقتربت منهما زوجة محمد الخائفة :
- آسفة سيدي .. كنّا نظنّك ميتاً ! 
مراد بغضب : و بدل ان تشفقا على الولد اليتيم , رميتماه في الشارع ! لعنة الله عليكما .. (و بنبرة تهديد) ..عندما اجده سيكون عقابكما عسيراً !!!
ثم ذهب الأب فوراً الى دار الأيتام (في البلدة القريبة من قريته) للبحث عن ابنه 
***

و هناك .. جنّ جنون مراد تماماً عندما عرف من حارس الميتم ان المدير (الذي انكر معرفته ببولنت) قام بطرد ابنه من الميتم و هو يحتضر من شدّة المرض .. فأسرع عائداً الى المكتب ..و كان على وشك ان يحطّم وجه المدير لولا تدخّل الموظفين لإبعاده عنه
***

و مرّت الأيام ببطأ على الوالد الذي كان يبحث عن ابنه ليل نهار , و على بولنت ايضاً الذي كان ينام كالمتشردّين في زوايا الدكاكين التجارية محاولاً تدفئة نفسه من البرد القارص , و قد اعتاش على فتات الطعام التي يعطيها له المارّة .. و يبدو ان بعده عن الميتم رفع من معنوياته فتحسّنت صحته تدريجياً

و في غضون ذلك ..كان الأب يبكي كل يوم عند قبر زوجته التي دفنها الجيران قرب بقايا منزله المحترق 
***

و في احد الأيام .. مرّ احد رؤساء الأحزاب التركية المناضلة مع معاونه قرب بولنت النائم على جانب الطريق
الرئيس : انظر الى هذا الصبي , يكاد يتجمّد من البرد
معاونه : يوجد الكثير من اولاد الشوارع هذه الأيام 
- اذاً ماذا تنتظر ؟ اجمع هؤلاء الأولاد و جنّدهم في حزبنا
معاونه بدهشة : لكنهم اولاد دون سن 18

- و هذا افضل , فهم اولاد لا اهل لهم ..كما انه في ظلّ الفوضى التي تتزداد هذه الأيام يمكننا استخدامهم في الصفوف الأمامية لحرب الشوارع التي نخوضها مع اليونانيين و الإنجليز .. هيّا !! مابك تجمّدت في مكانك ؟! احضر جميع المشرّدين الى مبنى حزبنا .. و بعد ان تطعموا هذا الولد و امثاله , ابدأوا بتعليمهم كيفية استخدام الأسلحة
***

انتهت عطلة الضابط مراد دون ان يجد ابنه , و كان عليه العودة الى جبهة القتال .. لكنه اوصى اصدقائه في القرية بالبحث عن ابنه , و اخباره فوراً برسالة في حال وجدوه 

و قبل ان يركب العربة متجهاً الى المدينة , اقترب منه رجل قائلاً :
- آسف سيدي , لكني سمعت كلامك مع صديقك بالصدفة .. كل ما اعرفه ان هناك رئيس لإحد الأحزاب التركية يجمع المتشرّدين  و يجنّدهم ضمن صفوفه , و يقال ان من بينهم اولاد .. برأيّ اسأل عن ابنك هناك

فأسرع مراد نحو العنوان الذي اعطاه ايّاه هذا الرجل
***

و رغم ان الموظف في ذلك المبنى بحث لمراد اكثر من مرّة في ملفاته عن اسم ابنه , الا انه لم يجده ضمن المجنّدين الجدّد (من ابناء الشوارع) 
مراد بغضب : كيف لم تجد ابني ؟! اصلاً من سمح لكم بتجنيد الأطفال ؟!

بارتباك : سيدي انا لا دخل لي بالموضوع , انا مجرّد موظفٌ بسيط 
يصرخ مهدّداً : و الله سأبلّغ عنكم القيادة العليا , و اوقف هذه المهزلة !!

و بعد خروجه من المبنى , وجد حافلة مليئة بالمراهقين الذي جنّدهم رئيس الحزب .. فدخل اليها باحثاً عن ابنه , لكنه لم يجده من بينهم
فقال له السائق : نحن ذاهبون الى المعركة , فهل ستذهب معنا سيدي ؟
فأجاب مراد و هو يعدّل قبعته العسكرية بيأس : لم يعد بيدي شيئاً آخر افعله .. سأذهب معكم الى هناك 
***

و في هذه الأثناء بمبنى التجنيد .. يأتي مجنّدٌ مراهق و هو يمسك بقسوة ولداً على وجهه آثار الضرب , و قال لموظف الأستقبال : 
- آسف سيدي .. لكن ماذا افعل بهذا الولد المشاغب ؟
الموظف العسكري : و من هذا ؟!
- هذا بولنت اليتيم
فصرخ بولنت : بل انا بولت , ابن الضابط مراد اوغلو !!

فقال الموظف للجندي معاتباً : و لما لم تخبرني بوجوده معنا لأضمّ اسمه الى ملفّاتي  
الجندي : احضروه منذ ايام , و قد حاولت حينها ازالة العقد من رقبته فجنّ جنونه , فحبسته بالقبو
بولنت يصرخ بغضب : انا وعدت ابي ان اعيد له تميمة جدي , وان قلتم ان ابي ميت فسأقتلكم جميعاً !! 
فقال الموظف : ابوك فعلاً حيٌ يرزق , و قد سأل عنك قبل قليل
بولنت بدهشة : ابي كان هنا !

و اسرع ناحية النافذة (الموجودة خلف الموظف) و اخرج رأسه من بين القضبان الحديدية , و صار يصرخ بأعلى صوته و هو ينظر الى الحافلات الموجودة بأسفل المبنى
بولنت صارخاً : ابي !!! .. ابي انا هنا !! انظر الى فوق !!!

بينما كان الموظف و الجندي يحاولان جاهداً انزال بولنت من على النافذة , لكنه تشبّث بالقضبان بكل ما اوتي من قوة , و ظلّ يصرخ بعلوّ صوته

و في الأسفل .. كانت الحافلة التي يستقلّها والده على وشك ان تتحرّك , حين قال احد المجنّدين : 
- هل تسمعون هذا الصراخ ؟! من اين يأتي يا ترى ؟!
مجنّدٌ آخر : يبدو انه صوت ولدٌ صغير ... اظنه يصرخ من داخل المبنى !

و هنا تناهى الى سمع والده جملة ابنه :
- مراد اوغلو !!! انا ابنك بولنت !! تعال و انقذني يا ابي !!

و ما ان سمع ذلك حتى قفز كالمجنون من الحافلة , و ركض بأقصى قوته على السلالم باتجاه الطابق الذي يصدر منه صراخ الصبي

و في هذه الأثناء .. كان الجندي و الموظف قد استطاعا سحب بولنت من النافذة و رميه على الأرض .. ثم بدءا بركله و ضربه لتهدأة جنونه

و قد شاهد هذا والده فور دخوله الغرفة , و حينها صرخ صرخة هزّت لها اركان المبنى
- ابتعدا عن ابني ايها الملاعيين !!!!!

فانتفضا برعب مبتعدان عن الصبي الذي امتلأ جسمه بالرضوض   
و صار ابوه يمسح الدماء عن وجه صغيره , بينما كان بولنت يبتسم بسعادة لرؤية والده بخير

ثم نزع القلادة من رقبته و وضعها بيد والده قائلاً :
- هذه امانتك يا ابي , لقد حافظت عليها بروحي كما وعدتك

فضمّه مراد الى صدره و انهارا بالبكاء , لكن هذه المرّة كانت دموع الفرح و الإرتياح بعد رحلة العذاب الطويلة ! 

تجارب أداءٍ مُريبة !

تأليف : امل شانوحة ليتني لم أمتلك صوتاً جميلاً ! بعد انتهاء القدّاس .. إقترب رجل بطقمه الرسمي من الشاب جوزيف قائد الجوقة الموسيقية ف...