الجمعة، 5 أغسطس 2016

المشعوذة

تأليف : امل شانوحة

مشعوذة,بصّارة,مخطوبين,فراق,خطة,حيلة,حب,جامعة,زواج
الا تريد ان تعرف مستقبك ؟


هناك عند الشاطئ ..إقتربت إمرأة بردائها الأسود من الشاب الذي كان يسير مع خطيبته , و قالت لهما :
-  هل تريدان أن أبصّر لكما ؟

فردّ الشاب (دون أن ينظر إليها) :
-لا شكراً
-الا تريد أن أخبرك بأي شيء؟ ...عن المستقبل ...عن الحب..
-(فقاطعها بنبرة جدّية) : قلت لا !! رجاءً إذهبي من هنا
-المشعوذة : لا تقل لي إنك لا تصدّق بهذه الأشياء؟

...وهنا إقتربت خطيبته منها و قالت :
-الخطيبة : لا أحد يصدّق بكلام المشعوذين 
 - المشعوذة : سامحك الله يا بنتي انا لست بمشعوذة , أنا فقط إمرأة ذات بصيرة
 - الشاب : أرجوك دعينا لوحدنا
 -  خطيبته : نعم إذهبي ...ألا تفهمين ؟!!

..و هنا رنّ جرس هاتفها الخليوي فاستأذنت خطيبها للردّ على اختها , و أشارت إليه بأن يبعد المشعوذة .. ثم إبتعدت قليلاً عنهما .. فاستغلت المشعوذة أمر إبتعادها , و أقتربت مرة أخرى من الشاب و قالت له:
 - اسمع يا طيب

 -  الشاب : يا الهي ماذا تريدين يا امرأة ؟!
 -  إن كنت لا تصدّقني , فاسألني عن أيّ شيء يا زياد
 -  زياد : يا الهي ! كيف عرفتي إسمي ؟!
 - قلت لك أنا أعرف كل شيء , إسألني ...ماذا تريد أن تعرف ؟  
 - (زياد باهتمام) : حسناً بما إن خطيبتي مشغولة الآن , فسأسألك ..و إذا اجبتني اجابة صحيحة , فسأعطيك مبلغاً من المال ..
 -  حسناً.. ماذا تريدني أن أخبرك ؟
 -  بما انك عرفتي إسمي , أريدك الآن أن تخبريني بإسم أكثر بنت تحبني ( و كان يقصد خطيبته )

..فشردّت المشعوذة لثواني و هي تنظر في يده... بينما خطيبته تراقبها من بعيد بإشمئزاز , وهي تنظر لخطيبها نظرة عتاب على حديثه معها.. و هي لاتزال مشغولة باتصالها 
 -  فقالت المشعوذة : نعم .. إسمها ريما
فضحك زياد و قال لها :
 - لم توفّقي هذه المرة ..فإسم خطيبتي سميرة

فابتسمت المشعوذه , و أقتربت منه و همست في أذنه :  
 -  أنت سألتني من أكثر فتاة احبتك , و لم تسألني ما أسم خطيبتك
فاندهش زياد و قال :
 -  ريما من ؟!! ...أتقصدين صديقتي ايام الجامعة ؟!
 -  المشعوذة : نعم ..و لن تجد أحداً تحبك مثلها في حياتك كلها ..آه لحظة ! ..انا أرآها الآن تجلس بجانبك في منصّة العروسين ..نعم زياد !! ريما هي عروستك و نصيبك..
 -  زياد : ماذا تقولين ؟! ...انا عرسي بعد شهر 
 -  بالضبط !! بعد شهر تماماً... لكن ريما هي من ستكون عروستك

 -  كيف؟! أنا لم أرها منذ التخرّج .. أي منذ 5 سنوات , كما إنني لم أعرف أصلاً بإنها تحبني 
 - لكنها تحبك كثيراً , و ما زالت حتى الآن.. كما أرى بأن قلبها مكسور جداً بعد أن عرفت بخطبتك
 -  لكنها لم تتكلّم معي و لا مرة واحدة ! و كلما حاولت , كانت تبتعد عني .. فأحسست حينها بأني ثقيل عليها , و لذلك إبتعدت
 -  لا أبداً , هذا فقط لأنها بنت مؤدبة و خجولة

 -  هذا كلّه لا يهم الآن .. المهم هو كيف لي أن ارآها , و أنا لا أعرف شيئاً عنها ؟! 
 -  هي مازالت تذهب الى الجامعة مع صديقتها بين وقتٍ و آخر .. و غداً عند الساعة التاسعة صباحاً , ستجدها في كافتريا الجامعة تنتظر صديقتها هناك .. إذهب و حدّثها , فهي نصيبك ..صدّقني !!

..و هنا قاطعت خطيبته كلامهما (بعد أن أنهت مكالمتها التليفونية) ..و بدأت تصرخ في وجه المشعوذة :
 -  أما زلت هنا ؟! هيا إذهبي يا امرأة !! ..زياد ! لماذا تتكلم معها أصلاً ؟!

..فمدّ زياد يده الى جيبه , و أعطى المشعوذة مبلغاً من المال (دون ان تشعر خطيبته) ..ثم أشار لها بأن تذهب ( و هو مازال مصدوم من كلامها) 

فأخذت البصّارة المال , و هي تبتسم له إبتسامة تعني بها : ( إذهب الى ريما يا زياد ) .. ثم إبتعدت عنهما
***

و بعد أن ذهبت المشعوذة .. بدأ ذهن زياد يستعيد ذكريات الماضي و حبه القديم لريما , بينما ظلّت خطيبته تحدّثه عن تحضيرات العرس .. لكنه كان في عالمٍ آخر ! و لم يستيقظ من احلامه الا على صوت عتابها 
 -  خطيبته بعصبية : زياد !! أنا اتكلّم معك منذ ساعة , و أنت لا تجيبني ..ما بك ؟! 

 -  دعيني أوصلك الى منزلك , لقد تأخّر الوقت 
 -  ماذا ؟! لا ما زال الوقت مبكراً
 -  أرجوكِ.. أنا تعبٌ جداً
 -  لا يهمني .. أريد أن أذهب الى المطعم , فأنت لم تعزمني بعد...
 - ( مقاطعاً و بنبرة قاسية )  سميرة !! هيا لنذهب .. فرأسي يؤلمني
 -  افّ !! كلّ مرّة تخترع لي عذراً ..هذا و نحن مازلنا في أول الطريق , فكيف بعد سنين

.. لكن زياد فاجأها بأن تركها , و مشى بعيداً عنها..
 -  هاى !! أنا أتكلّم معك ...الى أين تذهب ؟!... زياد !!
 -  الى السيارة
 -  قلت لك ..لا اريد الذهاب !!
 -  (فيصرخ من بعيد) : إذاً إبقي !! ... أنا ذاهبٌ الى بيتي
 -  ماذا ؟! استتركنني على الشاطيء لوحدي ؟! .. (بازدراء) .. يالك من رجلٍ شهم

 - (بغضب) سميرة الى السيارة !! ..الآن !!!
 - (بسخرية) لا يا رجل , أخفتني حقاً .. إذا كنت تريد الذهاب , فاذهب لوحدك.. و أنا سأذهب بسيارة الأجرة
 -  (بعدم مبالاة) كما تشائين 
 - يا سلام !! 

ثم لحقته و قالت له بنبرة تهديد : اذاً إسمعني جيداً يا زياد ..إذا ذهبت الآن , فسأخبر أبي
 -  أتخيفينني بأبيك ؟
 -  نعم !! و عليك أن تخاف .. فهو بسبب اصراري عليه , وظّفك في شركته .. و بطلب بسيط مني !! سيطردك الى الشارع , من حيث اتيت 

 -  فأجابها بابتسامة باردة : حسناً , كما تريدين يا سميرة...إخبري أباك بإني مستقيل.. و الحمد الله ان صديقي عرض عليّ البار حة العمل في شركته , لكني كنت متردّداً بالقبول .. فشكراً لك لأنك اقنعتني بالموضوع..
 -  (بقلق) و ماذا يعني هذا الكلام ؟
 -  معناه ...إنك تستطعين أن ترمي خاتمك في هذا البحر الجميل , كما سأفعل أنا الآن !!

ثم شاهدته سميرة باندهاش , و هو ينزع خاتم خطوبتها و يرميه في البحر 
 و هو يقول لها بسخرية : مع السلامة يا حلوة... سلّمي لي على البابا

ثم ركب سيارته و انطلق.. بينما سميرة تكاد لا تصدّق ما حصل ! 
***

و رغم إن زياد فسخ خطوبته قبل شهر واحد من زواجه , إلا إن الغريب في الموضوع إنه لم يكن حزيناً بل على العكس كان سعيداً و مفعماً بالحرية ..فسميرة كانت مسيطرة عليه تماماً , و دائماً تمنّنه بقبول أهلها الأغنياء فيه... 

لكنه نسى تلك الليلة خطوبته التي دامت اكثر من سنة , و كل ما كان يدور في رأسه هو أيام الجامعة الجميلة , و ريما  و حبها البريء الجميل .. و صار يحدّث نفسه طوال الليل :

 -  يا الهي متى يأتي الصباح ؟ أكاد لا أطيق الإنتظار .. غداً سأذهب فور استيقاظي الى الجامعة.. آه يا ريما... كل هذه سنين تحبيني و انا لا أدري ! ...هل معقول إنه بعد شهر واحد يا ريما , ستكونين زوجتي ؟! و الله ان كان هذا صحيحاً , فأعدك يا صغيرتي بأن اعوضك عن كل سنوات الفراق
***

و في الصباح.... كان زياد ينتظر منذ الساعة الثامنة في كافتريا الجامعة .. 
و مرّ الوقت و أصبحت الساعة التاسعة و النصف , و بدأ خوفه يزداد بأنها لن تأتي.. و بدأ يحدّث نفسه :

-يا الهي ! ماذا فعلت يا زياد ؟! أمعقول ..أنا المهندس المتعلم أصدّق بكلام مشعوذة ؟! .. ماذا فعلت ؟! لقد افسدت كل شيء.. عرسي كان بعد شهر , و قد قمنا بإرسال بطاقات الدعوة للجميع ..لكن بحماقتي أنهيت خطبة سنة كاملة بسبب كلام غجرية .. يا الهي ما أغباني !! كيف أستطيع إصلاح ما فعلت ؟! أكيد سميرة أخبرت والداها البارحة بالذي حصل بيننا .. يا سلام يا زياد ...أصبحت الآن بلا عمل و لا زوجة .. لا و الأدهى من ذلك لو عرف الناس السبب الحقيقي لفسخي للخطوبة , و الله سيضحكون عليّ.. و سيقولون : مهندس و يصدّق بكلام المشعوذين ..افّ !! اصلاً لماذا مازلت هنا ؟ ماذا أنتظر بعد ؟ عليّ أن أذهب فوراً , لأرى ما يمكنني إصلاحه..

...وعندما همّ بالذهاب رآى ريما و هي تدخل الى الكافتريا , غير منتبهة لوجوده .. فعاد و جلس في مقعده و صار ينظر إليها من بعيد .. بينما كانت تنظر هي في ساعتها بانتظار صديقتها... 
فقال في نفسه :

- يا الهي ! مازالت كما هي.. جميلة و خجولة.. كيف تركتها يا زياد تذهب من بين يديك ؟! سأذهب و أتكلم معها , لكن هذه المرّة بجرأة , فأنا لن أهرب من الموقف مجدداً 

ثم أقترب منها و فاجأها قائلاً :
 - كيف حالك ؟
..فنظرت إليه بإستغراب , و كأنها لا تصدّق ما تراه.. و أجابت بتلعثم :
 -  من ؟!  زياد ..لا أصدّق !
 -  إشتقت إليكِ
..فقالت بإرتباك و بصوتٍ خافت :
 -  و أنا

..فعاد و قال بكل ثقة , و هو يتذكّر كلام المشعوذة :
 - هل تتزوجينني ؟
فجاء سؤاله كالصاعقة عليها ..فأجابته و هي مصدومة :
 -  نعم.. لكن !
 -  لكن ماذا ؟
 -  سمعت إنك خطبت ابنة السيد..
 -  (مقاطعاً) نعم كنت... (ثم سكت قليلاً).. أمازال بيتك في آخر الشارع يا ريما ؟
 -  نعم !
 -  إذاً سآتي أنا و أهلي لعندكم الليلة
( فاحمر وجهها خجلاً ) و قالت له :
- اهلاً و سهلاً 
ثم ذهبت مسرعة من شدة الخجل 
***

و فعلاً و بعد شهر من الزواج , إلتقت ريما بصديقتها في كافتريا الجامعة ...
و بعد ان سلّمت عليها , ضحكت صديقتها وهي تنظر الى ريما : 
 -  آه منك يا عفريتة.... هآقد حصلت على ما تريدين , و نجحت خطتك الشريرة..
 -  ريما : ما كنت سأنجح لولاك يا مشعوذتي الغجرية

و اغرقا في الضحك

العين الحسودة

تأليف : امل شانوحة معاناة من ابتُليّ بهذه الموهبة المؤذية  لم يعلم سمير بقدراته المدمّرة الا في السن التاسعة .. وكانت اول تجاربه مع ...